وتصنمت مكانها عندما رأته نائم على ظهره، ويحرك رأسه بعنف وصدره يعلو ويهبط بقوة، والعرق يتساقط منه. ركضت كيان له وجلست بجانبه وهي تهزه ليستيقظ. "ليث اصحي أنا كيان، فوق يا قلبي." فتشنج جسد ليث بقوة وهو يحرك رأسه بعنف. كورت كيان وجهه وبكت بحرقة: "حبيبي فوق، دا كابوس، فوق يا ليث." صرخ ليث وهو ينهض بقوة: "كيااااان! فزعت كيان من هيئته، شعره المبعثر، عينيه الحمراء، وفلته المبللة من عرقه. كان يتنفس بعنف وينظر حوله بتوهان.
كورت كيان وجهه وهي تبكي: "أهدي يا قلبي، أنا جنبك، أهدي، دا مجرد كابوس، أهدي." لانت ملامحه وهو ينظر لها براحة، وشد قبضته على خصرها وهو يتمتم باسمها: "كـ... كيان." حركت الأخرى رأسها وهي تبكي، فجذبها إلى أحضانه وهو يتنفس بقوة. فشعرت بضربات قلبه العالية، وكان قلبه سيخرج من مكانه. وضعت يدها تلقائياً على صدره موضع قلبه، وابتعدت قليلاً وهي تنظر له: "أهدي يا قلبي، أنت كويس."
وضع ليث يده خلف رأسها وأسند جبينه على جبينها وهو يتنفس أنفاسها. ظلوا هكذا فترة، حتى ابتعدت كيان بخفة. فمسكها ليث: "متبعديش." ابتسمت كيان بألم على حالته: "هجبلك ميه تشرب، مش هبعد." هز رأسه بإيجاب. فنهضت كيان للكمودينة وجذبت كأس الماء وأعطتها له. أخذها ليث بيدين مرتجفتين ورتشفها دفعة واحدة، ومازالت أنفاسه عالية. نهض من سريره وهو يجفف عرقه.
وكيان تنظر له بصمت، ودموعها متحجرة في عينيها. تقدم منها ليث بتعب وقبل جبينها طويلاً، ثم أسند جبينه على جبينها: "هش... أنا كويس يا كياني، بلاش دموعك دي." هزت الأخرى رأسها بنفي، ودموعها هبطت على وجنتيها قائلة: "لأ، أنت مش كويس يا ليث، أنا حاسة إنك بتـ... قطعت حديثها غصة مريرة فدفنت وجهها في صدره وبكت بحرقة. ليث بابتسامة حزينة: حاسس إني بموت بالبطيء، مش كده؟ فابتعدت عنه بسرعة ووضعت يدها على فمه: متجبش سيرة الموت تاني.
ابتسم لها بحب ورفع أنامله يمسح دموعها: طيب خلاص مش هقول كده تاني، بس بلاش دموع. كيان وهي تجفف دموعها: مالك يا ليث فيك إيه؟ ليث بمرح: عاوز اتجوزك، معنتش قادر. ضحكت بيأس من بين دموعها وعانقته مرة أخرى، فضمها بقوة لصدره وهو يتنهد. شعر بها فتحدثت قائلة: لسه مش عاوز تقولي مالك؟ ليث بهدوء وهو يبتعد: هحكيلك كل حاجة، بس مش دلوقتي، اديني وقتي. كيان بقلق: خايفة عليك، قلبي وجعني.
قبل جبينها: سلامة قلبك من الوجع يا حبيبي. أنا كويس، اطمني. كيان: لأ يا ليث، أنت مش كويس. ليث بتنهيدة تعب: عشان خاطري، بلاش تتغطي عليا دلوقتي. أومأت كيان بمضض. قبل ليث خدها قائلاً: طلعيلي لبسي على ما آخد شاور وأحلق وأجيلك. نظرت له كيان وأرادت أن تقول شيئاً، ولكنها عضت شفتيها بخجل وصمت. لاحظ ليث خجلها وهي تعض شفتيها، فجذبها من خصرها لصدره، فشهقت بفزع. ليث بحب: عايزة تقولي إيه واتكسفتي؟ خجلت كيان أكثر وحركت رأسها بنفي.
