الفصل 3 | من 48 فصل

رواية قلبي بنارها مغرم الفصل الثالث 3 - بقلم روز امين

المشاهدات
56
كلمة
8,046
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

داخل منزل زيدان النعماني كانت الساعة قد تخطت منتصف الليل. وتلك الساحرة فاتنة الجمال تجلس خلف مكتبها تُذاكر دروسها لعامها الأخير بالثانوية العامة. فهذا العام هو من سيحسم مستقبلها الدراسي ويحقق حلمًا عاشت تنسج خيوطه من ذهب. رفعت رأسها المنكبة فوق كتبها منذ ما يقارب الثلاث ساعات المتواصلة. وبدأت بتدليك عنقها وتحسسته بتألم.

ثم تحركت بتملل متجهة إلى شرفتها، لتقف بها تشتم رائحة عبير تفتح زهور البرتقال التي يملأ عبقها المكان بأكمله. حيث الحديقة الواسعة المشتركة بين منزل أبيها وقصر جدها، والمليئة بأشجار البرتقال والمانجو وأيضًا الليمون. أغمضت عيناها ورفعت رأسها للأعلى، وبدأت بأخذ شهيق طويل حتى امتلأت رئتيها بعبق تفتح زهور البرتقال المحبب لروحها. وتنهدت براحة ثم بدأت بفتح عينيها تدريجياً.

وبلحظة وبدون مقدمات اتسعت حدقة عيناها بسعادة وهي ترى أمامها معشوقها. فارس أحلامها منذ نعومة أظافرها، حب طفولتها وبداية صباها. من تعلمت على يده أبجديات العشق وخطت في عالمه أولى خطوات الغرام. رجُلها ورجل أحلام يقظتها، فارسها التي تنتظر أن يأتي بحصانه الأبيض ليصطحبها إلى جنة عشقها ومدينة أحلامها الوردية المنتظرة.

نظرت عليه بوله وعيون عاشقة متشوقة، تتأمل ذلك الواقف بشرفته المواجهة لشرفتها، والتي لا يفصل بينهما إلا بضعة أمتار معدودات. اقشعرّت ملامحها وتسللت الخيبات داخل قلبها الصغير عديم الخبرة، وهي تنظر لذاك الواقف يتحدث بهاتفه ويبدو على وجهه الانسجام والراحة والسلام، غير مبالٍ بالمرة لتلك الشاردة المتلهفة لطلة من عينيه. وبعد مدة كان قد انتهى ذلك الفارس المغوار المدعو بقاسم قدري عتمان النعماني، الحفيد الأكبر لعائلة النعماني.

والذي تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة، والتحق بالعمل بنفس المدينة. حيث افتتح له جده عتمان النعماني مكتب للمحاماة وذلك بعد إلحاح منه، لغرض ما داخل نفسه سنكتشفه لاحقاً. انتهى من مكالمته الهاتفية وهو يتنهد براحة ويبدو على وجهه الاستكانة. نظر بعينيه يتطلع للأمام، وجدها أمامه. تقف كحورية من حوريات الجنة، فابتسم لها بهدوء. نعم، ولما لا وهي صفا النعماني، ابنة الحسب والنسب والتي تمتلك جمالاً يفوق الخيال ورثته عن والدتها.

ابنة أبيها المدللة بل والوحيدة. نظر لها وابتسم وتحدث بنبرة أخوية: "أيه اللي مصحيكي لدلوقتي يا صفا؟ انفرجت أساريرها ورفرف قلبها البريء في السماء معلناً عن شدة سعادته من مجرد خروج حروف اسمها من بين شفتيه وبنبرة صوته الملائكية بالنسبة لها. تحدثت بخجل زادها إلا حسنًا وجمالاً: "بذاكر يا قاسم." "لدلوقتي يا صفا؟ " سؤال طرحه قاسم. أجابته بنبرة مرحة: "نسيت إني في ثانوية ولازم أجيب مجموع كبير." ابتسم لها قاسم وتحدث بتذكر:

"أيوه صح، تصدقي كنت ناسيك." وأكمل بتساؤل: "وناوية على إيه إن شاء الله يا صفا؟ هتفت بسعادة وهي ترفع رأسها بشموخ: "طب إن شاء المولى عز وجل." ضحك قاسم على طريقتها الطفولية وتحدث بحنان لابنة عمه التي يعتبر حاله مسؤولاً عنها كأخته ليلي: "ربنا ينولك كل اللي في بالك يا صفا. إنتِ بت حلال وتستاهلي كل خير." ابتسمت له وأمنت داخل نفسها ودعت الله أن يُمنيها كل ما تتمنى، وأول ما تتمناه هو حضن ذاك الفارس المغوار.

وكفافي تلك الأثناء دلفت لغرفتها والدتها التي نظرت عليها وتحدثت بنبرة متسائلة حادة: "سايبة مذاكرتك وبتعملي إيه عندكِ يا صفا؟ ارتبكت وارتعبت أوصالها، واستدارت تنظر إلى الخلف لتلك المستشاطة. فتحدث قاسم وهو يرفع قامته ويطل برأسه ناظراً لزوجة عمه القوية الشخصية وتحدث: "كيفك يا مرت عمي، زينة؟ نظرت له ورد بارتياب وذلك خشية منه على صغيرتها التي لا تفقه شيئاً بعد في الحياة. ردت عليه بنبرة قوية ودودة:

"الحمد لله يا ولدي، حمد الله على السلامة. مِتى جيت من مصر؟ أجابها وهي تنظر لرنين هاتفه الذي بمجرد ما نظر به حتى تزين ثغره بابتسامة خفيفة. نظر بشرود لزوجة عمه وتحدث: "لساتي جيت من ساعتين، بعد إذنك، هرد على التليفون." ودلف لداخل غرفته المقابلة لغرفة صغيرتها، حين شدت هي يد طفلتها وسحبتها للداخل بعنف وتحدثت بنبرة حادة وخوف ظهر بعينيها على طفلتها ومستقبلها:

"إيه اللي مخليكي سايبة مذاكرتك وواقفة تتحدتي ويا ابن فايقة يا مجصوفة الرجبه؟ تلعثمت صفا بالرد وتحدثت بارتياب: "تعبت من المذاكرة يا أماي، رقبتي وجعتني جولت أريحها شوي وأقف أشم هبابة هوا." وأكملت بشفاة ممدودة للأمام دلالة على غضبها: "أجرمت يعني ولا أجرمته؟ هتفت والدتها بنبرة حادة وضيق: "ولما هو كده، إيه اللي موقفك تتحدتي ويا ابن فايقة في الوقت المتأخر ده؟ تحدثت بقوة وشموخ ورثته عن تلك الواقفة أمامها:

