صباح اليوم التالي. خرجت من باب منزلها لتستقل السيارة التي خصصها لها زيدان بسائقها لتكون تحت أمرتها طيلة الوقت، كي تذهب إلى المدرسة لاستخلاص بعض أوراق الثانوية العامة المطلوبة منها. انتفض داخلها بسعادة عندما وجدته يخرج من باب المنزل وتجاوره فايقة بملامح حزينة وهي تودع صغيرها. أمسك قاسم رأس والدته مقبلاً إياه وتحدث بنبرة حنون: "وبعدين معاكِ عاد يا أماي، هو أني كل مرة همشي متنكد عشانك كده؟
جففت فايقة إحدى دمعاتها الهاربة منها وتحدثت بنبرة حزينة صادقة: "غصب عني يا قاسم، مجدرتش أتعود على بعادك عن حضني يا واد جَلبي." في حين تحدثت ليلي التي اقتربت وارتمت داخل أحضان شقيقها لتودعه: "يا أما ده بقى له 8 سنين هيسافر، المفروض تبقي اتعودتي على كده يا أم قاسم." قبل وجنة شقيقته وأردف قائلاً بحنان: "خلي بالك من نفسك يا ليلي وذاكري مليح، عشان كلية التجارة صعبة ومحتاجة مذاكرة وتركيز عالي." أومأت له رأسها بهدوء.
نظرت فايقة تتطلع أمامها، اتسعت عيناها فرحاً عندما وجدت تلك العاشقة المتسمرة بوقفتها بجانب السيارة، وهي مسلطة بصرها بإعجاب على قاسم، بنظرات مغرمة هائمة لعاشقة يظهر عشقها كوضوح الشمس أمام أعين الجميع. ابتسمت داخلها بتشفي وشعرت بالارتياح، وعلى الفور قامت بالنداء عليها لِتزيد من تسليتها: "مش هتيجي تسلمي على قاسم قبل ما يعاود على مصر يا صفا؟ همس قاسم
إلى والدته بنبرة معاتبة: "وبعدين معاكِ عاد يا أماي، مهبطليش اللي بتعمليه ده؟ أجابت صغيرها بنبرة هادئة متصنعة للبراءة: "وأني عملت إيه عاد يا ولدي، الحج عليّ اللي بالدم لبنت عمك لجل ما تيجي وتسلم عليك قبل ما تعاود على مصر." ضحكت ليلي وتحدثت بنبرة ساخرة: "مهتضيعيش وقت إنتِ خالص يا أمي." رمقتها بنبرة غاضبة وهتفت قائلة: "اسكتي ساكت وخليكي في خيبتك يا حزينة."
كانت هناك من تتطلع عليهم من شرفتها التي تعتلي وقفتهم، بلهفة وعيون حزينة وقلب يتمزق ألماً لأجل ما تستمعهُ وتراهُ أمام أعينها، إنها مريم، إحدى ضحايا عشق ذاك القاسم الصارم. أما تلك العاشقة التي ابتسمت ببشاشة وجه وانتفض داخلها بسعادة من حديث زوجة عمها المشجع لها، وتوجهت بتمهل إلى وقفتهم وهي محتضنة ذلك الملف إلى صدرها ببراءة وتحدثت إلى قاسم بنبرة رقيقة: "توصل بالسلامة إن شاء الله يا قاسم، متبجاش تتأخر علينا كده."
ابتسم لها قاسم وأردف قائلاً بنبرة هادئة: "إن شاء الله يا صفا، خلي بالك من نفسك وذاكري مليح لجل ما تفرحي عمي بيكي." أنار وجهها وتحدثت بطاعة جذبت بها انتباهه ولكنه نفض رأسه سريعاً من تلك الأفكار: "حاضر يا قاسم." ابتسمت تلك اللعوب وتحدثت إلى ولدها: "ناول رقم تلفونك الجديد لبنت عمك عشان لو احتاجت منك حاجة في مذاكرتها تكلمك يا قاسم."
نظر لوالدته بعيون ملامة، لا يدري لما تقوم بكل تلك الأمور وهي تعلم علم اليقين أنه لن يتزوجها، حيث كان قد أخبرها هو من قبل عن معرفته لانتواء خطة جده بأن يزوجه من صفا وأخبرها أيضاً بأنه لا يراها إلا كليلى شقيقته. تحدثت صفا على استحياء حين رأت تلعثم قاسم وانزعاجه: "بلاش يا مرت عمي، معيزاش أشغله وأعطله عن شغله."
هتفت فايقة بنبرة متلهفة: "واه، حديث إيه اللي عتقوليه ده يا بنتي، إنتِ بس اشغليه براحتك و"زينة الشباب" على جَلبه حديث صفا كيف العسل." ثم حولت بصرها إلى ولدها وتساءلت بلؤم: "مش كده بردك يا قاسم؟ نظر قاسم لوالدته مستغرباً أفعالها وتحدث مجبراً وهو يبتسم لابنة عمه كي لا يحزن قلبها البريء: "أكيد طبعاً يا أمي." كانت تشعر بروحها سارحة في ملكوتها الخاص من حديث زوجة عمها الذي يحمل الكثير والكثير من المعاني.
