الفصل 40 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الأربعون 40 - بقلم روز امين

المشاهدات
32
كلمة
7,244
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

انتفض من نومته وجلس يتطلع إليها بفزع وعيناه جاحظتان من شدة هلعهما. صاح بنبرة حادة: _وجعتك سودة ومجندلة على نفوخك ونفوخ اللي جابوكِ. عتخرفي وتجولي إيه يا بت المركوب إنتِ؟! ارتعبت أوصالها وارتجف جسدها من هيئته ونظراته التي تطلق شزراً ولا توحي بخير أبداً. لكنها ادعت الثبات وتحدثت بلامبالاة وتعجب مصطنع: _فيه إيه يا أخويا، مالك قلبت وشك كده ليه وكأني قولت لك على خبر وحش!

قفز من فوق سريره وتحرك إليها وأمسك ساعدها وقام بلويه وضغط عليه بشدة. تحدث بنبرة حادة: _بلاش تعملي عليا الشويتين بتوع الرجاصين دول يا واكلة ناسك. حبلة كيف يا بت وإحنا متفقين من جبل ما نكتب الورقة إن جوازي منكِ للمتعة وبس؟ وأكمل حديثه متسائلاً وهو ينظر إليها بتشكيك: _وبعدين حبلة كيف وإني جبل ما أدخل عليكِ بيومين شيعتك عند الحكيمة وركبت لك اللي إسمها اللولب دي. عتستغفليني يا مرة إياك؟ كانت تتلوى بين يديه متألمة.

هتفت وهي تحاول الفكاك من بين براثنه: _سيب إيدي يا سي قدري حرام عليك، دراعي هيتكسر. لم يعر لتوسلاتها أي اهتمام، بل زاد من لّي ذراعها أكثر وقبض باليد الأخرى على شعر رأسها مما جعلها تصرخ متألمة. أكمل متسائلاً من بين أسنانه: _بطلي رط يا مرة وانطقي لأقطع خبرك. أجابته بنبرة مرتجفة: _حاضر حاضر، هتكلم. وأكملت شارحة بتوتر وزيف:

_من ييجي أربع شهور كده جالي مغص شديد. ولما روحت كشفت عند الدكتورة قالت لي إن اللولب عمل لي مشاكل ولازم يتبدل بواحد جديد. ونصحتني إني لازم آخد راحة عشان القديم متركب بقاله أربع سنين وعمل لي مشاكل لازم تتعالج. وأكملت بنبرة زائفة: _ادتني حبوب منع الحمل، وشكلي كده نسيت آخدها في يوم وحصل اللي حصل. صاح مكذباً إياها بنبرة حادة: _كدابة يا ماجدة ومصدقش ولا كلمة من اللي عتجوليه. زرفت دموع التماسيح وسالت فوق وجنتيها. هتفت:

_وهي دي حاجة ينفع فيها كذب بردوا يا سيد الناس. وأكملت بثقة عالية: _وعلى العموم يا أخويا لو مش مصدقني، تعال بكرة معايا للدكتور اللي إنتَ تختاره بنفسك وخليه يكشف عليا. ولو طلعت مش حامل بجد ابقى إعمل فيا ما بدا لك. نظر لها بقوة بعد أن استشف صدق حديثها من قوة عينيها وثباتها الانفعالي. فك قبضته من فوق ذراعها ودفعها بقوة فوق السرير لتسقط عليه. اعتدلت سريعاً تنظر عليه بريبة وهي تتحسس ذراعها متألمة.

نظر عليها وتحدث أمراً وهو يشير بسبابته إليها بنبرة تهديدية: _اسمعيني زين يا بت المركوب إنتِ. من بكرة تروحي للدكتورة اللي عتتابعي وياها، وتتفقّي معاها إنها تسقطك وتاخد الفلوس اللي عاوزاها. شهقت ودبت على صدرها وهتفت باعتراض: _يا مصيبتي، إنتَ عاوزني أعمل عملية إجهاض عشان أموت فيها؟ دقق النظر لعيناها وأردف قائلاً بنبرة تهديدية لا تحتمل الشك: _صح، ممكن تموتي وإنتِ بتعملي العملية، بس دي احتمال ضعيف. وأكمل مهدداً

وهو يتوعد لها بشر أرعبها: _لكن لو معملتهاش الأسبوع ده، موتك عيجب مؤكد يا حزينة. انكمشت على حالها وضمت ساقيها بساعديها. وأكمل هو محذراً بعيون تطلق شزراً: _حطي عقلك في راسك واعرفي إنتِ بتلعبي ويا مين يا ماجدة. ثم ضيق عينيه ونظر لها وهتف بفطانة وذكاء: _إني واعي لك زين، وألاعيبك الخيبانة دي متفوتش على مخي. وأكمل بتفاخر:

_ده إني قدري النعماني يا بت إمبارح، قدري اللي السنين علمته وخلته يقدر يشوف في العيون اللي بتخبي النفوس الخبيثة جواها. وأكمل كاشفاً ما بداخلها: _إنتِ جلتِ في عجل بالك أما أحبل من قدري وأدبسه في عيل وألوي له دراعه وأحطه قدام الأمر الواقع، وشيطانك جالك إنه لما تعملي كده، ما يكونش فيه حل غير إنه يكتب عليّ عند مأذون. واسترسل ساخراً:

_وتلاقي كمان شيطانك وشوش لك وجالك إن قدري المغفل ياخدك على السرايا تعيشي فيها كيف ما الهوانم اللي ساكنينها. وأكمل بإهانة لشخصها: _غلبانة قوي إنتِ يا ماجدة، إيش جاب واحدة مهشكة زيك لهوانم النعمانية يا بت. نظرت إليه ودمعة سقطت من عينيها وتحدثت: _ولما إنتَ شايفني مش قد المقام أوي كده، اتجوزتني ليه؟ أجابها بصوت صارم: _اتجوزتك لجل مزاجي يا بت وإنتِ خابرة كده زين. وأوعاكِ تعيشي في دور المسكينة عشان ما يليقش عليكِ.