"مسموش ابن فايقة يا أماي، اسمه قاسم قدري عتمان النعماني، واد عمي يعني مش حد غريب." أردفت ورد بنبرة حنون وهي تتلمس وجنة طفلتها التي تعشقها: "ذاكري يا صفا وشوفي مستقبلك لأن هو اللي باقي لك. أني خايفة عليكي يا بتي، نفسي أشوفك دكتورة قد الدنيا ومشرّفة أبوكِ قدام الناس لجل ما الكل يجول بت زيدان فلحت أكتر من الرجال." ابتسمت لها صفا وتحدثت بطمأنة:

"ما تقلقيش عليّ يا أماي، إن شاء الله هحقق لك حلمك وحلمي وهبقى دكتورة زي ما طول عمرك بتحلمي." احتضنتها ورد وتحدثت بنبرة حنون: "ربنا يحميكي يا بتي وينولك كل اللي في بالك." *** انتهى قاسم من مكالمته ونزل إلى الأسفل متجهاً إلى الحديقة الخلفية حيث اجتماع شباب العائلة وسهرتهم ككل يوم. وجلس يتوسط يزن ابن عمه منتصر، وفارس شقيق قاسم. نظر إليه يزن وتحدث إليه باستفسار مداعباً إياه: "يا ترى أخبار بنات مصر الحلوين وياك إيه متر؟

قهقه قاسم وأردف قائلاً بمراوغة: "واني مالي بيهم يا هندسة، ربنا يكفيني شر حلاوتهم وشقاواتهم ودلالهم الزايد عن الحد." قهقه الشباب عالياً وتحدث يزن إليه: "يعني بتعترف إنهم حلوين وبيشدّوك أه." ضحك وتحدث إليه بنبرة مشدودة: "بصراحة بقى وعلشان أكون منصف يا يزن، بنات القاهرة ليهم سحر وطلة بتميزهم عن غيرهم. حاجة أكده تفتح نفسك على الحياة وتخليك تحس بالتفاؤل أول ما تشوفهم." صفق فارس بيداه متحدثاً إلى شقيقه بدعابة:

"حلاوتك بقى يا متر يا مدوبهم." حين رد عليه يزن معترضاً بنبرة حكيمة: "دي وجهات نظر يا قاسم. أني عن نفسي بشوف إن البنت الصعيدية مفيش زي عجلها وحكمتها في إدارة الأمور. بشوفها شديدة وجادرة وبيعتمد عليها." وأكمل مفسراً: "يعني مثلاً هل بنت القاهرة تقدر على تحمل المسؤولية زي بنت الصعيد اللي متربية على الحزم والشدة؟ أجابه قاسم بنبرة عقلانية:

"على فكرة يا يزن، الست هي الست في كل مكان. الست خليط من كل شيء وعكسه ومش فارقة هي اتربت ونشأت فين. الفرق بيكون في النضج الفكري وطريقة إدارتها للأمور فقط لا غير. وياما فيه بنات عايشين في القاهرة وما شاء الله عليهم في تحمل المسؤولية والعكس صحيح. ونفس القصة عندي هنا في الصعيد، ياما فيه بنات مرفهين ومش بيعرفوا حاجة عن تحمل المسؤولية وأكبر مثال على كلامي هما بنات الدوار هنا. ليلي أختي ومريم أختك، وحتى صفا بنت عمك زيدان اللي مولودة وفي بقها ملعقة ذهب."

واسترسل حديثه بتساؤل متهكم: "تفتكر واحدة زي صفا بكل الرفاهية اللي عايشة فيها دي ممكن تتحمل مسؤولية ولا حتى يكون لها فكر واتجاه في حياتها؟ دي مبتخطيش خطوة واحدة برة البيت لوحدها. دي حتى المدرسة السواق هو اللي بيوديها ويجيبها منها. ده عمك زيدان لو طال يعمل لها المدرسة جوه البيت مش هيتردد." نظر له يزن مضيقاً عينيه باستغراب وتحدث إليه معترضاً:

"إنت شكلك كده عمرك ما اتكلمت مع صفا ولا اتناقشت معاها. يا ابني صفا دي دماغ عبقرية ماشية على الأرض. دي ما شاء الله عليها برغم صغر سنها بس تحسها موسوعة علمية متحركة." نظر له مبتسماً بطريقة ساخرة فتحدث فارس مؤكداً على حديثه: "على فكرة يا قاسم كلام يزن عن صفا صح. إني يمكن ما بجعدش وياها كتير بس الكام مرة اللي سمعت كلامها وناقشتها ويا يزن احترمتها واحترمت فكرها صح." ابتسم لهما وعقله غير مبالٍ بحديثهما.

فعقله يصب كل إعجابه واحترامه فقط على إيناس، شريكته بالعمل وعقلها الواعي البارع في إدارة عملها، وما لها من الحكمة والجرأة حين تقف في المحكمة وتترافع أمام هيئة المستشارين بكل ثقة وهيبة. *** في صباح اليوم التالي. فاقت صفا على صوت زقزقة العصافير التي تسكن عشها الموضوع فوق شجرة اليوستفندي المتواجدة أمام شرفتها مباشرة وتأخذ منها بيتاً لها.

تمللت بنومتها وتثاءبت وهي تتمطى بدلال فوق فراشها الوثير الناعم الدال على كم أن حياتها مترفة. تحركت إلى المرحاض توضأت وخرجت، ارتدت إسدال صلاتها وشرعت بصلاة ركعتي الضحى بخشوع في حضرة الرحمن. وبعدما انتهت جلست فوق سجادة الصلاة تناجي ربها وتدعو أن يحقق لها أحلامها ويحمي لها أحبائها. وقفت وارتدت أجمل ثيابها وتسمرت أمام مرآتها تتطلع برضا على حالها، مثلها كمثل أي مراهقة بعمر السابعة عشر.