ابتسمت بسعادة مفرطة لم تستطع التحكم في إخفائها وتحدثت بنبرة تكاد تصرخ من فرط سعادتها: "تسلم يا قاسم ويخليك ليا." ثم ارتبكت وتحمحمت مصححة جملتها: "قصدي يخليك ليا." رَمقتها فايقة بنظرة انتصار وابتسمت بخبث. وهنا استمعت صفا إلى صياح والدتها التي نادت عليها بنبرة محتقنة تحمل الكثير والكثير من القلق: "سايبة السواق واقف ملطوع كل ده وإنتِ واقفة عندك بتعملي إيه يا صفا؟
ارتبكت وارتعب داخلها وحولت بصرها لتلك الغاضبة تنظر عليها بعيون زائغة. حين أردفت فايقة قائلة بنبرة سعيدة ووجه مبتسم شامت: "جري إيه يا سلفتي، مالك هبيتي في البت خلعتيها كده على الصبح؟ ثم أكملت بابتسامة خبيثة: "أني اللي ندهت عليها لجل متسلم على واد عمها قبل ما يعاود على مصر." نظرت لها ورد وحدثت حالها بغيظ: "بما تفكرين وتخططين أيتها الماكرة الحقودة؟ تري ما تلك الكارثة التي تخطين بإيقاع صغيرتي الساذجة بها أيتها الملعونة؟
وأكملت باستماسة داخل نفسها: "لن أسمح لكِ بإيقاع ابنتي داخل شباكك أنتِ وزوجك الحقود، أعلم علم اليقين أن قاسم يختلف كلياً عن حقدكما، ولكن يكفي أنه ولدكم، فهذا وحده كفيل بألا يشفع له عندي مهما مر العمر." حولت صفا بصرها إليهم من جديد وتحدثت إليه بنبرة حزينة وعيون ناظرة أسفل قدميها: "توصل بالسلامة يا واد عمي، بعد إذنكم." وتحركت سريعاً إلى سيارتها واستقلتها تحت أعين ورد التي تحدثت
بنبرة جامدة إلى قاسم: "توصل بالسلامة إن شاء الله يا ولدي." أجابها قاسم باحترام: "الله يسلمك يا مرت عمي." تحركت سيارة صفا منطلقة لخارج البوابة الحديدية الخارجية، وتلاها قاسم الذي استقل سيارته بجانب السائق وتحرك بها متجهاً إلى مطار سوهاج ومنه إلى مطار القاهرة. ألقت ورد نظرة غاضبة على فايقة ثم استدارت معاودة لداخل منزلها بشموخ.
ابتسمت فايقة بشماتة وتحركت هي الأخرى إلى الداخل، في حين اقتربت منها ليلي التي كانت شاهدة على تلك المسرحية الهزلية. وتحدثت ليلي إلى والدتها بعدم استيعاب: "نفسي أدخل جوة دماغك وأعرف إيه اللي هيدور جوهوا يا أماي،" وأكملت بتساؤل حائر: "منين مهتيجيش سيرة ورد وفي نفس الوقت بتحاولي بكل قوتك تجربي بنتها صفا من قاسم أخوي؟ ابتسمت فايقة وأجابت
صغيرتها بنبرة يملؤها الغل: "ده تخطيط واعر وشغل عالي على كبير، يصعب على الصغيرين اللي زيك يفهموه يا بت بطني." وأكملت بنبرة تهكمية وهي ترمقها بنظرة غاضبة: "خليكي إنتِ في مذاكرتك في الكلية الخايبة بتاعتك اللي دخلتيها بمجموع الشؤم اللي جبته بالعافية." ودلفت وتركت ليلي التي زفرت بضيق من حديث والدتها المتهم عليها. ***
أما بشرفة مريم التي تنهدت بأسى وروح محبطة من ما رأت بعينيها واستمعته بأذنيها منذ قليل، وما أن التفت بجسدها حتى فزعت واتسعت حدقة عينيها حين رأت والدتها تقف بوجهها، تربع ذراعيها وتضعهما فوق صدرها. هتفت مريم بصياح بنبرة مرتعشة من هول الصدمة: "خلعتيني يا أمي، فيه حد بيدخل يتسحب على حد كده؟ كانت ترمقها بنظرات غاضبة وأردفت قائلة بنبرة ساخرة: "أجيب لك طاسة الخضة لجل ما تخطيها يا عين أمك؟
ابتلعت مريم لُعابها من طريقة والدتها المتهمة فتساءلت باستفسار مترقب: "إيه اللي حصل يا أمي لمسخرتك على دي؟ أجابتها نجاة بنبرة حادة: "صح معرفش حصل إيه يا مريم؟ حصل إنك بتقللي من قيمتك وترخصيها مع ولد فايقة." انتفض جسدها وابتلعت لُعابها رعباً من حديث والدتها المفاجئ وأرادت الإنكار كي تنجي بحالها من بطش تلك الغاضبة، فهتفت بنبرة زائفة وإنكار: "كلام إيه اللي عتقوليه ده يا أمي، وأني مالي ومال قاسم؟
خرجت من بين ابتسامة مهمومة وأردفت قائلة بنبرة حزينة: "بس إني مجبتش سيرة قاسم يا مريم." تنهدت بأسى ثم اقتربت على صغيرتها وأمسكت يدها وتحركت بها للداخل حتى وصلتا إلى التخت وجلستا، أخذت نفس عميق وزفرته وتحدثت بهدوء: "اسمعيني زين يا بتي وافهمي حديثي صح لجل ما تحفظي كرامتك ومتهينهاش على الفاضي." واسترسلت حديثها العاقل: "عمك قدري ومرته مهيسبوش مال عمك زيدان يخرج من بنات أكفوفهم، وهيعملوا المستحيل لجل ما يجوزوا قاسم لصفا."