تحرك إلى علاقة الثياب وأخرج حافظة نقوده من جيب جلابيبه المعلق. وأخرج منها نقوداً عديدة وتحدث وهو يلقيها بوجهها بإشمئزاز: _خدي الفلوس دي وروحي للدكتورة وخليها تخلصك من المصيبة دي بالذوق، بدل ما أخلصك أنا منها ومن حياتك كلها. إني مبهزرش يا ماجدة وعجولها لك للمرة العاشرة. خافي على نفسك مني يا بت الناس عشان إنتِ مش كد قلبتي يا حزينة. التقط ثيابه وتحدث إليها أمراً بطريقة فظة:

_تعالي اغسلي لي ضهري من الهباب اللي دهنتهولي دي. استشاطت داخله من ذلك الفظ الذي وبرغم جبروته إلا أنه يرتعب من أن تلاحظ عليه فايقة أي تغيرات. ولذلك دائم الحرص على إزالة جميع الأدلة والشواهد قبل مغادرته مقر ماجدة الذي يأتي إليه لأخذ متعته الحلال ويرحل. بعد مدة كان مرتدياً ثيابه بالكامل ويتحرك إلى الخارج. تتبعه تلك الحاقدة التي ترمقه بنظرات كارهة. توقف عن الحركة واستدار إليها وتحدث أمراً:

_ما يعايزش أعيد حدبثي اللي جلتُه تاني. تروحي بكرة للحكيمة وتخلصي حالك من البلوة دي. وأكمل بهدوء مطمئناً إياها: _وأني إن كان عليا، هنسى عملتك المهببة دي وأرجع وياكِ كيف الأول تاني. قال كلماته وتحرك إلى الخارج دون انتظار الرد، تحت نظرات ماجدة المتوعدة له. ظلت ساكنة بمقعدها إلى أن تأكدت وصوله إلى منزله وأمسكت هاتفها وضغطت زر الاتصال. كان قد وصل للتو بسيارته إلى حديقة المنزل وصفها وتحرك بطريقه إلى داخل السرايا.

أوقفه رنين هاتفه فأخرجه من جيب جلابيبه. ضيق عينيه عندما وجدها ماجدة. ضغط زر الإجابة وهتف قائلاً بضيق: _عايزة إيه تاني في ليلتك اللي ما فتش دي؟ وقفت وتحدثت بنبرة حادة صارمة: _عاوزاك تسمعني كويس أوي وتوزن كلامي يا قدري، عشان مش ماجدة اللي يتعمل معاها كده يا حبيبي. مش أنا اللي تاخدني لحم وعاوز ترميني عظم واقف أتفرج عليك يا عنيا. ده أنا ماجدة والآجر على الله. وأكملت بنبرة قوية واثقة:

_العيل اللي في بطني ده ابنك ومن لحمك ودمك، ومش هنزله حتى لو وقفت على شعر راسك. وتهديدك ده يا عنيا تبله وتشرب ميته. أنا مش تلميذة عشان أخاف من تهديدك الأهبل ده. ده أنا ماجدة اللي لفيتها كعب داير، مش على آخر الزمن هتيجي إنتَ وتخوفني يا ابن النعماني. واسترسلت حديثها بقوة: _الواد هخليه وهتكتب عليا رسمي الأسبوع ده. وأكملت حديثها بتهديد صريح:

_ماذا وإلا هاجي النجع وهقابل أبوك وهقوله على حكايتي معاك. وبالمرة أبلغه عن تخطيطك لما رحت للراجل بتاع مصر واتفقت معاه عشان تجوز ابنك على بنت أخوك اللي مكانتش كملت شهر جواز. وكمان هبلغ الحرباية مراتك على جوازنا وإنك مستغفلها ليك أربع سنين بحالهم. كان يستمع إليها بذهول. ثم هتف بغضب عارم: _إنتِ واعية للي بتجوليه ده وعارفة بتجوليه لمين يا حزينة؟ ابتسمت ساخرة وتحدثت بجبروت وقوة:

_أيوه يا قدري، أنا عارفة كويس أوي بتكلم مع مين. بس يظهر إن إنتَ اللي ما تعرف إنتَ متجوز مين. وأكمل بقوة وتهديد صريح: _اسمع آخر الكلام ونهايته يا قدري. قدامك بالكتير أسبوع مفيش غيره وتكون كاتب عليا رسمي. بعد الأسبوع ما يعدي بيوم متبقاش تلوم غير نفسك. وأغلقت الهاتف دون انتظار الاستماع للرد مما جعل قدري يصاب بالجنون وكاد أن يفقد السيطرة. كاد أن يهاتفها أوقفه صوت تلك الواقفة بشرفتها تتطلع عليه باستغراب:

_وواقف عندك بتعمل إيه وبتكلم مين في التلفون يا قدري؟ ارتبك بوقفته حين استمع إلى صوتها. رفع بصره يتطلع إليها وتحدث: _ده واحد كان بيكلمني وعاوز تليفون قاسم. لجل ما يكلمه على قضية واعرى عنديه. أومأت له وتحدثت: _طب يلا اطلع عشان تنام، الوقت اتأخر. في اليوم التالي.

دخل غرفة الضيافة الموجودة بحديقة السرايا والتي اتخذها يزن كي يجعلها مسكن له بعيداً عن تلك اللاصقة التي تقتحم حياته ولا تجعله يتنعم بالخصوصية والراحة اللتان حصل عليهما منذ أن من الله عليه ورزقه خير الابتعاد عنها. كان يقف أمام المرآة يصفف شعر رأسه ويهندم ذقنه بعناية بعد أخذه حماماً دافئاً. استمع إلى خبطات فوق بابه الذي يوصده عليه كي يقطع عن ليلي فرص اقتحامها للغرفة كعادتها. تحرك إلى الباب وفتحه.

