في مكان آخر، في أفخم المطاعم التي تطل على النيل، تجلس تلك الجميلة الهادئة. تستمتع بجمال المنظر أمامها وترتشف قهوتها بهدوء. ثم وجهت نظرها لتلك الورقة التي أمامها، تكمل رسمة تلك العيون التي تؤرق نومها. ملك، بابتسامة هادئة وهي تضع لمساتها الأخيرة، لتصبح تلك العيون وكأنها حقيقية تنظر لها من تلك الورقة. عيون حادة وغامضة، ولكن تلك العيون السوداء أثرت النوم من عينيها الجميلتين. ظلت تطلع لها بابتسامة وهدوء.
حتى استمعت لصوته المهلك والمزلزل لقلبها. "رسمك جميل." انتفضت ملك بخضة ونظرت له بصدمة قائلة: "آدم." ... آدم، بابتسامة وهو يجلس أمامها: "مكنتش أعرف إن اسمي حلو قوي كدا." ارتبكت ملك واحمر وجهها خجلاً. ضحك آدم بشدة عليها. ثم أكمل بخبث: "انتي بتعرفي ترسمي؟ توترت ملك وازدادت ضربات قلبها، وأغلقت الاسكتش الخاص بها وتحدثت قائلة: "آه يعني على قدي." آدم، بابتسامة: "بالعكس، رسمك جميل جداً، وخصوصاً العيون. تحسي إنها حقيقية."
ثم أكمل بمكر: "حاسس إني عارف صاحب العيون دي." ومد يده ليسحب اسكتش الرسم من يدها. أمسكته ملك بيد مرتعشة قائلة بارتباك: "كـ... كنت برسم بعشوائية، ما حطيتش حد في دماغي." آدم بابتسامة: "ممكن أشوف رسمك؟ توترت ملك ولم تعرف بماذا تجيبه. آدم بإصرار: "بعد إذنك، بجد متشوق أشوف رسماتك. ممكن؟ مدت ملك يدها وأعطته له.
أخذه منها وهو يبتسم حتى بانت غمازتيه. شردت ملك في ملامحه الرجولية، تلك الملامح مزيج بين الغموض والقسوة والحنية والدفء. حركت رأسها بنفي، تطرد تلك الأفكار. لا تعلم ماذا يحدث لها منذ أن رأت عينيه وهي لا تغيب عن بالها، حتى تلك العيون التي رسمتها كانت عيونه. فتحت عينيها بصدمة، وكأنها انتبهت لنفسها. نظرت لآدم الذي كان يتابع شرودها به، ولكنها عندما فاقت من شرودها، تطلعت إلى تلك الرسومات التي في يده بسرعة.
ملك لنفسها: "يارب ما ياخد بالو إن دي عيونه." ثم شتمت نفسها على حديثها الساذج. آدم بمكر: "رسمتك لعيوني جميلة جداً، حاسس إني ببص في مراية." فتحت ملك عينيها من الصدمة وزادت ضربات قلبها بقوة. أقسمت أنها وصلت لمسامعه. ملك بتوتر: "بـ... بس دي... دي مش عنيك." قهقه آدم على توترها وتحدث بمرح: "هتعرفي عنيا أكتر مني؟ ابتسمت بتوتر.
آدم ليلعب بأعصابها: "فعلاً، برافو عليكي. انتي مشفتنيش غير مرة يعتبر، لما اتقابلنا في الكافيه واتكلمنا. لأن مرة لما كنت هخبطك دي، معتقدش إنك ركزتي في عيوني لدرجتك إنك ترسميهم." حمحمت ملك بخجل شديد واحمر وجهها بشدة، فانتفضت من مكانها وهي تسحب رسوماتها من بين يديه حتى لا يرى باقي رسوماتها، قائلة: "أستاذ آدم، حضرتك غلطان، لأن دي مش عيون حضرتك. أنا زي ما قولتلك كنت برسم بعشوائية. ودلوقتي عن إذنك لازم أمشي."