"يعني تنسي اللي عتفكري فيه ده لأنه مهيحصلش واصل، أول هام زي ما جلت لك اللي ناوي عليه عمك ومرته، وتاني هام إن قاسم مهيفكرش فيكي ولا شايفك جدامه من الأساس، ولا كمان بيفكر في صفا ولا شايفها." جملة حادة غاضبة هتفت بها مريم. فأجابتها نجاة: "صح هو مهيفكرش فيها، بس عمك ومرته بيفكروا وهما دول الأهم، ده غير إن جدتك لمحت لي قبل سابق إن جدك بيفكر يدي صفا لقاسم لجل ما يكون مطمن عليه."
تنهدت بأسى حين رأت غشاوة الدموع المتكونة داخل عيني صغيرتها الحزينة، فتحدثت بنبرة مهمومة: "يا مريم إني خايفة عليكي من خيبة الأمل، إنتِ لسه صغيرة ومهتتحمليش وجع خيبة الأمل وكسرة النفس يا بتي،" وأكملت برجاء وهي تمسك بكف ابنتها: "لو كنتِ غالية عليكي صح خرجي الموضوع ده من دماغك واصل." قالت كلماتها وتحركت إلى الخارج، في حين ارتمت بجسدها تلك العاشقة الصغيرة وأجهشت بالبكاء الذي تحول إلى نوبة بكاء مريرة. بعد حوالي ساعتين.
كان يتحرك داخل رواق مكتب المحاماة الخاص به يخطو بخطوات واثقة تتسم بالرجولة والجاذبية لكل من يراه، متوجهاً إلى غرفة مكتبه. وصل لها وخلع عنه حلته وعلقها فوق العلاقة الخاصة بها، وشمر أكمام قميصه وكاد أن يجلس إلا أنه استمع إلى طرقات فوق الباب. وقبل أن يأذن للطارق بالدخول وجد الباب يفتح وتدلف عبره تلك الجميلة بطولها الفارغ وجسدها النحيل، إنها إيناس ذات الوجه الجميل ظاهرياً، حيث لا تظهر ملامح وجهها بوضوح وذلك بفضل مساحيق التجميل التي تضعها فوقه بكثرة، وشعرها الأسود الحريري الذي يهفهف خلف ظهرها حيث أنها تركت له العنان ليتنفس ويرفرف بحرية خلفها.
ابتسم لها بسعادة، أما هي فتحركت إليه والتصقت به بلهفة مفرطة وكادت أن تقبل وجنتيه لولا ساعديه الذي وضعهما وكانت كالسد المنيع، وابتعد عنها وهو يزفر بضيق وتحدث بنبرة صوت غاضبة معنفاً إياها: "وبعدين معاكي يا إيناس، أنا كام مرة نبهت عليكي وقولت لك بلاش الحركات اللي بتعمليها دي، ومع ذلك مصرة عليها مع إنك عارفة ومتأكدة إنها بتضايقني وبتخرجني عن شعوري."
تأففت بتملل وأجابته بضجر: "وأنا كام مرة قولت لك إني مبعملش كده غير معاك إنتَ وبس، وإن المفروض إن ده شيء يسعدك ويحسسك أنا قد إيه بحبك وبتوحشني لما بتغيب عني." ضيق عينيه مستغرباً حديثها وتساءل ساخراً: "وسيادتك عايزة تعملي كده مع مين تاني يا هانم؟ ثم أردف قائلاً بنبرة غاضبة مشيراً بسبابته إليها مهدداً
إياها: "إيناس، لأخر مرة هنبهك وهقول لك الموضوع ده ما يتكررش تاني، مش عايز أغضب ربنا أنا، عايز علاقتنا تبقى محترمة وفي إطار الشرع عشان ربنا يبارك لنا في حياتنا." تنهدت وظهر الحزن فوق ملامحها فتحدث هو مفسراً ردة فعله بنبرة أهدأ قليلاً: "يا إيناس من فضلك حاولي تفهميني، أنا عارف إن نشأتنا وتربيتنا مختلفة عن بعض، بس أنا عايزك تتطبعي بطبعي عشان لما نتجوز ونروح الصعيد محدش ينتقد أفعالك وميحسوش إنك مختلفة عنهم."