وجد نجاة التي تحمل بين يديها حاملاً موضوع عليه بعض المعجنات وكأساً من المشروب البارد. حمله عنها وتحرك به إلى الداخل وهتف قائلاً باعتراض وهو يضع ذلك الحامل فوق الكومود: _لحد ميتى عتفضلي تعبانة حالك كده يا أم يزن؟ أجابته بنبرة حادة لائمة: _لحد ما ربنا يهديك وتتچوز وأطمن إن بقى لك واحدة تراعييك وتاخد بالها منك، وتجيب لي منها الحفيد اللي عموت عليه. وأكملت بنبرة حزينة وهي تتحرك إلى السرير لتجلس عليه:

_لحد ميتى عتفضل حارمني من إني آمن عيني بشوفة عوضك يا يزن. العمر بيجري يا ولدي وعيالك كده عيموتوا في ضهرك يا حزين. قهقه بشدة وهتف قائلاً بتفاخر مصطنع: _متخافيش على أحفادك يا أم يزن، العيال في ضهري كتير بس الصبر. أجابته بنبرة يائسة: _الصبر ملّ من كتر صبري يا ولدي. وأكملت وهي تنظر إليه بترقب: _أقطع دراعي إن ما كانت الحرباية اللي اسمها فايقة عاملة لك عمل، وعشان كده متعرفش في الجواز على العجوزة بنتها.

ابتسم لها واقترب وجاورها الجلوس وتحدث بابتسامة حانية: _وإن جلت لك إني لقيت بت الحلال اللي كنت بدور عليها ونويت خلاص، عتجولي إيه؟ اتسعت عيناها من شدة سعادتها وتساءلت متلهفة: _بتكلم جد يا جلب أمك. وأكملت بتلهف: _بت مين في النجـ.ـع؟ اشتدت سعادته عندما لاحظ لهفة وسعادة والدته. فأخبرها بعيون تنطق فرحاً: _الدكتورة أمل اللي بتشتغل في المستشفى ويا صفا. ابتسمت بسعادة وتحدثت مبتهجة:

_الله الوكيل إني حبيتها أمل دي من أول مرة شفتها فيها. ده غير الكلام اللي بتجوله عنها أختك مريم، بتجول فيها شعر. ابتسم بسعادة لحديث والدته المبهج الذي أدخل السرور على قلبه. أما نجاة فقد اختفت ابتسامتها بلحظة وكأنها تذكرت شيئاً. فتساءلت بترقب قلق: _بس تفتكر إن الدكتورة أمل عتوافق عليك يا ولدي؟ ضيق عينيه قائلاً بتعجب: _وإني عيبي إيه يا أمي لجل ما ترفضني؟ هتفت سريعاً بحنان وفخر: _إنتَ سيد الناس كلياتهم ومليش زي يا ضنايا.

وأكملت مفسرة: _بس متأخذنيش يا ولدي، دي لسه بت بنوت ومدخلتش دنيا قبل سابقة. وإنتَ يعني، راجل متجوز. تنهد بارتياح وتحدث بهدوء: _من الناحية دي اطمني يا أم يزن، إني فاتحت أمل في الموضوع وهي وافقت، بس ليها شرط. ضيق نجاة عيناها وسألته باستغراب: _ويطلع إيه الشرط ده كمان يا ولدي؟ تنفس عالياً وأجابها: _عاوزاني أطلق ليلي. زفرت بضيق وتحدثت باستسلام:

_أهو كده هي بتحط العقدة في المنشار، لأن جدك مستحيل يوافق على طلاق الملعونة ليلي. تنفس بضيق ونظر أمامه بشرود يفكر فيما هو قادم عليه. فأكملت نجاة بنبرة تشجيعية لتبث بداخله الحماس وذلك بعدما لاحظت الإحباط الذي أصابه جراء حديثها الواقعي بحكم معرفتها بتفكير عثمان. _بتكلم جدك ميتى؟ أجابها بنبرة هادئة: _إني كنت مستني لما عمي زيدان يشد حيله شوية، بس بصراحة خجلان أكلمه عشان اللي حصل مع قاسم وصفا. زفرت نجاة وتحدثت بامتعاض:

_ودي ماله ومال موضوع جوازك، ولا هي فايقة وعيالها عيفضلوا موقفين لك حياتك طول عمرهم. تنهد بضيق وأقنعته والدته بأن يذهب إلى جده مساء اليوم ويفاتحه في طلبه. بعد قليل، خرج من غرفته لنيته الذهاب إلى المشفى ليرى وجه فاتنته التي لم يعد يستطيع عدم رؤيتها طوال الوقت. نظر للأعلى وجد فارس ومريم يجلسون في شرفتهم يتسامرون ويبدو على ملامح وجهيهما الانسجام. تحدث إلى فارس بعدما ألقى التحية عليه وعلى شقيقته الغالية:

_عاوزك في موضوع مهم يا فارس. أومأ له وتدلى. وبعد قليل كانا يجلسان في الحديقة الخلفية في صمت تام وترقب من يزن بعدما أبلغ فارس بنيته الزواج وإبلاغ جده طلاق ليلي. تحدث يزن على استحياء خشية حزن صديقه: _إني جلت أقول لك الأول جبل ما أفتّح جدك في الموضوع لأنك صاحبي ومش عايزك تزعل مني. أومأ له فارس الذي ينظر أرضاً حزناً على شقيقته. وأردف قائلاً بتفهم:

_إني عارف إن من حقك تتجوز وتخلف زي باقي الخلق، بس مكانش له لزوم تطلق ليلي يا يزن. تحدث يزن مفسراً قراره على استحياء: _كده أحسن لـ ليلي يا فارس، إني ما ينفعش أكون معاها زي الأول تاني وإنتَ خابر السبب زين. ما عاوزاش أظلمها بهجراني ليها وأشيل ذنبها في رقبتي. أومأ فارس بتفهم ثم سأله متعجباً: _ميتى حصل العشق اللي بينكم إنتَ وأمل ده! قطب جبينه وسأله باستغراب: _ومين جالك إننا بنعشق بعض؟ نظر له فارس وتحدث بابتسامة خافتة:

_عشان إني عارفك زين يا يزن، متخدش خطوة الجواز مرة تانية إلا إذا كنت عاشق على حق. ابتسم على استحياء وفضل الصمت لعدم أذية مشاعر صديقه. فربت فارس على ساق يزن بأخوة وتحدث بنبرة هادئة: _إنتَ راجل زين وتستاهل كل خير يا يزن، مبارك يا أخوي. قال كلماته وتحرك إلى الخارج تحت ضيق يزن وحزن قلبه على أذية قلب صديقه الحنون. ليلاً.

