تحدث عثمان بقلبٍ يرتجف خشية إستماعة لتأكيدها لما يُخبرةُ بهِ حدسة منذ الصباح: _إجفلي خاشمك وبطلي عويل وجولي لي إية اللي حُصل يا بِت ؟ أجابتة عَلية بصراخ وانهيار: _زيدان أخوي إنجتل يا أبووووي.
حالة من الفزع والهلع أصابت الجميع. ورد وصفا اللتان تصرخان بكُل صوتهما وهلعهما الذي أصابهما تخوفً من صحة الخبر المشؤم. عِثمان الذي لم تعُد ساقيه تتحملان جسدهِ الهرِم. رسمية، فايقة اللتان تتصطحتان الإرض وفاقدتا للوعي. قدري ومنتصر اللذان شُلت حركتهما وتحول داخلهما لنارٍ ستحرق الأخضر واليابس لأجل أخذ الثأر للإنتقام من قاتل غاليه. ما هي إلا ثواني حدث بها كُل هذا.
سأل قدري شقيقته بنبرة صارخة مُتغاضيً عن تلك المُلقاه علي الأرض وليلي والعاملات تحاولن إفاقتها: _مين اللي جال لك علي الخبر الشوم دِي يا عَلية ؟ أجابتهُ تلك التي تضع رأس والدتها فوق ساقيها وتحاول إفاقتها هي ومريم ونجاة:
_البلد كِلياتها مجلوبة برة وعتتحدت يا أخوي، وعيجولوا إنهم إترصدوا لـ زيدان النُعماني وإصطادوه بره النچع وهو راچع وضربوه بالنار، ورچالة النچع واجفين بره بالسلاح رهن الإشارة لجل ما يشوفوا أبوي ناوي علي إيه. تحدث عِثمان إلي قدري بنبرة قوية إصطنعها بصعوبة كي لا يضعف أمام أبنائه وأحفاده الذين يستمدون منهُ القوةَ: _إتصل لي بالمأمور وشوف لي الخبر الشوم دي صحيح ولا لا. وأكمل بقلبٍ يرتعب:
_ولو لاجدر الله صحيح، إسأله عن مكان أخوك وشوفه فين لچل ما نروح نچيبه. أطاعهُ قدري ودلف للداخل سريعً ومنهُ للأعلي ليُحضر هاتفهُ. أما حسن إبن منتصر الذي دلف للداخل وأتي بالسلاح وقام بتوزيعهُ علي الجميع، ثم أمسك بقطعة منه وضرب طلقة في الهواء مُعلنً بها أن الدمار أتيً لا محَال، وتحدث بغضب: _الله في سماه لاحزن أمك ومّرتك علي حياتك يا كامل يا أبو الحسن إنتَ ورچالة نچع الديابية كِلياتهم. تحدث يزن الذي أمسك
بندقية ألي وهتف بتهديد: _اللول نشوف صحة الخبر الشوم دي، وبعدها نچع الديابية بحالهْ معيطلعش عليه نهار. وبلحظة صدح رنين هاتف فارس الذي يحمل سلاحهُ بقلبٍ مُشتعل، أخرجهُ من جيبه سريعً ونظر بشاشته وجدهُ قاسم الذي تحدث سريعً بنبرة متعجلة: _إسمعني زين يا فارس، عمك زيدان إنضرب بالنار عِند الترعة الغربية، وأني دلوك معاه في المستشفي، هات صفا وتعال حالاً لجل ما تخرچ لأبوها الرصاصة.
حالة من الهرج والغضب واللاعقل أصابت الجميع. وهُنا علا صوت العقل حين تحدث فارس إلي جده: _قاسم إتصل من المستشفي يا چدي وعيجول إنه مع عمي زيدان وإنه لساته عايش وبخير. وهُنا كان التخبط سيد موقف الجميع حيث جري الجميع بسياراتهم متجهين إلي المَشفي ليجدوا جميع رجال النجع مُلتفون حول المَشفي، حاملين أسلحتهم وفي إنتظار إشارة من كبيرهم ليتحركوا إلي الحرب التي أصبحت مُحتمة. عودة إلي ما قبل الساعتان.
داخل أحد السُّرادق المنصّوب لغرض الدعاية الإنتخابية لـزيدان، والمتواجد داخل بِلدة مجاورة لنجع النُعماني والذي أعدهُ له كبير البِلدة إكرامً لصديق صِباه الحاج عِثمان.
كان يجلس أعلي، بالمكان المحدد له ليُخاطب أبناء دائرتة ويكشف لهم عن ما سيقوم بتقديمهُ من خدماتٍ لهم إذا ما حصُل علي مقعدهِ داخل البرلمان. كان مُحاطً بأبناء عائلتهُ العريقة من أعمامه وأبناء عمومته وأشقائه وأبناء أشقائة. فارس ويزن وحسن، والذين كانوا دائمين التحرك معهُ إينما ذهب إمتثالاً لتعليمات جدهم.
بعد إنتهاء المؤتمر، ضل زيدان لإكمال سهرته مع بعض أصدقائه من ساكني البلدة بدعوة مُلحة منهم، وأرسل أبناء أشقائه يزن وفارس وحسن رغم إعتراضهم علي تركهِ بمفردة، وذلك بناءً علي تعليمات جدهم عِثمان، إلا أنهم رضخوا لحديث زيدان بعد إصرارهِ لعدم إرهاقهم معه. وصل قاسم إلي مطار سوهاج في وقتٍ مُتأخراً حيث تخطت الساعة الواحدة صباحً، أتي بهِ الشوق بعد غيابهُ إسبوعان كاملان عن من حرمته من التنعم داخل أحضانها الدافئة.
وكعادته مُؤخراً لم يُخبر أحد بميعاد وصوله، استقل سيارته التي يصفها داخل جراچ خاص بجانب المطار، وتحرك بها عائداً وكلهِ أمل أن يري وجه حبيبته ويستطيع إقناعها بالرجوع إلي أحضانهِ وعودة الروح إلي جسدهِ من جديد.
وأثناء قيادته وجد سيارة نقل مكشوفة تقف بمنتصف الطريق وتقطعهُ أمام سيارة ملاكي، ونزل منها ثلاثة رجال مُلثمين ويحملون السلاح بأيديهم ويتوجهون إلي السيارة الملاكي لينهوا ما بدأوة بعدما أطلقوا رصاصة آُصِيبت سائق الملاكي. جن جنونهُ حين دقق النظر ورأي سيارة عمه زيدان من وسط الظلام الدامس، أمسك سلاحهُ المُرخص ثم أدار مصباح سيارته ووجههُ علي المأجورين الذين إنتبهوا له، وترجل من السيارة كالمجنون.
أخذ من باب سيارته ساتراً له وصوبَ بعناية ثم بدأ بإطلاق النار علي أحدهم، آصابهُ بمنتصف قدمه مما أرعب الرجلين الآخران وبدأوا بالتراجع عن تقدمهم بإتجاة سيارة زيدان. بدأ أحدهم بجذب الرجل المُصاب والآخر يحميهما بإطلاق النار علي قاسم حتي وقفوا خلف سيارتهم وأخذوا منها ساتراً لهم وبدأوا بتبادل إطلاق النار الكثيف قاصدين قتل قاسم والعودة إلي زيدان مرةً آخري لينهوا تلك المهمة التي أتوا من أجل إنهائها.