ثم نظر إليها وأردف قائلاً بنبرة حنون كي ينسيها حزنها الذي أصابها من ردة فعله العنيفة: "فهماني يا حبيبتي؟ ابتسمت له وتحدثت بسعادة وكأن شيئاً لم يكن: "ومين غيري يفهمك يا قاسم، أنا بس مش عايزك تحبها علينا أوي كده، أنا بحبك وإنتَ بتحبني وهنتجوز، يبقى إيه المانع لما توحشني أحضنك وتحضنيني،" وأكملت بلا مبالاة: "أنا مش شايفة إن الموضوع يستدعي كل غضبك ده؟! أجابها وقد تملك الغضب من ملامحه من جديد أثر
حديثها المرفوض بالنسبة له: "المانع إنه حرام يا أستاذة يا بتاعت الشرع والقانون، لا والمصيبة إنك شايفة إن الموضوع عادي ولا يستدعي الغضب." وأكمل بنبرة تحذيرية ولهجة صعيدية
لم يستطع التحكم بها: "اسمعي يابت الناس، أنا بطبعي مبحبش أعيد حديثي مرتين، لكن معاكِ بعيده كتير وده شيء بينرفزني وبيخرجني عن شعوري، فعشان نبقى متفقين من أولها كده، حكاية قربك مني وإنك تبقي عايزة تحضنيني أول ما تشوفيني دي تنسيها خالص، وكمان شعرك ده لازم تداريه وتتحجبي،" وأكمل بضجر وملامح وجه مشمئزة: "أنا معرفش أصلاً هافتح أهلي كيف بزواجنا بشعرك ده." أجابته
بنبرة هادئة كي تمتص غضبته: "ما أنا قولت لك قبل كده يا قاسم، لما تقرر تفتح أهلك وتخطبني وقتها هبقى ألبس الحجاب." وأكملت بحزن اصطنعته لحالها كي تستدعي تعاطفه: "وياسيدي لو قربي منك ولهفتي عليك وإنك بتوحشني لما بتبعد عني بيضايقك أوي كده، خلاص، أوعدك إني مش هرخص نفسي وأرميها عليك تاني." وأكملت بطاعة أثارته: "ها، فيه حاجة تاني مضايقاك في تصرفاتي وعايزني أغيرها؟
وضع يده فوق شعر رأسه وسحبها للخلف ثم أخذ نفس عالياً وزفره كي يهدئ من روعه وتحدث بنبرة صارمة وملامح وجه مبهمة: "إيناس، أنا عايزك تلبسي الحجاب من انهاردة، إيه رأيك لو ننزل أنا وإنتِ بعد مواعيد المكتب وأشتري لك كل اللبس اللازم عشان الحجاب؟ " وأكمل بلهجة صعيدية وابتسامة كي يقنعها ويهون عليها
صعوبة الخطوة بالنسبة لها: "إنتِ هتتجوزي صعيدي يا بت، والصعيدي بيحب مرته وبيعيش عليها ومش هيجيب على رجولته إن شعرة واحدة تبان منها قدام الخلق كده." ضحكت بأنوثة مقصودة واجابته مضطرة: "حاضر يا عم الصعيدي الحمش، بس ياريت بقا تسرع بخطوبتنا عشان بابا بدأ يتضايق من الموضوع ورجع يكلمني فيه تاني." أجابها بهدوء: "حاضر يا حبيبتي، صدقيني قريب جداً هافتح جدي بالموضوع."
استمعا إلى بعض الطرقات ودلف شقيقها عدنان بعدما أذن له قاسم بالدخول وتحدث وهو يقترب من قاسم محتضناً إياه بحفاوة: "حمد الله على السلامة يا متر، نورت القاهرة." ربت قاسم على ظهره قائلاً: "الله يسلمك يا عدنان." ثم اتجه قاسم خلف مكتبه وجلس فوق مقعده المخصص له وجلس كل من عدنان وإيناس متقابلين بالمقاعد. فتساءل قاسم بنبرة جادة: "طمنوني يا أساتذة، إيه أخبار القضايا اللي عندنا؟ أجابته
إيناس بنبرة عملية واثقة: "كله تمام يا قاسم، مش هتصدق مين طلب إن مكتبنا يمسك له القضايا الخاصة بشركته." نظر لها منتظراً تكملة حديثها فأكملت هي بابتسامة فخر: "عزت الباجوري صاحب شركات النقل الشهيرة في البلد." اتسعت حدقة عينيه وتحدث مستفسراً بسعادة: "عزت الباجوري بذاته،" أومأت له بسعادة فأكمل هو بنبرة حماسية: "دي خطوة مهمة جداً وبتأكد لنا إن مكتبنا بقاله اسم وسيط بين مكاتب المحاماة."
وافقه الرأي وتحدث عدنان متباهياً: "إنتَ مستهون بمكتبنا وبشغلنا إحنا الثلاثة ولا إيه يا متر؟ أجابه قاسم بدعابة: "بصراحة كنت، بس الباجوري غير لي نظرتي خلاص." ضحك ثلاثتهم واكملوا حديثهم الخاص بالعمل. عند الغروب. داخل الفيراندا الخاصة بسرايا عتمان. كان يجلس فوق مقعده بمفرده ينتظر رسمية التي دلفت لصنع مشروب شاي العصاري لكلاهما.