ضحك ليث وهو يحرك أنفه بأنفها: سمعك يا كيان. أخفضت رأسها للأسفل بخجل قائلة: نفس أحلق دقنك. ضحك ليث بصوته كله، فضربته كيان في صدره بخجل. ليث بحب: طيب مقلتش ليه؟ ثم أكمل بمرح: هتعرفي ولا هتشلفطني؟ كيان بفرحة ممزوجة بخجل: لأ بعرف. ضحك ليث وحملها، فشهقت بفزع، فدخل ليث بها الحمام. كيان بحرج: ليث نزلني، بتعمل إيه؟ ليث بمرح: الله، مش أنتِ اللي عايزة تحلقيلي؟ كيان بخجل: بره، مش هنا.
ضحك ليث بقوة وهو يجلسها أمامه على رخامة المرآة، ووقف هو أمامها حتى تصل لطوله. كيان بخجل من وضعهم: لـ ليث، خلاص احلق أنت، أنا كنت بهزر. ضحك بقوة وهو يجلب الشفرة والمعجون ويضعهما في يدها. كيان بتوتر: مش هعرف، هعورك. ليث بحب: تعرفي. في كل مرة أحلق فيها، أتخيلك قدامي وأنتِ بتحلقيلي، كان حلم جميل من ضمن الأحلام اللي حلمتها معاكي.
ابتسمت كيان بحب وخجل. رفعت يدها لوجهه ولمست ذقنه الشائكة، فابتسمت بخفة. فتحت معجون الحلاقة وأخذت توزعه على وجنتيه بهدوء، وشعيرات ذقنه دغدغت أصابعها. أما هو فمستمتع بحمرة الخجل التي كست وجهها ولمسات أصابعها الناعمة. انخفض قليلاً وقرب وجهه منها حتى تتمكن منه أكثر، وأخذت تحلق له بمهارة وهي ترسم ابتسامة على وجهها وعينيه لا تحيد عنها. شعرت هي بنظراته لها، فنظرت له، فوجدته يتأملها بعشق يفيض من عينيه.
كيان بتوتر: بطل تبصلي كده، بتوترني. ضحك بقوة عليها. وبعد فترة، انتهت كيان وأخذت المنشفة وهي تمسح بواقي المعجون عن ذقنه التي أصبحت ناعمة بكثير. ظلت تمرر أصابعها على وجنتيه وهي مستمتعة بنعومة وجهه. ابتسم ليث من فعلتها قائلاً: عايزة تحسي بنعومتها أكتر؟ فحركت رأسها بإيجاب. وبعد يدها واقترب بوجهه من وجهها ومسح خده بخده ببطء، فانتفضت كيان وتوترة من قربه. فانتقل ليث لخدها الثاني ولامسه بخده أيضاً وهو مستمتع بتوترها. دفعته
كيان بخفة وهو تقول بتلعثم: هـ هروح أـ أطلعلك هدوم. وأرادت أن تهبط. فأمسكها ليث من خصرها وأنزلها ببطء، واقترب ليقبلها، فركضت كيان للخارج وهي تضع يدها على قلبها. سمعت صوت قهقهته من الداخل، فخجلت واتجهت لغرفة ملابسه. ظلت تقلب نظرها بين ثيابه بانبهار من ترتيبهم، فعلمت أن ليث يعشق النظام. قلبت عينيها بملل، فمعظم بذلاته باللون الأسود.
مدت يدها وأخرجت بنطال جينز باللون الأزرق الغامق وقميص أبيض وجاكت من الجلد أزرق اللون، فابتسمت برضا لاختيارها، فهي تعمدت أن تختار اللون الأزرق لينعكس مع زرقاوي عينيه. اتجهت للأحذية واختارت حذاء رياضي أبيض، وتقدمت من رف الساعة وأخذت ساعة باللون الأزرق أيضاً يتخللها الأبيض، وابتسمت برضا، غافلة عن ذلك الذي يتكئ على الباب ويربع يديه أمام صدره ويتأملها بعشق.