لفت إنتباههم ظهور بعض الخُفَرَاء (بعضً من الحَرس حاملي السلاح، التابعين لعُمدة البِلدة والمعينين من قِبل مأمور المركز) . كانوا يأتون مهرولين ويطلقون بأسلحتهم بعضً من الطلقات النارية في الهواء لإرهاب هؤلاء الخارجين عن القانون، وأيضاً زعزع موقفهم وأرعبهم ظهور بعض الناس التي خرجت وتوجهت إلي المكان حيث تتبعوا خروج أصوات إطلاق الرصاص.
بسرعة البرق أسرع كِلا المُلثمين بإصعاد الرجل المصاب خلف السيارة. أما قاسم الذي كان يُدقق النظر بحكم عملهِ، كي يري أية دلائل توجههُ إلي معرفة هوية المجرمين وتتبعهم بالقانون. وأثناء تفحصهُ للسيارة ومراقبته للأشخاص، لفت إنتباههُ شامة كبيرة ومميزة علي ذراع أحدهم. اثناء رفعهِ للمصاب ومساعدتهُ للصعود إلي أعلى السيارة. وفروا هاربين كالجرزان بسيارتهم سريعً.
هرول قاسم إلي عمه وقام بفتح باب السيارة وجدهُ غارقً وسط دمائه نتيجة تلقيه رصاصة بصدره ويبدوا أنها بمنطقة خطر. كان زيدان ما زال واعيً وشاهداً علي كُل ما حدث، نظر إلي قاسم بلهفة، فهو كان ينتظر الموت المُحتم حين تلقي رصاصته علي أيديهم حين قطعوا عليه الطريق واطلقوا عليه الرصاصة كي يجبروه علي التوقف.
لم يستسلم زيدان وضل يقود سيارته كي ينأي بحاله من الهلاك، فأطلقوا إحدي الرصاصات علي إطار السيارة وأصابوه فتوقفت، وبعدها ترجلوا من سياراتهم ليُكملوا مهمتهم بالإكمال عليه وعدم تركهِ إلا بعد التأكد التام من وفاته. تحدث زيدان وهو ينظر إلي قاسم بلهفة وأمتنان: _چيتني بوجتك يا ولدي. يهتف قاسم بلهفة ليُطمأنه: _بلاش تتحدت يا عمي ومتخافش، أني هنجلك علي المستشفي حالاً وهتُبجا زين. إتجه إليه خَفيران بأسلحتهم وتحدث أحدهم:
_خير يا قاسم بيه، فيه حد إتصاب إياك. صاح الخَفير الآخر عِندما تعرف علي هوية المُصاب: _يا سنة سوخة يا ولاد، ده زيدان النُعماني اللي متصاب، البلد عتتحرج الليلة والدم هيُبجا للرُكبة. علي عجاله تحدث قاسم بلهجة حادة: _بطل رط وشيل وياي إنتَ وهو لجل ما أنجله في عربيتي عشان أوصله للمستشفي.
وبسرعة البرق إمتلئ المكان بالناس اللذين إلتفوا حول قاسم ورأوة وهو ينقل زيدان بمساعدة الخَفيران، ورأوا زيدان والدماء تسيل بغزارة من جسدهِ المُتراخي، بعدما فقد وعيه مما جعل البعض يعتقد أنهُ لقَيّ مَصرعهُ. وصل قاسم المَشفي بصُحبة عمه والخَفيران في أقل من سبعة دقائق، سأل قاسم حارسي المشفي عن دكتور ياسر، فأخبرهُ أحدهم أنه بالإستراحة الخاصة به، إستدعوه سريعً لإستقبال الحالة. بعد الفحص تحدث ياسر إلي قاسم بنبرة حزينة:
_الرصاصة شكلها في منطقة خطيرة ولازم حد متخصص وماهر هو اللي يخرجها. وأكمل بملامح وجه مقتضبة: _لأن أي غلطة ولو بسيطة، زيدان بيه هيدفع حياته تمنها. صاح قاسم متسائلاً بجمود: _وإنت ماتعرفش تطلعها له ؟ أجابهُ ياسر بتفسير: _أنا مش جراح، مفيش قدامنا غير صفا هي اللي هتقدر تخرجها، لكن أنا مضمنش تماسكها جوة غرفة العمليات. وهز كتفيه قائلاً بتفسير: _ده بردوا أبوها. وأكمل بتناقض:
_وفي نفس الوقت لو بعتنا نستدعي دكتور من العاصمة هياخد وقت طويل علي ما يوصل، ومن اللي أنا شايفه قدامي أقدر أقول لك إن عامل الوقت مهم جداً، وإن كل دقيقة بتعدي مش في صالح زيدان بيه، وقبل كل ده زيدان بيه محتاج نقل دم بدل الدم اللي فقده ده كله. تحدث قاسم وهو يُخرج هاتفه ليحادث فارس: _أنا فصيلة دمي نفس فصيلة دم عمي زيدان، جهز كل اللازم لإجراء العملية، وأنا هكلم فارس يجيب صفا علي ما تسحب مني الدم اللي إنتَ محتاجه.
أردف ياسر مُفسراً له: _لازم الأول أعمل لك تحليل علشان أتأكد إنك نفس الفصيلة، وكمان لازم أتأكد من إنك مش مصاب بأي مرض أو فيروس يأثر علي المريض داخل أوضة العمليات ويسبب لنا مشكلة جوة. زفر قاسم وصاح به بضيق من شدة توترهُ وقلقه علي عمه الذي يصارع الموت بالداخل وايضاً لعدم تقبلهُ لشخص ياسر: _ياسيدي قولت لك إني نفس فصيلته. وأكمل شارحً لإقناعه:
_من حوالي سنتين حسن إبن عمي كان عامل حادثة كبيرة بعربيته، وقتها إحتاج لنقل دم وكلنا عملنا تحاليل، وأنا وعمي زيدان وقتها طلعنا نفس الفصيلة. وأكمل مُفسراً لإطمأنانه: _ولو علي خوفك من نقل الفيروسات فأحب أطمنك، أنا بعمل تشيك آب كل 6 شهور، وآخر مرة كان قبل فرحي بإسبوع، يعني تقريباً كده من ثلاث شهور ونص. إطمأن ياسر لحديثهُ وأكمل قاسم مكالمته قائلاً: _فارس، عمك زيدان إنضرب بالنار، هات صفا وتعالي حالاً علي المستشفي.
عودة إلي الحاضر. بدأ ياسر بسحب أكياس الدماء من قاسم للتحضير إلى العمليه. وأثناء ما كانت المُمرضة تقوم بسحب الدماء، أمسك قاسم هاتفهُ وطلب رقم رجل ذو منصب رفيع بالدولة، كان قد تعرف عليه مؤخراً من خلال إحدي قضاياه. وتحدث إلية بنبرة وقورة: _عزام باشا، بعد إذن حضرتك، أنا طالب من سيادتك خدمة ضرورية وهيترتب عليها إنقاذ حياة ناس كتير جداً في سوهاج.