خرج زيدان من منزله يتطلع إلى الحديقة، وقعت عيناه على والده الجالس بمفرده، انتعش صدره من أثر رؤياه التي تنعش روحه وتطمئن قلبه، فبالرغم من تقدم زيدان بالعمر إلا أنه ما زال أبيه يمثل له حصن الأمان بالنسبة له. تحرك إلى أبيه بخطوات مهرولة ووقف أمامه على استحياء وتحدث بنبرة صوت مرتعشة: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كيفك يا أبوي؟
أما عتمان الذي ما إن استمع إلى صوت نجله الحبيب الذي ما زال الأقرب إلى قلبه برغم كل ما جرى، لم يستطع رفع عينيه، متلاشياً النظر لداخل عيني صغيره، وذلك كي لا يضعف أمامه وينتفض واقفاً ويسحبه لداخل أحضانه كي يشبع جوع قلبه. تمالك من حاله بصعوبة وعاد إلى إدراكه راسماً الجمود فوق ملامحه وأردف بصوت جاحد بارد أجاد تقمصه: "الحمد لله." ابتلع غصة مريرة من معاملة والده له التي لم تتغير يوماً برغم مرور كل تلك السنوات الطويلة.
ضل واقفاً بإحراج حتى خرجت والدته تحمل بين كفيها حاملاً موضوع عليه كأسين من الشاي. تحدثت بلهفة حين رأت من كان مدللها وحبيبها القريب إلى قلبها: "العوافي يا زيدان." انتفض داخله حين استمع إلى صوت من كانت يوماً تنثره بالحنان والدلال، أما الآن فقد تغير الوضع كلياً ولم يرا منها إلا الجحود الظاهري والغضب. أجابها بنبرة حنون: "يعافي بدنك يا حاجة." تحدثت إليه بهدوء عكس ما يدور
داخل قلبها من ثورة عاطفية: "واقف ليه كده، أُقعد اشرب الشاي مع أبوك." نظر إلى والده الذي يشيح عنه ببصره وينظر أرضاً بوجه مبهم، فتحدث بنبرة صوت بائسة: "معايزش أضايجكم بوجودي، بالإذن." كلمة قالها بنبرة حزينة قطعت أنياط قلبي والداه، وكاد أن يتحرك لولا صوت عتمان الذي تحدث بنبرة متلهفة: "اجعد اشرب الشاي وياي يا زيدان." التفت بجسده بلهفة وتحرك عائداً من جديد، جلس مقابلاً لأبيه حين هتفت رسمية بصياح حاد: "حسن، يا حسن."
أتت العاملة وما أن رأت سيدها الحنون الذي يشملها ويرعاها دائماً ويقوم بإرسال الأموال لها كي يعينها على المعيشة وأسرتها: "العوافي يا سي زيدان." ابتسم لها بحنان وأجابها: "الله يعافيكي يا حسن." تحدثت إليه رسمية: "اعملي شاي لسيدك زيدان يا حسن." أجابتها العاملة بنبرة حماسية: "من عيوني يا ستي الحاجة، أحلى كوباية شاي لسي زيدان." هز لها رأسه وأردف بشكر: "تشكري يا حسن." تحركت لتدلف قطع طريقها ذاك السمج عديم الذوق موجهاً
حديثه إليها: "اعمليلي كوباية شاي يا بت وهاتي لي معاها أي حاجة حلوة تتاكل." ردت بضيق على حديث ذاك الذي دائماً ما يحدثها بحدة ودائماً ما يقلل من شأنها: "حاضر يا سي قدري." تحرك وجلس ثم نظر لشقيقه ببرود متحدثاً: "كيفك يا زيدان؟ أجابه زيدان بهدوء: "الحمد لله يا أبو قاسم." ثم تحدث إليه كي يحرق قلبه ويجدد الاشتعال بينه وبين والديه، وكي لا يدع فرصة بينهم للتصالح
النفسي وصفاء نفوسهم: "لسه معاند ومعايزش تريح قلب أمك وأبوك وتتجوز وتجيب لهم حتة عيل لجل ما يورث اسمك؟ نظرت له رسمية وتحدثت بنبرة متلهفة: "ربنا يهديك يا ابني وتريح قلبي عن قريب لجل ما أطمن على نسلك وأشوف لك ولد قبل ما أموت." تنفس بصوت عالي كاظماً غيظه من مكر أخيه الذي يعلم جيداً مغزاه وتحدث بنبرة متمالكة احتراماً
لأبيه: "كل واحد منا بياخد الأربعة وعشرين قيراط بتوعه كاملين يا أمي، وأني الحمد لله ربنا اداهم لي في بنتي ومرتي وتجارتي، ألف حمد وشكر على نعمته." رمقه عتمان بغضب وزفر بضيق معلناً بهذا عن عدم تقبله لحديثه. وما إن استمع إلى زفير أبيه وعلم بمدى غضبه حتى انتفض من جلسته واقفاً وتحدث منسحباً باعتذار: "بالإذن إني عشان ورايا مشوار مهم."
وانسحب سريعاً تحت سخط عتمان ورسمية عليه وذلك لعدم انصياعه لرغبتهم في أن يرى بناظريهما طفلاً ذكراً له ويرتاح قلبيهما. أما ذاك المتشفي الذي جلس بارتياح واطمئنان بعد ذهاب ذاك المدلل سارق أحلامه مثلما دائماً يلقبه بينه وبين حاله. بعد مرور خمسة أشهر. داخل قصر الحاج عتمان النعماني. كان يجلس في بهو قصره هو وزوجته وولده قدري وزوجته فايقة يحتسون مشروب الشاي المحبب لديهم جميعاً.
