أكملت كوثر وهي تنظر لعيناي قدري: _تنكر إنك جيت لنا لحد البيت وقعدت تقنع فيا أنا وجوزي وولادي علشان نوافق بجواز قاسم من بنت أخوك علي إيناس؟ وأكملت بما نهي علي تماسُك قدري: _ووعدتنا بإن الجوازة دي لو تمت إبنك هيغرق في مغارة علي بابا وهيغرف ويدينا وينوبنا من الحب جانب؟
ارتبك قدري وشعر بالخزي والعار أمام عائلتهُ، في حين اتسعت أعيُن الجميع وهم ينظرون على قدري وقاسم الذي كان ينظر إليها بذهول غير مستوعب كم بجاحتها وحقارتها. لام حاله وأنّبها، كيف له أن يغفل عن أصل تلك العائلة المنعدمة الأخلاق والمبادئ وأن يلقي بحاله في براثنها وهو المحامي الفطن.
نظرت صفا إلى قاسم الذي حول لها بصره سريعًا ليرى مدى تأثرها بما بَخَت به تلك الحية الرقطاء، ابتسمت له وكأنها تطمئنه، وشددت من ضمت كفها بكفه في حركة تدل على عدم تصديقها لما يقال. تنهد بارتياح ونبض قلبه صارخًا بعشق تلك الصافية. نظر لها زيدان مشمئزًا من تلك الحقود التي تسعى إلى تخريب علاقة الأشقاء كي تنتقم لخروجها المهين من حياة قاسم بدون مقابل، قائلاً بنبرة هادئة تعكس عدم تأثره بحديث تلك الخبيثة المسموم:
_وقدري بيعمل ليه إكده وهو عارف ومتأكد إن أنا ومالي كله تحت طوعه ورهن إشارته. تنهد عثمان بارتياح من حديث صغيره الذي أثلج صدره وأراح باله، فهو العاقل الذي لا يخيب ظن أبيه به أبدًا.
في تلك اللحظة تملك من قدري شعور بالألم والحزن والخزي من حاله، فرق شاسع بينه وبين ذاك الفارس النبيل المسمى بزيدان، فكم من المرات التي حقد بها على شقيقه وكثيرًا ما قام بإحاكة المؤامرات للنيل من ثروته التي بذل الكثير من الجهد والتعب حتى قام بجمعها، وبالمقابل يكون هذا هو رد زيدان صاحب القلب الأبيض.
نعم زيدان على دراية كاملة بما كان يكنه قدري بداخل نفسه له، هو ليس بالرجل الأبله كي يغفل عن هذا الأمر العظيم والظاهر للكفيف، لكنه أيضًا يعلم أنه تغير تمامًا منذ حادثة ماجدة، وفهم أن الأهل هم أول الأيادي التي ستمتد إليك وتنتشلك حيث الوقوع في بئر الضياع، وبالأخص زيدان الذي كان له السند الحقيقي أثناء تلك الفاجعة. قام زيدان بتوزيع نظراته على شقيقيه وأنجالهما وأردف بنبرة حنون وقلب راضٍ:
_مالي وحالي كله تحت رجلين إخواتي وعيالهم اللي هما في الأصل عيالي ودايمًا واقفين في ظهري وسانديني بكل قوتهم. وأسترسل وهو ينظر إلى قاسم بقوة وفخر: _وبالنسبة لـ قاسم ولدي اللي ما خلفتوش من صلبي، أنا أضمنه وأضمن أخلاقه برجبتي. وأكمل وهو ينظر داخل عيناه باحترام صادق:
_أنا يوم ما سلمته بنتي كنت عارف إني بسلم أغلى ما عندي لراجل صح بيحميها وبيكون لها الأمان والسند من غدر الأيام، لما سلمته زمام بنتي ومرتي وأمنته عليهم لو جرى لي حاجة مكانش من فراغ. وأكمل بعدما رأى الحزن الظاهر بعيني قاسم والألم الذي اعتصر قلبه: _أنا عارف يا ولدي إن الخيانة والغدر عمرهم ما كانوا من طبعك. وحول بصره إلى كوثر وإيناس ورمقهما بنظرة مقللة من شأنهما وأردف قائلاً:
_ساعات ربنا بيختبرنا وبيحط في طريقنا ابتلاءات هتكون على هيئة بشر وده لحكمة هو وحده يعلمها، بس الأكيد إننا بنطلع من الابتلاء ده وإحنا أقوياء. واسترسل مستشهدًا بتلك المقولة وهو ينظر إلى قاسم: _وكيف ما بيقولوا، لكل جواد كبوة ولكل فارس غفوة. وأكمل وهو ينظر إليه: _ودي كانت غفوتك يا ولد النعماني، والشاطر هو اللي بيتعلم من أخطائه. أومأ له قاسم وأمال رأسه بانحناءة بسيطة دلالة على اقتناعه بصحة حديثه، في
حين هتفت كوثر بنبرة حادة: _هو أنتم هتقعدوا تترسموا وتحترموا لي في بعض عشان تطلعوني في الآخر أنا اللي كذابة وشيطانة وأخوكم وابنه ملايكة؟ وأكملت وهي تتحدث إلى زيدان قاصدة الوقيعة والتفرقة: _أنا قولت لك على اللي حصل عشان أخلي ضميري من ذنبك قدام ربنا وانت حر، تصدق بقى ولا ما تصدقش دي حاجة ترجع لك. احتدمت ملامح فايقة وهتفت بنبرة غاضبة بعدما استشاط داخلها من تلك الملعونة التي تصر على هدم المعبد فوق
رؤوس الجميع قبل المغادرة: _اكتمي نفسك يا مرة يا سو لأجي أكتمهولك بنفسي. وأكملت بزيف كي تجبر الجميع على التشكيك بنوايا تلك الحقودة: _جاية تبخي سمك بين الإخوات وتوجعيهم في بعض يا ملعونة. وأكملت: _الكل عارف إنك بتعملي كده بعد ما لقيتي حالك بتطلعي من المولد بلا حمص انتِ والعجوزة بنتك؟ حولت كوثر نظرها إليها بعينين تشتعلان وكأن فايقة بحديثها هذا قد فتحت أبواب جهنم على حالها وهتفت بنبرة تهكمية:
_طب خلي حد غيرك يقول الكلام ده يا حبيبتي. وأكملت باتهام صريح: _ده مفيش خطوة اتحركتها أنا وبنتي غير وتمت تحت إشرافك وبتخطيط منك. وكادت أن تكمل أخرستها رسمية بنبرة صوتها المرعب حين هتفت بحدة لغلق الماضي وطى صفحاته الأليمة: _جفلي يا حرمة على المواضيع واردمي عليها، ما عيزينش نسمع منك لا خير ولا شر. هتفت بنبرة حادة طاردة إياها بطريقة مهينة وصريحة: _ودلوقتي خدي بنتك وفارجونا من غير مطرود. نظرت كوثر إلى عثمان وأردفت بنبرة
مستضعفة كي تستدعي تعاطفه: _مش همشي قبل ما الحاج عثمان يجيب لبنتي حقها. وأكملت بنبرة توسلية: _أنا واقعة في عرضك وشهامتك يا كبير، أبوس إيدك تجيب لبنتي حقها من حفيك وتحميها من ظلمه. كان يرمقها بعينين تشبه نظرات الثعلب المكار، ابتسم لها بجانب فمه وأردف قائلاً بتعجب: _كيف بتطلبي مني الحماية وإني أقف جارك وإنتِ جاية ونيتك تفضحى حفيتدي وتعرفي الكل إن جوزها متجوز عليها؟ وأكمل ساخرًا:
_لا وبغبائك كنتي مفكرة إنك بكده هتحطيه قدام الأمر الواقع وتخليه يستسلم ويُدخل عليها وتُبقى مرته رسمي، ولما لقيتي ولد النعماني واعي لك زين وكاشف ملعوبك، قولتي توجعي بين الأخوات وتطلعي بأي مصلحة. وأكمل بفطانة: _ولما زيدان طلع ولد أبوه صح وخرصك قولتي لحالك أما ألعب على الراجل العجوز يمكن يحن ويغرف من الكنز ويديني. واسترسل وهو ينظر إليها بمكر ودهاء:
_أنا كاشفك وعارف غرضك السوء من أول ما خطيتي برجلك النجسة، بس كنت سايبك لحفيدي لجل ما يعلمك الدرس زين ويعرفك إنتِ وبنتك آخرة اللي بيلعب مع ولاد النعمانية إيه. وأكمل متهكمًا: _واديكم نلتوا منه اللي تستحقوه. هتفت بنبرة حادة بأسلوب خالٍ من الاحترام: _يعني إنتَ كمان موافق حفيك وبتشجعه على إنه ياكل حق الغلبانة بنتي؟ طب اعمل لآخرتك اللي قربت. وأكمل بصياح عالٍ وقلبٍ يغلي من حرقته:
_حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم كلكم، حسبنا الله ونعم الوكيل. رمقه قاسم بنظرة تحذيرية وهتف قائلاً بنبرة حادة: _احترمي نفسك يا ست إنتِ واتفضلي يلا من غير مطرود. رمقته إيناس بنظرات حارقة وهتفت قائلة بتوعد: _بقا هي دي أخرتها يا قاسم، بتطردنا من بيتك بعد كل اللي اتحملته عشانك؟ لو فاكر إني هسيبك بعد ما غدرت بيا تبقى لسه ما تعرفنيش كويس. وأكمل وهي تشير بأصبع يدها بنبرة تهديدية:
_وحياة كل حاجة عملتها لك وساعدتك بيها في شغلك عشان أكبر لك المكتب وفي الآخر طردتني منه، وحياة كل لحظة في عمري ضيعتها وأنا معاك وفي انتظار تحقيق وعودك الكدابة ليا وبعدها طلقتني. وأكمل بنبرة حقود: _وحياة إهانتك ليا أنا وماما قدام عيلتك عشان تعمل فيها راجل قدام الهانم مراتك لأدفعك الثمن غالي، وغالي أوي يا قاسم. واسترسلت وهي ترفع رأسها إلى الأعلى بنبرة تهديدية صريحة: _قابل اللي هيجري لك على إيديا يا قاسم يا نعماني.
قوس فمه وابتسم ساخرًا وأردف متهكمًا بلكنته الصعيدية: _أعلى ما في خيلك اركبيه وارمحي بيه رمح وورينا هتوصلى بيه لحد فين. وأكمل بنبرة تهديدية حادة: _بس نصيحة مني لوجه الله، بلاش تقفي قدامي وتستفزيني بتصرفاتك الغبية، عشان إنتِ لحد دلوقتي لسه معرفتيش الوش التاني لقاسم النعماني واللي متأكد إنك ما هتصدقي قصاد جبروته. ابتسمت ساخرة وهتفت بإصرار وعناد: _خلي الحكم للجمهور بعد المشاهدة يا مترشم. سحبت بصرها ونظرت
إلى كوثر وهتفت بنبرة حادة: _يلا بينا يا ماما وكفاية قلة قيمة لحد كده. وزعت كوثر نظرات كارهة على الجميع وهتفت بنبرة لقلبها المحترق جراء خسارتها: _حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم، ربنا ينتقم منكم ويحرق قلوبكم زي ما حرقتم قلبي على حق بنتي اللي أكلتوه واستحليتوه، ربنا على المفتري. صاح بها عثمان بنبرة حادة: _بكفاية عويل وصراخ يا حرمة ويلا من هنا بدل ما أفقد أعصابي وأخلي قدري ينفذ تهديده ويدفنك صاحية إنتِ والبومة اللي جنبك دي.
انتفض داخلها وهرولت إلى الخارج تتخبط بصحبة ابنتها التي خرجت من المنزل بقلبٍ مشتعل لخروجها خالية الوفاض من تلك الزيجة التي خططت ورسمت لها منذ أن التحقت بكلية الحقوق ورأت قاسم وعلمت منزلة عائلته والثراء الفاحش الذي كان يظهر عليه، ابتداءً من السيارة الفخمة التي أهداها له عثمان وهو بالفرقة الرابعة بالحقوق، مرورًا بانتقائه للثياب الفخمة والمال الذي كان يصرفه على حاله ويكرم به من حوله. تحدث قدري بنبرة مشمئزة
وهو ينظر على أثرهما: _غمة واتزاحت. هتف يزن قائلاً بنبرة حادة وهو ينظر إلى قاسم: _يا أبووووووي، اتلميت عليهم في أنهي خرابة دول يا ولد عمي. وأكمل لائمًا: _دول لا شبهك ولا حتى من توبك؟! صاح منتصر ناهراً ولده لعدم إحزان قاسم أكثر من ذلك: _خلاص عاد يا يزن، عالم سوء وربنا خلصنا منهم، نجفل بقى على الموضوع وننساه وكأنه ما حصلش.