وقص لهُ الروايه وطلب منه إيصالهُ المباشر إلي مدير أمن سوهاج والمحافظ، وطلب منه توصيتهُما لبذل أقصي ما عِند كلاهُما لسُرعة كشف هوية المجرمين. ما هي إلا ثواني وكان مكتب المُحافظ يهاتف قاسم وقاموا بإيصالهُ بالمحافظ مباشرةً والذي إستغرب وسأل قاسم مُتعجباً: _الحقيقة أنا إستغربت جداً لما عرفت إسمك الثُلاثي من مكتب سيادة مدير الأمن. وأكمل متسائلاً بتعجُب:
_هو إنتَ ليه وسطت بينا طرف ثالث وإنتَ عارف كويس إني صديق لجدك ولو كلمني ماكُنتش هتأخر عليه ؟ أجابهُ قاسم بصدق: _أنا بكلم سيادتك قبل ما جدي يعرف الموضوع علشان تلحق تتصرف، وتدي تعليمات جنابك لرجالتك علشان يتتبعوا خط سير المجرمين قبل مايهربوا برة المحافظة. وأكمل مفسراً ليُطلعهُ علي خطورة الموقف:
_جدي لو عرف قبل ما تقبضوا علي كمال أبو الحسن نجع الديابية هيتحول لبركة دم، وأظن حضرتك عارف صحة كلامي كويس، بما إن سيادتك بقا لك كتير في سوهاج وعارف تفكير الناس هنا وعوايدهم. تفاهم المحافظ حديثهُ وأثني علي تفكير قاسم الحكيم، أعطي قاسم مواصفات السيارة والثلاث رجال وأخبرهُ عن إصابته لساق أحدهم والشامة، وأكمل قاسم: _أنا هحاول أمنع جدي من أي تصرف متهور، وهحاول أقنعه إننا نخلي العدالة تاخد مجراها وناخد حقنا بالقانون.
وأسترسل حديثهُ شارحً: _بس ما أقدرش أوعد سيادتك إن هقدر أسيطر لوقت طويل، فياريت حضرتك تعمل أقصي ما عندك قبل ما جدي يفقد صبره أو لا قدر الله عمي يجرا له حاجة. أغلق هاتفهُ بعدما إتفقا علي ما يجب فعله. أتي الجميع مهرولين إلي المَشفي، وبدأ جميع رجال عائلة النُعماني الكبيرة بالإنضمام إلي قاسم والتسابق لغُرفة الفحص، لفحص زُمرة دمائهم وتجهيز المُتطابق منهم للتبرع بالدماء.
دَلفت صفا لداخل حُجرة الفحص بساقان مهتزتان تجرهما خلفها، أجرت الكشف علي غاليها بيدان ترتعشتان ودموعً منهمرة فوق وجنتيها لم تستطع التحكم بها، صُدمت وأرتعب داخلها حين وجدت إستقرار الرُصاصة قريبً جداً من القلب، مما جعل عملية إستخراجها أمراً في غاية الصعوبة ويحتاجُ إلي جراحٍ بارعًه. هتفت ورد التي أصرت علي الدخول معها لتري معشوق عيناها: _أبوكِ ماله يا صفا، طمني جلبي علي حبيبي يا بِتي.
إبتلعت لُعابها وخبأت أهاتها داخل صدرها وتحدثت إلي والدتها بنبرة بها طمأنة رُغم هلعِها: _حاچة بسيطة يا أمّا إن شاء الله، أبوي كيف الأسد، مفيش حاچة عتجدر عليه وعيجوم لنا بالسلامة. إقتربت ورد التي تستمد قوتها من إيمانها بالله، إلتصقت بحبيبها المُتمدد علي الشِيزلونج ثم دنت منه ووضعت قُبلة فوق جبينه، سقطت دمعه من عيناها فوق عيناه فتساقطت وظهرت وكأن عيناهُ هي من زرفتها، رفعت وجهها وتحدثت وهي تتحسس وجنتهُ بحنان:
_مستنياك برة يا أسدي لچل متطلع لي سالم غانم. وأكملت بتأكيد وكأنهُ يستمع إلي حديثها: _إوعاك تِخليّ بوعدك ليا يا إبن النُعماني. وأكملت بقوة رغم دموعها التي تنهمر علي وجنتيها: _مش إنتِ وعدتني ليلة دُخلتك علي إنك معتسبنيش واصل؟ وجولت لي كُمان إنك معتخليش الدموع تعرف طريج لعنيا طول ما أنتَ چاري. وأكملت بتيهه: _يكون في معلومك، أني معسامحش في اللي يفرط في كلمته واصل، سامعني يا زيدان، عستناك برة يا حبيبي.
وأكملت بتوصية وهي تضع قُبلة ما قبل الخروج والذي أجبرها عليه ياسر كي يأخذ زيدان لتجهيزهُ لدخول غرفة العمليات: _مطولش عليّ يا سِيد جلبي. قالت كلماتها وخرجت بقلبٍ يتمزق حُزنً وهي تري حبيبها القوي مُمدداً فوق التخت لا حول لهُ ولا قوة، وهو القوي الذي لم يعرف الإنكسار يوماً طريقً له.
خرج قاسم من غرفة سحب العينات، وجد جميع أفراد العائلة حاضرة، النساء تنتحبن وشهقاتهُن تصدح بالمكان وتشق صدورهُن علي غاليهم الذي يقبع داخل الغُرفة فاقداً للوعي يصارع الموت. أما الرجال فيقفون بقلوبٍ تغلي وتشتعلُ ناراً، كُلً مُمسكً سلاحهُ بيده وفي إنتظار الإشارة من كبيرهم كي يتحركوا ويحرقوا بطريقهم الآخضر واليابس ليثأروا لغاليهم. تحرك إلي محل وقوف مريم الباكية وسألها مُتلهفً عن صفا، فأعلمته أنها بداخل غرفة الفحص.
قرر ان يهرول إليها لولا وجود المُمرضة التي أسرعت إليه وتحدثت بتوجس: _معينفعش تُجف إكده يا قاسم بيه، حضرت إتبرعت بكمية دم كبيرة ولازمن ترتاح علي السرير لجل جسمك ميتأثرش. رفض بقوة فتحدثت زميلتها بالعمل إليها: _هاتي له علبة عصير يشربها يا هالة. تحرك منتصب الظهر بطريقهُ كي يدلف إلي صفا، أوقفهُ صوت عِثمان الذي سألهُ بعيناي يُطلقان شزراً وملامح قاسية لرجُل يستعدُ لحرق كل ما ستطالهُ أياديه:
_قاسم، إحكي لي كُل اللي حُصل وكيف عِترت في عمك. توقف قاسم عن الحركة وأخذ نفسً عميقً وبدأ بقص كُل ما دار أمام عيناه. أردف يزن قائلاً بنبرة عالية: _محدش يچرؤ يعمل العملة الخسيسة دي غير الچبان اللي إسميه كمال أبو الحسن. صاح فارس بنبرة غاضبة مؤكداً علي حديث يزن: _عِندك حج يا يزن، هو الكلب اللي إسميه كمال مفيش غيره. هتف حسن برعونة شباب ونبرة غاضبة وهو يرفع سلاحهُ لأعلي كنايةً لجاهزيته:
_وحج رجدت عمي زيدان معيطلع النهار غير وهو وناسه العِفشه غرجانيين في دمهم الزِفروت. تحدث إلي جدهِ بإلحاح: _إديني الإذن يا چدي وأني أروح أچيبهُ لك مِتكتَف وأرميهولك تحت رچليك جَبل ما أدبحه كيف الخروف وعيني في عينه، مش مستخبي زي النسوان كيف ماعمل هو. هتف قاسم بنبرة صارمة: _إجفل خاشمك وبطل رط ملوش عازه يا حسن، حج عمي عناخده بالعجل وبالجانونه. تفقد قدري بنبرة غاضبة معترضً علي حديث ولدهُ:
_عجل وجانون مين اللي عتتحدت عنيهم يا قاسم، عمك إتغدر بيه وساح دمه علي إدين عالم رِمم متسواش وتجولي جانون؟ وأكمل بنبرة غاضبة: _الله في سماه معيطلع الصُبح غير وأني معلج كمال أبو الحسن علي باب السرايا، ومجطع من چِسمة بالساطور نساير كيف مبيجطعوا الچزارين من الدبيحه المِتعلجه. دوي صوت مُنتصر الذي صدح بهتافٍ غاضب وحسم: _واني معاك يا قدري، وحج رجدتك يا زيدان لاولع في نچع الديابية دار دار.