التفت كيان لتخرج، فرأته أمامها بابتسامة الساحرة التي أظهرت غمازتيه وعينيه الزرقاء التي غرقت فيهما. ضحك ليث على شرودها به. فانتبهت كيان له وكادت أن تتحدث، ولكنها انتبهت أنه يقف أمامها عاري الصدر ولا يرتدي سوى بنطال فقط. تورّدت وجنتاها بخجل ممزوج بغيظ، وأعطته ظهرها قائلة: ليث، البس حاجة، إزاي تخرج كده؟ ضحك ليث وعانقها من ظهرها قائلاً: بغريِك. قال كلمته بمرح. ابتسمت كيان بخجل والتفت له وهي
تتحاشى النظر لصدره قائلة: أنا طلعتلك لبسك، البس وهنزل استناك تحت، وعلى فكرة أنت اتأخرت جداً على شغلك. قالت آخر حديثها وهي تركض للخارج. ضحك ليث بحب وتنهد بألم عندما اتجه لأحد الأدراج ليأخذ ذلك السم. هبطت كيان وجدت الجميع يجلس على طاولة الإفطار عدا يوسف وغرام ويزن. مالك بحب: إيه يا حبيبي، كل دا نوم؟ توترت كيان وابتسمت بخفوت، لم يخفَ عن والدها وصقر. جلست في مكانها، فتحدث حازم بمرح: أمال هولاكو فين؟
ضحكت كيان قائلة بكذب: هو مرحش الشغل؟ مالك بضحك: لأ يا شيخة. فضحك الجميع عليها. فاخفضت كيان رأسها بخجل وتوتر وهي تلعن نفسها وليث أيضاً. بدر وهو يميل عليها: أصل الولا حازم الحيوان شافك وأنتِ رايحة تصحي، قال سيحلك هنا. نظرت له بصدمة، فضحك بدر على منظرها. وجهت كيان نظرات قاتلة لحازم الذي صرخ قائلاً: عاااا! هتقلني! الحق عليا! أبوك كان عايز يطلع يصحيكي، فقولتله إنك رحتي تصحي ليث. غلطان أنا كده.
فضحك الجميع بقوة. فأتاهم صوته وهو يهبط الدرج بجاذبيته الساحرة ووسامته القاتلة. ليث بتريقة: لأ طبعاً، هو أنت بتغلط؟ دا أنت بلسم يا حازم. حازم ببلاهة: الله يخليك ويسترك. ليث بغيظ من ذلك الغبي: اخرس يا حيوان. حرك ليث نظره لمالك، ووجدّه ينظر له بغيظ وعينيه مليئة بالشرارات الغضب. ليث بحاجب مرفوع: لأ والله، دا على أساس إني عيل ولا إيه؟
مالك بضيق: أنت عارف إن الموضوع ملوش علاقة بكده خالص، وأنا لو مش بثق فيك، أكيد ما كنتش هجوزهالك. ليث وهو يجلس: اديك قلتها، جوزها. ها؟ جوزها. والجواز ما هو إلا إشهار، وإحنا كتب كتابنا، أعلنا عنه للناس كلها، يعني قدام ربنا والناس دي مراتي، يعني لا عيب ولا حرام إنها تدخل تصحيني يا مالك. فخجلت كيان بشدة، وأيضاً تملكها الضيق من نفسها. شعر مالك بها، فصمت وحاول أن يغير حدة نظراته لليث قائلاً
بمرح: عارفين يا أخ، إنها مراتك، بس يعني حضرتك نغة محتاج اللي يصحيك. فضحك الجميع، وعلم ليث أنه يحاول إخراج كيان من حرجها. ليث باستفزاز: بحب أصحى على صوت مراتي، ليك فيه؟ ضحكوا مرة أخرى، وشرع الجميع في تناول طعامهم. أما كيان فكانت شاردة فيما يحدث بينها هي وليث عندما يكونون بمفردهم، فهي محجبة وتخاف ربها، فكيف تسمح له بالتقرب منها وهي أيضاً تقترب منه دون أن تضع حدود. فنعم، هم كتب كتابهم، ولكن لم يقيموا فرحهم.