تنفس قاسم بضيق من حاله وما وصل إليه بفضل عناده ومحاولة هروبه السابقة، ثم تحدث إلى جده متلاشيًا ما حدث ليغلق عليه الستار وللأبد: _بعد إذن الجميع، كنت حابب أقعد أنا وأبي وأمي وفارس وليلي لحالنا ويا جدي وجدتي. تفهم الجميع وبدأوا بالوقوف ثم همس هو إلى صفا قائلاً بنبرة حنون: _خدي بالك واطلعي على فوق يا غالية وأنا هخلص موضوع خاص بـ ليلي وأجي لك طوالي. أومأت له بطاعة وتحدثت بنبرة حنون: _ما تتأخرش عليّ يا حبيبي.
انتفض داخله بشدة وأردف قائلاً بنبرة عاشقة: _ما هتأخرش يا جلب حبيبك. تحركت بجانب والدتها التي تحمل الصغير وزيدان الذي نظر له بحنان فأبتسم له قاسم وتأسف له بعينيه، بادله زيدان بابتسامة رضا وسماح. نظرت ليلي بحقد وكره على تلك التي تجاور يزن وتتحرك بجانبه تحت حماية يزن لها وهو يلف ذراعه حول كتفها بحماية ليثبت للجميع أنها تحت رعايته. جلس الجميع فتحدث الجد إلى قدري وفايقة قائلاً:
_قبل ما تبدأ في حديثك حابب أقول لأبوك وامك كلمتين. وأكمل موجهًا اللوم لهما: _يا رب تكونوا اتعلمتوا الدرس زين واتعظتوا وشوفتوا بعنيكم لفين وصلتوا عيالكم. وأكمل بنبرة متألمة وهو ينظر إلى قاسم: _شوفتوا كيف وصلتوا ولدكم وخلتوه يتلم على ناس سوء ويروح يرمي حاله جوه أحضانهم اللي كيف أحضان العقارب لجل بس ما يهرب منيكم؟ وأكمل: _عاجبكم شكله وهو ناصب محكمة لحاله كان فيها القاضي والجلاد؟ تحدث قدري بنبرة متألمة وهو ينظر أرضًا
من شدة خجله: _حقك عليّ يا أبوي، حقكم عليّ كلكم. أردف قاسم الذي لم يحتمل أن يرى والده بذلك الضعف وتلك الحالة المهينة: _بكفاية الله يرضى عنيك يا جدي، اللي حصل حصل خلاص وكلياتنا اتعلمنا الدرس زين. وأكمل لينهي الحديث: _خلينا نتكلموا في المهم. نظر إلى ليلي وتحدث بنبرة هادئة: _أنا عارف إن مش وقت الكلام ده وإن لسه بدري على ما العدة بتاعة ليلي تخلص. حول بصره إلى جده واسترسل:
_وعارف كمان إن لسه زعلان منها ومن اللي عملته في صفا، بس أنا بطلب من حضرتك وأترجاك إنك تسامحها وتسمح لها تحضر ويانا فرح حسن النهارده. رمقه عثمان بنظرة حادة وهتف قائلاً بنبرة غاضبة: _أنا جولت قبل كده إن مالهاش خروج من أوضتها إلا بعد عدتها ما تخلص، وهتخرج منها على بيت صالح ولد ذكي النعماني وهي مرته وعلى ذمته. وأكمل مفسرًا إليه بهدوء: _كفاية إني كسرت كلمتي الليلة وخليتها تدلي وتحضر لجل خاطرك إنتَ وصفا. نظرت
إليه وتحدثت بنبرة توسلية: _أحب على يدك بلاش تجوزني لصالح يا جدي. أردف قاسم متحدثًا إليها بنبرة هادئة وهو ينظر لها ليحثها على الصمت: _خلاص يا ليلي. وأكمل وهو ينظر إلى جده: _اهدى يا جدي وخلونا نتفاهم بالعجل، صالح ما ينفعش ليلي يا جدي. وأكمل سريعًا قبل اعتراض جده:
_عبد العزيز ولد خالي منصور طلب يدها مني امبارح في الحنة، جالي إنه عاوز يضمن الموافقة قبل ما يرجع للسعودية لشغله، وإن شاء الله بعد عدتها ما تخلص هيعمل توكيل لأبوه لجل ما يكتب بيه الكتاب وليلي هتسافر له على طول وتعيش وياه في السعودية. صمت الجميع ونظروا لبعضهم باستحسان للفكرة، وأكمل هو: _كلنا عارفين إن عبد العزيز كان يريدها قبل ما تتجوز يزن، وأكيد هيصونها وعيشيلها جوه عينيه. صاحت هاتفة بنبرة غاضبة:
_بس أنا ما عايزاش أتجوز لا عبد العزيز ولا غيره يا قاسم. تحدث الجد باستحسان متلاشيًا صياحها: _وأنا موافق على عبد العزيز. أردفت فايقة بنبرة حماسية: _عبد العزيز أحسن واحد هيصونك يا ليلي، وبعدين ظروفه مناسبة ليكي، مطلق مرته وعنده عيلين عايشين مع أمه هنا ومعتستغناش عنيهم. وأكمل لتحسها على الموافقة: _يعني معتشليش حتى هم العيال. أكملت رسمية على حديثها:
_أمك بتتحدث صح يا ليلي، مرّة خالك بتربي العيلين ومتعلقة بيهم، ده غير إن عبد العزيز راجل زين وكان يريدك قبل سابق، يعني كيف ما بيقول قاسم، هيصونك ويحطك في حباي عينيه. صرخت بكل صوتها هاتفة باعتراض: _كلياتكم عاوزين تسفروني لجل ما تخلصوا مني، للدرجة دي محدش منكم طايجني وطايج شوفتك. ثم نظرت إلى جدها وجرت وارتمت على ساقيه وتحدثت باستعطاف: _أحب على رجلك رجعني ليزن يا جدي. وأكملت بلهفة وتوسل:
_جُل له إني هعيش خدامة تحت رجليّه ومهعملوش مشاكل مع مرته التانية واصل. وأكملت بجنون من شدة عشقها: _جُل له كمان إني راضية باللي هيتبقى لي منه، حتى لو عاوز يجي لي مرة واحدة كل شهر، أنا راضية. وأكملت بدموعها التي نزلت: _والله راضية.
أشفق الجميع على حالها، عثمان الذي أغمض عينيه بتألم كي لا يرى تلك العاشقة التي أصابها العشق بالهوس، رسمية التي انشق صدرها لنصفين وهي ترى تمزق روح حفيدتها بهذا الشكل، فايقة، تلك الأم الغافلة التي أضاعت حياتها بالسعي وراء سراب وأهملت صغارها ودمرتهم ولم تحصنهم بأحضانها ليقوا شر نفوسهم قبل الغير.