صدح صوت قاسم الصارم وهو يحدث جده ويحثهُ علي التدخُل لوقف هذة المهاترات الغير مجديه بنفع: _عتفضل ساكت إكده يا چدي، متجول حاچة اومال! كان يجلس فوق مقعداً، سانداً علي عصاه الأبنوسية، ينظر أمامه بعيون كذئبٍ خبيث يترقب فريسته لينقض عليها ويفتك بها، فتحدث بنبره هادئة عكس ما يدور داخله: _إنتَ إيه رأيك يا قاسم ؟ أجابهُ قاسم بنبرة قاطعة غير قابلة للجدال: _رأيي إن نسيب الجانون ياخد مجراه. وأكمل بثقة:
_أني شُفت الحادثة وعرفت تفاصيل إكتير عتخليني أصطاد الاندال اللي عِملوها كيف الفيران هما والخسيس اللي أچرهم. وأكمل بقوة: _خليك واثج فيا يا چدي وتوكد إن حج عمي عچيبه في خلال ساعات، وكيف ماجولت من إشوي، عجيبه بالعجل وبالجانون عشان محدش من العيلة يتإذي والدم يبجي للرُكب بيناتنا وبين نچع الديابية.
علت الأصوات الرافضة لحديث قاسم المُنافي لعاداتهم والذي يُطالبهم بالرضوخ والمذلة وتسليم الآمر إلي القانون كالضعفاء والجبناء، وهذا ما لم ولن يتقبلوه رچال النُعمانية.
دَلفت دكتورة أمل وهي تهرول علي عُجالة بصحبة الموظف الذي بعثهُ لها ياسر كي يُجلبها بالسيارة لتقف بجانب باقي أطباء المّشفي للمساعدة في تلك الكارثة، كانت تتلفت حولها وتدورُ بمقلتيها متلهفة لرؤية من حرمَ علي عيناها النظر إلي وجههِ البرئ مُنذ الثلاثة أسابع المُنصرمة وبالتحديد من اليوم اللذانِ تشاجرا به.
وجدته يقف وعلامات الغضب والتشنج تستحوذ علي ملامحه، نظر إليها وبلحظة دق قلبهُ بوتيرة عالية وانتفض جسده جراء رؤياها ونظراتها المتفحصة لملامحه بلهفة وعناية، سحب عيناهُ سريعً إمتثالاً لكرامة الصعيدي بداخله التي تطالبهُ بالتمرد علي قلبه ودعسهُ تحت قدماه، ولا للمذلةِ لتلك المتبلدة المشاعر.
رغبه مُلحة كانت تُطالبها بالهرولة إليه وسحبهِ وضمهِ إلي أحضانها كي تُطمئن قلقه الظاهر بعيناه ولتُطمئن قلبهُ المتألم جراء مشاجرتهما الآخيرة، والتي حاولت الإتصال عليه مراراً كي تعتذر منه عليها، لكنهُ أضاف رقمها في قائمة الحظر إمتثالاً لعزة نفسه وكرامته التي آُهينت علي أيديه. تحدثت إلي الجميع بألم من نظرته الجامدة وسحب عيناه عنها: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سلامة زيدان بيه، ما تقلقوش، إن شآء الله خير.
رد عليها البعض والبعض الآخر يقف بجسدٍ مُتيبسً مُترقبً لما سيحدث. تحدثت إليها السكرتير الواقف: _الدكتور ياسر مستني حضرتك چوة هو والدكتورة صفا. ألقت نظرة سريعة علي ذلك الواقف متيبس الجسد كاشر الملامح ثم دلفت سريعً تحت نظرات ليلي التي إستغربت حال تلك الأمل. تحدث قاسم مترجياً جدهُ وهو ينتوي الدخول إلي تلك التي تستحوذ الآن علي قلبه وعقله ليراها قبل البدء في إجراء عملية إخراج الرصاصة:
_أني داخل أشوف مّرتي يا چدي جبل ما تبدأ العملية، معايزش أطلع من چوة ألاجي مصيبة حصلته. هز عِثمان رأسه بإيجاب. إطمئن وما أن تحرك بساقاه حتي وجد باب حُجرة زيدان يُفتح وتخرج منه تلك المنهارة والتي تهز رأسها بإرتياب وتهتف بهياجٍ شديد: _معجدرش يا ياسر، معجدرش. هرول إليها قاسم وحاوط كتفيها بكفاه شاملاً إياها برعاية وهتف متسائلاً: _مالك يا صفا، عمي چري له حاچة ؟
نظرت له بتيهه، وكأنها تراه ولأول مره، مازالت تهز رأسها بإستنكار ورفضٍ تام. تحرك الجميع يهرولون إلي وقفتها عَدا عِثمان الذي ينهش القلق داخل قلبه، ويجلس مُستسلمً لوضع أغلي غواليهُ الذي يقبع بالداخل يصارع الموت بجسدٍ مُنهك. تحدث ياسر إلي قاسم والجميع: _الدَكتورة صفا مش عاوزة تعمل العملية لزيدان بيه. نظرت لها ورد المُنهاردة وهتفت بحدة بالغة: _كيف يعني معايزاش تعملي العملية لأبوكِ؟
_مجدراش يا أمّا، مجدراش. كلمات نطقت بها صفا برفض وتيهه وارتياب وتشتت وضياع. جرت عليها ورد كالمجنونة وأمسكت ذراعها وهزتها بعنف وتحدثت بنبرة غاضبة: _معناتها إيه مجدراش دي يا بِت ؟ أبعد قاسم كف يد ورد عنها وتحدث إليها بهدوء: _إهدي يا مّرت عمي لجل مانفهموا إيه الموضوع. ثم نظر إلي تلك المنهارة وحاوط وجهها بكفي يداه وتسائل بهدوء: _معايزاش تعملي العملية لأبوكِ ليه يا صفا ؟ نظرت له بتيهه ومالت رأسها له بتألم وتحدثت بدموعها
المنهمرة فوق خديها: _معجدرش أمسك مّشرط وأشج بيه صدر أبوي. وأكملت بصراخ وذهول: _معجدرش يا ناس، معجدرش. تحدثت إليها أمل بتعقل كي تُعيدها إلي وعيها الذي فقدته جراء رؤيتها لغاليها وهو بتلك الحالة: _صفا فوقي، معندناش رفاهية الوقت علشان نستدعي جراح تاني، غرفة العمليات جهزت خلاص والآمر كله أصبح بين إديكِ.
مازالت تهز رأسها برفض وهزيان، أمسكها قاسم من كتفيها وهزها بعنف كي تستفيق من حالة اللاوعي والهزيان اللذان تملكا منها وهتف بصياحٍ عالّ: _فوجي وإوعي علي حالك يا صفا، أبوكِ راجد چوة بين الحياة والموت وإنتِ الوحيدة بعد ربنا اللي في إيدك تساعديه، كُل لحظة بتمر وإنتِ واجفة ضعيفة إكده بتجربه من الموت أكتر. أمالت له رأسها بضعف وأردفت ببكاء: _كيف عتطلب مني أمسك مشرط وأشج الصدر اللي ياما ضمني وغرجني بحنانه. أجابها بنبرة حنون:
_كلامك ده لازمن يكون حافز ليكِ ودافع إنك تعملي له العملية، لازمن تمسكي مشرطك وتنقذي حياة أبوكِ لجل ميرچع ويضمك لصدره من چديد، فوجي يا صفا جبل مترچعي تندمي. وأكمل لإرهابها: _بس ساعتها عيكون فات الآوان، ووجت الندم عدي وفات. حثها علي التحرك قائلاً بعيون مترجية حانية: _يلا يا حبيبتي إلبسي جميص العمليات وإچهزي. وأكمل بنبرة حماسية لبث روح الأمل بها: _وأني كمان هدخل ألبس وأتعجم وأدخل وياكِ غرفة العمليات.
