الفصل 41 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم روز امين

المشاهدات
29
كلمة
8,394
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

تحدث ضابط الشرطة قائلاً بقوة: _معايا أمر بالقبض علي السيد قدري عِثمان بتهمة قتلـ.ـه لزوجتة، السيدة ماجدة سمير عبداللطيف. جحظت أعين فايقة ونظرت إلي قدري الذي تفوه بنبرة مُرتعبه: _ماچدة إتجتلت، يا ليلة مش فايتة. هتفت فايقة مُتسائلة بنبرة مُشتتة غير مستوعبة لما يجري من حولها وكأنها داخل إحدي كوابيسها: _عيجول إيه الظابط دي يا قدري، وماچدة مين اللي عيتحدت عنيها دي؟

أغمض عِثمان عيناه بتألم وعدم قدرة، في حين إهتز داخل قاسم لعلمهِ بزواج والده بإمـ. ـرأة أُخري. تحدث إلي والدتهُ بنبرة صامدة: _أدخلي چوة يا أم قاسم وخدي ليلي وياكِ. رفضت التحرك وإلتزمت مكانها كي تستوعب ما يجري وتطلع علي ما سيُقال. ثم وجه قاسم سؤاله إلي الضابط قائلاً بنبرة جادة: _ممكن يا أفندم أشوف أمر الضبط لو سمحت. أخرج الضابط أمر الضبط وأعطاه إلي قاسم الذي ألقي بصره عليه وتنهد بأسي. أومأ بيأس ثم نظر

إلي الضابط وتحدث برجاء: _إدينا ربع ساعة بالظبط يا أفندم، هنبدل هدومنا أنا و والدي وهنيجي معاك حالاً. إرتاعب قدري ونظر إلي قاسم وتحدث بإرتياب ورُعب ظهر داخل عيناه: _عروح وياهم ليه يا قاسم، أني مجتلتهاش يا ولدي، الله الوكيل ما جتلتها. إتسعت عيناى فايقة بذهول وامسكته من ذراعة وأجبرته علي الإلتفات إليها وتحدثت وهي تهزهُ بنبرة حادة وجنون: _هي مين دي اللي مجتلتهاش يا قدري، إنتَ صُح متچوز عليّ!

كان يتهرب من النظر إلي وجهها مُبتعداً بمقلتاه عن مرمي عيناها. فتحدث قاسم وهو يمسك قبضتاها ويحاول تخليص أبيهْ منها: _مش وجت الحديد دي يا أم قاسم، أدخلي چوة وأني لما أرچع أني وأبوي نُبجا نتكلم. لطمت خديها عندما إستشفت من حديث قاسم معرفتهُ بالأمر وتأكدت حينها أن أمر زواج قدري عليها بأُخري بات واقعً. فتحدثت قائلة: _يعني أبوك طلع متچوز عليّ بچد وإنتَ خابر وساكت يا قاسم؟ تحدث زيدان إلي قاسم مُتسائلاً بتيهه:

_هي إيه اللحكاية بالظبط يا قاسم؟ صمت قاسم ونظر إلي جده الذي شلت الصدمة حواسهُ وعقدت لسانهُ. تحدث الضابط بنبرة جادة: _ياريت تتفضل معايا علي البوكس وما تضيعش وقتنا. تحدث قاسم بثبات إنفعالي: _بلاش البوكس من فضلك يا حضرة الظابط، أبويا متهم لم تثبت إدانتهُ بعد، مش مجرم علشان حضرتك تاخده في البوكس. وأكمل بثقة: _أنا هجيب والدي وأمشي ورا حضرتك بعربيتي، وتقدر تخلي عسكري من عندك يركـ.ـب معانا. هز الضابط رأسهُ رافضً بإصرار:

_مش هينفع يا أستاذ، دي إجراءات ولازم تتم، أنا بنفذ الأوامر والقانون هنا لازم يتنفذ علي الجميع سواسية. تحرك زيدان إلي ضابط الشرطة وتحدث بنبرة جادة مُعرفً عن حالهُ: _أني زيدان النُعماني عضو مجلس الشعب عن الدايرة، وقدري النُعماني يُبجا أخويا. نظر لهُ الضابط بإحترام وتحدث بنبرة وقورة: _غني عن التعريف يا أفندم، حضرتك كُنت مشرفنا في مركز الشرطة إمبارح وقت فرز الأصوات، وألف مبروك علي الفوز السـ.ـاحق. أومأ لهُ

بهدوء ثم تحدث بإحترام: _الله يبارك في حضرتك يا باشا، أني بس بطلب منيك توافج علي اللي جاله الأستاذ قاسم المُحامي، وأني يا سيدي اللي عسوج العربية لجل ما جلبك يتطمن. أومأ الضابط بموافقة وتحرك جميع الرجال يبدلون ثيابهم بأخرى. هرولت فايقة خلف قدري الذي صعد الدرج حتي دلف إلي حُجرة نومـ.ـهِ وأمسك بجلبابه ليرتـ.ـديه. جذبته منه بحـ.ـده ونظرت داخل عيناه وهتفت بجنون وعدم تصديق:

_إتچوزت عليّ صُح يا واكل ناسك، تتچوز علي فايقة ست الستات ليه يا حزين! جصرت وياك في إيه؟ ولكزته بكتفهُ وهتفت: _أُنطج. تهرب من عيناها وجذب جلبابهُ من بين يديها وأدار جسـ.ـدهُ ليعطيها ظهـ.ـرهُ وشرع بإرتدائهِ. فتحركت لتقابل وقوفهُ وصاحت عالياً بنبرة حقود: _حط عينك في عيني كِيف الرچـ.ـالة ورُد عليّ، تطلع مين المحروجة ماچدة دي اللي إتچوزتها علي فايقة. دلف قاسم علي عُجالة وتحدث إلي والده بنبرة حزينة: _يلا بينا يا أبوي.

يكاد أن يتحرك لكن يد فايقة كبلته وجذبته قائلة بصياحٍ عالي: _يلا علي فين، معيخرجش من إهني إلا لما يجولي إتچوزها ميتا وفين. وسألته: _بجالك كَد إيه مستغفلني يا قدري، شهر؟ شهرين ولا تلاتة، إنطج يا بايع ناسك. صاح بها قاسم وتحدث غاضـ.ـبً بنبرة حـ.ـادة: _إنتِ مواعياش للمصيبة اللي وجعت فوج راسنا إياك! وأكمل وهو يتحرك ساحبً أبيه بيده: _يلا يا أبوي الله يرضي عنيك.

تحرك كلاهما تحت ذهول تلك التي تتلفت حولها كالمجذوبة وكأنها داخل كابوس. نزل الدرج فتحدثت رسمية وهي تهرول إلي ولدها بقلبٍ مُرتجف: _عِملت إيه في حالك يا قدري، ضيعت نفسك يا حزين. نظر لها وتحدث بإرتعاب: _مجتلتهاش يا أمّا، مجتلتهاش. ثم نظر إلي عِثمان الذي يستند علي عصاه وينظر أرضً بإنكسار واستسلام وتحدث بنبرة مستعطفة: _اني برئ يا أبوي، الله الوكيل ما جتلتها، وحياة عيالي مجتلته.