فقد كانت جميلة حد الفتنة بطولها الفارع وجسدها الذي تطغى عليه علامات الأنوثة الكاملة ووجهها البض المنير، وعيناها التي بلون الزمرد وشفتاها. واه من شفتاها الممتلئة الكنزة المهلكة لناظريها. ابتسمت برضا وتحركت باتجاه الدرج ونزلت على عجل. توقفت، ودلفت داخل غرفة الطعام وتحركت إلى والديها الجالسين حول المائدة ينتظرانها ليشرعا في تناول إفطارهما مع فلذة كبدهما الوحيدة. تحركت إلى والدها واحتضنته بسعادة وتحدثت بمرحها المعتاد:

"صباح الخير يا أبوي." بادلها زيدان احتضانها له وقبل وجنتها وتحدث بسعادة: "يا صباح الفل على أجمل عيون في سوهاج كلها." ابتسمت لدلال أبيها لها ثم توجهت إلى ورد واحتضنتها وأردفت قائلة بنبرة حنون: "صباح الخير يا أماي." أجابتها ورد بنبرة حنون: "صباح الفل يا صفا، اجلسي عشان تفطري." تحمحمَت صفا وتحدثت إلى أبيها بنبرة مترجية: "بعد إذنك يا أبوي، أني حابة أروح أصبح على جدي وجدتي وأفطر وياهم النهارده." نظر لها والدها

وتحدث إليها بمعاتبة لطيفة: "وتسيبي زيدان يفطر لحاله من غير صفا لياليه؟ ابتسمت وأجابته بنبرة شقية: "زيدان كفاية عليه عطره الفواح، هيعمل إيه بصفا ولا غيرها في وجود ورد حياته." ابتسمت ورد وأردفت قائلة بدعابة: "ياما أشطرك في الكلام يا بت زيدان، هو أنتِ واكلة عجل أبوكِ من أجل؟ ضحكت صفا وتحدثت بنبرة مرحة وهي تحتضن والدها بدلال: "وزيدان على قلبه كلام صفا كيف العسل." ثم نظرت إلى أبيها وتساءلت بدلال: "صح يا حبيبي؟

ردت ورد بنبرة حادة: "اتحشمي يا بت وإنتِ بتتحدتي ويا أبوكِ." أجابها زيدان بعيون سعيدة: "اطلعي منها إنتِ يا ورد وخليني مني لبنتي." ابتسمت صفا وتحدثت لأبيها: "معذورة بردك يا أبوي، بتغير عليك يا زينة رجال النعمانية، وغيرة العاشق مرة على جَم." ابتسم الجميع وانسحبت بعدما أخذت موافقة والدها على الذهاب. شردت ورد بعد خروج صغيرتها، فأخرجها زيدان من شرودها متسائلاً باهتمام: "مالك يا ورد، شاردة في إيه؟ نظرت إليه

وأردفت قائلة بنبرة قلقة: "خايفة على صفا جوي يا زيدان، ما أحبها تتعلق جوي كده ببيت جدهان." ضيق عيناها وأردف متسائلاً باستغراب: "خايفة عليها من أهلها؟ طب ده أني عمري ما كنت أتخيل إن أبوي وأمي يتعلقوا بيها جوي كده ولا يحبوها بالشكل ده." أجابته بنفي وهي تهز رأسها: "مش خايفة عليها من جدي وجدتها يا زيدان، أني خايفة عليها من حالها." ضيق عيناها وأردف متسائلاً: "تقصدي إيه بحديثك ده يا ورد، مفاهمكيش أنا يا غالية."

أجابته بإيضاح: "بصراحة كده يا زيدان، بتك متعلقة بقاسم واد أخوك قدري." انفرجت أسارير زيدان وتحدث بتفاخر مداعباً إياها: "والله جوزها مليح كيف أمها البت دي." تأففت ورد وتحدثت بنبرة جادة: "ده وقت هزار بردك يا ورد." أجابها بتعقل وهدوء: "خليها على الله يا زينة الصبايا واللي رايده ربنا هيكون. إحنا فين وجواز بتك فين يا ورد."

هدأت قليلاً ثم تناول هو قطعة من الجبن ووضعها بداخل فمها تحت حياءها الذي ما زال مصاحباً لها رغم مرور كل تلك السنوات. *** داخل سرايا عتمان النعماني. كان الجميع يجتمع حول مائدة الإفطار العملاقة. الجد وتجاوره الجدة. قدري وزوجته فايقة وأولادهما الثلاث عدا قاسم الذي ما زال بالأعلى: فارس، ليلي، عبدالرحمن. منتصر وزوجته نجاة وأولادهم: يزن، حسن، مريم.

دلفَت تلك الجميلة ذات الوجه الصابح وتحدثت بابتسامتها البشوش ووجهها الضاحك التي ما إن دلفت حتى نشرت طاقتها الإيجابية داخل المكان، فجعلت البعض يسعد والبعض أيضاً يشتعل ناراً وحقداً. دلفَت تحت نظرات يزن العاشقة لكل ما بها. تنفس الصعداء ودق قلبه بوتيرة عالية ككل مرة يراها بها. تحدثت وهي تقترب على جدها تحاوط كتفيه بكفي يداها وتقبله من وجنته التي لا يجرؤ سواها على القيام بذلك التصرف: "صباح الخير يا جدي."

ابتسم لمدللته الوحيدة والتي تعوضه عن ابتعاد زيدان عن أحضانه كقبل وأردف قائلاً بدلال ونبرة حنون وهو يربت على كف يدها الموضوع فوق صدره: "يا صباح النور على جمر العيلة اللي لما تهل عليا الدنيا كلها بتنور." لوت فايقة فمها بصمت تام خشية غضب عتمان. وتحدثت رسمية بنبرة غائرة مصطنعة: "وجدتك مالهاش حضن هي كمان ولا إيه يا بت زيدان." اقتربت عليها وتحدثت بدلال وهي تحتضنها بحنان: "كيف تجولي كده وإنتِ جلبي من جوه يا جدتي."

بادلته رسمية احتضانها لها ثم أردفت قائلة بتساؤل: "أبوكِ ما جاش يفطر معانا ليه؟ نسي أمه خلاص." أجابتها بلباقة ورد دبلوماسي مقنع: "حد بردك يجدر ينسى أمه يا جدة، هو بس مش هينفع يسيب أمي تفطر لحالها، لكن حضرتك ربنا يزيد ويبارك حواليكي الكثير من الحبايب." ابتسم لها عتمان وتحدث بإعجاب: "كلامك زين ومترتب كيف بتوع التليفزيون يا بت زيدان." "اجلسي كلي يا صفا، واقفه ليه يا بتي." جملة حنون تفوه بها عمها منتصر.