إستمعت لحديثهُ وكأنهُ أزال رُعبها وقلقها فأستعادت به وعيها، هزت لهُ رأسها بطاعة بعدما شعرت بالأمان من بين كلماته المُشجعة وتحركت بجانب أمل لتتجهز، ودلف ياسر لنقل زيدان إلي غرفة العمليات. خرج ياسر وتحرك بالترولي المتواجد فوقهُ جسد زيدان، هرول إليهِ الجميع.
وفايقة التي إقتربت عليه وهي تنظر إليه بقلبٍ ينزفُ دمً علي من ملك الروح والفؤاد، وأستحوذ عليهما حتي جعلها تفقد حدسها وشعورها بالجميع عَداه، وعَدا رغبة الإنتقام التي دائماً ما تصاحبها، فها هو حب فايقة المرضي لزيدان.
كان ينظر إليها بقلبٍ يشتعل، ذاك المُصاب بداء عِشقها الملعون والذي يجري بدمة كسريان الماء داخل الأنهار، كان دائم الشك لعشق ساحرتهُ لشقيقهُ الذي لم ولن يبادلها إياه ذات يوم، لكنهُ الآن بات متأكداً، وخصوصاً بعد وقوعها كجُثة هامدة بعدما إستمعت لخبر وفاته ومظهرها التي تبدو عليه الآن. توعد لها بالعقاب الرادع لكن بالتأكيد ليس الآن، فالآن هو حقاً يرتعبُ علي شقيقهُ الراقد كجثة هامدة.
أدخل ياسر زيدان داخل غُرفة العمليات وخرج للتعقيم وإرتدائه للباس المُعقم، وجدها تقف بجانب ورد المُنهاره، تحتضنها في محاولة منها لتضميد جراحها. رُغمً عن إرادته وجد حالهُ مشدود البصر للنظر إليها وكأنها سحراً أسود يجذبهُ إليها دون إرادة، إنتفاضة عنيفة هزت صدرهُ وكأن قلبهُ العاشق يُريد التمرد عليه وعلي كل شئ ويخرج من داخل صدره ليهرول إليها ويضمها لداخله ليطمأن هلعها وخوفها علي عمها.
وعي علي حاله بعدما وجدها تسحب بصرها عنه سريعً بعد أن نظرت عليه بشكل طبيعيً جداً وهو يخرج من غرفة العمليات، سحب بصرهِ عنها وتوجه إلي داخل غرفة التعقيم تحت إشتعال جسد فارس الذي ولسوء حظهِ رأي تلك النظرات العاشقة التي تُصوب من عيناي غريمهُ وتتجه نحو زوجته الرقيقة. رُغم عنه كظم غيظهُ الذي لو خرج لأشعل المّشفي بأكملها، فبالتأكيد هذا ليس بالوقت المناسب لتلك المشاعر. بعد قليل.
بدأت صفا بإجراء العملية لمالك قلبها بعدما إستجمعت قوتها وفصلت مشاعر البنوه عن عملها، وتعاملت مع الحاله وكأنها لمريضً وفقط، مجرد مريضً عادي وليس والدها الحبيب، ساعدها علي ذلك قاسم الذي كان يمدها بالقوة من خلال نظراته الحماسية الذي كان يغمرها بها بين الحين والآخر. بالخارج، كان الجميع يجلس بقلوب مُترقبة مُرتعبه، دعوات وصلوات وتضرع إلي الله من الجميع طالبين من المولي عز وجل أن يُنجي غاليهم ويشملهُ برحمته وعطفه.
خرجت رسمية من الغرفة التي قبعت بداخلها مُنذ أن جلبوها إليها لفحصها من قِبل ياسر، بعد وقعتها جراء إستماعها لذلك الخبر المشؤوم، كانت تتسند علي مريم ونجاة، تحركت إلي جلسة عِثمان المُمسك بمسبحته ويقوم بذكر الله. نظر لها وتحدث بحنان: _جومتي ليه يا حاچة، خليكي راجده علي السرير لجل ما ترتاح. تحدثت بأنفاسٍ مُتقطعة وقلبٍ يتمزق لأجل ولدها الأقرب من قلبها: _وعتاچي منين الراحة والغالي راجد چوة ومعرفاش إيه اللي بيه. وأكملت
بنبرة تقطع نياط القلب: _النار ماسكة في جلبي ومشعلله في جِسدي كِلاته يا عِثمان. أجلستاها مريم ونجاة وتحدثت وهي تنظر إلي عِثمان بمقلتان غاضبتان: _حج ولدي لازمن يتاخد جَبل النهار مايشج يا حاچ، مليكش صالح باللي عيجوله وِلد المدارس اللي شرد عنينا ونسي عوايدنا. وأكملت بجبروت وهي ترفع سبابتها بوجه الجميع رغم تعبها: _وإلا ورب الكعبة معيچيب حجك يا زيدان غير أمك. تحدث حسن بنبرة حادة مُؤكداً علي صِحة حديثها:
_براوه عليكِ يا چده، هو ده الحديت الزين. رمقهُ عِثمان بنظرة نارية وهتف بنبرة غاضبة: _إجفل خاشمك يا وااااد، معايزش أسمع حِس حد فيكم وإلا يمين بالله عطخُه بيديو. وأكمل بنبرة غاضبة ولومً للجميع: _چايين تتحدتوا دلوك بعد خراب مالطه؟ كُان عجلكُم فين لما فتوه لحاله للكلاب تغدر وتنهش فيه مع إني موكد عليكم متفتهوش لحاله. صمتٍ تام عم المَشفي بأكملها حتي رسمية المكلومة علي صغيرها الغالي صمتت خشيةً غضب ذلك الثعلب.
أما ذلك المستشاط الذي لم يعُد لديه القدرة للتحمل بعَد، تحرك بقلبٍ مُشتعل ناراً إلي جلوس مريم وتحدث إليها هامسً وهو يسحبها من يدها متوجهً بها داخل الغرفة المحجوزة لجدته: _تعالي معاي چوة. دَلفت معه وأغلق هو الباب وتحدث بنبرة غاضبة: _تاخدي بعضك دلوك وتروِحي علي البيت لچل متكوني چار بِتك. جحظت عيناها وهتفت بإستغراب: _عاوزني أروح وأفوت عمي چوة بين الحيا والموت يا فارس ؟ وأكملت بتعجُب: _وينه عجلك يا حبيبي!
صاح بها بطريقة جنونية لرجُل علي وشك فقدان عقلهُ: _عجلي اللي عتتكلمي عنيه دي عفجده لو فضلتي جاعده جصاد إبن المركوب اللي بره دي. وأكمل بفحيح: _جسماً بالله يا مريم إن مامشيتي لأطُخهُ لك وأسيح دمه جِدام الكِلت. _جصد مين بحديتك دي يا فارس؟ سؤال طرحته مريم عليه بروَع وتلبُك لعِلمها الإجابة. رمقها بنظرات حارقة وتحدث بإمتعاض: _بلاش شغل الحَريم العِوج دي يا بِت مُنتصر، إنتَ خابرة زين أني عتكلم عن وِلد المحروج اللي إسميه ياسر.