وفجأة استمعوا إلى زغاريد عالية تأتي من الخارج ويبدو أن مصدرها من منزل ولده المقابل. تحدث الحاج عتمان باستغراب: "منين جاية الزغاريد دي؟ لوت رسمية فمها وهتفت بنبرة ساخرة: "جايه من ناحية دوار بت الرجايبة،" وأكملت بتشفي وغل: "على الله يكون ولدي نصفني وبرد ناري واتجوز وهيجيب لي الواد اللي بحلم بيه." تحدثت إليها فايقة بنبرة ساخرة: "اللي ما عملها والدنيا دينا يا عمة، هيعملها دلوقتي؟ ثم هبت واقفة وهي
تتحرك ناحية الباب بفضول: "قال إيه يا خبر بفلوس... لم تكمل خطواتها إلا ووجدت تلك صفا صاحبة الوجه الصافي البريء وهي تدلف للداخل بفرحة عارمة وعلى وجهها ابتسامة توحي إلى شدة سعادتها وهي تتحدث إلى جدها: "نجحت يا جدي، طلعت الأولى على محافظة سوهاج كلها." ابتسم لها جدها وتحدث بسعادة لسعادتها: "مبروك يا بتي." دلف زيدان مصطحباً ورد في محاولة منه بإذابة جبل الجليد الذي يفصل بينهم، وتحدث زيدان
بسعادة إلى أبيه ووالدته: "شفتوا صفا عملت إيه، طلعت الأولى على المحافظة كلها." وقفت رسمية تحتضن صغيرة ولدها وتحدثت: "ألف مبروك يا غالية، ألف مبروك." ثم وجهت حديثها إلى زيدان قائلة بحديث ذات مغزى: "مبروك يا زيدان، عقبال ما أبارك لك على الخبر الزين اللي هيفرح قلبي بجدم."
نظرت لها ورد والحزن خيم على وجهها، فبرغم مرور تلك السنوات الطويلة إلا أن والدة زوجها لم تكل ولم تمل من عرض فتيات على زيدان من أجل الزواج بإحداهن حتى يجلب لها الحفيد الذكر التي تتمناه لنجلها الحبيب، وبالتالي علاقتها سيئة للغاية بورد لتوهمها أنها هي التي تؤثر وتضغط عليه كي لا يتزوج وينجب الذكر المنتظر. اقترب زيدان من ورد ولف ذراعه حول كتفها محاوطاً إياها
برعاية وتحدث إلى والدته: "وهو فيه أكبر من كده خبر يفرح القلوب يا أمي؟ تحدث عتمان إلى ورد كي يطيب خاطرها: "مبروك يا بتي، عجبال ما تجوزيها وتفرحي بيها." أجابته ببشاشة وجه: "في حياتك وفي خيرك إن شاء الله يا عمي." هز رأسه وتحدث مبتسماً: "تعيشي يا بتي." ثم حول بصره إلى زيدان وتحدث بنبرة جادة: "اتصل على قاسم يا زيدان وخليه يقدم لها في الكلية بتاعته." نظرت إليه جدها وتحدثت بتصحيح: "بس إني إن شاء الله هدخل كلية الطب يا جدي."
نظر إليها عتمان وأجابها بهدوء: "مهينفعش يا صفا، أني رايدك تدخلي الكلية اللي اتخرج منها قاسم، ليا غرض في كده." ابتسمت فايقة وصوبت بصرها إلى ورد بتشفي وشماتة. أما ورد التي نظرت إلى زيدان وطالعته بنظرات مرعبة، فتحدث زيدان إلى والده: "كيف يعني مهينفعش يا أبوي، البت طالعة الأولى على المحافظة وكمان هي نفسها تبقي دكتورة." تحدثت رسمية وهي تنظر
إلى صفا بحنين وابتسامة: "اسمعي كلام جدك يا صفا، جدك بيحبك ورايد لك الخير، وحديثه ده فيه خير كتير جوي ليكي." نظرت صفا إلى والدها وكأنها تستنجد به، كاد زيدان أن يتحدث. دَق عتمان الأرض بعصاه وتحدث بنبرة حادة: "خلاص يا زيدان، إني جلت كلمتي في الموضوع وانتهى الأمر." وأكمل أمراً وهو يتجه إلى حجرته: "تعالّ وراي إنتَ وقدري، عايزكم في موضوع." دلفت ثلاثتهم للداخل، أما رسمية التي اتجهت إلى صفا المذهولة وأخذتها