كتم آدم ضحكته قائلاً بسرعة: "هتمشي ليه؟ انتي حتى لسه مشربتيش النسكافيه بتاعك. أسف لو ضيقتك لما قعدت من غير ما أستأذنك." ملك بحرج: "لا أبداً، مفيش مشكلة، بس لازم أمشي." آدم: "طيب، ممكن تقعدي تكملي النسكافيه بتاعك، وأنا هشرب قهوتي معاكي لو مش يضايقك، وبعدين أمشي." صمتت ملك قليلاً، تريد أن ترحل، لكن هناك شيء بداخلها يتمنى أن تجلس معه. آدم بابتسامة ساحرة: "مش هعطلك كتير، حابب أشرب القهوة معاكي."
خفق قلبها بشدة من كلماته. جلست بتوهان، لا تعلم ماذا يحدث لقلبها. أول مرة بحياتها تشعر بذلك الشعور الغريب، ولكنه جميل. طلب آدم قهوته، وأخذت ملك ترتشف النسكافيه خاصتها لتهرب من عينيه. تحدث آدم ليكسر ذلك الصمت: "تعرفي إن فيكي حاجة بتجذبني ليكي؟ مش عارف إيه هي." خجلت ملك وخفق قلبها للمرة التي لا تعرف عددها. تحدثت وهي تجاهد لإخراج صوتها: "أستاذ آدم، لو سمحت."
آدم بتسرع: "صدقيني، أنا مش بعاكسك ولا بجامل، ومليش في اللف والدوران. أنا بكلمك بصدق، فعلاً عن إحساسي اتجاهك. مش عارف، بس عيونك فيها حاجة غريبة بس جذابة، بتجذبني. يا ترى تعرفي دا معناه إيه؟ صمتت ملك، لا تعرف بما تجيبه. هي أيضاً تريد أن تعرف ماذا يعني هذا، فهي أيضاً تشعر بشيء غريب كلما نظرت لعينيه. واااه من تلك العينين التي تراها أمامها كلما أغمضت عينيها، حتى أنها رسمتها من مخيلتها. آدم بابتسامة: "ملك."
خفق قلبها ثانية بشدة ونظرت له، وتلاقت عيناهما في تواصل بصري. فعم الصمت بينهم. كسره آدم بعد دقائق قائلاً: "حابب أتعرف عليكي أكتر، ممكن تديني فرصة أقرب منك وتقربي مني؟ صدمت ملك من طلبه وتوترة، ولا تعرف بماذا تجيبه، أو ما هذا الذي يحدث معها. فهربت منها الكلمات وشعرت بأنها عاجزة عن الكلام، وقلبها يضرب بعنف. آدم بمرح: "طيب، ارفضي. حتى قولي أي حاجة، حسسيني إنك معايا." انتبهت ملك لحديثه وتحدثت بتوتر: "أ...
أستاذ آدم، أنا يعني مش عارفة الصراحة، قصدي يعني... ضحك آدم على توترها ومد يده لها بكوب ماء قائلاً: "اهدي طيب، واشربي الأول وخدي نفسك." تناولته ملك من يده ورشفت قليلاً منه وأخذت تهدأ نفسها. آدم بابتسامة: "أولاً، اسمي آدم، بلاش أستاذ والكلام ده. ثانياً، أنا حقيقي جاد في كلامي. حابب أتعرف عليكي، يعني اعتبريني صديق يا ستي." تنهدت ملك قائلة: "أنا الحقيقة مش عارفة أقولك إيه، بس متلخبطة."