إرتاعب داخلها وانتفض من حالة الإحتدام التي تملكت من فارس، إقتربت عليه وأمسكت يده تتحسسها وتحدثت بهدوء: _إهدي يا فارس وفكر زين، أني معينفعش أمشي وأسيب صفا ومرت عمي وچدتي في الشَندلة اللي هما فيها دي، وأروح أجعد في البيت وأحط يدي علي خدي. وأكمل بإرتياب وجسدٍ يرتجف وشفاهُ ترتعش خشية فقدانها لعمها زيدان الخلوق: _ده غير عمك اللي راجد چوة وحالته الصعبة واللي محدش عارف عيجوم من رجدته دي ولا... وهُنا لم تستطع التماسُك
وبكت بشدة وتحدثت: _عمك لو چرا له حاجة صفا ومرت عمك وچدتك عيروحوا فيها يا فارس، ده غير چدك اللي جاعد برة وعامل حاله كيف الأسد، وهو من چواته بيموت مع كِل دجيجة بتعدي وعمك راجد علي حاله چوة. وبرغم رعبهِ من حديثها إلا أنه أمسكها من ذراعيها وهزها بعنف قائلاً: _أني اللي عنجلط لو اللي إسميه ياسر دي خرچ من چوة وبص لك تاني يا مريم، مجدراش تفهميني ليه؟ وأكمل بقَسم:
_ورب الكعبة لو ما مشيتي دلوك علي بيتك لكون مبندجه واللي يحصل يحصل. لطمت خديها وتحدثت: _عتضيع حالك يا فارس. إقتربت عليه وتحدثت مُرغمة: _حاضر يا فارس، أني عمشي لچل ما جلبك يهدي ويرتاح. نظر لها وصدرهُ يعلو ويهبط من شدة إشتعال جسده الغيور علي من ملكت قلبهُ وتملكت من كيانه مؤخراً بهدوئها وروحها السمحة الجميلة.
ما شعر بحالهِ إلا وهو يجذبها بعُنف لترتطم بصدرهِ بقوة، حاوطها بساعديه وضمها إليه بطريقة عنيفه وتحدث بنبرة حادة تنم عن مّديّ إشتعال روحه: _أني عحبك وعموت من غيرتي عليكِ يا مريم، ساعديني وخليني أكتم غيرتي چواتي بدل متُخرچ وتولع في الكِل كليلة. حركت يدها فوق ظهرهِ وتحسسته بحنان وأردفت بنبرة صوت حنون: _عتعمل في حالك كُل دِه ليه يا فارس، ما أنتَ خابر زين إني عشجاك ومعشوفش بعيوني راچل غيرك.
أخرجها سريعً وحاوط وجهها بكفاه ثم نظر لداخل مقلتيها وسألها مُتلهفً بجنون: _صُح عشجاني يا مريم؟ اجابته بإبتسامة خافتة نظراً للظروف المحيطة بهما: _لساتك عتسأل يا فارس. وأكملت مُبررة: _وأني إيه اللي كان مصبرني علي معاملتك الباردة ليا من وجت چوازنا غير إني عحبك. شعر بإنتفاضة داخل صدرهُ وطالبها متلهفً: _جولي لي عحبك وعشجاك ومعشوفك راچل غيرك يا فارس.
إبتسمت له وكررت ما أملاهُ عليها كي تُريح قلبهُ العاشق الغيور، وتُدخل عليه السَكينة: _عحبك وعاشقة لتراب رچليك، وعيوني معتشوفش راچل في الدنيي كلاتها غيرك يا حبيبي. ما أن إستمع لكلماتها التي غزت قلبهُ وادخلت عليه السرور برغم ما يُحيطهما من ظروف، حتي مال بجزعهِ عليها وألتقط شفتاها بين شفتاه وبات يُذيقها من قُبلاته العاشقة الممزوجة بالغيرة حتي إبتعدا رُغمً عنهما ليأخذا نفسً.
نظرت إليه بعيون صارخة بالعشق ورمت حالها بين أحضانه الحنون، بادلها بضمة قوية وتحدث بنبرة عاشقة وقلبٍ ينبضُ بشدة داخل صدرهُ: _عحبك يا مريم، عحبك وعموت عليكِ. خرجت من بين أحضانه مجبرة وتحدثت بتعقُل بعدما وعت علي حالها: _بكفياك يا فارس لحد يدخل علينا. هز لها رأسهُ بإيجاب وتحدث بنبرة حماسية: _عِندك حج يا حبيبتي، يلا لجل ما أوصلك علي البيت وأرچع لهم طوالي.
أومأت بإيجاب وكادت أن تتحرك للخارج جذبتها يده من جديد وأدخلها داخل أحضانهُ وضمها بشدة أسعدتها وأشعرتها بمدي قيمتها لديه، أخرجها ونظر لعيناها بوله وتحدث وهو يتحرك بها للخارج: _يلا يا حبيبتي. خرجا سوياً وتحدث هو إلي جدهِ: _بعد إذنك يا چدي، عروح أوصل مّرتي عشان چميلة لوحدها في السرايا مع حُسن وزمنتها بتبكي وعرچع طوالي. أومأ لهُ عِثمان حين تحدث قدري بنبرة حادة وهو ينظر إلي فايقة الجالسه تنظر أمامها بشرود وتيهه:
_خد أمك وياك يا فارس. حولّت له فايقة نظرها وتحدثت برفض تام غير مبالية بمن حولها: _أني معتحركش من إهنيه غير لما زيدان يطلع وأطمن إنه بجا زين. وعت علي حالها عندما لمحت إشتعال نظرات قدري فتحدثت من جديد بتلبك وأرتباك: _وكمان معجدرش أسيب عمتي و ورد وهما في حالتهم المِشندلة دي. نظر لها وتحدث من ببن أسنانهِ بطريقة تُظهر كّم الغضب الذي وصل إليه: _فااااايقة، جولت لك جومي مع ولدك وروحي علي بيتك.
إرتعب داخلها من إشتعال ذلك الذي يُشبه الثور الهائج بغضبه، فوقفت مُرغمة لتجاور فارس وهي تلعنه بداخلها. تحدث أيضاً يزن مستغلاً الوضع كي يتخلص من رؤية تلك الليلي ووجودها الذي بات يؤرق روحهُ ويشعل كيانهُ بالغضب كلما تقربت منه وحاولت خلق حديث معه: _خد ليلي هي كمان وياك يا فارس. وأكمل مُعترضً: _من ميتا الحريم عيجعدوا في المستشفيات إكده.
إعترضت ليلي بقوة حيثُ أنها إستغلت تلك الحادثة كي تجلس أمام يزن وتُشبع عيناها من النظر إلي من بات يُحرمها طلته، حيثُ أنهُ لم يعُد يحضر إلي المنزل ككقبل مُتعمداً، وبات يُقضي معظم أوقاته بالإستراحة المتواجدة داخل حدائق الفاكهة، كي يتجنب ذهابها المستمر إلي غرفته وعدم إستسلامها وأحترامها لقرار إنفصالهُ عنها. ليلي بنبرة قوية وعِناد: _أني عفضل إهنيه مع چدتي. رمقهُ يزن بنظرة لا تقبل الجدال وصاح بها غاضبً:
_ليلي، معكررش حديتي تاني. زفرت بضيق وتحركت بجانب والدتها ومريم بصحبة فارس واستقلوا سيارة فارس وتحركوا عائدين إلي السرايا. بعد قليل، دلف مدير أمن سوهاج ومأمور المركز التابع لهُ نجع النُعماني، وبصحبتهما لفِيف من رجال الأمن، وقف عِثمان صالبً طولهُ إحترامً لإستقبالهم، تم الترحيب بهم وبعد أن إطمأنوا علي وضع زيدان. تحدث مُدير الآمن موجهً حديثهُ إلي عِثمان:
_أنا جاي لك يا حاج وكلي ثقة في حكمتك إنك هتساعدنا في ضبط الأمن وعدم إثارة الفوضي في المركز. تحدث عِثمان بمكرٍ كثعلب: _أني تحت أمرك وطول عمري راچلكم وفي خدمة البلد يا بيه. وأكمل مدعيً بنبرة مستسلمه: _وأديني جاعد أني وناسي كيف ما سعادتك واعي، ماسكين كتاب الله بنجروا فيه، وجاعدين تحت رحمتة ومستنيين عفوه علينا، وخروچ ولدي من أوضة العمليات سالم غانم. لم يقتنع مدير الآمن بحديث عِثمان الماكر، فادعي إقتناعه وأردف قائلاً
بدهاء: _وهو ده المتوقع من عقل وحكمة الحاج عِثمان. وأكمل بوعدٍ: _وأنا أوعدك يا حاج، إن مش هيعدي أربعة وعشرين ساعة، غير واللي عملوا الجريمة البشعة دي تحت إدينا.