داخل أحضانها وتحدثت: "تعالي في حضن جدتك يا زينة الصبايا." أما فايقة التي نظرت إلى ورد وهي تطالعها بنظرة شامتة متعالية وتحدثت بابتسامة ساخرة: "مبروك لصفا يا ورد، عقبال جوازها." طالعتها ورد بنظرات حارقة وتحدثت بحدة: "الله يبارك فيكِ يا سلفتي." نظرت إلى ابنتها وتحدثت بنبرة جامدة: "يلا بينا على بيتنا يا صفا." خرجت صفا من أحضان جدتها وتحركت بجانب والدتها بتيه وشرود وصدمة، غير مستوعبة ما حدث حولها منذ قليل. ***
أما بالداخل تحدث عتمان إلى زيدان كي يطيب خاطره: "متزعلش حالك يا زيدان، أنا كمان زيك يا ولدي كنت حابب صفا تدخل الطب وتبقي دكتورة جد الدنيا،" وأكمل بتساؤل وهو يهز رأسه بتريس: "بس هو ينفع إن الحرمة تبقي أعلى من راجلها في العلم؟ ضيق زيدان عينيه مستغرباً حديث والده فأكمل عتمان بنبرة صادقة شعر بها زيدان: "تعرف يا زيدان، أنا مخافش على حد في الدنيا دي كلها جد ما أنا خايف على صفا،" وأكمل مهموماً
ينظر أسفل قدميه: "إكمن يعني ملهاش أخ تتسند عليه، وعشان كده أنا اخترت لها راجل زين وشديد، لجل ما يكون سندها وحمايتها من غدر الزمن." نظر لوالده وتحدث باعتراض: "بس إني بنتي لسه صغيرة على الكلام ده يا أبوي، وبعدين ليه نكسروا نفسها ونهد أحلامها." تحدث قدري إلى زيدان متلهفاً: "لا صغيرة ولا حاجة يا زيدان، البت زينة وجسمها شديد يتحمل الجواز والخلفة." ثم حول بصره إلى أبيه وأردف قائلاً بنبرة خبيثة مع أنه يعلم علم اليقين
من هو العريس المنتظر: "يطلع مين ده اللي أمه داعية له اللي جرت تدي له صفا يا أبوي؟ تحدث إليه عتمان باستحسان: "هو ده السؤال الزين اللي لازم يتسأل دلوقتي يا قدري، العريس اللي اخترته لصفا ربّاية يدي، قاسم ولدك، سَبْعي وسبع العيلة كلها." انفرجت أسارير قدري وتحدث بلهفة ظهرت بعينيه استغربها زيدان: "يا زين ما اختارت لابني يا أبوي." ثم حول بصره إلى
زيدان وتحدث بنبرة زائفة: "وأني وولدي هنتجوزها بالذهب يا زيدان، صفا تستاهل الدنيا بحالها." نظر له زيدان وتحدث بعرفان: "تشكر يا قدري، بنتي اتجوزها بالذهب وأديها لقاسم عن طيب خاطر." ثم نظر لأبيه قائلاً بنبرة مهمومة: "بس إيه المانع إن صفا تتجوز قاسم وفي نفس الوقت تدخل كلية الطب؟ تحدث إليه الجد بهدوء: "والله لو قاسم وافق كده يبقى أنا كمان معنديش أي مانع." هتف قدري مسرعاً
باعتراض: "مهينفعش يا أبوي، كيف يعني ابني هيوافق إن مرته تبقي أعلى منه؟ "ملكش صالح إنتَ يا قدري، أنا هتصل بقاسم وأشوف رأيه إيه،" جملة قالها الحاج عتمان بنبرة صارمة. ليلاً. داخل غرفة قدري وفايقة. كانت تجلس فوق مقعدها الهزاز الخاص بها تتمايل فوقه بدلال وتستمع بسعادة إلى قدري وهو يقص على مسامعها ما دار بينه وبين أبيه وشقيقه. هتفت بنبرة
متلهفة وهي تمسك بهاتفها: "يبقى أنا لازم أتصل بقاسم حالاً وأنبهه قبل ما جده يكلمه ويأثر عليه ويخليه يوافق." وأكملت بفحيح: "وساعتها بت الرجايبة هتتفرد وتشوف حالها علينا أكتر وأكتر لما بنتها تبقي دكتورة جد الدنيا." أجابها قدري بابتسامة رجل منتصر: "أني مفارقش معايا لت الحريم بتاعكم ده،"
وأكمل بنبرة مليئة بالحقد: "أني كل اللي فارق معايا إن ابني يتجوز صفا وكل اللي جمعه زيدان طول السنين اللي فاتت من أموال وأراضي يصب في النهاية في حجر قاسم وحجري." أطلقت ضحكة باتساع وأردفت قائلة بنبرة متشفية: "طب دي أكتر حاجة مكيفاني في الموضوع كله هي إن جرى زيدان وشجاه طول السنين اللي فاتت واللي جايه كمان هاخده قاسم ويهتني بيه، وبنته هتبقي تحت يد قاسم ويديه."