جلس يزن بصحبة جده وأخبره أنه نوى الزواج من أمل، وأنه يريد الخلاص من تلك الزيجة التي تضغط على عاتقه ولا تدعه وشأنه. استمع الجد له ووافق على الزواج لكنه اعترض بشدة متعللاً بقانون العائلة. جنون يزن وهتف بنبرة غاضبة: _ملعون أبو القوانين اللي دمرتنا وخلتنا نلعن حياتنا ونكرهها. أردف الجد قائلاً بصرامة:

_اختشي يا يزن واسمع الحديث، مش كفاية إني وافقت على جوازك من واحدة ما نعرف لها أهل وكمان بتجول إن أمها وأختها ما يحضروا فرحها عشان بيناتهم مشاكل! اعترض يزن بشدة فتحدث الجد مترجياً: _إعملها لوجه الله يا ولدي، بت عمك بجت كيف الأرض البور. محدش بيرضى يتجوز واحدة ما بتخلفش إلا إذا كان طمعان في مالنا وأراضينا. هتف يزن معترضاً: _حرام عليك يا جدي، بكفاياك ظلم فيا لحد كده. ظلمتني زمان لما اخترت لي ليلي وحطيتها جوه حضني بالغصب.

وأكمل شارحاً: _وكانت النتيجة إيه؟ عشت وياها سنتين ونص جسد بلا روح، كنت بصبر حالي كل يوم وأجول ارضى بنصيبك يا واد لجل ربنا ما يراضيك. وحتى بعد اللي عملته فيا هي وأمها وجتلت رجولتي وطعنتني في ضهري جدامكم كلياتكم وحبيت أخلص منها، بردك وقفت في طريقي وجلت لي بت عمك وجانون عيلتي مفهوش طلاق. سكت وجلت سمعاً وطاعاً كيف العادة. وأكمل صارخاً باعتراض:

_بس دلوك ربنا فتح لي طريق جديد لجل ما أبدأ حياة جديدة وأخلف عيال ويبجالي بيت زي خلق الله. وسأله بعيون متألمة: _مرايدش لحفيدي الراحة ليه يا جدي؟ تنهد عثمان بثقل، فحقاً كان الأمر ليس بالهين عليه وتحدث بنبرة حنون: _كيف تجول كده يا يزن، ربنا يعلم غلاوتك في قلبي كد إيه، ده كفاية إن إنتَ الوحيد اللي عمرك ما عملت حاجة تكدرني. طول عمرك طوع وراجل محترم وسداد. وأكمل شارحاً:

_بس غصب عني يا ولدي، لو سمحت لك تطلق ليلي عمك زيدان هيطلب مني إني أخلي قاسم يطلق صفا، وعقد العيلة هينفرط من يدي زي السبحة وما هعرف ألملمها تاني. نظر لجده وتحدث بتألم: _يعني حضرتك لتاني مرة بتضحي بيا وبسعادتي لجل راحة قاسم؟ تنهد الجد بحيرة وتحدث: _متجولش كده يا يزن، واطمن يا ولدي، إني بنفسي هروح لحد الدكتورة في المستشفى وأطلب يدها لحفيدي الغالي. انتفض من جلسته وتحدث بنبرة صارمة:

_متتعبش حالك يا جدي، إني كفيل بإني أظبط أموري بحالي وما أحتاجش لحد وياي. وأكمل بقوة أدمت قلب عثمان وشطرته لنصفين: _بس لازم تعرف إني ما مسامحش في حقي ليوم الدين. وخرج غاضباً من الحجرة تاركاً عثمان لعذاب ضميره وألام روحه التي أصبحت لم تنتهي. داخل القاهرة في الساعة الثامنة مساءً. فاق من غفوته على صوت قرع جرس الباب. اعتدل وجلس يتطلع أمامه. وتحرك إلى الباب وفتحه. قطب جبينه وتحدث مستغرباً وهو يتطلع إلى تلك

الزائرة غير المرغوب فيها: _إيناس، إيه اللي جابك هنا؟ أظهرت حزنها بعينيها وتحدثت بنبرة زائفة: _هي دي بردوا مقابلة تقابلني بيها يا قاسم بعد كل الفترة اللي بعدنا فيها عن بعض دي؟ زفر بضيق وهتف قائلاً بنبرة صارمة: _امشي من فضلك يا إيناس، أنا أصلاً تعبان لوحدي ومش متحمل أي مناهدة أو مناقشة من أي حد. تحدثت بنبرة جادة: _أرجوك يا قاسم، فيه حاجات كتير محتاجين نتكلم فيها عشان نحط النقط على الحروف. وأكملت بترجي: _أرجوك.

زفر بضيق ثم وضع يده فوق شعره وسحبه للخلف بطريقة تدل على كم الضيق الذي أصابه. أشار لها بيده لتدلف وتحرك خلفها فتوقفت هي وتحدثت وهي تنظر إلى الباب قائلة: _نسيت تقفل الباب يا قاسم. أشار بكفه سريعاً وتحدث بنبرة حازمة: _أنا قاصد إني أسيبه مفتوح، اتفضلي قولي اللي عندك بسرعة عشان عندي مقابلة برة بعد ساعة بالظبط، ولازم أكون مستعد لها قبل الميعاد. اشتعل داخلها من انتقاصه الدائم لشخصها وعدم تقديره لكونها زوجته.