أومأ لهُ عِثمان بهدوء، وأثناء حديثهم خرج زيدان من غرفة العمليات محمولاً علي الترولي ومعلق به جهاز تنفس إصطناعي ليُيساعدة علي التنفس، هرول الجميع إلي صفا التي كانت تجاور أبيها وتتحرك به قاصدة غُرفة العناية المُشددة كي تضعهُ علي الآجهزة ليضل تحت الملاحظة، فبرغم نجاحها في إخراج الرصاصة من جانب القلب، إلا أن الخطر علي حياته ما زالّ قائمً. يجاورها قاسم الذي أدي دورهُ في دعمها وبث القوة والعزيمة داخل روحها علي أكمل وجه.
سألها عِثمان بتلهُف وهو ينظر لعزيز عيناه بقلبٍ ينتفض: _طمنيني علي ولدي يا بِتي ؟ أجابته بملامح وجه مُرهقة وصوتٍ ضعيف يدِلُ علي كّم الضغط والتعب التي تعرضت إليه داخل غرفة العمليات: _إطمن يا چدي، الرصاصة الحمدلله خرچت، بس الحالة لساتها محتاچة مُتابعة. وأكملت بنبرة حنون: _إدعي له. أما ورد التي هرولت إلي معشوق عيناها وأمسكت الترولي بيداها وهي تنظر إليه بعيون مُتلهفه، عاشقةُ هي لكُل إنشٍ بوجهه، تحدثت إليه بدموعها وكأنهُ
يستمع إليها: _حمدالله علي سلامتك يا سِيد الناس. ورسمية التي أسندتها نجاة لتصل إليه، تحسست وجنة ولدها وتحدثت بإبتسامة: _كُت خابرة إنك حنين ومعترضاش الوچيعة لجلب أمك يا ولدي. وصلت صفا بوالدها إلي داخل غرفة العناية المُشددة، أوصلت جسدهِ المُنهك ببعض الآجهزة التي ستساعدهُ علي التعافي وتجاوز تلك الفترة الحرجة، ساعدها ياسر في ذلك الأمر، بعدما إنتهيا طلب منها ياسر الخروج لإخذ بعض الراحة لأجل جنينها.
أصّرت ورد علي المكوث مع حبيبها ورفضت بإستماتة تركهُ وحيداً داخل تلك الغُرفة البارده، أبلغت صفا إحدي الممرضات مساعدة والدتها في إرتداء ملابس مُعقمة لتجاور زوجها الحبيب. جلست ورد بمقعدً مجاوراً لمعشوقها، تطلعت إليه بعيون متفحصة لملامحه الغالية وتحدثت بدموع: _زيدان، فتح عِنيك لجل ما الشمش تطلع يا حبيبي، معجدرش أني علي رجدتك دي يا غالي، جوم لجل حبيبتك يا زيدان.
أمالت علي كف يده الموصلة بأسلاك، وضعت قُبلة حانية بثت له بها مدي عِشقها الجارف لروحهِ. في الخارج أتي إتصال إلي قاسم من مكتب مدير الآمن ليخبرهُ بأنهُ قد تم القبض علي الثلاث رجال والسائق بعدما عُثر علي السيارة التي أدلي قاسم بمواصفاتها لـ مأمور المركز، وقد تحرك المأمور برجاله وداهموا القرية التابعة لكمال أبو الحسن ووجدا السيارة في إحدي الجراچات.
وبعد التحقيقات والملاحقات إستدلوا علي الرجال من خلال وصف قاسم الدقيق لهم، وتم القبض علي كمال وشقيقاه وكل من شارك في تلك الجريمة البشعة، بعد إعتراف الرجال عليه. تحدث عِثمان إلي قاسم بطريقة أمره: _أول ما النهار يشُج تروح علي المركز وتتابع التحجيج بنفسك، معاوزش كمال أبو الحسن يشوف النور بعنيه تاني. وأكمل بملامح وجه غاضبة وعيون تطلقُ شزراً: _عاوزه يجضي اللي باجي له من عمره في السچن لچل ميعفن چواته هو ورچالته.
وأكمل بتأكيد: _فاهمني يا قاسم. وأكمل شارحً: _أني سمعت كلامك ومشيت بعجلك ومرضيتش أتحرك لجل الدم ميسيحش ويغرج وياه المركز كِلاته. أومأ له بطاعة وتحدث: _حاضر يا چدي، كل اللي حضرتك عايزة عيحصل وأكتر كمان. وأكمل: _بس جوم روح وخد چدتي وياك لچل مترتاح. تنهد بأسي وتحدث بنبرة ضعيفة: _معرتاحش غير لما أشوف ولدي مفتح عيونه وعيكلمني. إقترب منه ودني للأسفل وأمسك ركبتا جده وتحدث مُطمأنً إياه:
_إطمن يا چدي، عمي زيدان جوي وعيجوم بأمر الله، روح لجل متريح چسدك لتتعب لاقدر الله. وتحدث إلي قدري ومنتصر: _وإنتِ يا أبوي إنتَ وعمي، خد چدي وچدتي ومرت عمي وروحوا لچل متريحوا چسدكم. ثم نظر إلي يزن وفارس وحسن وهتف قائلاً بقوة: _ومتجلجوش، أني إهنيه أني والشباب. بالفعل ذهب الجميع وتبقي الأربع رچال وصفا وورد اللتان تجاوران غاليهم بغرفة العناية المشددة ويراقباه بقلوب متلهفة، ملتجأة إلي الله وتدعوهُ بتضرع ليُنجي لهما حبيبهم.
دلف قاسم إلي الغرفة مرتدياً اللباس المعقمة الخاصة بدخول غرفة الإنعاش، وجد ورد ممسكة بيد حبيبها وتنظر بتمعن لملامحهُ وكأنها تحسهُ علي النهوض. حول بصرهِ إلي تلك القابعة فوق مقعدها وتغطُ في ثباتٍ عميق من شدة إرهاقه. تحرك إلي زوجة عمه ووضع كف يده فوق كتِفها وتحدث بقوة: _عيجوم يا مّرت عمي، متخافيش عليه، عمي زيدان جوي. حولت بصرها إليه وتحدثت بإمتنان ودموع:
_ربنا يحميك لشبابك يا ولدي، لولاك كان زمان المچرمين دول مخلصين عليه. تنهد بهدوء وتحدث: _دي تدابير ربنا يا مرت عمي. ثم تحدث وهو يقترب من ملاكهِ الغافي إستعداداً لحملها: _أني عاخد صفا لچل ما أمددها برة علي سرير عشان اللي في بطنها مايتإذيش. أومأت لهُ بموافقة فحملها هو بين ساعديه وضمها من صدره، افتحت عيناها سريعً ونظرت إليه بفزع وتحدثت: _أبوي چرا له حاچة ؟ طمأنها سريعً وتحدث متلهفً: _متخافيش يا صفا، عمي بخير.