نظر ليث لشرودها وعلم بما تفكر، مال عليها قائلاً: بطلي تفكير ولعب في الأكل وافطري، وأي حاجة شاغلة بالك هجاوبك عليها، بس افطري. انتبهت له كيان وحركت رأسها بإيجاب، ولكنها لم تتناول إلا القليل. نور: يوسف فين؟ صقر بغموض: في أوضته. وقفت نور لتصعد له. أمسك صقر يدها: سيبيه يا نور، دلوقتي. جلست نور ونظرت له باستغراب: في إيه يا صقر؟ عايزة أطمن عليه. صقر: رحتله، لقيتو لسه نايم، منمش غير الصبح، سيبيه يرتاح.
نور بقلق: قلقانة عليه يا صقر، هطلع أشوفه من غير ما أصحيه. صقر بغيظ: لأ يا نور، البت نايم من غير تيشرت، اقعدي بقى. نظرت نور له بصدمة، فضحك الجميع بقوة عليهم. نور بغيظ: صقر، دا ابني. صقر بغيرة: إن شاء الله يكون الجن الأزرق، اصبري لما ينزل. عمر بضحك: أنت لسه بتغير من ولادك يا صقر؟ صقر ببرود: ريح نفسك يلا. ظلوا يضحكون بسعادة. فمالت مليكة على ياسين قائلة: ياسين. ياسين بحب: عيونه.
مليكة بابتسامة: هتغير عليا زي بابا كده من ولادنا؟ ياسين بمرح: مش لما نجبهم الأول يا قلبي. فنظرت له مليكة بخجل وغيظ وضربته بكوعها في صدره، فأمسك صدره بألم. فتفت لهم الجميع. حازم بخبث: مش عيب يا كبير، الحركات اللي من تحت لتحت دي، دا حتى أبوها وأخوها قاعدين. نظر له ياسين بحدة، فصمت حازم. ياسين لمليكة بغيظ: عجبك كده؟ أديهم فهموا غلط. مليكة بغيظ: أحسن عشان تحترم نفسك. ياسين بصدمة: هو أنا قولتلك إيه يا مجنونة أنتِ؟
مليكة بغيظ: والله يا عني مش عارف، قولتلي إيه؟ ياسين بخبث: مش فاكر، فكريني. فكادت أن تتحدث مليكة، ولكنها صمتت بغيظ. حازم بضحك: طب إحنا عايزين نعرف، بدل ما دماغنا توديكوا في داهية. هي بتحدف شمال لوحدها. فضحك الجميع عليهم. زين بضحك: إيه العيلة اللي فاضحة نفسها بنفسها دي. ظلوا يضحكون ويناغشون بعضهم البعض. هبطت غرام بعيون منتفخة أثر البكاء، فنتبه لها الجميع.
ألقت عليهم التحية واتجهت لمكانها بخطى بطيئة وجلست تتناول طعامها بصمت. نظر لها الجميع باستغراب وقلق من هيئتها. أراد حازم أن يناغشها، فأشار له صقر بيده ونظر لها بغموض. عند يزن، دخل غرفة الرياضة ليفعل روتينه اليومي، ولكنه انصدم من منظر الغرفة، فكانت مقلوبة رأساً على عقب. خرج يزن بغضب وذهب لغرفة الطعام. يزن بضيق: صباح الخير. الجميع: صباح النور. يزن: ليث، إيه اللي حصل في أوضة الرياضة؟ ليث بعدم فهم: حصل إيه؟
يزن باستغراب: يعني مش أنت اللي مدغدغها كده؟ ليث باستغراب: مدغدغها إزاي؟ أنا مدخلتهاش امبارح. يزن بضيق: أمال مين اللي عمل كده؟ صقر بهدوء وترقب: عمل إيه يا يزن؟ يزن: يا عمي، الأوضة مقلوبة وكل حاجة تقريباً مدغدغة، ونص الأجهزة متكسرة. صمت الجميع بقلق على يوسف، فهو آخر شخص كان بها. أما غرام، ففتحت عينيها بصدمة، لم تستوعب أنه غاضب لتلك الدرجة ليكسر الغرفة. وقفت بألم: عن إذنكم، هطلع أرتاح. صعدت لغرفتها وكأنها جسد بدون روح.