لكنها خفت مشاعر الغضب وأظهرت حزنها المصطنع وتحدثت بحزن: _للدرجة دي يا قاسم؟ أجابها بملامح وجه مقتضبة وتحدث بنبرة تدل على وصوله للمنتهى: _ياريت تقولي اللي عندك من غير تضييع وقت، لأن زي ما قولت لك معنديش وقت كافي أقضيه في عتاب وكلام لا هيقدم ولا هيأخر. أخذت نفساً عميقاً لتهدئ به من روعها وغضبها من طريقته الفظة وتحدثت باستفسار:

_ممكن أعرف إنتَ ليه رفضت القضية اللي بعتها لك الأسبوع اللي فات، الموكل رجع لي تاني وقالي إنك رفضتها؟ قطب جبينه ونظر لها باستغراب وتحدث بنبرة حادة: _رفضتها لسببين، أهمهم إننا خلاص انفصلنا عملياً ومش حابب إن يكون فيه بينا أي ارتباط تاني. وأكمل بنبرة حادة: _وتاني سبب إن القضية دي مشبوهة يا أستاذة، وإنتِ عارفة إن طول عمري وأنا شغلي نضيف ومليش في القضايا الشمال والطرق الملتوية بتاعة بعض المحامين. وأكمل برفع سبابته بوجهها:

_وياريت الموضوع ده ما يتكررش تاني وإلا رد فعلي هيبقى غبي ومش هيعجبك ولا هتتحمليه. اتسعت عيناها بافتعال وتحدثت بنبرة زائفة: _مشبوهة إزاي؟ ده الموكل شكله كان محترم جداً، وكمان كان باين أوي الصدق من كلامه. وبعدين أنا بعتها لك عشان حسيت إنها قضية مهمة ومن المؤكد إنها هتضيف لك وتعلي من رصيد اسمك ومكتبك في الوسط. قوس فمه وابتسم ساخراً وتحدث بنبرة تهكمية:

_ولما هي قضية جبارة كده وليها فوايد عظيمة ما أخدتيهاش إنتِ ليه على الأقل عشان تضيف لاسـ.ـمك إنتِ ومكتبك زي ما بتدعي؟ أجابته بمراوغة وعيون تدعي العشق: _ده الفرق اللي بيني وبينك يا قاسم، أنا حبيتك لدرجة إني بقيت أفضلـ.ـك على نفسي، لكن إنتَ ما حبيـ.ـتنيش بالشكل الكافي اللي يخليك تغفر لي موقفي وغضبي لما كنت حابب تفض خطوبتنا وتسيبني بعد ما علقت قلبي وروحي بيك. وأكملت بنبرة حنون واشتياق:

_إنتَ وحشتني أوي يا قاسم، أنا بعدت عنك واحتـ.ـرمت رغبتك، جيت على قلبي واتحملت وجعه المميت على أمل إن حبك وشوقك ليا هيرجعوك لحضني من تاني. وأكملت بأسٍ مصطنع: _بس للأسف قلبك بقى قاسي أوي عليا، وبدل ما حبك يرجعك زدت في قسوتك ونسيت أنا كنت إيه بالنسبة لك. تنفس بعمق ثم زفر بضيق وبمنتهى البرود واللامبالاة تحدث قائلاً شبه طارداً لها: _لو خلصتي كلامك اللي جاية عشانه ياريت تتفضلي عشان لازم أقوم أجهز نفسي عشان أنزل للمقابلة.

نزلت دموعها التي استدعتها بمهارة وتحدثت باعتراض: _أرجوك كفاية إهانات لحد كده يا قاسم، أنا إن كنت متحملة طريقتك دي فأنا متحملها عشان خاطر بحبك، بس لازم تفهم إن أنا إنسانة وعندي كرامة وشعور وبحس. زفر بضيق وسألها باستفسار: _إنتِ عاوزة إيه من الآخر كده يا إيناس؟ _عاوزاك يا حبيبي، جملة متلهفة قالتها إيناس بعيون راغبة. وأكملت بخجل مصطنع:

_يا قاسم أنا مراتك وبحبك، وليا عليك حقوق شرعية من حقي عليك تديها لي، ده شرع ربنا يا حبيبي، من حقي استمتع معاك بحياتنا الزوجية وأعيش معاك كأي زوجة طبيعية بتحب زوجها، من حقي أحصل على حقوقي الشرعية كاملة. أجابها بملامح وجه صامدة: _الكلام ده كان ممكن أتقبله منك لو كان جوازنا حقيقي وجائز شرعاً، وأظن إن إحنا اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده وشرحت لك الوضع. وأكمل شارحاً من جديد:

_إحنا جوازنا صوري وغير مكتمل للأركان اللي تخليه شرعي يا أستاذة القانون. سألته بدموعها: _إنتَ إزاي اتغيرت كده، نسيت إزاي حبنا وأحلامنا اللي ياما حلمنا نحققها مع بعض، فين حبك ليا يا قاسم؟ أجابها بنبرة نادمة: _مكانتش أحلام، طلعت كوابيس خرجت منها مكسور ومتحطم. وأكمل سارحاً: _اسمعي يا بنت الناس، وفري محاولاتك دي لأن أنا راجل بحب مراتي ومستحيل أخونها تحت أي مسمى. أجابته بنبرة غاضبة واعتراض شديد:

_حاسب على كلامك يا قاسم، أنا كمان مراتك زيي زيها وليا نفس الحقوق اللي ليها. وحتى لو مكنتش مقتنع بصحة العقد فده ما يديلكش الحق في إنك تجرحني وتوصف علاقتي بيك بأنها خيانة لمراتك التانية. احتدمت ملامحه عند استماعه للقب (مراتك التانية) وتحدث بنبرة صارمة غاضبة: _قصدك مراتي الأولى والأخيرة، أنا مليش زوجة غير صفا ومش هيكون لي. وأكمل وهو يقف لينهي هذا اللقاء غير المرغوب فيه قائلاً باقتضاب:

_ولو مش عاجبك الوضع ومحتاجة تحسي إنك زوجة، ممكن تحليني من الوعد اللي رابطني من رقبتي وخانقني، وأطلقك وتروحي تتجوزي وتعيشي حياة طبيعية. وأكمل بنبرة جادة: _وتبقي عملتي فيا جميل عمري ما هنساهولك. وأكمل بإغراء لعلمه بمدى جشعها: _وصدقيني هعوضك مالياً بمبلغ محترم يأمن لك حياتك. وقفت وتحدثت بنبرة زائفة مليئة بالحزن: _إنتَ كده بتقضي عليا وبتظلمني يا قاسم. وأكملت متسائلة: _تقدر تقولي بعد ما تطلقني وأتجوز من راجل تاني،