أكدها جدها الذي تحدث بحنان وهو يقتسم بيده جزء من الشطيرة الموضوعة أمامه ويضعها بصحنه وهو يتحدث باهتمام وحب ويشير إليها لتجلس بجواره: "تعالي اجلسي جاري لجل ما تفتحي نفسي على الأكل." ابتسمت له وتحدثت الجدة وهي تقف وتفسح لها المجال: "تعالي اجلسي مكاني عشان ده مكان قاسم." ابتسمت لها وجلست وجاورتها الجدة تحت استشاطة الجميع، فايقة ومريم وليلي اللتان تغار من معاملة جدهما بكل هذا الود والحنان لتلك الصفا لا غيرها.

تحدثت ليلي التي تكبر صفا بعامين بنبرة محتقنة بالغضب معترضة: "طبعاً يا جدي، صفا الوحيدة اللي من حقها تجلس جارك وهي اللي هتفتح نفسك على الأكل، إنما إحنا شكلنا كده بنسد نفسك." تحدثت إليها رسمية بنبرة حادة: "اتحشمي يا بت واتحدتي زين ويا جدك." غضبت ليلي من حديث جدتها، أما صفا فقد شعرت بالحرج لأجل ابنة عمها فتحدثت بابتسامة كي تهدئ من ثورتها وتلطف الأجواء:

"أكيد يا ليلي جدي بيحبنا كلاتنا زي بعض، كل الحكاية إنكم موجودين معاه طول الوقت، لكن إني مش موجودة هنا دايمًا." لم تعرف لحديثها أية اهتمام وحتى لم تكلف حالها عناء النظر لوجهها مما أحزن صفا وأخجلها. في تلك الأثناء كان يتدلى من فوق الدرج بطوله الفارع وجسده العريض تحت نظرات الجميع، حيث كان يرتدي الجلباب الصعيدي الذي يزيدهُ هيبة فوق هيبته. مصففاً شعره الفحمي بعناية فائقة.

نظرت إليه ورد وانتفاضة سرت بجسدها بالكامل ككل مرة تراه فيها. وما كان حال مريم ابنة عمها ببعيد عنها، فقد كانت تعشق قاسم وكان عشقه سببًا في أن لم توفق مريم في تحصيل مجموع عالٍ بالثانوية العامة منذ عامين والتي التحقت بفضله بمعهد خدمة اجتماعية مما أحزن والدتها كثيراً. تحرك إليهم وتحدث بوجه بشوش: "صباح الخير." أجابه الجميع وتحدث الجد بنبرة متسائلة: "اتأخرت ليه كده يا قاسم؟ أجابه بنبرة جادة:

"معلش يا جدي، كنت بعمل شوية تليفونات مهمة خاصة بالشغل." ثم نظر لتلك الجالسة تنظر إليه ببلاهة بفم مفتوح وعيون متسعة مسلطة فوقه بانبهار: "أزيك يا صفا." انتفض قلبها عشقاً ككل مرة تستمع لاسمه من بين شفتيه المهلكة لروحها وأجابت بنبرة صوت هادئة: "الحمد لله يا قاسم، حمد الله على السلامة." أجابها وهو يسحب مقعداً مقابلاً لها بجانب جده مشيحاً عنها ببصره: "الله يسلمك."

كانت فايقة تراقب عن كثب نظرات صفا العاشقة لصغيرها وقلبها يتراقص فرحاً لغرض ما في نفسها، سنعلمه فيما بعد. تحدث إليه الجد متسائلاً باستفسار: "عملت إيه في القضية بتاعت المحجر يا قاسم؟ نظر إلى جده باهتمام وتحدث بنبرة واثقة وظهره مفرود: "اتحددت جلستها الأسبوع الجاي." وأكمل بنبرة مطمئنة: "مش عاوز حضرتك تقلق، القضية إني ضمنها في يدي ومتأكد إن الحكم السابق هيُسجَّل وهناخد فيها براءة." هز له رأسه باطمئنان وأجابه بفخر وثقة:

"من إمتى وأني بقلق من قضية في يدك يا سبعي." وقفت مريم سريعاً وتحركت وهي تمسك بصحن الطعام وتستعد لسكب البعض منه في صحن قاسم وتحدثت بابتسامة مشرقة سعيدة: "الفول بالطحينة اللي بتحبه يا قاسم." أشار لها بيده وتحدث بنبرة باردة دون النظر إلى وجهها: "مش عايز فول يا مريم، متتعبيش حالك." ثم نظر إلى طبق صفا وتحدث وهو ينظر بتشهي إلى الشطيرة الموضوعة ذات اللون الذهبي: "أنا هاكل مع صفا من المشلتت اللي قدامها."

شعرت وكأن روحها تحلق في السماء من شدة سعادتها بمجرد نطقه بتلك الكلمات البسيطة. وأمسكت بصحنها وبسطت ذراعيها إليه وقدمته قائلة بابتسامة بشوش: "بألف هنا على جلبك يا قاسم." ابتسم لها وأمسك الشطيرة واقتسمها بينهما وأخذ نصفها وتحدث لها بابتسامة جذابة أنهت على ما تبقى من صبره المصطنع: "إني خدت نصها وإنتِ كُلي النص التاني." ابتسمت خجلاً بينما كان الجد يتابع ما يدور حوله باهتمام وعيون سعيدة وغرض ما في داخل نفسه.

تحدثت الجدة بسعادة وهي تناول قاسم شطيرة كاملة: "خد يا جلب جدتك فطيرة بحالها أهي، عاوزاك تاكلها كلها لحالك." ثم نظرت إلى صفا وتحدثت بعيون سعيدة لأجلها وحديث ذات مغزى: "بس تدي منها حتة لصفا، زي ما خدت من صحنها تحط لها فيه تاني من نايبك." ابتسم لها وأجابها وهو يقطع جزء كبير من شطيرته ويضعها داخل صحن صفا: "بس كده، غالي والطلب رخيص يا حجة رسمية." ووجه حديثه إلى صفا وهي يضع لها قطعة الشطيرة: "اتفضلي يا ست صفا، بألف هنا."

أما تلك التي ما زالت واقفة ممسكة بطبق الفول والحزن تعمق من داخلها وامتلكه لما رأته من اهتمام مبالغ به لتلك الصفا وتجاهل الجميع لها وخاصة قاسم. تحدثت إليها فايقة بنبرة ساخرة وابتسامة شامتة: "اجلسي كملي وكلك يا مريم، مالهاش لازمة وقفتك دي يا نور عيني." نظرت نجاة إلى فايقة بضيق ثم تحدثت بنبرة غاضبة لائمه لابنتها: "ادخلي على المطبخ قولي لـ حسن يعمل الشاي لجدك وأعمامك."