تنهد عِثمان وهز رأسهُ بيأس. فهرولت رسمية إليه وتحدثت لتحسهُ علي التحرك السريع: _إنت عتفوتهم ياخدوا ولدي علي الجسم كيف الحرامـ.ـية وجتالين الجُتلة وتجعُد تتفرچ يا حاچ؟ وأكملت بصياحٍ عالي: _كلم المأمور ولا أي حد من معارفك الكتير، إتصرف يا عِثمان.

ضل صامتً ينظر في نقطة اللاشئ بشرود، لائمً حالهُ علي تخاذلهُ بأمر زواج نجلهُ برغم معرفتهُ، لا يدري لما صمت علي تلك الزيجة لكنهُ بالتأكيد كان صمتً مخزي و أدي إلي نتيجة كارثـ.ـية بمعني الكلمة. في حين تحرك بصحبة قدري، قاسم، زيدان، مُنتصر، فارس ويزن. تحرك زيدان وقاد سيارته مصطحبً معهُ قدري ومنتصر.

أما قاسم ف أستقل سيارتهُ تحت عيناي تلك الحزينة التي تقف في الفيراندا الخاصة بوالدها بجسـ.ـدٍ مُرتجف رُعبً من ما يجري. نظرت علي ملامح وجههِ الكَاتمة وتألـ.ـم داخلها عليه، ليت بإستطاعتها أن تهرول إليه وتحتـ.ـضنهُ كي تُطمئن روحه الهلعة، ليت بإستطاعتها سحب ما بداخلهِ من أحزان وتبديلها إلي سعادة.

أما هو فما كان يشعر بها أو بأيً كان، كل تفكيرهُ الآن كيف سيقوم بتخليص والدهُ من تلك الكارثـ.ـة التي ستُطال العائلة جميعاً وتلوث ثوبها ناصع البياض. تحرك بسيارته خلف عمه زيدان وسيارة الشرطة التي سبقتهم تحت تجمع الأهالي والعائلة خارج بوابة السرايا، حقاً يا لها من طامة كُبري ستطال الجميع.

بعد مرور حوالي النصف ساعة، وصل الجميع إلي قسم الشرطة التابع إليه نجع النُعماني. دلف قدري وقاسم وزيدان إلي غرفة التحقيق. وقف قدري كأي متهم في قضية، وأفصح زيدان وقاسم عن شخصيتهما إلي الضابط، كنائب للبرلمان والأخر كمحامي مدافعً عن المتهم. أشار لهما الضابط المسؤول عن التحقيق بقضية قتـ.ـل ماجدة بالجلوس وتحدث إلي كلاهُما: _إتفضلوا إرتاحوا.

نظر قاسم علي والده، وغصة مؤلـ.ـمة إقتحمت صـ.ـدرهِ فجعلته يشعر بالوجـ.ـع. لأول مرة مُنذ نشأته يشعر بضعف والده ويراهّ علي هذه الحالة الضعيفة. كيف لهُ الجلوس و والدهُ واقف كمُذنبٍ. نظر إلي الضابط وتحدث بنبرة جادة رافضً الجلوس: _إتفضل حضرتك إفتح التحقيق. أما زيدان الذي شعر بألـ.ـمٍ تملك من داخل روحهُ حين رأي نظرات قاسم المتألمـ.ـة لأجل والدهُ، فوجه نظره إلي الضابط وطالبهُ قائلاً برجاءٍ خاص:

_لو سمحت يا حضرة الظابط، أني ليا عنديك رچاء خاص، ياريت تسمح لقدري بيه يجعد لجل ما نجعد إحنا كمان. تبادل الضابط النظر بين ثلاثتهم فلاحظ نظرات الحُزن مشتركة بينهم، فتحدث قائلاً بنبرة أدمية: _مع إنه ممنوع قانوناً، بس هنمشيها علشان خاطرك يا حضرة النائب. وأشار إلي قدري ليجلس، فجلس وتلاهُ زيدان ثم قاسم الذي تحدث إلي الضابط قائلاً بتساؤل مهني:

_ممكن أعرف إيه هي الأدلة اللي خلت حضرتك تأمر بضبط وإحضار موكلي السيد قدري النُعماني؟ تحدث الضابط بنبرة عملية قائلاً:

_جالنا بلاغ إنهاردة الساعة سابعة بعد المغرب، بيقول إن فية جريمـ.ـة قتـ.ـل تمت في شقة 9 عمارة 18 في شارع الجسر، ولما توجهنا لمكان الجـ.ـريمة، إكتشفنا إن القتيـ.ـلة عمرها حوالي 30 سنه، إسمها ماجدة سمير عبداللطيف، وتم قـ.ـتلها ب بذبـ.ـح حـ.ـاد في رقـ.ـبتها وعدة طعـ.ـنات في الكُليّ، وتقريباً ده اللي تسبب لها في نزيف حاد أدي إلي الوفاة الفورية. ودي طبعاً كلها تكهنات وإجتهاد مننا، لأن تقرير الطب الشرعي لسه هيظهر بعد يومين، ومن شكل الجثة اللي شفناها نقدر نقول إن الجريمة تقريباً كده تمت إمبارح.

تنفس بعُمق ثم أكمل مُفسراً: _ولما روحنا نعاين المكان، لقينا الباب سليم والشقة مفيهاش اي حاجة تدل علي إنها سرقة أو إن حد غريب هو اللي دخل وقتـ.ـلها. وأكمل وهو ينظر إلي قدري: _ولقينا صاحبة القتيـ.ـلة موجودة جنبها ومنهارة من العياط، وأول كلمة قالتها لما شافتنا إن جوز ماجدة هو اللي قـ.ـتلها، وإنها عاوزة تقدم فيه بلاغ لأنه هدد ماجدة بالقـ.ـتل لو ما أتخلصتش من العيل اللي في بطنها منه خلال إسبوع.

إتسعت أعيُن قاسم وزيدان ونظرا إلي قدري الذي سحب مقلتيه بعيداً عن بصريهما. فأكمل الضابط قائلاً بإستفاضة: _وكمان البواب شِهد وقال إنه سمع خناقة وصوت عالي بين القتـ.ـيلة وجوزها اللي هو السيد قدري قبل الجـ.ـريمة بحوالي إسبوع. يعني كلامه تطابق مع كلام صاحبتها، وبناءً علي كلامهم إستخرجنا من النيابة أمر الضبظ. سألهُ قاسم بحِسٍهِ القانوني: _ممكن أعرف الجريمـ.ـة أُكتشفت إزاي؟ أجابهُ الضابظ شارحً بإستفاضة:

_إحنا جالنا بلاغ بالتليفون من واحد من سُكان العمارة، ولما وصلنا للمكان لقينا زي ما قُلت لكم، صديقة القتـ.ـيلة وإسمها أحلام عبدالله، كانت قاعدة جنبها ومنهارة من العياط. ولما سألنا البواب إزاي تم إكتشاف الجريمـ.ـة، قال إن صاحبتها جت له بعد المغرب وقالت له إنها بترن علي ماجدة من إمبارح وهي ما بتردش عليها في التليفون. البواب هو كمان قلق من كلامها لأنها ماظهرتش ولا طلبت منه يشتري لها حاجة زي عادتها. صاحبتها طلبت من البواب يكسر الباب عليها لأنها خايفة تكون مغمي عليها من أثر الحمل. كسروا الباب ولما دخلوا لقيوها مقتـ.ـولة وغرقانة في دمـ.ـها في المطبخ.