آدم بابتسامة: "فاهمك، لأن أنا كمان زيك متلخبط جداً ومش عارف إيه اللي بيحصل. فعلشان كده طلبت إني أتعرف عليكي أكتر، يمكن أقدر أفهم إيه اللي بيحصلي." ابتسمت ملك بخفوت. وفكرت بحديثه، فهي أيضاً تريد أن تتعرف عليه أكثر. لا تعرف لماذا، ولكنها ترغب في معرفة كل شيء عنه، ترغب في الاقتراب وإعطاء فرصة لنفسها. ولكن هناك جانب يجعلها تخاف المستقبل. آدم وهو يلوح أمام عينيها بيده: "هااااي، انتي معايا ولا سافرتي ولا إيه؟
ضحكت ملك وشاركها آدم. ملك بحرج: "آسفة، سرحت شوية." آدم بمرح: "ولا يهمك، بس خليكي معايا شوية قد اللي بتسرحي فيهم دول." ضحكت ملك على حديثه. فتحدث آدم قائلاً: "هاتي موبايلك." ملك باستغراب: "ليه؟ آدم بضحك: "هاتي بس، وهقولك ليه." أعطته ملك هاتفها وهي تعقد جبينها باستغراب. أخذه آدم وسجل رقمه على هاتفها، ثم اتصل على نفسه، فظهر رقمها لديه.
آدم وهو يعطيها الهاتف: "مفيش أحسن من الجنان، وإن الواحد يعمل اللي نفسه فيه من غير ما يفكر كتير. أنا سجلت رقمي عندك واتصلت على نفسي علشان أسجل رقمك." نظرت له ملك بغباء لما فعل. ضحك آدم قائلاً: "آه، منا نسيت أقولك إني مجنون شوية وبعمل اللي يجي على بالي. صح غلط مبتفرقش عندي." ضحكت ملك بقلة حيلة.
ظلوا يتحدثون مع بعضهم، واندت ملك مع آدم وأحبت حسه الفكاهي ومرحه عكس ما تظهره هيئته، فمن يراها يرى الجدية والغموض، ولكنه مرح في تعامله. كل منهم يفكر بطريقته ويخطط لما سيحدث بينهم مستقبلاً. ولكنهم لا يعلمون تخطيط القدر لهم وما يخبئه. في الشركة. في مكتب يوسف، يجلس منكب على تلك الأوراق، يصوب عليها تركيزه حتى لا يفكر في شيء. يحاول أن ينهي ما طلبه منه والده.
وأخيراً، بعد عمل دام ثلاث ساعات، أنهى ذلك الملف الذي طلبه صقر منه. نظر لساعته، ووجد نفسه تأخر ساعة كاملة، فصقر طلب منه إنهائه في ساعتين. زفر بضيق وتنهد لما هو مقدم عليه. أخذ الملف وخرج من مكتبه واتجه إلى مكتب والده. طرق الباب عدة مرات، حتى أتاه صوته يأذن له بالدخول. دخل يوسف وهو يبتسم بتوتر. ولكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة عندما رأى ملامح والده التي لا تنذر بالخير.
ابتلع يوسف ريقه وتقدم من والده الذي كان يتكئ على مكتبه ويربع يده أمام صدره وينظر له بدقة. يوسف بتوتر: "الملف اللي حضرتك طلبته." طال الصمت بينهم، وصقر ينظر في عينيه بعتاب وحزن وخيبة أمل. تألم يوسف من تلك النظرات، واخفض نظره للأسفل. تحدث صقر أخيراً قاطعاً ذلك الصمت: "بقالى ساعة مستني حضرتك تتكرم وتخلص الملف." رفع يوسف نظره بحزن: "آسف على تأخيري، أنا اشتغلت عليه من أول ما أخدته من بدر ومخلصش غير دلوقتي."
أخذه صقر من يده قائلاً: "ده مسموش تأخير يا بشمهندس، ده تقصير. أتمنى ميتكررش تاني." يوسف بضيق من نفسه: "حاضر." التفت صقر وأعطاه ظهره. فتحدث يوسف بألم: "بابا.." آسف. صقر ومازال يوليه ظهره: ولو أسفك ده على تقصيرك، فأسفك مقبول. ثم استدار له ونظر في عينيه بقوة، مكملاً حديثه: أما لو بتتأسف على حاجة تانية، فده مش مقبول.
دي حياتك وأنت حر فيها، مش هاجي بعد العمر ده كله وأقول لك ده صح وده غلط. بتهيأ لي حضرتك كبير كفاية لتوجيه نفسك، مش محتاج حد يوجهك يا بشمهندس يوسف صقر الهواري. يوسف أغمض عينيه بحزن، فيبدو أن والده لن يسامحه بسهولة، ومازالت نظرات خيبة الأمل التي رآها في عينيه تؤلمه. يوسف بحزن: بابا أنا... قاطعه صقر بحزم: على مكتبك يا يوسف. فتقدم يوسف من والده وعانقه بقوة وهو يعتذر له.