نظرت إلى والدتها بغشاوة دموع كسّت على عينيها ثم وضعت ذلك الصحن فوق المنضدة وتحركت للداخل سريعاً. أمسكت صفا إحدى اللقيمات وغمستها بصحن العسل الأبيض وقربتها من فمها على استحياء وهي تنظر إلى قاسم بنظرات عاشقة ظاهرة للجميع. تحدث يزن وهو ينظر إلى صفا باهتمام: "ما تعوزيش أي مساعدة في المنهج يا صفا؟ ابتسمت له وتحدثت بنبرة رقيقة: "هشيلك لو وقت عاوزة يا واد عمي." ابتسم لها وتحدث بسعادة:

"أي حاجة تعوزيها في أي وقت إني تحت أمرك." نظر له قدري وتحدث بنبرة حادة: "هنسيبوا شغلنا ونجعدوا ندرس للست صفا إحنا بقى يا باشمهندس." ارتبك يزن من حديث عمه الحاد وتحدث بنبرة مفسراً حديثه: "أكيد يعني مش هقصر في شغلي يا عمي." اشعل داخل ليلي وزاد حقدها على تلك الصفا عندما لاحظت اهتمام يزن بها. وتحدث فارس شقيق قاسم الموالي له ترتيبياً:

"يزن طول عمره شاطر وبيعرف يوازن أموره زين يا أبوي وأكيد هيعرف يوازن بين شغله ومذاكرته لصفا." ثم غمز إلى يزن وتحدث بحديث ذات مغزى لكونه الوحيد الذي يعلم بسره: "مش كده ولا إيه يا يزن." ابتسم يزن لمداعبة ابن عمه له ثم حول فارس بصره إلى صفا وتحدث بأخوة صادقة: "وأني كمان تحت أمرك في أي حاجة تحتاجيها يا صفا." تحدث الجد بنبرة حادة آمرة للجميع:

"كل واحد يخليه في حاله وفي شغله وما يشغلش باله بصفا، صفا أبوها جايب لها أحسن أساتذة في المركز كله." ثم وجه نظره إلى قاسم غير المبالي بالمرة بما يقال ويتناول طعامه، وأكمل بحديث ذات مغزى: "ولو احتاجت حاجة تبقى تطلبها من قاسم." تُهّللت أساريرها وانشرح صدرها بسعادة. نظر له قاسم وتحدث بهدوء ومجاملة: "إني تحت أمرها طبعاً يا جدي، بس إني كنت أدبي وصفا علمي علوم، يعني دراستي غير دراستها خالص."

"اسمع كلام جدك يا قاسم، وبعدين إنتِ ما شاء الله عليك محامي جد الدنيا واللي تعرفها محدش يعرفها بعديك." كلمات نطقت بها فايقة وهي تنظر إلى ولدها بتفاخر وكبرياء. ثم نظرت إلى صفا ونطقت بنبرة تشجيعية مصطنعة: "عندنا كام صفا إحنا عشان نخلعوها." نظرت لها نجاة مضيقة العينان متعجبة حديثها ولكنها تعلم خطتها علم اليقين وتحدثت بنبرة ساخرة: "طول عمرك تعرفي في الأصول زين يا فايقة، وخصوصي ناحية صفا وأمها." ابتسمت لها ذات القلب

الصافي وتحدثت بوجه بشوش: "تسلمي يا مرت عمي، وتسلموا كلكم، بس إني الحمد لله بفهم زين من المدرسين اللي أبوي جايبهم." دققت فايقة النظر على ساعديها وتحدثت باستفهام والغل يتأكل من داخلها: "جديدة الأساور اللي في إيدك دي يا صفا؟ أجابتها بابتسامة وهي تتحسسهم بسعادة: "أبوي جابهم لي أول إمبارح من مصر، وجاب زيهم لأمي." ابتسمت لها نجاة وأردفت قائلة بنبرة حنون صادقة: "مبروكين عليكي يا صفا، يعيش ويجيب لكم."

اشتعلت النار داخل فايقة وليلي التي تحدثت بنبرة حقودة لم تستطع السيطرة عليها: "اللي يشوف عمايل عمي ليكي إنتِ وأمك يفتكركم ساحرين له يا جلعة أبوكِ." حزنت صفا من حديث ابنة عمها التي تنبذها ودائماً ما تتعمد إهانتها وبدون أسباب. نظرت لها رسمية وتحدثت بحدة: "وه، إيه الكلام الماسخ اللي بتجوليه ده يا بت، سحر إيه وكلام فارغ إيه، إحنا بتوع الحاجات العفشة دي بردك؟ وأكملت بنبرة ملائمة: "ده بدل ما تجولي لبت عمك مبروكين عليكي."

وقفت ليلي وتحدثت بنبرة حادة: "كفاية جلعتكم ليها ومباركاتكم." وتحركت للأعلى غاضبة تحت نظرات الجميع. *** عند الغروب. كان يجلس داخل غرفته، أمسك هاتفه وضغط على زر الاتصال وانتظر الرد. بالقاهرة. داخل شقة متوسطة الحال، كانت تجلس داخل صالة الاستقبال بصحبة أبويها وشقيقها المحامي والذي يعمل معها هي وقاسم داخل مكتب المحاماة الخاص بقاسم.

إنها إيناس، تلك الفتاة التي تصغر قاسم بثلاثة أعوام حيث تعرف عليها من خلال شقيقها عدنان صديقه المقرب بالدراسة. تعرف عليها وهو بالصف الأخير بكلية الحقوق جامعة القاهرة حيث كانت إيناس طالبة بالصف الأول بنفس الجامعة. وأعجب بها وبسرعة البرق أوقعته بشباكها صريعاً بغرامها وذلك لاختلافها في نظره عن باقي الفتيات التي رآها طيلة حياته. وجدت هاتفها يرن معلناً عن وصول مكالمة. أمسكته وابتسمت حين رأت نقش حروف اسمه تزين شاشة هاتفها.