قدري الذي حزن وشعر بالجريمة التي اقترفها هو وشريكته في حق أبنائهما الثلاثة وتلك المسكينة بالتحديد، وفارس الذي انشق صدره وحزن لأجلها. أما ذاك الذي وقف سريعًا وتحرك بقلبٍ محترق لأجل رؤيته لشقيقته وهي بذلك الذل وتلك المهانة، أمسك كف يدها وأجبرها على الوقوف واتخذها بداخل أحضانه ليشعرها بالطمأنينة وتحدث بهدوء وهو يحرك كف يده الحنون فوق ظهرها: _اهدى يا ليلي، اهدى يا حبيبتي. خرجت سريعًا من داخل أحضانه وسألته بنبرة متلهفة:
_كلمة إنتِ يا قاسم، جُل له إني ما بقدرش أعيش بعيد عنه. صرخ قلبه متألمًا وتحدث بنبرة ضعيفة: _ما ينفعش يا ليلي، يزن خلاص اتجوز وعايش مبسوط في حياته، وبعدين هو طلقك بالتلاتة يعني معادش فيها رجوع تاني يا بت أبوي. خرجت منها شهقة عالية نتيجة دموعها الغزيرة وهزت رأسها بهيستريا وتحدثت باعتراض: _ما بقدرش أعيش مع حد غيره يا قاسم، اتصرف إنتَ وشوف لي حل يخليه يرجعني تاني. وسألته متلهفة ببارقة أمل:
_مش إنتَ محامي وبتفهم زين في حل المواضيع اللي كيف دي؟ استشاط داخل قاسم من رؤيته لضعف شقيقته وتحدث قائلاً بنبرة حادة لإفاقتها: _فُوقي يا ليلي، يزن ما عايزكيش خلاص، بلاش ترخصي حالك وإنتِ الغالية بنت الأصول. وأكمل بنبرة تعقلية: _إنتِ اتجوزتي اللي بتحبيه وجربتي حظك وياه، ما كنتيش غير الحزن والوجع. واسترسل بنبرة حماسية لبث روح الأمل داخلها:
_جربي تعيشي ويا اللي عاشقك وعييتمني لك الرضا، صدقيني يا خيتي، جوازك من عبد العزيز فرصة ربنا بعتها لك لجل ما تبعدي وتنسي وترتاحي. وتحدث بعقلانية: _طول ما إنتِ قريبة من يزن وشايفاه عايش ويا مرته عمرك ما هتلاقي الراحة ولا هتنسي وجعك. وقف فارس ومسح فوق رأسها وتحدث متأثرًا: _اسمعي كلام أخوكِ يا ليلي، كلياتنا بنحبك يا خيتي ورايدين مصلحتك. نزلت دموعها وتحدثت باستسلام وملامة: _وهي مصلحتي إنكم تبعدوني عن أهلي وعزوتي يا فارس.
تحدث الجد بنبرة عاقلة: _وهي الواحدة بعد ما تتجوز راجل زين هتعوز إيه من أهلها يا بتي. وأكمل بنبرة حنون: _وبعدين هي التلفونات خلت حد بعيد يا بتي، ده الناس بتكلم بعضيها وبتشوفوا بعض من هنا كمان. وقف قدري ونظر لها بحنان وتحدث بعيون مترجية: _وافقي يا بتي على ابن خالك لجل ما تريحي قلبي من ناحيتك. تناقلت بنظرها بين الجميع باستسلام بعدما نزلت على أرض الواقع من خلال حديثهم وعلمت أن رجوعها إلى يزن أصبح من المستحيل.
هزت رأسها وتحدثت بنبرة ضعيفة مستسلمة: _موافقة. احتضنتها فايقة وأجهشت بدموع الندم على ما أوصلت به صغيرتها التي خرجت من لعبة انتقامها خاسرة لكل شيء، رجل حياتها الذي فقدته، وحرمت من أن تتنعم باحتضان طفل من رحمها، حتى تنعمها بقربها من عائلتها حرمت منه. تحدث الجد بنبرة حزينة لأجل حزن حفيدته: _على خيره الله. وأكمل وهو ينظر إلى قاسم الذي يظهر الحزن على معالم وجهه بشدة:
_وإنتَ يا قاسم، بلغ عبد العزيز بموافقتنا بس طبعًا الكلام ده هيكون سر بيناتنا لحد ما ليلي تخلص عدتها. وأكمل شارحًا: _الكلام في الموضوع ده وهي لسه مخلصة عدتها حرام شرعًا وما يصحش، لكن إحنا هنديه وعد عشان ظروف سفره ولجل ما يرتب حاله زين. أومأ له الجميع بتفهم وتحدث هو إلى ليلي بنبرة حنون: _جهزي نفسك عشان هتروحي معانا الفرح.
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها وخرجت بصحبة والدتها بقلوبٍ متألمة منكسرة خاسرة نتيجة أعمالهم التي لم يحصدوا منها سوى القهرة والخسارة والندم. صعد إلى شقته، وبمجرد دخوله من الباب انبعثت رائحة النظافة والمعطر مما يوحي إلى وجود حياة داخل المكان، وجد الستائر الغامقة مفتوحة على مصراعيها وتنسدل من بينها الستائر الشفافة، تداعبها نسمات شهر مايو الهادئة.
استمع إلى صياح صغيره وصوت متيمة روحه ويبدو أنها تهدده يأتي من اتجاه غرفة النوم، انتفض قلبه وشعور بالراحة والسكينة والطمأنينة غزا قلبه وتملك منه، برغم كم الحزن الذي أصابه بفضل الحالة التي وصلت لها ليلي. ساقته ساقيه وتحرك بقلبٍ نابض إلى غرفته التي امتلأت بالحياة بعودة ملكة حياته وأميره الصغير لداخل مملكتهم بعدما كانت الشقة بأكملها تشبه القبر في عتمته ووحشته.