انصدم صقر من فعلته، ود لو يبعده عنه، ولكن لانت ملامحه وضمه بحنان عندما شعر بدموعه التي يجاهد لكبتها. صقر بحنية وهو يربت على ظهره: أنت عارف إني مبقساش عليك غير لما بلاقيك ماشي في طريق غلط. انتوا ولادي وحتة مني، ومتمناش أبداً إني أدخل أوضة ابني في يوم ألاقي بالمنظر اللي شفتك فيه، شرب وسجاير وشبه مغمي عليك مش واعي لنفسك. تفتكر هبقى مبسوط وأشجعك وأقول لك برافو كمل؟
يوسف بخزي من نفسه: أنا آسف يا بابا، صدقني مكنتش في وعيي ولا عارف عملت كده إزاي. أبعده صقر عنه وتطلع له بابتسامة هادئة: عاوز وعد راجل لراجل، مهما واجهت في حياتك عمرك ما تلجأ لطريق حرام. نهايته أكيد هتكون غلط لأن بدايته كانت غلط. يوسف بابتسامة حزينة: أوعدك مش هتتكرر تاني. أومأ له صقر وجذبه ليجلس وجلس أمامه. توتر يوسف من نظرات صقر له.
بعد دقائق من نظرات صقر الماكرة ليوسف، تحدث أخيراً: كتب كتابك أنت وغرام مع ولاد عمك، زي ما هو، مفيش حاجة اتغيرت. انتفض يوسف كمن لدغته عقرب. فنظر له صقر بمكر وحاجب مرفوع. يوسف بتوتر: احم... بابا أنا يعني كنت بفكر... احم... كنت بفكر أأجل موضوع كتب الكتاب شوية. صقر بهدوء مخيف: والسبب؟ يوسف: يعني لحد ما أنا وغرام ناخد على بعض. فضحك صقر بسخرية: طب قول حاجة تتعقل. أمال لو مبتحبهاش من وهي لسه عيلة صغيرة كنت عملت إيه؟
كور يوسف قبضة يده بغضب من نفسه، وبألم يفتك بقلبه. فحبه واضح أمام الجميع وضوح الشمس، ولكنها الوحيدة التي لا تراه. ظل صقر يتابع انقباضات وجه ابنه من ضيق لحزن لغضب. يوسف بهدوء: بابا أنا وغرام منفعتش لبعض، فلاحسن إننا ننفصل دلوقتي. صقر بهدوء: وبعد ما تنفصل هتكمل حياتك وهتحب تاني وهتتجوز وهتشيل ولادك؟ ولا هتعيش على ذكرى جرحها ليك، وإن مفيش بنت هتقدر تاخد مكانها في قلبك؟
وهنعيش كلنا نفس اللي عشناه مع يزن، بس الاختلاف إنك عشقت، لكن يزن واهم نفسه بالعشق. صمت يوسف ولا يعرف ماذا يجب. صقر بهدوء: وصلتني إجابتك، بس يكون في علمك، أنت لو عملت كده يبقى دمرت نفسك ودمرت غرام، وعملت شرخ بيني وبين مازن. صحيح مش هنبعد وهنفضل عيلة، بس هيتجرح مني بسبب ابني اللي كسر قلب بنته. يوسف بصراخ: مش هكسر قلبها، لأنها مش عندها قلب أصلاً، مبتحسش. مهمتها تدوس على قلبي وبس. محبتنيش ولا هتحبني.
أنهى حديثه مع دخول غرام المكتب. التفت يوسف وتطلع لها بصدمة: ماذا تفعل هنا؟ صقر بمكر: تعالي يا غرام. دلفت غرام ونظرت ليوسف بعيون دامعة. تقدمت من صقر بابتسامة تجاهد لرسمها: حضرتك طلبتني يا عمو؟ قلقتني في حاجة؟ صقر بابتسامة: متقلقيش، أنا طلبت منك تيجي الشركة علشان حابب أتكلم معاكي شوية. أومأت غرام بتوتر وعينيها على يوسف الذي يبادلها النظرات هو الآخر.