ابتسمت بغرور ثم وقفت منتصبة الظهر وتحركت نحو غرفتها تحت تساؤل والدتها المبتسمة: "ده قاسم؟ ابتسمت لوالدتها وأجابتها دون حياء أو خجلاً من والدها وشقيقها الجالسين: "آه يا ماما قاسم، عن إذنكم." ودلفت إلى غرفتها وأوصدت بابها عليها. أما والدها رفعت عبد الدايم الموظف البسيط بإحدى شركات الغاز فتحدث مستفسراً: "هي بنتك ما قالتلكش البيه ده هييجي يخطبها رسمي إمتى؟ ابتسمت كوثر قائلة بتفاخر:

"اصبر يا رفعت، الولد عاوز يعمل اسم لنفسه في عالم المحاماة ويثبت جدارته قدام جده وأهله علشان يكبر في عيونهم، وبعدها هيجيب أهله وييجي يطلب إيدها رسمي." تحدث عدنان شقيق إيناس بنبرة مطمئنة لوالده: "متقلقش يا بابا، قاسم حد محترم جداً ويتوثق فيه، ده عشرة أربع سنين دراسة وزيهم شغل في نفس المكتب." وأكمل بنبرة عملية خالية من المشاعر:

"وبصراحة كده يا بابا، قاسم وفلوس عيلته يستاهلوا الصبر والتأني، إيناس لو اتجوزت قاسم هتتنقل نقلة تانية خالص، واحتمال كمان تنقلنا معاها." أكدت كوثر على حديثه قائلة: "عندك حق يا عدنان، إذا كان من الوقت مغرقها في الهدايا الغالية والذهب، وبيديها مصروف شخصي بيكفيها طول الشهر وبتحوش منه كمان، أومال بعد ما يخطبها رسمي هيعمل معاها إيه." تنهد رفعت وأردف قائلاً بنبرة قلقه:

"مقولتش حاجة يا كوثر، بس أنا خايف لبعد ما كل الناس عرفت إنها خطيبته وخارجة داخلة معاه يسيبها وتبقا خطوبة واتحسبت عليها." أجابته كوثر بكلمات مطمئنة: "متقلقش يا رفعت، بنتك ذكية والولد بيحبها ومش هيقدر يستغنى عنها تحت أي ظرف." تنهد وصمت ليُكمل مشاهدته لإحدى البرامج العلمية التي يشاهدها عبر جهاز التلفاز. *** أما داخل غرفة إيناس التي نظرت إلى هاتفها بغرور وتحدثت بصوت أنثوي وهي تتمدد فوق تختها وتنظر إلى سقف غرفتها: "ألو."

أجابها ذاك الجالس فوق تخته بدعابة ولكنة قاهرية: "أحلى وأجمل ألو سمعتها في عمري كله." ضحكت بإنوثة زلزلت بها كيانه وأردفت قائلة بنبرة حنون: "وحشتني أوي يا حبيبي، يلا تعال بقى علشان مش قادرة على بُعادك أكتر من كده." أخذ نفساً عميقاً وزفره بإستمتاع وتحدث بنبرة عاشقة: "وإنتي كمان وحشتيني أوي يا إيناس، إن شاء الله هاجي بكرة." ثم تساءل بنبرة جادة: "أخبار شغل المكتب إيه؟ أجابته بنبرة عملية وكأنها تحولت إلى آلة:

"كله تمام، انهاردة كان ميعاد النطق في قضية مهران العيسوي، وكالعادة أخدت فيها حكم بالبراءة." أردف قائلاً بنبرة فخورة: "برافو عليكي يا إيناس، طول عمرك شاطرة ويعتمد عليكي." ابتسمت وأجابته بتفاخر: "تلميذتك النجيبة سيدي الفاضل." ضحك برجولة أذابتها وتحدث: "تلميذة إيه بقى، ده إنتي أستاذة، ما هي اللي تخلي قاسم النعماني اللي عمر ما فيه ست هزت فيه شعرة، ييجي على بوزه ويحب بالشكل ده تبقى أكيد أستاذة."

ضحكت بأنوثة وكبرياء وأكملت وصلة عشقهم. بعد قليل استمع لدقات فوق الباب فتحدث لها معتذراً: "الباب بيخبط مضطر أقفل وهكلمك تاني." أجابته بهدوء: "أوكي يا بيبي." أغلق معها وتحدث للواقف خلف الباب: "ادخل." دلف فارس مطلاً برأسه قائلاً: "فاضي نتكلم شوية؟ ابتسم لأخاه وأجاب: "ولو مش فاضي أفضي لك حالي مخصوص يا فارس باشا." ابتسم فارس لمداعبة شقيقه ودلف وأغلق خلفه الباب وأتجه لأخاه ثم جلس بجواره وتحدث: "أخبار شغلك إيه يا متر."

ربع قاسم ساقيه واعتدل بجلسته وأجابه: "كله تمام يا فارس، شغل المكتب ماشي كويس جوي، وكل يوم بيكبر عن اليوم اللي قبله واسمي الحمد لله بدأ يتعرف." ثم أكمل بتساؤل واهتمام: "المهم طمني عليك إنتَ، ناوي على إيه بعد ما تخلص كلية العلوم السنة دي." زفر فارس بضيق وأجابه: "هعمل إيه يعني، هشتغل مع أبوك وأمسك له حسابات المحجر، هو وجدك جرّوا كده وأني ما عليا إلا التنفيذ والطاعة العمياء." نظر لشقيقه بحزن وتحدث منتقداً استسلامه:

"إيه نبرة الانكسار والاستسلام اللي في صوتك دي؟ ليه متجلسش مع أبوك وجدك وتجول لهم إنك حابب تشتغل في مجالك ويبقى لك كيانك وكاريرك وتستقل بنفسك." ابتسم ساخراً وأردف قائلاً بنبرة تهكمية: "ليه، هو إني كنت قاسم عشان يسمعوا كلامي وينفذوه." أخذ نفساً عميقاً وتحدث بنبرة مستسلمة مفسراً له:

"صدقني يا فارس حتى إني لولا شغلي نفعهم ومسكت لهم كل قضايا المحجر والأرض الزراعية اللي باعوها على إنها أرض مباني ما كانوا فتحولي المكتب في القاهرة ولا سابوني أشتغل في مجالي اللي درسته وحبيته." وأكمل باستسلام: "نصيبنا كده يا فارس، ربنا رزقنا بجد متحكم حتى في النفس اللي عنتنفسه، وبيحددهولنا ناخده إمتى وكيف وإزاي." نظر إليه فارس وتحدث متذكراً بنبرة جادة:

"بمناسبة تحكم جدك في حياتنا، إني من كام يوم كنت داخل لجدك أوضته وسمعته وهو بيقول لجدتك إنه ناوي يجوزك لصفا بعد ما تخلص الثانوية السنة دي." جحظت أعين قاسم وتحدث ساخراً: "إني بردك كنت حاسس إنه بيفكر في كده، مش هو بس، دي أمك كمان مبتسيبش فرصة إلا وتحاول تجربني فيها من صفا، بس ده بعدهم، أني مش هتجوز غير اللي اختارها قلبي وعشقها." وأكمل غاضباً: "مش هتوصل كمان إنه يختار لي المرة اللي هتنام في حضني؟

تحدث فارس وهو يحس شقيقه على التمسك بقراره والصمود أمام جبروت ذاك المتسلط المسمى بـ جده: "جدع يا قاسم، خليك دايماً قوي قدامهم كده لجل ما يخشوك." نظر قاسم أمامه بشرود. *** ليلاً داخل منزل زيدان النعماني. كانت ورد تجهز طاولة العشاء وتحدثت إلى صفا الجالسة في الفراندا تتطلع بعيون معلقة بغرفة فارس أحلامها التي لم تراه طيلة اليوم منذ الصباح.

نظرت إليها ورد وحزن داخلها وهي مشفقة على حال صغيرتها من ذاك العشق المدمر لقلبها الصغير. وأردفت قائلة بنبرة يائسة: "صفا، ادخلي صحي أبوكِ لجل ما يتعشى." لم تجب والدتها لعدم انتباهها لحديثها نتيجة لشرودها. زفرت ورد وأعادت على مسامعها حديثها مرة أخرى بصياح عالٍ: "صفاااا." انتفضت بجلستها وألتفت بجسدها ناظرة إلى تلك الغاضبة وأردفت قائلة بنبرة مرتبكة: "نعم يا أمي." تنهدت ورد باستسلام وأعادت عليها الحديث مرة أخرى:

"ادخلي صحي أبوكِ وجولي له إن العشا جاهز." أومأت لها بطاعة وبسرعة البرق تحركت نحو غرفة أبيها، جلست بجانبه ووضعت أناملها الرقيقة فوق وجنته بحب وهمست بجانب وجهه بنبرة حنون: "أبوي، أبوي، اصحى يا حبيبي العشا جاهز." بدأ زيدان بفتح عينيه بهدوء ثم ابتسم لرؤيته لطفلته الجميلة التي تشبه والدتها حتى بنعومتها ورقتها. أمسك كف يدها وقبلها بحنان، ثم اعتدل وجلس مستنداً بظهره على ظهر تخته، وفتح ذراعه مشيراً لها بدخولها داخل أحضانه.

وما كان منها إلا السعادة البالغة والإنصياع لنداء غاليها والإرتماء داخل أحضان والدها الحانية التي تشعرها بأمان الكون بأكمله. إرتمت بأحضان وخرجت تنهيدة من صدرها وتحدثت إلى أبيها بنبرة حنون: "تعرف إني بحبك جوي يا أبوي." ابتسم زيدان وشدد من احتضانها وقبل وجنتها وتحدث: "إني بقى حبيتك إنتِ وورد أكتر من حالي وذاتي يا صفا، لدرجة إني اكتفيت بحبكم عن الدنيا بحالها." خرجت من داخل أحضانه بلهفة وأردفت قائلة باستفهام:

"صح جدي وجدتي كانوا عاوزينك تتجوز على أمي عشان تخلف الولد؟ ابتسم لها وأردف متسائلاً: "مين اللي جالك الكلام ده؟ أجابته بهدوء: "عمتي صباح هي اللي جالت لي لما سألتها إشمعنى أبوي اللي ليه دوار لحاله دون عن أعمامي كلهم." أخرج تنهيدة طويلة من داخل أعماقه وأجابها بهدوء: "دي عوايد وتقاليد يابتي، عندينا في الصعيد هنا الراجل لازم يبقى له ولد يورث اسمه من بعده." ضيق عينيها وتساءلت مستفسرة:

"وليه حضرتك ما سمعتش كلامهم واتجوزت عشان تجيب الولد؟ ابتسم لها ونظر داخل عينيها وتعمق بهما وأردف قائلاً بحنان: "تعرفي يا صفا، البصة في عيونك دول عندي بالدنيا كلها، وبعدين مين اللي جالك إني مجبتش الولد." وأمسك كف يدها مقبلاً إياه وتحدث بنبرة صادقة حماسية: "إنتِ عندي بألف ولد يا صفا، إنتِ اللي هتشرفيني وتخليني أتفاخر جدام النجوع كلها وأجول لهم إني أبو الدكتورة صفا النعماني." ابتسمت له بسعادة وأكمل هو بترجي:

"بس إني ما عايزكيش تزعلي من جدي وجدتك لجل السبب ده يا صفا، عاوزك تعذري تفكيرهم يا بتي." تدلفت لداخل أحضانه وشددت منها وأردفت قائلة بنبرة صادقة: "أكيد عمري ما أزعل منهم وخصوصي إنهم بيحبوني جوي ويمكن أكتر واحدة في أحفادهم كمان." وابتسمت وأردفت بنبرة حنون: "طبعاً بعد قاسم." ابتسم بعدما استمع إلى ذكرها لحبيبها بتلك النبرة الحنون وتساءل بتخابث: "وإشمعنى قاسم يعني اللي جبت سيرته؟ خرجت من داخل أحضانه

وتحدثت بنبرة سعيدة حماسية: "عشان هو المفضل عند جدي وجدتي، ده جدي بيكبره وبيستشيره في شغله أكتر ما بيستشير عمي قدري وعمي منتصر." ابتسم لها وكاد أن يجيبها لولا دلوف تلك الغاضبة التي أردفت بصياح غاضب: "إني بعتاكي تصحي أبوكِ عشان العشا ولا تقعدي في حضنه تدلعي وتتمسخري عليه؟ مدت شفتاها الكنزة بغضب مصطنع وتحدثت تشتكي لأبيها: "شايف يا أبوي، ماطيجانيش أقعد جارك وأنام في حضنك." حاوط زيدان وجنتها بكف يداه

برعاية وتحدث إليها بدعابة: "أعذريها يا صفا، الغيرة على الحبيب مرة بردك يا بتي." وضعت ورد يدها في خصرها كحركة اعتراضية على حديثه وتحدثت بنبرة معترضة متذمرة: "غيرة، على مين إن شاء الله الغيرة دي؟ اتسعت حدقة عيناه وتحدث معترضاً: "عليا يا بت الرجايبة، ولا زيدان النعماني ما يستاهلش تغيري عليه؟ ضحكت صفا وانتفضت من جلستها وتحركت باتجاه الباب وتحدثت بدعابة: "أطلع إني منها بقى، بيتهيأ لي إني كده عملت اللي عليا." نظرت لها ورد