نظرت حولها وجدت والديها، وعت علي حالها وتحدثت إلية بإقتضاب: _نزلني. أجابها وهو يتحرك بها إلي الخارج متجهً إلي غرفة جانبية: _لازمن ترتاحي يا صفا، إنتِ تعبتي كتير وإكده في خطورة عليكِ وعلي ولدي. نظرت إليه بحقد وتحدثت بتهكم: _متخافش علي ولدك يا متر، زي ما هو ولدك هو كمان ولدي.
وباتت تتملص بين ساعديه محاولة الفكاك منه ولكن هيهات، فكان يضمها ويُقربها من صدره مُشدداً عليها كما المقيدة حتي وصل بها إلي التخت ومددها عليه بعناية، وبدأ بفك القميص لها كي تغفي براحة. تحدثت بنبرة حادة رغم تعبها وإنهاكها وهي تنفض يدهُ عنها وتُبعدها بعنف: _إطلع برة. تحرك إلي الأريكة وفك قميصهُ هو الأخر وخلع عنه غطاء رأسهُ الخاص بملابس التعقيم، ثم خلع عنه حِلة بدلته وتحدث وهو يُلقي بجسده المُنهك فوق
الأريكة وتحدث بنبرة هادئة: _نامي يا صفا، نامي وخليني أنام لي ساعتين جبل النهار ميشُج وأجوم أروح المركز لچل ما أتابع التحجيجات. أجابته بنبرة صارمة وهي تتأهب للتحرك خارج الغُرفة: _تُبجا بتحلم لو خيالك صور لك إن ممكن يچمعنا مكان واحد من تاني. إنتفض من نومته وتحرك إليها وأمسك ذراعها، وبعيون تطلقُ شزراً أرهبها قائلاً: _جسماً بالله لو إتحركتِ خطوة واحدة برة الاوضة دي لأكون واخدك علي الببت لجل ما تنامي فيه.
وأكمل بحده ونبرة رجُل يشتعل بنار الغيرة: _فاكراني راچل هفأ وعديم النخوة لجل ما أسيبك نايمة چار أبوكِ واللي إسميه ياسر داخل وخارچ عليكِ بحِچة متابعة الحالة. أجابته بعِناد: _مليكش صالح بيا، أني أنام مكان مايعچبني ومليكش حُكم عليّ. أمسك يدها وهتف بغيظ من بين أسنانة: _روحي علي السَرير وإتخمدي وخلي ليلتك السودة دي تعدي. وأكمل مُهدداً بنبرة حادة:
_إسمعيني زين يا بِت زيدان، إنتِ لساتك مشفتيش الوش الغبي بتاع قاسم، ونصيحة مني بلاش تستفزي الحيوان اللي چواتي وتخرچيه، عشان إنتِ مش جد جلبتي السودة ولا جد غضبي. وأكمل بنبرة صارمة: _ودلوك إنجري علي السرير ونامي بدل ما أطلع غُلب اليوم كلياته عليك.
نظرت إليه بعيون مشتعلة تطلق شزراً لو خرجت لأشعلت في الغرفة بأكملها، لكنها الآن مُجبرة علي الإنصياع لتهديده لسببين، أهمهما أنها حقاً مُنهكة وجسدها يحتاج للراحة لأجلها ولأجل جنينها. والآخر هو صحة حديثهُ بخصوص نومها بغرفة والدها في وجود ياسر، ولذلك فأئمن مكان مناسب لنومها هي تلك الغرفة في حضرته وحمايته.
زفرت بضيق وتحركت إلي التخت ومددت جسدها عليه بتعب وإرهاق، وتحرك هو إلي أريكته وارتمي بجسدهِ المشتعل وتمدد فوقها، ما هي إلا دقائق وأستمع لإنتظام أنفاسها التي تُعلن عن دخولها في ثبات عميق.
قام يتحرك علي أطراف أصابع قدماه كي لا يقوم بإزعاجها، إقترب منها بقلبٍ ينتفض عشقً وخوفً ورُعبً عليها، حزن من حاله لقيامه بإرهابها ومحادثتها بتلك الطريقة الجافة ولكن لم يكُن لديه طريقةً آُخري لترويض تلك الفرسة الجامحة سوي تلك، ليس لإرهابها، بلا لخشيتهِ عليها وعلي جنينهُ.
وصل لمكانها ومال عليها، وضع شفتاه فوق جبهتها وأغمض عيناه وبات يشتم عبير جلدها بقوة ليحتفظ به داخل رأتهِ، تغلغلت رائحة جسدها العطرة داخل انفه فجعلت من قلبهِ وجسده مُشتعلان، كان يُريد أن يشتم خصلات شعرها منعهُ حجابها المُحكم عليها، فتح عيناه وبات يُدقق النظر لملامح وجهها الملائكي، تنفس عالياً وزفر. همس بنبرة حانية إستمعت إليها تلك التي وعت عِندما شعرت بلمسات شفتاه فوق جلدها، لكنها إدعت النوم وتلقت قبلاته
بإستسلام لا تدري لما: _حجك عليا يا جلب قاسم من چوة. وضع قُبلة خفيفة بجانب شفتاها ثم تحرك عائداً إلي أريكته مثلما أتي، تمدد عليها وفي خلال دقائق معدودة دخل في ثبات عميق من شدة إرهاقه. نظرت عليه بدموع الألم والملامه وبعدها دلفت هي الآخري بدوامة نومها. بنفس الوقت.
كان يتمدد فوق الأريكة الخاصة داخل مكتبهُ ليُريح ظهرهُ قليلاً بعد عناء ذلك اليوم المّرير، واضعً كفاي يداه المُتشابكان تحت رأسه وينظر لسقف الغُرفة بشرود، إستمع إلي طرقات خفيفة فوق الباب. تحدث قائلاً بنبرة ضعيفة: _خُش يلي عتخبط. أخذت تلك الواقفه خلف الباب نفسً عميقً لتُشجع حالِها، ثم أدارت مقبض الباب وخطت بساقيها للداخل، وجدته مُمدداً، نظر عليها وأعتدل سريعً إمتثالاً لأخلاقة العالية وإحترامه لذاته قبله.
برغم إحترامه الذي أظهرهُ في حَضرتِها إلا أنهُ أزاح بوجههِ عن مقلتيها متلاشيً النظر لوجهه. تحمحمت وأردفت قائلة بنبرة هادئة: _حمدالله علي سلامة زيدان بيه. أجابها بجمود وبملامح وجه مقتضبة ومازال متغاضيً النظر لها: _الله يسلمك. أردفت بنبرة خجلة: _عاوزه أتكلم معاك. أجابها بجمود وهو علي وضعه برفضٍ قاطع: _سبج وجولت لك معادش فيه بيناتنا أي كلام. إبتلع غصة مُرة من طريقته الجافة وتحدث بإصرار: _يزن، إحنا لازم نتكلم.
إنتفض قلبهُ حين إستمع لحروف إسمهِ وهي تتغناها، لكنهُ تمالك من حالهُ لأبعد الحدود وأدعي الجمود. فأكملت هي: _أنا مش مرتاحة ومش عارفة أسامح نفسي من يوم اللي حصل بينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!