أشاح يوسف وجه عن عينيها ونظر لصقر قائلاً: بابا هروح أنا أكمل شغلي وهبقى أجي لحضرتك وقت تاني. والتفت ليغادر، ولكن أوقفه صوت صقر قائلاً بحزم: يوسف استنى. توقف يوسف وأغمض عينيه بضيق، فهو علم ماذا ينوي والده، وهو ليس لديه قوة للحديث معها. صقر بحزم: اسمعوا انتوا الاتنين، شغل العيال ده ما يمشيش معايا. الشبكة وكتب الكتاب بعد أسبوعين. كاد أن يعترض يوسف، ولكنه توقف عندما رأى نظرات والده المحذرة له. صقر مكملاً
حديثه: أنا مش باخد رأيكم، وبعدين محدش فينا ضربكم على إيدكم وقال لكم اتجوزوا. أنت يا بشمهندس مش أنت اللي طلبت إيدها من عمك؟ ولا حد غصبك. ثم نظر لغرام مردفاً: وأنتي مش وافقتي عليه؟ إيه بقى حكايتكم؟
اسمعوا انتوا الاتنين، أنا عشت عمري كله أسس وابني في العيلة دي علشان نبقى جنب بعض وعيلة واحدة، ورفضت أي حد ياخد فيلا أو يسكن في مكان مستقل. إحنا اتربينا وكبرنا وإحنا مع بعض وفي بيت واحد، ومش هسمح لحد فيكم يهد اللي بنيته السنين دي كلها. غرام بتوتر: وإحنا عملنا إيه بس يا عمو؟ نظر لها صقر بسخرية: ده على أساس إن عمو ميعرفش لعبتكم العبيطة أنت وهو. أنا سبتكوا بمزاجي.
انتوا اللي بديتوا اللعبة دي وقلتوا إنكم بتحبوا بعض، وأنا اللي هحط لها النهاية، مش انتوا. نظر يوسف وغرام بصدمة: أحقاً يعلم بمخططاتهم وعمل خطبة مزيفة؟ صقر بثقة: متتصدموش قوي كده. أنا عرفت كويس إنكم متفقين تعملوا خطوبة وبعد فترة تفركشوا. وسبتكم بمزاجي، بس اللي متعرفوش بقى إن اللعبة اتقلبت حقيقة. مازالت الصدمة على وجوههم. صقر بمكر: أنا هسيبكم تتكلموا مع بعض وتنهوا شغل العيال ده.
واللي أقصدوا بكلامي إنكم تتصلحوا وتتكلموا، لكن كتب الكتاب في معاده. تركهم في صدمتهم وتحرك ليغادر مكتبه، ولكنه توقف قائلاً: المكتب عازل للصوت، ولعوا في بعض، بس لو قلم واحد اتكسر أو ورقة وقعت على الأرض، انتوا اللي هتنضفوه. أنهى كلامه وهو ينظر ليوسف بتحذير، ثم غادر وأغلق خلفه الباب. ساد الصمت بينهم. توترت غرام وأخذت تفرك يديها بارتباك من هدوئه، ولكنها لا تعلم بأنه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
تقدمت غرام بتوتر ووضعت يدها المرتجفة على كتفه بحذر، قائلة بخفوت: ي... يوسف. التفت لها بعيون حمراء تشبه الجحيم. شهقت بفزع من هيئته. صرخ بها يوسف: ابعدي بقى يا غرام! ابعدي! أنتِ عاوزة مني إيه تاني؟ صرخت غرام بخوف ووضعت يدها على وجهها وهي تبكي بحرقة وجسدها ينتفض بقوة. تألم يوسف عندما رأى رعبها منه. أمسك كوب الماء الموضوع على المكتب وضغط عليه بقوة، ثم ضربه في المكتب فتهشم لقطع زجاج صغيرة، ولكنها جرحته ونزفت يده بقوة.