وأردفت قائلة بغضب مصطنع: "وزيادة يا بت بطني." ضحكت صفا وخرجت وتحرك زيدان متجهاً إليها، كادت أن تخرج تلك الغاضبة ولكن يده سبقتها إلى الباب وأوصدته ثم شدها إليه بعنف، إرتطمت على أثره بصدره العريض، لف ساعديه حول خصرها الممتلئ بعض الشيء وألصقها بجسده بشدة وتحدث بنبرة ملامة: "بجى مبقتيش بتغيري على زيدان يا ورد؟ نظرت له وتحدثت بنبرة ملامة متذمرة: "مش إنت اللي واخد بتك في حضنك ونسيت بيه حضن ورد." ابتسم بتفاخر ثم تساءل:

"عتغيري عليا من بتك؟ أجابته بحدة وغيرة قاتلة ظهرت بعينيها: "وأغير عليك من الجلابية اللي بتلبسها يا جلب ورد من جوه." اشتعل داخله من نظرة عينيها العاشقة ونبرة صوتها الهائمة، مال على شفتاها ووضع لها قبلة شغوفة أطال بها وبث لها من خلالها مشاعره المتوهجة التي لم تهدأ يوماً منذ أن رآها صدفة بحفل زفاف صديقه. ☆ ويا حلوها من صدفة☆

إنجرف وراء مشاعره وبات يتذوق قبلة تلو الأخرى بشغف وهيام، شدد من احتضانه لضمتها، شعرت بانجراف مشاعره باتجاه آخر. تمللت داخل أحضانها قائلة بضجر: "زيدان." أجابها هامساً بجانب أذنها بنبرة مسحورة أذابت كيانها: "عيون زيدان وجلبه." ابتسمت لدلاله وكلمات عشقه وأردفت قائلة بنبرة حنون لتذكره: "صفا برة مستنيانا على العشا." أجابها وهي يشرب من شهد شفتاها المميز: "مجادرش يا زينة الصبايا، وحشاني ومجادرش أبعد." أبعدته بساعديها

بشدة وتحدثت بنبرة هائمة: "لو وحشاك جيران، إنتَ واحشني أربعة وعشرين، بس بالعجل يا زيدان، تعال نتعشا مع صفا وبعدها ندخلوا أوضتنا وأدوقك شهد ورد ورحيجها اللي بتعشق منها يا واد النعماني." ابتسم لها وتحدث بطاعة: "ماشي يا زينة الصبايا، بس بشرط." أجابته بهيام: "أؤمرني يا ضي عيني." أجابها بنبرة مشتاقة: "ما صبرش غير وقت العشا وبس، وبعدها تتصرفي مع بتك، فهماني يا ورد؟

ابتسمت له خجلاً وهزت رأسها بإيماء ثم تحركا للخارج معاً إلى غرفة الطعام وجلس ثلاثتهم حول مائدة الطعام المليئة بخيرات الله عليهم. وما أن أشرعوا بتناول الطعام حتى استمعوا لصوت جرس الباب ليعلن عن ضيف. فتحت العاملة الباب وجدته قاسم فتحدثت: "يا أهلاً وسهلاً يا سي قاسم، اتفضل." تحدث قاسم إليها متسائلاً: "عمي موجود يا صابحة؟ استمعت هي من الداخل لصوت معشوقها، انتفض داخلها واشتعلت وجنتيها وتحول لونهما إلى اللون الوردي الداكن.

لاحظته ورد وتنهدت بأسى على حال صغيرتها التي لم تكن تريد لها هذا المصير أبداً. أردف زيدان منادياً عليه بنبرة صوت مرتفعة: "تعالَ يا قاسم." دلف قاسم خلف العاملة وألقى عليهم السلام: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." وأردف قائلاً بنبرة معتذرة: "إني شكلي كده جيت في وقت مش مناسب." أردفت ورد التي وقفت وتحدثت بنبرة حنون: "حديث إيه اللي بتجوله ده يا ولدي." وسحبت له مقعداً وتحدثت بنبرة ودودة: "اجلس يا ولدي اتعشى ويا عمك."

نادَت بصياح على العاملة: "صابحة، هاتي طبق نظيف من عندك لقاسم بيه." تحدث قاسم بنبرة خجلة: "ملوش لزوم يا مرت عمي، إني هستنى عمي في الجنينة على ما تخلصوا عشا، عشان واحشني وعاوز أجلس وياه شوية." حدق به زيدان وتحدث ملاماً له: "جري إيه يا قاسم، هي الجعدة في مصر لوحدك نسّتك الأصول والعادات ولا إيه، مالك يا واد بقيت بخيل كده." تحدثت صفا بدعابة لتحثه على الجلوس: "شكله كده مش عاجبه وكل أم صفا يا أبوي."

نظر لها مضيق العينين مستغرباً شقاوتها الجديدة عليه وتحدث بدعابة: "طب ليه كده يا بت عمي، بجا متجيش غير منك إنتِ؟ ابتسمت بشقاوة وجلس هو وتحدث باحترام: "ده حتى نفس مرت عمي معروف في العيلة كلها إن مفيش زيها." جابته وهي تناوله قطعتان كبيرتان من اللحوم وتضعها داخل صحنه: "تسلم يا ولدي، يلا مد يدك وسمي الله." وقام زيدان بوضع فخذة كبيرة من لحم البط اللذيذ داخل صحنه.

كانت تبتسم وهي تراه محدق العينين لكل ما يوضع أمامه في وجبة عشائه التي بالتأكيد لم يتناول منها كل هذا. تناول الجميع العشاء تحت سعادة صفا التي وصلت لعنان السماء وقضت معظم الوقت في استراق النظر إلى وجه قاسمها. *** ليلاً داخل غرفة صفا. انتهى اليوم وصعدت لغرفتها، كانت تتمدد فوق تختها شاردة في طيف حبيبها تتساءل مع حالها، كيف سيكون شكل مستقبلها معه وهل حقاً سيكون من نصيبها كما لمحت لها جدتها رسمية من ذي قبل.

تنهدت بحنان وباتت تحلم بحياتها معه حتى وقعت صريعة للنوم. ترى ما المستقبل الذي ينتظر صفا؟ يتبع..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...