وأكملت بحزن مصطنع: _ده لو فعلاً قدرت أعملها أصلاً وأكون مع راجل غيرك، هقول للراجل اللي هيتجوزني إيه لما يلاقي إني لسه virgin؟ نظر لها وتحدث بنبرة هادئة: _بسيطة، قولى له الحقيقة، وأنا كمان مستعد أروح له وقتها وأشرح له اللي حصل. وأكمل بتضييق بين عينيه: _وأظن إن ده شيء يسعد أي راجل لما يكتشف إن مراته لسه بكر وإنه هيكون أول راجل في حياتها، ولا إيه يا أستاذة. وأكمل بضيق شبه طارداً لها وهو يتجه إلى الباب المفتوح

على مصرعيه ويقف بجواره: _اتفضلي يا أستاذة. استشاطت داخلها من ذلك العنيد الذي ستخرج كعادتها بيد خاوية وهي التي أتت ومنت نفسها باستسلامه وخضوعه لها، خاصةً بعدما هاتفتها ليلي وأخبرتها بما حدث وكيف ترك النجع وهو يتوعد لزوجته التي أهانته أمام جميع العائلة. تحركت ثم وقفت قبالته وتحدثت بنبرة حنون زائفة وعيون عاشقة:

_أنا ماشية يا قاسم، بس عاوزاك تعرف إني هفضل قاعدة في بيتنا ومستنياك، لحد ما قلبك يحن ويعرف مين هي اللي بتحبك بجد ومستعدة تضحي بعمرها كله عشانك. وأكملت بتمني: _هستناك لأخر العمر يا حبيبي. كان واقفاً بشموخ، يستمع لها كصنم لم يتحرك له رمش ولم ينطق بحرف واحد. وما أن خطت بساقيها متجهة إلى الخارج حتى استمعت إلى صفقة الباب بحدة اهتز لها بدنها وانتفضت على أثرها.

قبضت على يدها بشدة وتحركت بنارها متوعدة بعدم الاستسلام نهائياً حتى الحصول على ما حلمت به وتمنت، وهو التنعم بالعيش داخل ثروة النعماني وجلب حفيداً ترث به وتضمن به بقاءها على ذمة ذلك العنيد. داخل المشفى. قص يزن على مسامع أمل ما أقره جده بشأن عدم موافقته على تطليقه لليلي وطلب منها الموافقة على الزواج منه على هذا الوضع وبأنه بدأ بتشييد منزلاً خاصاً به بجانب منزل عمه زيدان، وذلك كي يحميها من غدر ليلي وفايقة.

أجابته بقوة رداً على حديثه: _إنتَ عارف رأيي كويس بخصوص الموضوع ده يا يزن، أنا لا يمكن أكون زوجة ثانية تحت أي ظرف أو أي مسمى. واسترسلت بنبرة قاطعة: _ده مبدئي ولا يمكن هغيره. انصدم من ردة فعلها الحادة وسألها مستفسراً: _أفهم من كده إنك ما تبينيش؟ أجابته بثقة وهدوء: _بالعكس يا يزن، أنا عاوزاك ومحتاجة لك في حياتي أكتر ما إنت محتاجني بكتير. سألها باستغراب حاد:

_فزورة دي إياك، كيف عاوزاني ومقدرش على بعدي، وفي نفس الوقت بتستغني عني وترفضي جوازنا؟ تنهدت بأسٍ وأردفت شارحة له وجهة نظرها: _بس أنا ما رفضتش عرض جوازنا يا يزن، أنا فعلاً عاوزاك ومتمسكة جداً بيك، وحقيقي وصلت معاك لدرجة إني مش هقدر أستغني عن وجودك في حياتي. _مفهمكيش أني يا بت الناس، وضحي حديثك لجل ما أفهمك زين، جملة نطق بها يزن بتشتت واضح. زفرت بضيق وأجابته بصرامة: _طلقها يا يزن، لو فعلاً بتحبني طلقها.

أجابها بنبرة حادة: _ما ينفعش يا أمل، جدي راضي. نظرت له بضيق وتحدثت بنبرة قوية: _بس أنا هتجوزك إنتَ يا باشمهندس مش هتجوز جدك. أردف قائلاً بنبرة مترجية وعيناه متوسلتان: _خلينا نتجوز ونطفي لهيب قلوبنا اللي عم بتتحرج في بعدنا وبعدها يحلها الحلال. تحدثت بإهانة بالغة: _للأسف يا باشمهندس، إنتَ ضعيف قدام تحكمات جدك، وأنا آسفة، مش أنا اللي أتجوز راجل ضعيف.

اشـ.ـتعل داخله ورمقها بنظرة غاضبة بعد أن أهانت رجولته وتفوقت بما لا يقبله رجل صعيدي على كرامته وتفوه بنبرة حادة: _لحد كده وتلزمي حدك يا دكتورة. وأكمل شارحاً لها: _إني لا ضعيف ولا جليل، إني راجل ابن عيلة ومتربي على الأصول والتقاليد صح، والأصول بتجول إن العيلة ليها كبير ولازم يتسمع كلامه، ده غير إن مفيش في عيلتنا حاجة اسمها طلاق. تنفست عالياً وتحدثت:

_دي مشكلتك مش مشكلتي، وأنا ولا يفرق معايا كل تقاليدكم وعاداتكم دي، أنا جلت لك شرطي للموافقة ولسه مصممة عليه. صاح بنبرة حادة غاضبة: _ملعون أبو شرطك على أبو قلبي اللي عشق واحدة جلبها كيف الحجر زيك، مش إني الراجل اللي على آخر الزمن حرمة بتشرط عليه وتمشيه على كيفها. وأكمل بقوة: _إني ماشي، بس جبل ما أمشي أحب أعرفك إني سحبت طلبي الملعون، ومن إنهاردة يا بت الناس إني في طريج وإنتِ في طريج.