وأكملت بغل وغيره: "وده اللي كان مصبرني وحماني من جهرت قلبي كل ما كنت أشوف تجارته بتكبر وعيشته هو والحرباية اللي اسمها ورد بترتاح كل مادا أكتر وأكتر." اقترب منها وحاوط خصرها وتحدث برغبة ظهرت بعينيه: "طب طالما فرحانة كده ما... لم يكمل جملته لنفضه ذراعيه وابتعدها عنه سريعاً كمن لدغتها عقرب وأردفت قائلة بنبرة تحججية: "وده وقت مسخرة بردك يا قدري،"
وأكملت مفسرة بنبرة زائفة: "بقولك لازم نكلموا الواد لجل ما ننبهه قبل ما جده يسبقنا ويكلمه، تجولي أبصر إيه ومدرك إيه." رمقها بنظرة ساخطة تلاشتها هي ثم بادرت سريعاً بالضغط على زر الاتصال وانتظرت إجابة ولدها. كان يجلس هو وإيناس حول إحدى الطاولات يتناولان وجبة عشائهما داخل إحدى المطاعم الشهيرة بالقاهرة. استمع لرنين هاتفه نظر بشاشة هاتفه الموضوع أمامه فوق المنضدة، وجدها والدته فابتسم
إلى إيناس وتحدث باعتذار: "معلش يا حبيبتي دي أمي ولازم أرد، لأني لو مردتش هتفضل تتصل ومش هترتاح غير لما تسمع صوتي." ابتسمت له بمجاملة وأردفت قائلة: "أوكي يا حبيبي ولا يهمك." ضغط زر الإجابة ورد قائلاً بهدوء: "كيفك يا أمي؟ أجابته وبعدما اطمأنت عليه أخبرته بما قرره جده وأمرته باستماة بألا يوافق على التحاق صفا بكلية الطب وإلا ستغضب عليه.
كان يستمع لها بهدوء تام غير متفاجئ بالمرة، ولما يتفاجئ وهو كان يستشعر وينتظر ذاك القرار منذ الكثير. انتظر حتى انتهت من حديثها بالكامل، ثم أجابها بنبرة تهكمية: "والله عال، طب والله كتر خيره جدي إنه تعب حاله وياخد رأيي في كليتها،" وأكمل بنبرة غاضبة: "الظاهر كده إن جدي مبقاش عامل لوجودي أي حساب، ده جرّر عني وأدى كلمته لعمي من غير حتى ما يستشرني ولا ياخد رأيي، ولا كأنه الموضوع يخصني."
تحدثت فايقة بتملل: "اسمع يا قاسم عشان تريح حالك وتريحنا معاك، موضوع جوازك من صفا ده محسوم أمره وأني وأبوك موافقين، وإنتَ كمان لازم توافق لأنه فيه خير كتير ليك ولينا كلياتنا." أجابها بتملل وضجر: "بصي يا أمي ومن الآخر كده، أنا مليش صالح بلعبة القط والفار اللي بينك إنتِ وأبوي وبين عمي ومرته، وياريت بقا تخرجوني من مشاكلكم وحسباتكم دي كلها، لأني مش هبقى طرف فيها حتى لو على رقبتي."
هتفت فايقة بنبرة غاضبة: "كنك اتجننت يا قاسم." جذب قدري الهاتف منها وتحدث بنبرة حادة تنم عن مدى غضبه: "جري إيه يا قاسم، منشف راسك ومهتسمعش الكلام ليه يا ولدي، جدك جلت كلمته وجرّر إنك الوحيد اللي هتقدر تصون بت عمك وتحميها من غدر الزمان، وإحنا لازم نطيعوه لأن قراره ده فيه خير كتير ليك."
أجابه قاسم بنبرة حادة: "يروح يجوزها لفارس أخوي ولا حتى ليزن واد عمي منتصر، لكن أنا مهكونش تابع لرأي حد، ومهتجوز غير واحدة يشاور عليها قلبي قبل عيني." نهرَهُ قدري قائلاً بنبرة صارمة: "إياك يا واد تفكر حالك كبرت عليا وفيك تعصي أوامري وأوامر جدك، ده إنتَ تبقى غلبان قوي يا واد فايقة، ولازم تعرف إن الجوازة دي لو متمتش كيف ما أنا عايز لا إنتَ ولدي ولا أعرفك،" وأكمل مهدداً
بصياح: "وأني وجدك هنتبروا منك ومليكش عندنا لا ورث ولا دية، ومن الصبح تفضي الشقة اللي إنتَ قاعد فيها والمكتب والعربية، أظن ما إنتَ خابر إنهم باسم جدك يا حزين." وأغلق الهاتف في وجهه دون إضافة حرف آخر، ودون إعطاء ولده حق الرد. تأفف قاسم، فتساءلت تلك التي توقفت عن تناولها للطعام وجلست تتسمع عليه وتراقب حديثه وانفعالات وجهه. وتساءلت باستفسار بنبرة مرتعشة: "فيه إيه يا قاسم، إيه اللي حصل خلاك تتنرفز أوي كده؟
زفر بضيق ومسح على وجهه في محاولة منه لضبط النفس وأجابها بلكنة صعيدية: "مفيش حاجة يا إيناس، حكاية ملخبطة كده ويا جدي وهحلها قريب إن شاء الله." تحدثت باستماسة وفطنة: "أرجوك يا قاسم متخبيش عليا واحكي لي إيه اللي حصل، أنا قدرت أفهم من كلامك مع مامتك إن الموضوع يخص جوازك، وأظن ده موضوع يخصني زي ما يخصك بالضبط، فلو سمحت ياريت تحكي لي اللي حصل وتحطني معاك في الصورة."
فاستسلم قاسم بالآخر وتنهد وقص على مسامعها كل ما دار بينه وبين أبيه من خلال تلك المحادثة. انتهى من سرد التفاصيل ونظر لها يترقب ردة فعلها على ما قام بقصه على مسامعها. أما إيناس ف... يتبع..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!