خطا بساقيه للداخل وجدها تتحرك داخل الغرفة حاملة الصغير وتهدهده كي يهدأ من نوبة الصراخ التي أصابته. تحرك إليها سريعًا وهتف قائلاً بنبرة متوترة: _مالك ماله يا صفا؟ نظرت عليه بعينين شبه دامعة وتحدثت بنبرة حزينة بفضل تلبكها بحالة طفلها: _ما أعرفش، مبطلش بكاء من وقت ما طلعنا كيف ما أنتَ شايف. بسط ذراعيه وأخذه من بين يديها بحرص شديد وتحدث وهو يضعه على كتفه ممسكًا بظهره بحرص ورفق ولين:
_اهدي يا حبيبتي وهو دلوقتي هيوقف بكاء ويهدى. وقام بهدهدته بحنان وقَبّل وجنته وهو يتحرك به قائلاً بنبرة هادئة: _اهدي يا جلب أبوك وما تبكيش، خلاص يا حبيبي إنتَ في حضن بابا اللي بيحبك وبيحميك بروحه. ومن العجيب أن الصغير هدأ واستكان داخل أحضان قاسم وكأنه شعر بالأمان والطمانينة حينما تلامس جلده الناعم عنق والده. نظرت له تلك التي أصابها الذهول وتحدثت مصطنعة الاعتراض:
_يسلام، شكلك كده ناوي تشكل إنت وابنك حزب وتبقوا فريق واحد. ضحك بهدوء وسألها بحنان: _طب ودي حاجة تزعلك في إيه يا أم مالك؟ ابتسمت بحنان وتحدثت: _ومين جالك إنني زعلانة. وأكملت بحديث ذي مغزى وعينيه ظهر داخلهما الاطمئنان: _ده أنا أسعد يوم في حياتي النهارده.
حزن داخله للحالة التي وصل لها حبيبته، شعر باستكانة واسترخاء صغيره مما يعني أنه قد غفى بسلام، تحرك به ووضعه بحرص داخل مهده، وقام بوضع قُبلة حنون فوق وجنته بلونها الوردي وملمسها شديد النعومة. ثم تحرك إليها وسحبها داخل أحضانه وشدد عليها، مما أسعدها وجعلها تشعر بامتلاكها العالم بأسره، أخرجها من أحضانه ونظر داخل عينيها وأبتسم بحنان. ثم سألها بإستفسار بعدما رأى القلق داخل عينيها: _مالك يا صفا؟
إيه اللي تاعب روحك ومخليكِ مش رايقة؟ تنفست عالياً وأجابته بما يضيق بصدرها: _خايفة عليك يا ضي عيني. نظر لها مضيقًا عينيه بإستفسار، فأكملت هي مفسرة بنبرة قلقة: _اللي اسمها إيناس دي شكلها كده مش سهلة، خايفة تأذيك يا قاسم. ابتسم بخفة وتحدث بنبرة هادئة ليطمئنها: _مش عيب عليكِ يا بت النعمانية تخافي على جوزك من واحدة كيف دي! نظرت إليه بريبة فوضع كف يده على وجنتها وحرك إصبعه فوقها بحنان وتحدث بنبرة مرهفة:
_اطمني يا أم مالك، جوزك عارف وجادر يقف لأي حد يحاول أذيته. وأكمل مفسرًا: _وبعدين إيناس دي أضعف وأجبن وأذكى من إنها تقف قصادي وهي عارفة ومتأكدة من إن ضربتي ليها هتكون القاضية. أومأت له بتفهم، فنظر لدخل عينيها بإشتياقٍ وأمسك كف يدها، وتحرك بها إلى تختيهما، تمدد وأسند ظهره ثم جذبها بقوة جعلتها ترتمي فوق ساقيه، احتوانها ولف ذراعيه حول جسدها برعاية وقام باحتضانها بقوة كاد بها أن يسحق عظامها ويدفنها بداخل روحه العاشقة.
قرب فمه بجانب أذنها وهمس لها بنبرة عاشقة: _وحشتيني يا صفا، وحشتيني جوه. وأكمل بإثارة أصابت كلاهما: _ريحة جسدك المسكية اللي بتدوبني، صوتك اللي بيفرفت قلبي، عيونك اللي بتسحرني، كلك وحشتيني يا كلي. كانت تستمع إليه بقلبٍ يتهاوى وعينين مغمضتين سارحة في خيال صوته الساحر، همست من بين أحضانه بنبرة تدل على مدى هيامها في عشق حبيبها: _شوفت فيك كان عيني علىّ يا قاسم، كل يوم قضيته وانت بعيد عني كنت بموت فيه ألف مرة.
أخرجها سريعًا وسألها متلهفًا: _صح بعدي كان فارق معاكِ يا صفا؟ وأكمل بعيون هائمة مسحورة بفضل عينيها وعشقها: _كنتِ بتشتاقي لي كيف ما كنت بموت من شوقي ليكِ؟ أجابته وهي تنظر داخل مقلتيه وصدرها يعلو ويهبط من شدة الاشتياق والوله: _مفيش يوم عدى عليّ من غير ما أشتاق لك وأشتاق لضمة حضنك فيه يا حبيبي. وأكمل بعينين لائمين: _عذبتني في رحلة عشقك يا قاسم، حرقت روحي اللي دابت من البعد وكواها نار الانتظار. ضمها بشدة وتحدث بإشتياق:
_حقك عليا يا تاج راسي، ووعد عليّ ما هبعدنيش عنيكِ تاني غير الموت يا غالية. أجابته وهي تلقي برأسها على كتفه بدلال أنثوي: _بعد الشر عنيك من أي أذى يا حبيبتي. يتحدث إليها بوعيد وحماس: _فيه حاجات كتير لازم أقولها لك لجل ما تعرفي إن عشقك بيجري في دمي من سنين مش بس من بعد جوازنا يا غالية. قطبت جبينها بإستغراب فتحدث: _بعدين يا صفا، هنتكلم بعدين نكون رايقين عن كده. وغمز لها بعينيه وتحدث بوقاحة أخجلتها:
_دلوقتي عندنا الأهم اللي هنتكلم فيه. وقام من جديد باحتضانها وبشدة مما زاد من الاشتياق بينهما وجعلهما يذهبا إلى بعيد كي يطفأ لهيب عشقهما الملتهب بفضل نار اشتياقهما الجارف، وغاصا بعالمهما الفريد الخاص بهما. بعد مدة من الوقت كان كلاهما واقعًا داخل نوبة من النوم العميق جراء إجهادهما الشديد، واحتياج جسديهما للراحة والنوم كي يستيقظا بحال أفضل ليكونا جاهزين لحضور حفل الزفاف التي ستقام ليلاً. عصرًا داخل منزل أمل ويزن.
وكانت تتمدد فوق فراشها مستندة على ظهر التخت، منهكة بوجهٍ ذابل ثأثرًا من تقلبات الحمل والتقيؤ. دلف إليها ذاك النبيل وهو يحمل بيده كأسًا من المشرب الساخن ووضعه على الكومودينو. ثم جاورها الجلوس وسحبها لداخل أحضانه وشدد عليها وقبّل مقدمة رأسها وتحدث بنبرة تفاض حنانًا: _عملت لك كوباية أعشاب بتريح معدتك وتهديكي خالص.