قال كلماته وتحرك مسرعاً إلى الخارج، وتركها بقلب يرتجف ويشتعل حزناً على ما أوصل له ذلك البريء، لكنها مازالت مصممة على رأيها وعدم تغيير مبدأها حتى ولو كان لأجل قلبها، فليست هي من تقبل بلقب الزوجة الثانية مهما كان الثمن. قبل يوم واحد من انتهاء مرور المهلة التي أعطاها قدري إلى ماجدة.

كانت السرايا تـ.ـج بالزائرين من جميع المحافظة للاحتفال الضخم الذي أعده عثمان للاحتفال بفوز زيدان في الانتخابات البرلمانية وحصوله على مقعد البرلمان باكتساح. حيث أقام احتفالاً ضخماً وقام بذبح الذبائح ومد الولائم الفاخرة أمام الحضور لأجل غاليه زيدان. كان قدري يقف جانباً بـ.ـهيئة متوترة ويتحدث بالهاتف ويبدو عليه الاضطراب. ذهب إليه فارس وتساءل مستفسراً: _مالك يا أبوي، فيه حاجة جـ.ـلجاك إياك؟ أجاب ولده بنبرة زائفة:

_مفيش يا ولدي، ده إني كنت بتصل على أخوك أطمن وأشوفه وصل لفين. بعد قليل أتى قاسم إلى الاحتفال حيث كان أول حضوره منذ تلك المواجهة الحادة. دلف بسيارته عصراً ودلف لاحتفال الرجال داخل الحديقة تحت احتفاء بحضوره من جميع العائلة، وذلك بعد المجهود الذي بذله لإنجاح عملية وتنظيم الانتخابات.

أما تلك التي أصبحت حزينة جراء انقطاع حبيبها عن النجع، فكانت داخل سرايا النعماني، حيث احتفال النساء الذي لا يقل اهتماماً عن احتفال الرجال، حيث تقديم الأطعمة الشهية والحلوي والمشروبات بكل أنواعها. اقترب من جلسة جده ومال بجذعه وقام بتقبيل كف يده وتحدث باحترام: _كيفك يا جدي وكيف صحتك؟ ربت الجد على ظهر حفيده بحنان وتحدث بتفاخر وسعادة: _إني بخير طول ما إنتَ وباقي رجالتنا بخير يا سبعي.

أومأ له قاسم وتحرك إلى أبيه الذي احتضنه بشدة وربت على ظهره بحنان مروراً بعمه منتصر حتى وقف أمام عمه زيدان ونظر له بهدوء وتحدث باحترام: _ألف مبروك يا حضرة النايب، وعقبال ما تاخد الدورة الجاية باكتساح بردك إن شاء الله. وقف زيدان وتحدث باحترام وتقدير لدور قاسم قائلاً: _الفضل لله ثم ليك يا قاسم. وأكمل بامتنان واستحسان:

_لولا الرجالة اللي بعتهم لي من مصر لجل ما يساعدوني وينظموا لي التحركات والدعاية الكبيرة اللي عملوها لي في المحافظة كلياتها، ما كنتش آخد الكرسي بالعدد الكبير جوي ده. ابتسم بخفوت لعمه وتحدث بنبرة جادة: _دخولك البرلمان شرف للعائلة وللنجع كله يا عمي، وحجيجي تستحقها، ألف مبروك. تركه وذهب لشقيقه الذي احتضنه بحفاوة. أما يزن الذي تحرك إليه ووقف يقابله ثم نظر إليه وتحدث بنبرة مترقبة: _حمد الله على السلامة يا قاسم.

أجابه قاسم بصمود: _الله يسلمك يا يزن. شعر بخجله وتردده في إظهار مشاعر الأخوة والاشتياق. فبادر قاسم بجذبه إلى داخل أحضانه وربت على ظهره بحماية وأخوة وتحدث بنبرة أخوية حنون: _اتوحشتك يا أخوي. انتفض صدر يزن وشعر بحزن عميق تملك من قلبه، ولام حاله على تلك السنوات التي أضاعاها أبناء العم في عداوة واهية. تحدث يزن الذي ما زال قابضاً من احتضانه إلى قاسم: _وإني كمان اتوحشتك جوي يا قاسم، حجك عليا يا أخوي.

آخرجه قاسم من داخل أحضانه ونظر له وتحدث وهو يربت على كتفه: _حجك إنتَ عليّ يا يزن. كاد فارس أن يبكي جراء تأثره بتلك المصالحة التي تأخرت كثيراً، لكنها بالنهاية أتت، فأن تأتي متأخراً، خيراً من أن لا تأتي من الأساس. جلس شباب العائلة يتسامرون لحين انتهاء الاحتفال. ودلف الرجال لداخل السرايا.

كانت لا تزال بالداخل تجلس بجانب جدتها لحين ترى أسر عينيها الذي ابتعد وكأنه يريد إرسال رسالة إليها ويخبرها أنه ما عاد يهتم لرضاها أو الابتعاد. دلف للداخل وألقى السلام على الجميع. أسرعت فايقة إليه وقامت باحتضان صغيرها التي اشتاقته حقاً. بادلها حضنها برعاية واهتمام. ثم اقترب من جلسة جده ومال بجذعه على مقدمة رأسه وقبلها ثم أمسك كف يدها باحترام ووضع بها قبلة احترام وتقدير.

كانت تجلس بجانب جدتها بإلتصاق، تسللت إلى أنفها رائحة عطره الممزوجة برائحة جسده التي تعشقها، وذلك لقربه المهلك لقلبها العاشق حتى النخاع فجعلتها ترتجف بجلستها. دق قلبها بوتيرة عالية تطالبها بالكف عما تفعله والرجوع والتنازل عن عنادها المميت، ولولا كبريائها وكرامتها لانتفضت واقفة لتلقي بحالها داخل أحضانه الحانية التي اشتاقتها حد الجنون. نظر على ورد التي تجاور رسمية الجلوس بالجهة الأخرى.