صاح قدري بنبرة مُعترضة ومرتعبة: _الله الوكيل ما جتلتها يا بيه، أني صُح هددتها معنكرش، لكن مجتلتهاش. ثم نظر إلي زيدان وتحدث مُستعطفً: _والله ما جتلتها يا زيدان. تنهد زيدان بأسي وتحدث الضابط: _علي العموم إحنا هنبدأ التحقيق الساعة تسعة الصُبح، وهناخد أقوالك بالكامل. ثم نظر إلي قاسم وأكمل: _وإنتَ بصفتك محامي المتهم هتحضر التحقيق وأبقا إستفسر براحتك وأسأل الشهود في اللي إنتَ حابب تعرفه. وأكمل وهو ينهض من فوق مقعدهُ:

_إتفضلوا حضراتكم لأن الوقت إتأخر وأنا لازم أطلع الإستراحة بتاعتي علشان أنام لأني هصحي بكرة بدري للتحقيق، والمفرض إن إنتم كمان تروحوا وتناموا علشان تكونوا جاهزين لبكرة، اليوم هيكون صعب علي الجميع ومحتاج التركيز من الكُل. وقف الجميع وتحدث زيدان وهو ينظر إلي أخية بقلبٍ نـ.ـازف: _وقدري بيه، عينام فين يا باشا؟ تنهد الضابط وتحدث: _هو المفروض يبات في الحجز بصفته متهم، لكن أنا هخليه ينام هنا في المكتب لحد الصبح.

وأكمل مسترسلاً: _وده بس علشان خاطرك يا سيادة النائب. أردف زيدان قائلاً بنبرة شاكرة: _كتر خيرك يا باشا، وأسمح لي أنا عشيع له شوية حاچات من البيت وعشيع كمان وّكَل للعساكر اللي إهني، حضرتك خابر إن إنهاردة كُنا عاملين ليلة كَبيرة فرحة الإنتخابات والوّكل كتير والحمدلله. أومأ لهُ الضابط بتفهم فتحدث قاسم بقلبٍ يـ.ـتمزق حُزنً وهو ينظر إلي والدهُ ويتـ.ـألم لنظرة الإنكـ.ـسار التي سكنت عيناه:

_بعد إذن حضرتك، أنا عاوز أفضل مع أبويا هنا في المكتب. نظر له الضابط وأردف قائلاً برفضٍ قاطع: _مينفعش يا أستاذ، حضرتك رجُل قانون وفاهم. إقترب زيدان من وقفة قاسم وربت علي كتفهُ وتحدث: _لازمن تروح وتنام يا قاسم لجل ما تُبجا فايج بكرة للتحجيج. نظر قدري إلي ولدهُ بثبات مُصطنع محاولاً تقويتهُ وطمأنة قلبهِ عليه: _روح مع عمك يا ولدي ومتعتلش همي، أني هبجا تمام. واكمل برجاء وتمني أدمـ.ـي قلب قاسم:

_روح لجل ما تريح عجلك وچسـ.ـدك وتاچي لي بكرة فايج وتطلعني من إهنيه، معايزش أجعد إهني كتير يا قاسم. بصعوبة بالغة تحرك قاسم مع عمه تاركً والدهُ. إستقل قاسم سيارته وجاورهُ زيدان بعدما ترك سيارتهُ الخاصة لشباب العائلة الذين رفضوا مغادرة القسم، وجلسوا داخل سيارتهم في الخارج ليكونوا بالجوار من عمهم منتظرين إرسال الخفير الذي سيأتي بالطعام والثياب إلي قدري وباقي أفراد الشرطة.

كان يقود سيارتهُ بصمتٍ تام، شعور مُميت إجتاح روحهُ حينما ترك والدهُ ورحل. كل ما يجول بخاطرة الآن هو كيف سيقضي والدهُ ليلتهُ السيئة علي ذلك المقعد وحيداً. فاق من شرودهُ علي صوت عمه الذي سأله مسفسراً: _من ميتا وإنتَ عارف إن أبوك متچوز علي أمك؟ زفر بضيق وتحدث مهمومً: _چدي جال لي يوم ما صفا عرفت بچوازي عليها. جحظت عيناي زيدان وهتف بذهول: _أبوي هو كمان كان عارف؟

صمت قاسم وأحترم زيدان ألـ.ـم قلب قاسم وحُزنهُ لأجل والدهُ، ففضل الصمت إحترامً لحالتهُ. تدلت من فوق الدرج وجدت جميع النساء جالسات حتي عليه وصباح اللتان أتَيا مهرولتان عندما أُشيع الخبر بالنجع وأنتشر بلحظات كإنتشار النار في الهشيم. أما عِثمان الذي دلف إلي حُجرته وأوصد بابها ليضل حبيسها كعادة حُزنهُ مؤخراً. كانت صفا وعمتها عَلية تجاورتان رسمية التي تنتحب وهي تخبط فخديـ.ـها بكفاي يداها قائلة:

_يا حرجة جلبي عليك وعلي اللي نابك يا قدري. تحركت إلي عمتها و وقفت قُبالتها ومالت بوجهها لتتطلع عليها ثم صاحت بنبرة غاضبة مُعترضة: _بدل متندبي علي ولدك البياع، إندبي علي بِت أخوكِ اللي وصاكِ عليها جَبل ما يموت وإبنك باع وأشتري فيها علي آخر الزمن. وصاحت مُتسائلة بنبرة حادة وعيون مُشتـ.ـعلة: _يتچوز علي فايقة ليه، جصرت معاه أني في إيه؟

ونظرت بحقد علي ورد الجالسة بمقعداً تنظر أرضً بملامح وجه حزينة لما حدث لشقيق زوجها وعم إبنتها، وهتفت بنبرة تُقطرُ حِقـ.ـداً وغِـ.ـلً: _ده غيره مرضاش يتچوز علي الأرض البور اللي مچابتلوش غير حِتة بِت. رفعت صفا وجهها لتنظر عليها بتعجب لأمر تلك الحـ.ـقود، واستشاط داخلها وكادت أن ترد عليها بإعتراض، فتطلعت ورد إليها وحركت أهدابها بهدوء لتحث إبنتها علي إلتزام الصمت وعدم الرد علي تلك غريبة الأطوار.