ثم حرك كف يده فوق ظهرها في حركة أثبتت لها كم الحنان الذي يمتلكه ذاك الرجل بداخل قلبه ويفيض على أحبائه، شعرت بالأمان والحنان داخل أحضانه. فحدثها هو قائلاً بإطمئنان: _هتكوني زينة يا قلبي، متخافيش. وأخاف إزاي وانت جنبي يا حبيبي، جملة صادقة خرجت من قلبها لا فمها. شعر بها ذاك النبيل وأبعد وجهها من داخل أحضانه ونظر لداخل عينيها الساحرة وتحدث بنبرة تفاض عشقًا: _تعرفي يا أمل، إنتِ أحلى حاجة حصلت لي في عمري كله.
وأسترسل مفسرًا بيقين: _كنت عارف زين إن ربنا شايل لي نصيبي الحلو من الدنيا ومعيظلمنيش كيف ما الخلق ظلموني. وأكمل وهو يميل بوجهه للجهة اليسرى وبعيون تصرخ من عشقها تحدث: _بس مهما تخيلت عمري ما كان هيجي في بالي إن كرمه وعطفه هيوصلني لأحن وأجمل وأرج حرمة في الدنيا كلها. كانت تستمع إليه بعيون هائمة سارحة في دنيا غرامه، وتحدثت بنبرة حنون:
_وإنتَ عوض ربنا الجميل ليا ومكافئتي اللي ربنا حب يكافئني بيها على صبري لكل الابتلاءات اللي اتعرضت لها في حياتي. وأكملت بفخر واستحسان: _إنتَ حد جميل أوي يا يزن وتستاهل أحلى حاجة في الدنيا كلها. أجابها بنبرة حنون صادقة: _ولأجل كده ربنا رزقني بيكي يا ست البنات.
ثم مال على شفتيها وألتقطهما بنعومة وبدأ بتقبيلهما بهدوء معبرًا لها عن مدى سعادته بوجودها داخل حياته، ابتعد عنها كي لا يزيد عبء تعبها، ثم أدار جسده وألتقط كأس المشرب وناولها إياه وتحدث بنبرة حنون: _اشربي يا حبيبتي لجل ما ترتاحي. أمسك الكأس وتحدثت بنبرة ممتنة: _ربنا يخليك ليا يا حبيبي. بعد مرور نصف ساعة.
كانت تغفو بثبات على ساقي ذاك الساند بظهره خلف التخت وهو ينظر عليها بحنان وابتسامة رضا، يحرك أصابعه داخل شعر رأسها متخللًا بها بين خصلاتها بنعومة جعلتها تشعر بالراحة والسكينة مما جعلها تدخل في ثبات عميق. داخل مسكن رفعت عبد الدايم. كان يضع رأسه بين كفيه وينظر أسفل قدميه وتحدث بنبرة ضعيفة: _يعني إنتِ وبنتك استغفلتوني. ثم رفع رأسه وتحدث بنبرة لائمة:
_مفهماني إنك هتقعدي يومين مع بنتك في شقتها عشان تعبانة وإنتِ في الصعيد يا كوثر؟ نهرته قائلة بنبرة حادة: _هو ده وقته يا رفعت؟ إحنا في إيه وانتَ في إيه؟ ابتسم رفعت بجانب فمه ساخرًا على حاله وما وصل إليه بسبب سلبيته مع زوجته ونجليه، واسترسلت هي بنبرة غاضبة: _أنا بكلمك عن بنتك واللي حصل لها من الندل اللي اسمه قاسم، وطلاقه ليها قدام عيلته كلها وانتَ كل اللي همك إزاي نسافر من غير ما نقول لك. وأكملت بنبرة حادة
وهي تتحرك بهيئة جنونية: _تخيل الواطي كسر كالون الشقة ورمى لها هدومها عند البواب وباع فرشه. تحدث عدنان لائمًا على والدته: _وإنتوا بقى كنتوا فاكرين إن قاسم هيضرب لكم تعظيم سلام وأنتم رايحين تفضحوا مراته أم ابنه في وسط عيلته؟ رمقته تلك المستشاطة وصاحت به متذكرة: _كويس إنك فكرتني يا عدنان بيه. وأكملت بنبرة غاضبة وعينين حادة:
_هي دي اللي ما فيهاش ريحة الجمال وتشبه الرجالة في جسمها، هي دي اللي معندهاش أي مقومات تشير إلى إنها أنثى يا محترم؟ وأكملت بتساؤل غاضب: _بتغشني يا عدنان وتخليني أروح على عمايا وأتفاجئ إني واقفة قدام أيقونة جمال؟ ارتبك وخشي غضبها الهائل وتحدث بنبرة هادئة كي يتلاشى غضبها: _الحق عليا إني محبتش أزعلك وأقهرك وقتها؟ وبعدين كان هيفرق في إيه معرفتك من عدمها؟ أجابته كوثر بنبرة غاضبة:
_كانت هتفرق طبعًا يا موكوس، على الأقل كنا غيرنا تعاملنا مع اللي اسمه قاسم وعملنا حساب للعدو اللي بنحاربه. أجابها وهو يتنصل من الموضوع: _اهو اللي حصل بقى يا ماما، خلينا في اللي عمله قاسم وإزاي هنتصرف معاه وسيبك بقى من اللي فات. نظرت هي إلى رفعت الجالس ينظر عليهم مستغربًا كم البجاحة والحقارة التي أصبحوا عليها، هتفت بنبرة حماسية قائلة:
_إنتَ الوحيد اللي هتقدر تأثر على قاسم وتخليه يرجع لها الشقة والعفش ويديها المؤخر اللي كان واعدها بيه. جحظت عيناه وهتف قائلاً بنبرة حادة: _هو إنتِ لسه ما شبعتيش ذل وإهانة فيا؟ وانتفض واقفًا من جلسته وتحدث بنبرة غاضبة حادة: _ده أنا مش قادر أنسى لحد الآن شكلي وأنا واقف قدامه وبترجاه يتجوز بنتي عشان ما أتفضحش أنا وهي قدام قرايبي، والراجل من أصله وكرم أخلاقه وافق. وأكمل شارحًا:
_وبرغم إن مراته وأهله عرفوا والدنيا انقلبت فوق دماغه، إلا إنه أثبت لي إنه راجل بجد وقد الوعد اللي وعدني بيه. وأكمل بخزيٍ ظهر فوق ملامح وجهه: _بس أنا اللي ما طلعتش راجل معاه. واسترسل وهو يوزع نظراته على ثلاثي الشر: _كسفتوني وكسرتوا رقبتي قدام الراجل، ولسه كمان عايزين تكسروني وتخلوني أروح أذل نفسي ليه وأرخصها وأطلب حاجة مش من حقنا. صاحت به إيناس وهتفت باعتراض:
_هو إيه ده اللي مش من حقي يا بابا، ده ثمن صبري عليه وعمري اللي ضاع جنبه وأنا مستنياه ومتحملة ظروفه أكتر من تسع سنين. هتف بنبرة حادة وهو يرمقها بغضب: _قصدك ثمن طمعك وخطتك اللي كنتي راسماها لأذية غيرك. وأكمل بيقين: _بس سبحان الله، إن ربك لبالمرصاد، ربنا ما بيظلمش حد وقلب الآية وكل واحد أخد حقه. اتسعت عيناي كوثر بذهول وهتفت بنبرة حادة: _هي وصلت إنك تشمت في بنتك يا رفعت؟ ابتسم ساخرًا وأردف شارحًا:
_هقول لك إيه، ما إنتِ ست جاحدة وفاكرة الناس كلها زيك، أنا هشمت في بنتي يا بني آدمة. أومال تسمي كلامك ده إيه لو مش شماتة يا سي رفعت، جملة تفوهت بها كوثر بنبرة حادة. أجابها وهو ينظر إلى ابنته الغاضبة في محاولة منه لإطلاعها على حقيقة الأمر: _بحاول أعلم بنتي اللي قصرت فيه زمان معاها هي واخوها، إنتِ اللي ظلمتي نفسك يا بنتي واختارتي الطريق اللي مليان ألغام عشان تمشي فيه، فمتلوميش غير نفسك. وأكمل بيقين:
_وزي ما ربنا سبحانه وتعالى قال، وما ربك بظلام للعبيد. نظرت إلى أبيها وقامت قامتها لأعلى وتحدثت بغطرسة قائلة: _متشكرة على النصيحة يا بابا، بس عاوزة أقول لحضرتك إن قريب قوي هتشوف بنتك وهتفتخر بيها وهي مرجعة حقها بالكامل من ابن النعماني. زفرت بضيق وتحركت إلى داخل غرفتها وأغلقت بابها بقوة. نظرت كوثر إلى عدنان وأردفت أمرًا: _انزل تحت شوف راجلين وعربية نقل وروح هات حاجة أختك من عند البواب بدل ما يقلبها هو ومراته.
زفر عدنان بضيق لكنه تحرك بالفعل خشيةً غضب تلك القوية. ليلاً داخل سرايا الحاج عثمان. كان الجميع يقف متأهبًا مرتدين ثيابهم المناسبة لحضور حفل الزفاف، واقفين بانتظار ذاك الحبيبان ليتحركوا إلى القاعة التي ستقام بداخلها الاحتفال بحفل الزفاف.
نظرت ليلي بحسرة إلى أمل التي كانت تجاور ذاك يزن الممسك بكف يدها بعناية ويتحدث إليها ناظرًا لعيناها بحنان ظاهر للكفيف، شعرت بغلٍ وحقد عظيم تملكا من قلبها واقتحماه، ولو كان الأمر بيدها لإنتهت حياة غريمتها في التو واللحظة وأخمدت تلك النار الشاعلة بصدرها المريض بالكُره، تنهدت وحاولت تهدئة حالها وسحبت بصرها بعيدًا عن كلاهما كي لا تفقد صوابها.
نظر الجميع بانبهار فوق الدرج حيث يتدلى العاشقان من فوقه، كانت ترتدي ثوبها الذي جلبه لها زوجها الحبيب، بلونه الأحمر الصارخ بتطريزه الرائع، يجاورها ذاك الذي يشعر بالفخر والراحة من مجرد مجاورته لها، يرتدي حلته الرائعة بلونها الأسود واضعًا ربطة عنقه بلونها الأحمر الصريح والذي يتناسق مع ثوبها وأيضًا ربطة عنق صغيره الذي يحمله بعناية فائقة ويشدد عليه. نزلا للأسفل وتحرك هو إلى جده وأمسك كف يده وقبّله باحترام،
فتحدث عثمان باستحسان: _ربنا يرضى عنيك ويحميك يا ولدي. وأمسك رأس الصغير الذي رفعه قاسم لمستوى وجهه، وضع قُبلة حنون فوق جبهته وتحدث وهو ينظر إلى قاسم: _ربنا يبارك لك فيه وتخاويه بدل العيل عشرة. ابتسم قاسم وأردف بتمني وهو ينظر إلى تلك الخجولة التي تجاوره: _إن شاء الله يا جدي. تحرك هو جانبًا ليفسح لها المجال، وقفت قبالته وأمسكت كف يده ومالت عليه لتضع قُبلة احترام، وضع يده بعدما سحبها فوق رأسها وابتسم وتحدث:
_مبارك عليكِ يا بتي رجوعك لبيت جوزك وانتِ رافعة راسك، ربنا يهدي سرك وياه. ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها وتحدثت بنبرة هادئة: _الله يبارك لنا في عمرك يا جدي. تحرك هو بصغيره وأعطاه إلى تلك التي تشعر بأن روحها قد فارقتها منذ البارحة وبالتحديد منذ عودة مالك إلى بيت أبيه، ولأنه يشعر بتشتت روحها بدونه، فوضعه بين ساعديها وتحدث بنبرة حنون مطمئنة: _تفضلي الأستاذ اللي مبطلش زن ووجع لنا دماغنا طول الليل. وأكمل مداعبًا إياها:
_شكلك كده متفقة وياه عليا أنا وأمه. احتضنته برعاية وباتت تفرق قبلاته فوق وجنتيه وجبهته، ثم نظرت إلى قاسم وتحدثت: _محلولة يا ولدي، طالما مالك بيه عامل لكم إزعاج سيبهولي وأنا على قلبي زنه وعياطه كيف العسل. ضحك لها قاسم فتحدثت وهي تنظر إليه بحنان: _ربنا يهدي سركم ويسعدكم يا قاسم. أومأ لها وتحرك إلى زوجته تحت سعادة زيدان التي تخطت عنان السماء.