نظر لها الجميع بصمت، فيبدو أن هناك شيئاً كبيراً يحدث بينهم. وقف صقر قائلاً: تيام، يلا أنا جاي معاك عند حماك. فتحدث فهد: وأنا كمان، يلا. تيام: حاضر يا عمي، يلا يا ليل. نهض الجميع ليغادروا. نور بدموع على وشك النزول: صقر. فالتفت لها صقر، رأى دموعها في عينيه، فتقدم منها مقبلاً جبينها: قلب صقر. نور: عايزة أطلع ليوسف. عض صقر على أسنانه من تصرفات ابنه الغبي، فهو يعلم بأنه ليس بخير ولا يريد أن تراه نور بتلك الحالة.
صقر بحب: حاضر يا قلبي. صقر لليث: ليث، اطلع مع والدتك للبِت اللي فوق، ودخل الأول، خليه يتنيل يلبس هدومه، وبعدين ابقي ادخلي له يا نور. قال آخر حديثه وهو يوجه نظره لتلك التي تنظر له ببلاهة. نور: صقر، والله دا ابني. صقر بحب: عارف يا قلب صقر، بس أنا كده بغير على ملاكي، ثم إن يوسف هيتحرج منك، ثم تمتم بغضب: مع إني أشك إنو عنده دم أصلاً عشان يتكسف. فضحك الجميع بخفوت.
مال صقر على ليث قائلاً: اطلع للحيوان اللي فوق، خليه يفوق من الهباب اللي شربه امبارح، وعرفّه إني مش هعديها على خير. نظر ليث بتوتر وصدمة. صقر بسخرية: إيه؟ اتصدمت إني عارف إنه سكران امبارح؟ لما أرجعلك أنت وهو، ليا تصرف تاني معاكم. خرج صقر وفهد مع تيام وزوجته. وصعد ليث مع والدته لغرفة يوسف. وكذلك حياة صعدت لغرفة طفلتها لترى ما بها. ليث وهو يطرق الباب بغضب، يجاهد لإخفائه. نور: خلاص يا ليث، سيبني أدخل أصحيه.
ليث بتوتر وسرعة: هاا، لأ ونبي، أنتِ عايزة الحاج يعلقني، بصي استني هنا خمس دقايق، هدخل أفوّقه، وبعدين أندهلك. دلف صقر للداخل وأغلق خلفه. وجد يوسف ينام على بطنه عاري الصدر، وهناك ثلاث زجاجات فارغة بالأرض وعلبتين من السجائر فارغة أيضاً. نظر بصدمة وألم لما وصل له أخيه، تألم قلبه عليه وتبخر غضبه منه، وتقدم منه براحة وحاول إفاقته. ليث: يوسف، يوسف، أنتِ يا بني آدم. ولكن لا حياة لمن تنادي.
أمسك ليث كأس بها ماء من على الطاولة وسكبه على رأس يوسف، الذي استيقظ بفزع. يوسف بحدة: إيه الجنان ده يا ليث؟ حد يصحّي حد كده؟ ربع ليث يديه أمام صدره: ماما واقفة بره عايزة تطمن عليك، أدخلها وأنت كدا بمنظرك ده وريحتك المقرفة، والسجاير والقزايز اللي مليّة الأوضة، تفتكر هتتبسط لما تشوفك وصلت للحالة دي؟ نهض يوسف بفزع وخجل من أخيه، وانخفض ليحمل تلك الزجاجات اللعينة.