فزعت غرام من الصوت ورفعت يدها عن وجهها، رأته يمسك بيده ويديه تنزف بغزارة. ركضت له بزعر واضح على ملامحها وأمسكت يده وهي تبكي بقوة وتعالت شهقاتها، وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة. غرام بوجه شاب يميل للزرقة ولا تستطيع أن تأخذ أنفاسها: ي... يوسف... ايدك... تطلع لها يوسف بزعر ورعب من هيئته، ووضع يده الأخرى على وجنتيها قائلاً بقلق: غرام، اهدي، خدي نفسك واهدي. غرام باختناق: إيه... إيه ده؟ ايدك بت... بتنزف. صرخ بها يوسف
وضمها له بقوة ورعب تملكه: هششش يا قلبي، اهدي، أنا كويس. خدي نفسك عشان خاطري يا غرام، اهدي وخدي نفسك. استكانت بين أحضانه وشعر هو بهدوئها، وأخذت أنفاسها تهدأ شيئاً فشيئاً. ظل يمسد على حجابها ويطمئنها بحديثه حتى اختفت شهقاتها. يوسف بحنان وهو يحاول أن يبتعد عنها: انتي كويسة؟ شعرت به يبتعد عن أحضانها، فتشبثت به أكثر وأخذت تبكي بقوة. أغمض يوسف عينيه.
بألم يحاول تهدأتها ولكنها تزيد من احتضانها له كأنه طوق نجاتها وتقبض على قميصه بقوة بيديها الاثنتين. يوسف بقلق: غرام اهدي، أنا جنبك، عشان خاطري متقلقنيش عليكي وتوجعي قلبي، ردي عليا، انتي كويسة. حركت رأسها بإيجاب وهي ما زالت تدفن رأسها في صدره وتعانقه بقوة، خرج صوتها أخيرًا قائلة بخفوت: متبعدنيش عنك يا يوسف، صدقني هموت لو بعدتني عنك.
والله بحبك، أنا مش بس بحبك، أنا عشقتك يا يوسف، عرفت الحب والعشق على إيدك، عرفت إن مشاعري تجاه أدهم عمرها ما كانت ولا هتكون غير مشاعر أخوة وصديق طفولة، أنا حسيت بوجع القلب وكسرته لما بعدت عني، لما مصدقتش حبي. أنهت كلامها وأجهشت في بكاء مرير. ربت الآخر على خصلاتها بألم وغصة في قلبه، لا يعلم أيسعد لحديثها أم ماذا. وظل سؤال واحد عالقًا في ذهنه: أحقا تبادله الحب؟ أحقا تحبه كما يعشقها؟
أبعدت غرام نفسها عنه قليلاً، ولكنها ما زالت متشبثة به. نظرت في عينيه بعيون دامعة وأنف ووجنتين حمراء، قائلة بصدق: بحبك وعمري ما عرفت كلمة حب غير في وجودك، والله بحبك. ابتسم لها يوسف ورفع يده يزيل دموعها قائلاً بمرح: طب خلاص، مصدق والله، بس سيبيني انتي قفشة حرامي غسيل كده يا غرام. ضحكت من بين دموعها، وشرد هو بضحكتها. هدأت غرام وتطلعت له، وجدته يتأملها بحب وعشق دفين ممزوج ببعض الألم.
غرام بصدق: ادي فرصة يا يوسف، فرصة لينا احنا الاتنين نبدأ من جديد وننسى أي حاجة فاتت، فرصة أثبت لك حبي ليك. ثم وضعت يدها على قلبه، وجدته يضرب بعنف. قائلة: اديني فرصة أداوي قلبك، وحول حزنه لسعادة، القلب دا ميستاهلش غير الحب والسعادة يا يوسف، كفاياه حزن.