تحرك الجميع بسياراتهم إلى قاعة الاحتفال، وجلسوا بأماكنهم المخصصة وبدأت مراسم الاحتفال بدخول حسن بعروسه الجميلة والسعادة ترفرف من حولهما لتحقيق حلم زواجهما الذي كان أشبه بالمستحيل قبل ما حدث. بدأ الزفاف بالرقصة الأولى للعروسين كما هو متعارف عليه، واستمر تحت سعادة الجميع وقلوبهم المتراقصة على أنغام الموسيقى وذلك لالتقاء كل عاشق بنصفه الحلو، قاسم، يزن، فارس، وحتى زيدان العاشق، كانت السعادة تغمر قلوب الجميع.
عدا تلك المتألمة التي تأكل نيران الغيرة قلبها من مشاهدتها لدلال واهتمام يزن بتلك الأمل التي تجاوره الجلوس، وتلك فايقة التي تتألم لرؤيتها لسعادة الجميع وخروجها وابنتها من ماراثون السعادة خاويين الوفاض.
حزنت لأجل وصول ابنتها إلى تلك الحالة وبيدها، وحزنت لرؤية قدري الذي ما عاد يهتم بها ولو حتى بنظرة عشق كسابق عهده، فقد بات يشمئز منها ويرمقها بنظرات الحقد ولا يدع فرصة حتى يظهر بها التقليل من شأنها وهذا ما أمات قلبها وألمها.
تقدم عبد العزيز من عمته وألقى عليها السلام، ثم نظر على تلك ليلي المجاورة لها ودق قلبه بوتيرة عالية بمجرد التقاء عيناه بعينيها، فقد كانت حب طفولته وصباه وكم تمنى الزواج منها ولكن القدر أبعدها عنه، ويبدو أن دنياه ستبتسم له ويعيد القدر إليه سعادته التي سلبها منه بزواجها بغيره. تحدث إليها بنبرة رجل عاشق وعينين محارب سيحصل أخيرًا على مكاسبه الغالية: _كيفك يا ليلي؟ أجابته بنبرة خافتة وعينين ذابلتين نتيجة بكائها
طيلة الفترة الماضية: _أنا زينة يا عبد العزيز. تحدثت الجدة للترحيب به: _كيفك يا ولدي وكيف عيالك؟ ابتسم للجدة وتحرك إليها بعدما وعى على حاله من حالة الغرام التي انتابته لمجرد رؤيتها، قبّل رأسها وتحدث بنبرة قوية كعادته: _الحمد لله يا جدة.
سعد داخل الجدة بعدما اطمأنت على حفيدتها العنيدة مع ذاك العاشق القوي، فذاك عبد العزيز معروف بالقوة والشدة والحزم وعدم التهاون في أمور حياته، وأخذ جميع الأشياء على محمل الجد حتى البسيطة منها. فهي أكيدة بأنه الوحيد القادر على ترويض تلك الشرسة حتى في وجود عشقه الهائل لها، إلا أنه لم ولن يسمح لها بالتهاون وسيُعيد تأهيلها وإصلاح ما أفسده والديها. وقف ذاك العاشق وأمسك كف يد حبيبته وهمس لها بدعابة وهو يتحرك بها باتجاه ورد:
_الأحمر عامل شغل عالي وياكِ، يا ريتني ما جبته. ابتسمت وظهرت سعادتها فوق ثغرها من إطراء حبيبها عليها وتحدث هو إلى ورد: _ممكن يا حماتي تديني مالك باشا عشان ناخد وياه صورة بالبابيون الأحمر ده وبعدين نرجعه لك تاني. وأكمل بدعابة أضحكت الجميع: _ماهو مش معقول أبقى صارف ومكلف حالي وجايب بابيون أحمر وفستان وما أخدش بيهم صورة للذكرى.
تحرك بالفعل وأُلتقطت لهم بعض الصور التذكارية تحت انبهار الجميع بذاك الثنائي والعشق الذي يظهر من عينيهما ويراه الجميع. انتهت مراسم الزفاف وتحرك الجميع عائدين إلى السرايا باصطحاب العروس الجميلة وفارسها حسن الذي اتخذ من مسكن يزن وليلي عشهما السعيد مع تجديد كل شيء بها. وصلت السيارات إلى حديقة النعماني. يترجل قاسم من سيارته وأمسك كف يد مالكة الفؤاد وتحرك بها حتى وقف قبالة زيدان وورد التي تحمل الصغير وتحدث هو إلى ورد:
_خلي مالك بايت وياكِ النهاردة يا مرّة عمي. انتفض داخل ورد بسعادة مما جعل صفا التي كادت أن تعترض بأن تصمت عندما رأت سعادة والدتها ظاهرة عليها. فتحدثت ورد بعقلانية: _حاضر يا ولدي، على العموم هو نام ومعيصحش غير قرب الفجر، لما يصحى هخليه عمك يجيبه لكم لجل ما يرضع من أمه.
أومأت لها صفا وأصطحبها ذاك العاشق الذي صعد سريعًا إلى شقته وما أن فتح بابها وأغلقه عليهما، حتى مال بطوله الفارع عليها وقام بحملها سريعًا وتحدث مداعبًا إياها وهو يتقدم بها نحو غرفة النوم: _ما عملناهاش ليلة دخلتنا نعملوها في دخلة حسن. ضحكت تلك التي لفت ذراعيها حوله برعاية ودفنت وجهها داخل عنقه وباتت تتنفس رائحة جسده التي تعشقها، دلف بها إلى غرفتهما وأغلق بابها بقدمه، وقف في منتصف الغرفة وتحدث بنبرة حنون:
_منورة شقتك يا عروسة. ابتسمت خجلة، ومال هو على كريزتيها والذي تماسك لأبعد الحدود على مظهرهما الشهي طيلة الزفاف. أبعد وجهه عنها وما زال حاملاً إياها وتحدث بنبرة متحشرجة من أثر العشق: _بحبك يا صفا، بحبك وبحب كل ما فيكي حتى أنفاسك اللي بتخرج منك بحبها.
شددت من احتضانها لها وهي في قمة سعادتها، وتحرك هو بها إلى التخت ووضعها فوق الفراش برفق ولين، وقام بنزع حذائها ثم أمسك قدمها ورفعه ووضع قُبلة عليه مما جعل عينيها تتسع بعدم استيعاب لفعلته تلك والتي لا يفعلها غير عاشق يذوب في محبوبته، قام بنزع الحذاء الآخر وبتقبيل قدمها الأخرى مما جعلها تشعر وكأنها حقًا ملكة.
ثم اعتدل بوقفته وقام بخلع سترة حلته وهو ينظر عليها بحنان وعينين تصرخ من شدة عشقها، اقترب عليها وغاصا بعالم العشق الخاص بهما. يُتبع
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!