حين أكملت تلك الشمطاء بصياحٍ عالّ موجهه حديثها إلي رسمية: _يجوم ولدك يتچوز علي أم الرچاله، ده أني چايبة له بدل الراچل تنيين يسدوا عين الشمش. ومن جديد حولت بصرها ونظرت إلي ورد وصاحت: _وأخرتها يكسرني جِدام اللي يسوي واللي ميسواش ويشمت فيا العدو؟ نظرت لها ورد وهزت رأسها بإستسلام لكنها فضلت الصمت عن الرد علي تلك الحقودة التي وبرغم مصائبها إلا انها لا تكُف عن أذية الغير بكلماتها المسمومة.

حين هتفت عَلية الجالسة بجانب والدتها تُهدئ من روعها قاصدة بحديثها فايقة: _إجفلي خاشمك يا مّـ.ـرة يا سّو. وأكملت بنبرة حادة: _ده بدل ما تداري وتخجلي منينا واجفة بعين جوية تعايري ست الستات. وأكملت صباح التي تحمل داخل قلبها الكثير من الغضـ.ـب بإتجاة تلك الفايقة وهتفت بنبرة حادة: _لساتك عتعايري ورد بخلفة البِت حتي بعد اللي نابك يا حزينة؟ وأكملت بنبرة صريحة: _سبحان الذي يُمهِل ولا يُهمل. واسترسلت بتذكير:

_زمان حرضتي أمي علي زيدان لجل ما تخلية يتچوز علي مّرته، وفضلتي تزني علي دماغها لحد ما خلت أبوي خرچ زيدان ومرته وطردهم برات الدار وهي بتهم لساتها حتة لحمة حمرا شايلينها علي إديه. جحظت عيناها بلونهما شديد الحَمار وذلك جراء إشتـ.ـعال روحها وغضـ.ـبها وهتفت بنبرة حادة: _إنتِ شمتانة فيا يا صباح؟ ردت صباح بنبرة صارمة: _أني مش شماتناش يا بِت خالي، أني بس عفكرك بإن اللي عيتمني حاچة عِفشة للناس، ربنا بيبتليه هو بيها.

صرخت رسمية بنبرة حادة قاصدة بحديثها الجميع: _إجفلي خاشمك يا مّـ.ـرة مِنك ليها، معيزاش أسمع حِس واحدة فيكم وإلا وكتاب الله أجوم أچيب البندجة وأطُخها بيديه. ثم نظرت إلي فايقة وصاحت بنبرة غاضبة: _وإنتِ يا حُـ.ـرمة، بدل ما أنتِ واجفة تندبي علي دماغنا كيف غُراب الشوم إكده، إجعدي وأدعي لچوزك ربنا ينجيه من المصيبة اللي حطت فوج دماغه ودماغنا. وأكملت وهي تُشيح بيدها إلي أعلي الدرچ:

_ولو مجدراش تمسكي حالك وإنتِ جاعدة ويانا، يُبجا تغوري علي مطرحك فوج وإندبي إهناك علي عُمرك براحتك. جلست فايقة وكظمت غيـ.ـظها بداخله. بعد قليل دلف قاسم يجاورهُ زيدان الذي طلب من عمال المنزل بأن يعدوا الطعام ويقوموا بإخراجهُ للخفير، وطلب قاسم من ليلي بأن تصعد للأعلي وتضع ثيابً وكل ما يلزم والدها داخل حقيبة صغيرة. تحدثت رسمية إلي قاسم بصياحٍ مـ.ـؤلم لقلب أم يتقـ.ـطع حُزنً علي ولدها:

_فوت أبوك لحاله وچيت من غيره ليه يا قاسم؟ أجابها زيدان الذي تحرك وجلس بجوارها وقَبـ.ـل مقدمة رأسها مُهدئً إياها: _عيخرچ يا أمّا، بس إنتِ هدي لي حالك. هتفت فايقة بتساؤل إلي قاسم بنبرة عالية: _أبوك طلع متچوز عليّ صُح يا قاسم؟ متچوز علي أم الرچاله يا واد! تنهد قاسم وتحدث بهدوء: _إطلعي علي شُجتك وحاولي تنعسي لك شوي يا أمّا. صاحت غاضبة بنبرة عالية: _أنعس كيف يا راچلي وأبوك غدر بي وإنت عارف وساكت. واسترسلت بنبرة لائمة:

_رضيتها علي أمك كيف يا واد الكَسـ.ـرة دي؟ لم يعد بقدرتهِ التحمُل بعد، فقد فاض بهِ الكيل وطفح، نظر لها متعجبً وتحدث متهكمً ليُذكرها بحديثها التي قالتهُ من ذِي قبل: _عتكبري اللحكاية ليه يا أمّ قاسم، لا أنتِ أول ولا آخر واحدة چوزها يتچوز عليها. وأكمل بنبرة لائمة مُذكراً إياها: _مش دي حديتك بردك يا أمّ قاسم، ولا أتغير الحديت وبجا ملوش عازه لما چيه لحد عنديكِ؟

نظرت إليه صفا بتألُـ.ـم بعدما فهمت مغزي حديثهُ، شعور مرير إجتاح مشاعرها التي أُصيبت بإضطراب تجاههُ، جزءً منها وهو الضمير وقلبها يحدثاها بل ويطالباها بالتحرك إليه وأخذهُ لداخل أحضـ.ـانها لتحتويه وتسحب عنه حزنهُ وقهر الرجال الذي يشعر به، جراء شعورة بالعجز الذي أصابهُ عندما ترك والدهُ وعاد بدونه.

والجزء الاخر وهو العقل وكرامة الآنثي بداخلها، واللذان يطالباها بالمكوث والثبات بمكانها وليذهب الجميع إلي الجحيم وليتحمل كُلٍ نتيجة أفعاله. هتفت فايقة قائلة بإستغراب حال نجلها: _حتي إنتَ كمان لما شمتان في أمك يا قاسم؟ خليت للعدو إيه يا وِلد بطني! إتسعت عيناه ذهولاً وأردف مُتعجبً: _أني ممصدجش اللي شايفه جِدامي يا أمّا، إنتِ سايبة المصيبة اللي حطت علي راسنا وجاعدة تتحدتي في الكلام الفاضي دي؟

ثم صاح بكل صوتهِ بنبرة غاضبة توحي إلي وصولهُ للمنتهي: _لو مواخداش بالك يا أم قاسم عجول لك أني، أبوي متهمينه بجتل المّـ.ـرة اللي متچوزها في السّر، وصاحبتها شاهدة عليه إنه هددها وجالها إنه عيجتلها في خلال الأسبوع دي، والبواب أكد علي كلامها وجال للظابط إنه سمعه وهو بيتخانج وياها من أسبوع فات. وأكمل بتيهه وعيون زائغة:

_وأني عامل كيف الأطرش في الزفة ومفاهمش أيتوها حاچة، ومطلوب مني أطلع أنام واني چسـ.ـدي مـ.ـولع إكده، وأستني لبكرة لجل ما أعرف التفاصيل عشان أشوف عتصرف وأخرچه من المصيبة اللي رمي حاله فيها دي كيف. وأكمل بخزيٍ: _دي غير فضحيتنا في وسط المركز كلياته، وكل دي في نفس اليوم اللي عمي نچخ فيه في البرلمان، حتي ملحجناش نفرحوا. واسترسل لائمً بتعجُب:

_وحضرتك سايبه كُل البلاوي اللي حاطة علي نفوخنا دي، وكِل اللي هامك كيف يتچوز علي أم الرچاله! وقفت صفا وتحدثت إليه بنبرة مُرتعبة خشيةً علي صحته: _هدي حالك يا قاسم ليچري لك حاچة. حول بصرهِ إليها وتحدث بنبرة ساخرة: _الدَكتورة صفا بذات نفسيها عتطلب مني أهدي حالي؟ واسترسل لائمً بتساؤل مـ.ـؤلم: _عهمك وعتخافي عليّ إياك يا دكتورة؟ واسسترسل شارحً:

_ده أنتِ أكتر واحدة ورتني الويل ودوجت علي إديها المرار، ده أني في عِشجك شفت وعرفت كيف بيكون ذُل الرچال وجهرتهم. ثم أخذ نفسً عالياً ليُهدئ به روعه كي لا يُحزنها، ثم نظر إلي والدتهُ وتحدث بنبرة صارمة: _يلا يا أمّا علي مطرحك فوج. صاحت بصوتها العالي وتحدثت بإعتراض: _معتحركش من إهنيه غير لما تجولي علي كُل حاچة. وأكملت وهي تُدقق النظر داخل مقلتاه بعيناي تُطلق شزراً:

_عرفها ميتا المدعوجة دي، ومن ميتا وهو مستغفلني ومتچوزها عليّ؟ نظر لها وحقاً لم يعثُر بداخلهُ عن كلمات تعبر عن ما أصابهُ من تلك غريبة الأطوار. هتف زيدان بعدما طفح به الكيل منها: _متچوزها من أربع سنين ومسكنها في شُجة في المركز، وكانت حِبلة في شهرين كُمان. وأكمل بتساؤل متهكمً: _إكده إرتاحتي يا فايقة؟ جحظت عيناها وتفوهت بتيهه بنبرة ضعيفة وهي تنظر في نقطة اللاشئ:

_حِبله، أربع سنين، يا خيبتك الجوية يا فايقة، يا مرارك الطافح يا بِت سَنية. أسترسل زيدان حديثه بنبرة لائمة بحدة: _دايرة تخطتي وترسمي عشان توجَعي الكُل في مصايب لجل ما جلبك اللي مليان بالغـ.ـل ما يهدي ويرتاح، ونسيتي چوزك وأهملتيه، خلتيه يطلع يدور علي راحته بره مع نسـ.ـوان الله أعلم بحالهم، جنيتي إيه من حجدك غير المرار والخسارة يا فايقة. هتفت ليلي وهي تنظر إلي عمها بنظرات تُقطرً غِـ.ـلً:

_مبكفياكم عاد، خلاص، بجيتوا كلياتكم ملايكة وأمي هي الشيطان وسطيكم، نازلين جلد فيها وفايتين أخوكم اللي راح إتچوز واحده وكمان حِبلت منيه، وماسكين في الغلبانه ونازلين تجطيع في لحمها؟ وصاحت بعيون تطلقُ شزراً: _بكفياكم ظلم وأفتري يا عيلة ظالمة، لحد ميتا عتفضلوا تكيلوا بمكيالين؟ وأكملت بنبرة مسمومة: _ولما قاسم أخوي حب زميلته في المكتب واتچوزها جومتوا الدُنيي عليه ومجعدتوهاش لحد دلوك. وأكملت وهي تنظر بحـ.ـقدٍ علي صفا:

_وكُل ده لجل چلوعة أبوها صفا هانم. نظرت إلي عمتها عَلية وتحدثت ساخرة: _دي حتي عمتي عَلية معتكلمش قاسم من يوميها ومجطعاه لچل عيون بِت أخوها الغالية. وأكملت بنبرة حقود: _وبرغم إن كلياتكم خابرين إن چوزي طلب من چدي يد اللي ما تتسمي اللي چابتها لنا صفا هانم في المستشفي لجل متشغل بيها بال يزن، واستريلت بإهانه لزوجها: والمحترم چوزي ريل عليها وچري وراها كيف الأهبل. وأكملت بنبرة حقود:

_وچدي وافج إنه يچيب لي ضُرة ويجهر بيها جلبي، جِبل عليا اللي مجبلهوش علي حبيبة جلبه بِت ولده الغالي، حتي أخواتي الرچاله وأبوي لما عرفوا وسكتوا. إنتفضت نجاة من جلستها وهتفت بغضب لأجل ولدها: _إجفلي خاشمك اللي عينجط سم وإتحشمي وإنتِ عتتحدتي علي راچلك. وأكملت بنبرة حادة: _وإيش چابك إنتِ لصفا لجل ماتطلبي تتعاملي كيفها، إياك صفا كانت راحت زورت التحاليل وأفترت علي چوزها وطلعته معيوب جِدام عيلته يا واكلة ناسك.

وأكملت بنبرة حادة مستفزة: _وحياتك عندي معرتاح إلا لما أچوزه وأفرح بخلفُه وأشوفهم بيتحركوا جِدام عنيات. تعالت الاصوات بين النساء وبدأن بقذف الكلمات ورميها كقذائف فتاكة في وجوه بعضهن. إنتبه الجميع لصوت ذلك الغاضب الذي فاض به الكيل وما عادَ فيه التحمُل بعد، إنهُ قاسم لا غيرهُ بثوبهِ الجديد والذي وصل إليه بفضل تصرفات الجميع: _معايزش أسمع صوت واحدة فيكم وإلا وكتاب الله عطلع عليكم غُلب اليوم كِلاته. وأكمل ناهراً

إياهم بشدة: _يلا كُل مّـ.ـرة منيكم علي مطرحها، معايزش ألمح طيف حُرمـ.ـة منيكم إهنيه واصل. إرتبك الجميع من شدة غضبهُ فتحدث وهو ينظر إلي جدته: _يلا يا چدة، إدخلي لچدي ومتفتوهوش لحاله. وحول بصرهِ إلي عمتاه وهتف قائلاً: _وإنتِ عمه صباح، جهزي حالك إنتِ وعمتي عَلية عشان أخلي الغفير خسان يوصِلكم. تحدثت صباح بإعتراض: _أني معسيبش أمي وأبوي في الظروف دي وأعاود لبيتي يا قاسم. كاد أن يعترض فتحدث زيدان بهدوء:

_سيب عماتك بايتين ويا چدتك يا ولدي. تفهم ثم نظر إلي الجميع وتسائل: _واجفين ليه، مسمعتوش الحديت إياك؟ وتحدث إلي ليلي أمراً بنبرة حادة: _وإنتِ، خدي أمك وطلعيها علي مطرحها ومتفوتيهاش لحالها. تحركتا ليلي وفايقه، ومريم ونجاة، أما عَمتاه فأسندتا والدتهما وادخلاها حُجرتها بجانب عِثمان المعتزل.