ثم ألقى عليها السلام باحترام وقام بتهنئتها بحفاوة تحت اشتعال صدر فايقة وغيرتها من أن غريمتها أصبحت زوجة النائب وهذا ما سيعزز من مكانتها أمام المركز بأكمله. ثم حول بصره إليها ينظر عليها بجمود. وجدها تجلس كشمس صيف ساطعة فرضت أشعتها على كل ما حولها فأنارتة وجملته وأعطته رونقاً خاصاً. طالبه قلبه بالتنازل عن كبريائه وأن يقوم بسحبها لداخل أحضانه كي يشبع روحه وروحها ويرحمهما من لوعة الاشتياق. نظر لها بجمود وتحدث بنبرة

حادة عكس ما يدور بداخله: _ألف مبروك لسيادة النايب يا دكتورة. أما هي، فقد دق قلبها بوتيرة عالية حين رأته يقف أمامها بوسامته الطاغية وطوله الفارع. فبرغم كل ما حدث منه وما فعله بها وأشعرها كم هي عديمة الفائدة ولا تعني له شيئاً، إلا أن ذلك الملعون المسمى بقلبها ما زال نابضاً بعشقه، بل متيم بغرامه المشؤوم. وكعادتها استعادت توازنها على الفور وتحدثت بنبرة قوية وهي تنظر له بجمود مماثل: _الله يبارك فيك يا متر.

تحدث إلى الجميع وهو يتحرك بلامبالاة نحو الدرج للصعود إلى الأعلى: _تصبحوا على خير. هتفت الجدة كي تستقطبه ليجلس بجانب صفا لعل يحدث في الأمر شيئاً ولينا قلبيهما وتصعد معه: _لسه بدري يا ولدي، تعال اجعد وياي شوي واتعشى معاي. أجابها وهو يصعد للأعلى: _اتعشيت برة يا جدة، عطلع آخد حمام وأعمل كام تليفون للشغل. شعرت بنار شاعلة داخل قلبها من إهانته لها وعدم تقديره الواضح وضوح الشمس إلى الجميع. انتفضت بجلستها وتحدثت

وهي تتحرك إلى الخارج: _إني ماشية، تصبحوا على خير. وقبل خروجها من باب السرايا قابلتها تلك الحقود التي وشّت لها وهمست بكلمات كسـ.ـهام قاتلة قائلة كي تجعل الشك يتسلل داخل صدرها: _فكرك قاسم طالع لجل ما يعمل مكالمات شغل بجد؟ وأطلقت ضحكة شريرة وتحدثت: _تلاقيه اتوحش مراته المصراوية اللي راح رمى حاله جوه أحضـ.ـانها اليومين اللي فاتوا، وتلاقيه كمان عايز يرجع أمجاده وياها ومكالماته كيف زمان.

نظرت لها بصدر يعلو ويهبط من شدة اشتعاله بفضل نار الغيرة التي أصابتها جراء حديثها المسموم. سرعان ما تملكت من حالها ونظرت لها بقوة وهتفت بعدما أنوت بقلب الأدوار: _تقصدي كيف يزن مع الدكتورة أمل كده؟ جحظت عيناها ونظرت لها بعدم استيعاب. فأكملت صفا بقوة وعينان سعيدتان وهي ترى احتراق روح ليلي: _معرفاش إياك! وأكملت شارحة بتشفٍّ:

_مش يزن طلب يد الدكتورة أمل وهي وافقت، بس شرطها الوحيد إنه يطلقك ويرميكِ برة حياته لجل ما ينظف ويليج بيها. وأكملت ضاغطة على كرامة تلك ليلي: _وهو وافق على شرطها لجل ما ينول رضاها عليه ويتنعم جوه حضنها بالحلال، وطلب من جدك كده. وأكملت بنبرة حزينة مصطنعة: _بس يا خسارة، جدك مرضاش، مش عشان خاطرك، لا. واسترسلت بمكايدة:

_جدك مرضاش لجل ما يقطع عليا طريج إني كمان أتشجع وأطلب الطلاق من أخوكِ، يعني جدك موافقش لجل خاطري إني وقاسم. نظرت لها باشتعال وتحدثت: _كدابة. أجابتها بقوة وثبات: _يزن عندك، وأبوكِ وإخواتك اللي جدك بلغهم بالأمر، روحي اسأليهم، حتى أمك فايقة، تلاقيها عارفة ومستغفلاكي. قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج تحت اشتعال قلبها وقلب ليلي أيضاً.

بعد مرور حوالي ساعة، كانت تقف بشرفتها تراقب شرفته وتنتظر خروجه كي ترى ماذا يفعل بعدما اشتعل صدرها بنار الغيرة من حديث تلك الحقودة. خرج إلى الشرفة ممسكاً بيده قدحاً من القهوة التي صنعها لحاله مع إحاطة الذكريات التي لم تتركه وهو يتذكرها عندما كانت تصنعها له بحب. نظر أمامه وجدها تتطلع عليه بغيرة ونار شاعلة. لم يعر لوجودها اهتمام، وبات ينظر للأعلى إلى السماء بترقب واستنشاق الهواء مع احتساء قهوته بلامبالاة.

كانت تنظر عليه والغل ينهش صدرها منه، كان يشعر بها ومستمتعاً بحالتها تلك إلى أن قطع حبل تفكيرهما دخول سيارة الشرطة إلى الحديقة وأزعجهما صوت سيرينتها العالي مما جعل قاسم ينتفض ويتحرك سريعاً إلى الأسفل. وصل إلى الحديقة وجد جميع العائلة بدأت بالخروج لمعرفة ما يجري. فتحرك هو إلى ضابط الشرطة وسأله باستفهام: _خير يا أفندم؟ أجابه ضابط الشرطة قائلاً بقوة:

_معايا أمر بالقبض على السيد قدري عثمان بتهمة قتله لزوجته، السيدة ماجدة سمير عبداللطيف. جحظت أعين فايقة ونظرت إلى قدري الذي تفوه بنبرة مرتعبه: _ماجدة اتـ.ـجتلت. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...