ولكنه فقد توازنه وكاد أن يسقط، فأمسكه ليث وهو ينظر له بعتاب. ليث: ادخل خد شاور وفوق، وأنا هنضف المكان. واااه، على فكرة بابا دخلك الصبح وشاف المنظر الجميل ده. أغمض يوسف عينيه بألم وأخذ ثيابه ودلف للحمام. نظف ليث الغرفة بسرعة ووضع الزجاجات في كيس أسود ووضعها في السلة، ورش القليل من المعطر، وفتح باب الشرفة وأبعد الستائر لتدخل الشمس ولتختفي تلك الرائحة. فتح الباب، ووجد نور تنظر له بغيظ وغضب.
ليث بمرح ليلطف الجو: أهدي يا حاجة، كنت بصحيه والله. نور بغيظ: ابعد من وشي، وهعرف بتخبي إيه عني أنت وأبوك. حمحم ليث بتوتر وابتعد. دخلت الغرفة وهي تنظر لها بتفحص. وليث من خلفه يحمل معطر الجو ويرش حولها حتى لا تنتبه لرائحة السجائر. فلتفت له نور، فوضع يده خلف ظهره وهو يبتسم لها بقوة. نور وهي تضيق عينيها: مش على بعضك ليه؟ ومخبي إيه ورا ضهرك؟
أخفى ليث توتره ببراعة وعاد خطوة للخلف ووضع المعطر على إحدى الطاولات، ثم تقدم منها مقبلاً جبينها قائلاً: هخبي إيه بس يا ست الكل؟ وبعدين أنتِ عارفة بابا وغيرته، متشغليش بالك أنتِ. قطع حديثهم خروج يوسف وهو يجفف شعره ويجاهد ليفتح عينيه. نظرت له نور بخضة، فعينيه حمراء بشدة ووجهه شاحب كالآموات، فقربت منه بسرعة مكورة وجهه بين يديها. نور بدموع: يوسف، مالك يا قلبي؟ فدفع يوسف لأحضان والدته ودموعه تنزل بصمت.
كادت أن تسقط نور من اندفاعه عليها، فلم تستطع حمل ثقل جسده لولا يد ليث التي احتضنتها من الخلف. ليث بمرح: براحة يا عجول، نور مش قدك. ابتسمت نور بخفة وجذبته ليث لأحضانها، فعانقها ليث هي ويوسف، وقبل رأس أخيه بحب وألم. نور بخوف: مالك يا يوسف؟ قلبي مش مطمن يا حبيبي، حساك موجوع. زاد بكاء يوسف. فابتعد ليث، سامحاً لأخيه بالتحدث قائلاً: ماما، أنا هنزل علشان عندي شغل.
أومأت رأسه، فقبل ليث جبين يوسف بقوة، ثم هبط وقلبه يؤلمه على أخيه. عند نور: احكيلي يا قلب أمك، احكيلي مالك. ابتعد يوسف ودموعه تنزل بصمت. هرعت نور لبكائه، في أول مرة تراه بذلك الضعف: مالك يا نور عيني؟ يوسف: تعبان قوي يا أمي، محتاج لحضنك، محتاجلك قوي يا أمي. جذبته نور لأحضانها بقوة وبكت على حال طفلها الصغير، فمها كبر وأصبح رجل يعتمد عليه، سيظل هو طفلها.
جذبته نور بأتجاه السرير وجلست عليه وأشارت لقدميها، فتمدد يوسف ووضع رأسه على قدميها وتفسح براحة. أخذت نور تلعب في خصلات شعره الكثيف ولم تتحدث، واحترمت صمته. بعد فترة تحدث يوسف بألم: حاسس إن قلبي بيزف، حاسس إن الدنيا مستكتره عليا الفرح. البنت الوحيدة اللي قلبي دق ليها من وهي لسه طفلة بضفاير وبقت بشفها في أحلامي، وأحلم باليوم اللي هتبقى فيه على اسمي ومراتي، وأقدر آخدها في حضني.