نظر قاسم لعمه الواقف وزوجته المنتظران صفا التي تنظر لهُ بدموع داخل عيناها، والألـ.ـم يسيطر عليها، تريد الذهاب إليه وسحبهِ لداخل أحضانها لكنها تنتظر الخطوة الأولي منه. نظر لهم بجمود وصرامة، فأخر شئ يحتاج إليه الأن هو الشعور بالرأفة والشفقة منها هي بالتحديد، فيكفي كّم الإذلال والعجز والشعور بالقهر الذي شعر بهم أمام والده، يريدها ويُريد ضمة حُضـ.ـنها، لكن بإرادتها لا شفقةً منها علي حاله.

تحدث وهو يتحرك ويعطيهم ظهـ.ـرهُ إستعداداً لصعودهِ الدرج: _خد مرت عمي والدكتورة وروحوا علي داركم يا عمي. وأكمل وهو يصعد أولي درجات الدرج: _تصبحوا علي خير. تصنمت بوقفتها ونزلت دموعها حين رأت داخل عيناه قهـ.ـراً وألـ.ـمً لم ترهُ من قَبل. يحدثها قلبها ويطالبها بالتحرك خلفهُ. أمسكها زيدان الذي شعر بتمزق روحها وتحدث ليحثها علي التحرك معهُ: _يلا يا بِتي نروحوا علي دارنا، سبيه لحاله، إكده أحسن ليه.

أومأت بموافقة وتحركت بجانب والديها بقلبٍ صارخ لأجل متيم روحها ووجـ.ـعهُ. صباح اليوم التالي.

كانت تتدلي الدرج وهي تترقب حولها بإرتياب خشيةً من أن يراها أحداً، وذلك بعدما باتت تتلـ.ـوي بجـ.ـسدٍ يشـ.ـتعل نــ.ـاراً وقلبٍ يحتـ.ـرق من شدة غيرتها المُرة بعد إستماعها إلي حديث صفا الخاص بشأن إنتواء زواج رجُـ.ـل حياتها يزن من غيرها، مما جعلها تُصيب بحالة من الجنون وعدم السيطرة علي حالة الغضـ.ـب الشـ.ـاعلة بداخلها، فذهبت في الحال إلي فارس قبل الذي حدث مع والدها مباشرة وسألته عن صحة ما قصته علي مسامعها تلك الصفا، وبالفعل أكد صحتهُ لها.

وهذا ما جعلها تتجاهل ما حدث مع والدها وتنتوي الذهاب إلي مّشفي جدها لتواجه تلك الأمل وتضع لها حداً يُريها حجمها الحقيقي. وصلت إلي نهاية الدرج وهي تتسحب، ومن حظها العثر وجدت نجاة تخرج من المطبخ، تطلعت عليها وهتفت بإستغراب: _رايحة فين يا ليلي علي الصُبح إكده؟ إرتاعب داخلها وتحدثت بنبرة مُرتبكة: _خلعتيني يا مّرت عمي، فيه حد يطلع بوش الناس إكده من غير إحم ولا دستور؟ رمقتها نجاة بنظرة ساخرة وهتفت بنبرة مُتهكمة:

_سلامتك من الخضة يا مّرت ولدي، أچيب لك طاسة الخضة لچل ما تخطيها؟ أغمضت ليلي عيناها ثم زفرت بضيق وتعنت فأعادت نجاة علي مسامعها السؤال مرةً أُخري قائلة بنبرة صارمة وهي تتطلع بإستغراب علي هيأتها المُنمقة فوق العادة وثوبها الأنيق: _ما جولتليش، متشيكة من الصُبح إكده وفايتة أمك في المصيبة اللي هي فيها ورايحة علي وين؟ تحدثت بنبرة حزينة إصطنعتها لحالها:

_أني طول الليل جاعدة چاريها وعيني مغفلتش عنيها، ومفوتهاش دلوك غير لما أتوكدت إنها راحت في النوم، إتسحبت من چارها وجولت أروح أطمن علي چدتي سَنية وأطمنها علي أمي. وأكملت بحُزنٍ مُصطنع: _تلاجيها عِرفت الخبر الشوم دلوك بعد ما أنتشر في النچع كلاته وزمانها جلجانه علي أمي وجاعدة تندب حظها الشوم.

نظرت لها نجاة مُتعجبة لأمرها، كيف لها بأن تكُن بتلك الأنانية، ألم يشغل بالها أو يُحزنها ما حدث لأبيها ليلة أمس وأحزن المنزل بأكمله وأصابهُ بالخَيبة والخُزلان! سألتها نجاة بنبرة جادة: _جولتي لچوزك إنك خارچة؟ لوت فاهها ساخرة وتحدثت بنبرة تهكمية: _چوزي! وهو فين چوزي دِه، هو أني عُدت بشوبه ولا بلمح حتي طيفه؟ وتحدثت قائلة وهي تتحرك في طريقها إلي الخارج:

_علي العموم أني مش هتأخر، ساعة بالكَتير وهعاود جَبل ما أمي وچدتي رسمية يصحوا. وخرجت سريعً تحت إستغراب نجاة من أمر تلك غريبة الأطوار عديمة الشعور. داخل مّستشفي الصفا. اخرجت أمل من غرفة الفحص الخاصة بها وتحركت داخل الرواق، وجدت بطريقها ياسر فأوقفته وتحدثت إليه بتساؤل: _هي صفا إتأخرت أوي ليه كده إنهاردة يا دكتور؟ أجابها بتساؤل متعجب: _هو إنتِ ما عرفتيش اللي حصل إمبارح لعمها؟ ضيقت عيناها وتساءلت بإستغراب: _عمها؟

عمها مين، وإيه هو اللي حصل بالظبط فهمني. أجابها بأسي: _عمها قدري، والد جوزها ووالد مرات الباشمهندس يزن، الشرطة جت قبضت عليه بالليل والبلد كُلها كانت مقلوبة. وأكمل شارحً لها وهو يتلفت حولهُ بترقب: _بيقولوا إنه طلع متجوز واحدة تانيه في السر علي مِـ.ـراته ومقعدها في المركز، ومـ.ـراته دي لقيوها مقتـ.ـولة في شقتها ومتهمينه هو بقتـ.ـلها. شهقت أملّ وأتسعت عيناها بذهول، وبتلقائية وضعت يدها علي فمها وتحدثت:

_يا نهار أبيض، طب وإيه اللي حصل؟ أجابها وهو يرفع كتفاه للأعلي: _الشرطة تحفظت عليه وبايت في مركز الشرطة من إمبارح علي ما القضية تتحول للنيابة العامة. إنتفض داخـ.ـلها عندما تذكرت يزن وتخيلت حالة حُزنهُ. قطع حديثهما دخول تلك المتعالية إلي رواق المّشفي، وتحركها إليهما قاصدة وقفتيهما، ثم وقفت مقابلة لها وتحدثت وهي ترمق أملّ بإستعلاء دون إلقاء السلام عليهما: _عاوزة أتحدت وياكِ في موضوع لحالنا.

إستغرب ياسر حِدتها وطريقتها المتعالية في الحديث، و أمل أيصاً التي تحدثت بنبرة هادئة وهي تُشير إليها علي غرفتها الخاصة بالفحص: _إتفضلي معاي. أدلفتا سوياً إلي الداخل وتحدثت أمل إليها وهي تجلس: _إتفضلي إقعدي وإتكلمي، أنا تحت أمرك. تحركت ليلي وهي تنظر عليها بحقـ.ـدٍ وكُـ.ـرهً واضح وهتفت قائلة بتعالي: _طبعاً لازمن تكوني تحت أمري، مش شغالة عندينا وعايشة في خير.

نارمقتها أملّ بنظرة تعجبية من طريقتها الغير لائقة بالحديث، لكنها تنبهت بفطانتها إلي أنها بالتأكيد علمت بأمر طلب يزن السابق للزواج منها. فتحدثت بكبرياء إمتثالاً إلي كرامتها وعزة نفسها: _من فضلك، ياريت تخلي بالك من كلامك وتنتقي ألفاظك، أنا مش شغالة عند حد، أنا دكتورة محترمة وليا وضعي، وباخد أجر قصاد الخدمة اللي بقدمها للناس. هتفت ليلي بنبرة تهكمية: _محترمة؟ وأكملت بنبرة ساخرة: _بلاش الكلمة اللي تضحك دي علي الصُبح.

واسترسلت بنبرة غاضبة مهينة لشخص أملّ: _وهي فيه واحدة محترمة بردك تلعب علي راچـ.ـل متچوز وتشغل له باله وتضحك عليه لجل ما يتچوزها وتتنعم في خيره وفلوسه الكَتير؟ وأردفت قائلة بنبرة ساخرة وهي ترمقها بنظرات إشمئزازية: _إياكِ تكوني جولتي لحالك إن يزن عيحبك بچد يا مهشكة إنتِ، يزن بيلعب بيكِ لچل ما يخليني أغير عليه وأرچع وياه كيف الاول. ضيقت أمل عيناها بإستغراب لحديث تلك الكاذبة، فتحدثت ليلي بتأكيد كاذب:

_يزن محبش في حياته ولا عيحب غيري، يزن عيموت عليّ وعاوز يشـ.ـعلل العشج في جلوبنا من تاني كيف زمان، ولما لجاكي رامية حالك عليه كيف الـ.ـغواني وبـ.ـنات الليل جال وماله، أتسلي وياها كام يوم وأخلي نـ.ـار ليلي تشعـ.ـلل من چديد وبعدها أرميها في أجرب كوم زبالة. إستشاط داخل أملّ وصاحت غاضبة بنبرة حادة: _لحد هنا وكفاية أوي، كلمة تانية وهسمعك اللي عُمرك ما تحبي تسمعية وهطردك برة المكتب ده. صاحت ليلي بغضب قائلة:

_يا بچحتك يا بِت، عتطرديني من مِلك أبوكِ إياك؟ صحيح اللي إختشوا مات. رمقتها أمل بإشمئزاز وهتفت: _إسمعي يا ست إنتِ، أنا مش هنزل مستوايا وأرد علي بني ادمة سوقية زيك، بس هطلب منك لأخر مرة إنك تتفضلي تخرجي من هنا بالذوق، وده بس إحترامً للدكتورة صفا والباشمهندس يزن، غير كده أنا كُنت عِرفت أتصرف معاكِ كويس أوي، وعاملتك بالمستوي اللي يليق بواحدة زيك. هتفت ليلي بنبرة جارحة:

_وكمان ليكي عين تبجحي وتهدديني يا خطافة الرچـ.ـالة يا سو. واسترسلت بإتهام زائف وأهانة: _وأني عستني إية من واحدة رَخيصـ.ـة رامية حالها علي راچـ.ـل متچوز وعتچري وراه لچل ماله ومال أهله اللي طمعانة فيه. أشارت أمل بسبابتها في وجه ليلي هاتفة بحدة: _إحترمي نفسك وإتكلمي كويس. وأكملت لحرق روحها:

_جوزك اللي بتقولي عليه ده هو اللي جالي وطلب مني الجواز بعد ما شرح لي طبيعة العلاقة اللي ما بينكم واللي فهمت منها إنكم في حُكم المطلقين وإنه هاجرك وقاعد لوحدة، و وعدني إنه هيطلقك علشان ما يظلمكيش. وأكملت بكبرياء وكرامة: _ومن كام يوم جه وبلغني إن جده رفض إنه يخلية يطلقك، وطلب مني إننا نتجوز علي الوضع ده، وقال لي إنه هيبني لي بيت لوحدي علشان أعيش فيه براحتي وأكون مطمنه، لكن أنا اللي رفضت. واسترسلت موضحة:

_ورفضي مش إعتراضً علي شخص الباشمهندس لا سمح الله. وأكملت قائلة بقوة وشموخ: _رفضي كان لأن مش أنا اللي أقبل أرتبط براجل متجوز وأخد لقب الزوجة التانية، وأسمح لاي حد يجيب سيرتي بكلمة بطالة. هدئ داخل ليلي عند إستماعها لذلك الحديث المطمأن لروحها ثم إبتسمت بخفوت وتحدثت بنبرة ساخرة: _شاطرة، خليكِ بجا ثابتة علي موجفك دي جِدامة. ثم رمقتها بنظرة كارهه واردفت قائلة بنبرة تهديدية:

_لأن لو حصل غير إكده، متلوميش غير حالك من اللي عيچري لك علي أدين ليلي النُعماني. ثم أكملت وهي تُشير بيداها بطريقة مخيفة وملامح وجة شريرة: _لو جربتي من راچـ.ـلي تاني، عجتلك بأديا التنين دول وأشرب من دمـ.ـك وأني متمزچة. ثم رمقتها بنظرة تهكمية وهتفت بنبرة ساخرة: _سمعاني يا مهشكة انتِه. هتفت أملّ وهي تُبسط ذراعها وتُشير بيدها إلي باب الغرفة قائلة:

_خلاص، إرتاحتي وإتفشيتي وقولتي كل اللي جاية علشان تسمعهولي، إتفضلي بقا من غير مطرود بدل ما اتصل بالباشمهندس وأخليه يبجي ياخدك بنفسه. إرتاعب داخلها وهتفت بنبرة تهديدية: _الله الوكيل لو يزن عِرف إني چيت لك إهنيه واتحدت وياكِ، ليكون آخر يوم في حياتك يا واكلة ناسك انتِ. وأردفت مهددة إياها برفع سبابتها أمام وجهها: _خلي كلامي حلجة في ودانك عشان معكررهوش تاني. وأكملت:

_بعدي عن يزن وحافظي علي لجمة عيشك بدل ما أخرچك من المستشفي والنچع كلياته بفضيحة بچلاچ. قالت كلماتها الآخيرة وهي تتحرك إلي الباب الذي فتحته وخرجت ثم قامت بصفقهِ بشدة إهتزت لها الجدران تحت ذهول أملّ وإشفاقها علي يزن من تلك الشمطاء الغير مناسبة لهُ والتي لا تصلح علي الإطلاق بأن تكون زوجة لذلك الخَلوق. إرتمت بجسدها فوق المقعد بإهمال وهي تنظر أمامها وعدم الإستيعاب سيد موقفها. في اليوم التالي.