الحضن اللي حلمت بيه سنين وسنين وأنا بتخيلها بين إيديا، بتخيل الدفء اللي هلاقيه في حضنها، بتخيلها وهي بتقولي: وأنا كمان بحبك يا يوسف. كل ده اتحقق امبارح يا أمي، خدتها في حضني، ضمتها لقلبي، شميت ريحتها اللي بتوقعني في حبها مرة تانية. قالتلي: بحبك يا يوسف. بس... بس قلبي مش قادر يصدقها، قلبها ملك لغيره من وهي طفلة. ثم ابتسم بوجع: يعني أنا كنت بعشقها وهي كانت بتعشق غيري. فضلت سنين أحكي حبي وعشقي ليها لمذكرات.
شوية ورق عليهم حروف مكتوبة بحبر، دي الحاجة الوحيدة اللي كنت بقدر أطلع فيها اللي جوايا. سنين وقلبي مكوي بنار عشقها، وهي بتزيد النار. بابا قالي: امسك في حلمك، متستسلمش. وغرام حلمي، أخدت قرار إني هحاول أقرب منها وأخليها تفتح قلبها ليا، هخليها تحبني قبل ما تعرف بحبي ليها، عايزة تحب يوسف، مش يوسف ليها. للأسف الدنيا عندتي وقلتلي: أحلامك دي ههدها لك، وفعلاً هدتها.
غرام شافت المذكرات، وعرفت العاشق المهووس بيها، برسم كل تفصيلها، حافظ ملامحها، كأني شايفها، بحس بيها في كل مكان حواليا. بكون في شغلي أو أي مكان بعيد عنها، أغمض عيني وأتخيلها جنبي، أمشي، أتلفت في الشركة وأتمنى إنها تكون موجودة، أو ألمح طيفها. لما عرفت إن آدهم بيحب ملاك، مش بيحبها هي، قررت تبعد وتقربهم من بعض، بس على حساب قلبي أنا يا أمي. حولت حلم حياتي للعبة سخيفة.
عشت عمري أتمنى اليوم اللي دبلتي هتكون في إيدها وتكون على اسمي. جت وقالتلي: نمثل إننا بنحب بعض ونتخطب فترة لحد ما آدهم وملاك يتجوزوا، وبعدين نقول محصلش نصيب. ضحك بحرقة: شفتي وجع أكتر من كده؟ ومكتفتش بدا، لأ، جايه دلوقت تقولي إنها بتحبني، بعد ما قرأت مذكراتي، بعد ما بقى حبي واضح قدامها، شافت حبي ليا من شوية حبر على ورق. لكن مش شافتوش من أكتر من 15 سنة فاتوا، وعايزاني أصدقها وأفتح لها حضني؟
تعرفي يا أمي، أنا نفسي أصدقها، نفسي قلبي يفرح من كلمة بحبك منها. بس خايف في يوم تتأكد إن مشاعرها مجرد إحساس بشفقة تجاهي، أو إنها شخص بحبها وخلاص، هتعوز إيه أكتر من كده؟ حاسس إن قلبي هيقف يا أمي، معنتش قادر أتحمل أكتر من كده. كل ذلك ونور تكتم شهقاتها على فلذة كبدها. يوسف بألم: ااااااه يا أمي، يا ريته يقف ويريحني. شهقت نور بفزع. فنهض يوسف ومسح دموعه التي تسل بحرقة. واقترب من والدته،
مسح دموعها وقبل يدها: هش، خلاص يا ست الكل، عشان خاطري بلاش دموعك دي، لو بتحبيني بلاش دموع عشان متتعبيش. كفكفت نور دموعها، وكورت وجهه بيدها وقبلت جبينه بقوة وجذبته لحضنها. أما عند غرفة يوسف، تقف والصدمة ألجمت لسانها ودموعها تنزل بصمت. شعرت بمن يضع يده على كتفها، التفتت له ووجدته والدتها تنظر لها بحزن. اندفعت غرام لأحضان والدتها تبكي بحرقة وتتحدث من بين شهقاتها: أنا أنا آذيتوه أوي يا ماما، أنا كسرت يوسف بإيدي.
ضمتها حياة بحزن على طفلتها وجذبتها لغرفتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!