داخل قسم الشُرطة، فُتح التحقيق في القضية بحضور الجميع. سأل المحقق حارس العقار قائلاً: _قولي يا صميدة، ماشفتش حركة غريبة في العمارة يوم إرتكاب الجريمـ.ـة، ناس غريبة طلعت العمارة، حركة غريبة، خبط رزع، حاجة زي كده يعنى. أجابهُ صميدة بتأكيد: _لا يا بيه، العمارة كانت هادية كيف العاده. وأجاب مُتذكراً:

_مفيش غير حُـ.ـرمة لابسة نجاب هي اللي طلعت علي فوج، ولما سألتها رايحة علي وين جالت طالعة لحد جريبها في الدور السابع، والجتيلة كانت في الدور التالت يا بيه. سألهُ الضابط من جديد: _طب وقدري النُعماني جوز القتيـ.ـلة، مجاش في اليوم ده؟ أجابهُ صميدة: _الكِذب خيبة يا بيه، أني مشفتهوش من يوم اللخناجة الكبيرة وحسهم العالي من أسبوع. وضع صميدة إمضائهُ وخرج. وبعدها وقفت أحلام عبدالله صديقة ماجدة وتحدثت بصياحٍ

مفتعل وهي تنظر إلي قدري: _هو اللي قتلـ.ـها ما فيش غيره يا بيه. وأكملت بدموع التماسيح: _أنا كُنت عند ماجدة من ست أيام، لقيتها بتعيط وكانت مرعوبة، ولما سألتها قالت لي إنها قالت لقدري إنها حامل، لكن هو طلب منها تسقط العيل، ولما رفضت هددها بالقـ.ـتل وأداها مهلة إسبوع. قطب قاسم بين حاجبية وسألها بنبرة تشكيكية: _قولي لي يا أحلام، إنتِ وماجدة متعودين تتكلموا في التليفون يومياً؟ أجابته بقوة:

_أيوة يا أستاذ، إحنا كُنا بنتصل ببعض كل يوم، ماجدة دي أصلها كانت زي أختي بالظبط. سألها قاسم من جديد: _طب وهي كانت بترد عليكِ كل ما ترني عليها، ولا بترد حسب ظروفها؟ إرتبكت ثم تحدثت: _كانت بترد علي طول طبعاً. صاح قدري مكذبً إياها: _كدابة يا بيه، أني كُنت منبه علي ماچدة وجايل لها لا تدخلها عِندينا ولا تكلمها حتي في التلفون، وساعات كانت بترن وأني في البيت وماچدة تجفل السكة في وشها وتجولي إنها معتردش عليها واصل.

إبتسمت أحلام وتحدثت بنبرة تشكيكية: _وهو أنتَ غلبان أوي كده لدرجة إنك كُنت بتصدق أي حاجة تقولها لك ماجدة؟ وأكملت شارحة وهي تنظر إلي الظابط: _يا باشا ماجدة الله يرحمها كانت بتترعب منه، لأن المفتري ده كان بيمد إيده عليها ويضربها، ده كان حارمها من إنها تزور أهلها يا باشا، وماجدة كانت واحدة غلبانة وعاوزة تعيش. وأسترسلت بإستفاضة:

_علشان كده كانت مفهماه إنها مقاطعة الكُل زي ما هو عاوز، ومن وراه كانت بتعمل اللي علي كيفها كله. وأكملت بإستشهاد: _ولو مش مصدقني ممكن تروح تسأل الجرسونات اللي في كافيه الإنسجام اللي في شارع محروس السمان، هيقولوا لك إن أنا وماجدة كنا بنروح نتعشي ونشيش هناك مرة كل أسبوع علي الأقل. أخذ الضابط توقيعها علي أقوالها وأنصرفت، ثم تحدث قاسم بعدما إنتابهُ الشك من تلك المرتبكة وفضحتها عيناها الزائغة الغير ثابتة:

_بعد إذن سعادتك يا باشا، أنا بطالب بأخذ موكلي لمكان الجريـ.ـمة وبطالب بمعاينة جميع محتويات الشقة. بالفعل تحرك فريق التحقيق إلي مكان الجريـ.ـمة وتمت المعاينة، لاحظ قدري غياب المشغولات الذهبية جميعاً وبعضً من ثيابها الثمينة.

أعطت الشرطة مواصفات المصوغات ووزعتها علي أصحاب محلات الصاغة وذلك بعدما أبلغهم قدري بإسم الصائغ الذي كان يتعامل معهُ دائماً، وأعطي الصائغ مواصفات المشغولات بناءً علي تلك الفواتير التي كان قدري يقوم بالإحتفاظ بها داخل دُرج سري في خزانة ملابسه الخاصة به. حولت القضية إلي النيابة العامة، وأخذ قدري أربعة أيام علي ذمة التحقيق، وذلك لعدم وجود أي كسر في الباب او أي عُنـ.ـف يدل علي الإقتحـ.ـام.

وتقدم قاسم ببلاغً يتهم فيه أحلام بقتـ.ـل ماجدة لغرض السرقة، وبالفعل تم القبض عليها بعد تفتيش منزلها و وجود بعض المشغولات الذهبية، وأيضاً العثور علي ثياب ماجدة المتغيبة التي ذكر قدري مواصفاتها. لكنها بالفعل أنكرت وأدعت أن ماجدة هي من أهدتهم إياها. في نفس اليوم تقدم أحد الصائغين بأنه وجد بعض المشغولات التي ذُكرت في النشرة الرسمية التي وزعتها الشرطة، وذكر بأن إمرأه في بداية عقدها الثالث هي من باعتها له.

وعند مواجهة الصائغ بأحلام في حضور قاسم تحدث الصائغ بتأكيد وهو ينظر إلي تلك المُرتعبة: _هي دي يا أفندم اللي چت وباعت لي الدهب. وأكمل ليُخلص حالهُ: _ولما سألتها علي الفواتير، قالت لي إنها كانت متجوزة واحد من الخليج وكان بيجبهم لها هدايا من غير الفواتير، ولما طلقها ورجع بلده، إحتاجت فلوس وأضطرت تبيعهم. صرخت أحلام وتحدثت بنبرة مُرتعبة: _حرام عليك، أنا ما عملتش حاجة، إنتَ بتفتري عليا ليه؟ تحدث إليها وكيل النائب

العام بنبرة أحبطتها: _الإنكار مش هيفيدك يا أحلام، أحسن لك تعترفي بإرتكابك للجريمة لأن القضية إتقفلت خلاص وكل الأدلة ضدك. صرخت وتحدثت بنبرة مُرتعبه: _أنا هقول علي كُل حاجة ياباشا، ما أنا مش هلبس الليلة لوحدي والقاتل الحقيقي يخرج منها زي الشعرة من العجين. يُتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...