أسند يوسف جبينه على جبينها وتنهد قائلاً: الفرصة دي هديها لنفسي قبل ما أدهالك يا غرام، هحاول أنسى وأبدأ معاكي من جديد زي ما قولتي، بس صدقيني، دا لو اتكسر تاني عمره ما هيرجع يدق. أنهى حديثه وهو يضغط بيده على يدها الموضوعة على قلبه. ابتسمت من بين دموعها قائلة: أنا خسرته مرة ورجعلي تاني، مستحيل أضيعه من إيدي يا يوسف. (تقصد قلبه) ابتسم لها وأبعد جبينه عن جبينها. كادت غرام أن تتحدث، ولكنها انتبهت ليده، فشهق بفزع.
يوسف بخضة: في إيه تاني، يخربيتك. غرام بدموع تتجدد في عينيها: ا... ايدك، أديك يا يوسف. تطلع يوسف ليده، ثم نظر لها قائلاً: متقلقيش، جرح بسيط. حركت رأسها بنفي وجذبته من يده وجلسته على الكرسي. ثم دلفت للحمام الموجود بغرفة المكتب وجلبت علبة الإسعافات الأولية. وجلست أمامه تضمض له جرحه بعيون تتألم وكأنها هي من جرحت. ظل يتأملها بحب حتى قطع لحظتهم دخول صقر. نظر له الاثنين بتوتر، ثم نظر بعضهم لبعض. صقر بقلق: ايدك مالها.
يوسف بحرج: متقلقش حضرتك، جرح بسيط. عاد الجمود مرة أخرى لملامح وجهه، وألقى نظرة خاطفة على المكتب، وجد الزجاج المكسور والمبعثر على المكتب والأرضية، وبعض قطرات الدماء. وذلك الملف الذي أعطاه له يوسف غارق بالماء. صقر بنظرة لا تحتمل النقاش: المكتب يتنظف، والملف يتكتب من أول وجديد، وييجيلي قدامك ساعة. نظر له يوسف بعدم فهم، ولكن سرعان ما جحظت عيناه بصدمة عندما رأى الماء المسكوب عليه مما أدى إلى اتلافه.
أعاد يوسف نظره لوالده، ولكنه لم يجده. ظفر بضيق وألم في يده أثر الزجاج. غرام بتوتر: هتعمل إيه. يوسف بتعب: مش عارف، ايدي تعباني، مش هقدر أكتبه تاني، ولو قدرت، مستحيل يخلص في ساعة. غرام بقلق: ايدك تعباك إزاي، قوم نروح لدكتور يشوفها. يوسف بابتسامة: متقلقيش، دا عادي مكان الإزاز اللي دخل فيها. فأخفضت نظره بحزن. رفع يوسف وجهها مرة أخرى بأنامله قائلاً: أنا كويس، قومي نكلم حد يجي ينضف الدنيا واحنا نشوف هنهبب إيه في الملف.
ضحكت بخفة. اتصل يوسف بسكرتير والده قائلاً: عادل، ابعتلي أي عامل المكتب ينضفه. عادل باحترام: تحت أمرك يا فندم. دقائق ودلف العامل، نظف المكتب جدياً من الزجاج المنثور وقطرات الدماء، وخرج. دلف صقر قائلاً: خد الملف واتفضل انت وهي بره، وساعة ويكون الملف قدامي. تناوله يوسف من يده وخرج لمكتبه وبجانبه غرام. في الڤيلا. يجلس ياسين ينتظر صغيرته ليخرج معها أخيرًا بمفردهم.
هبطت مليكة الدرج وهي ترتدي بنطال واسع باللون الأبيض وقميص باللون الأسود وحجاب أبيض. تطلع ياسين لحريتها وهي تهبط الدرج بعشق، وابتسم عندما علم لماذا أصرت عليه أن يرتدي بنطال أسود وقميص أبيض. ياسين بابتسامة حالمة: جاهزة. أومأت له بفرح. فطبع قبلة على جدها برقة وابتعد ليرى وجهها الذي كساه اللون الأحمر من شدة خجلها، فضحك بقوة قائلاً: يلا بينا. أمسك يدها بتملك وخرج ليفتح لها باب السيارة لتصعد مليكة بسعادة وحماس.
ابتسم الآخر عليها، ثم صعد بجانبه مكان السائق وانطلق لوجهتهم. كانت كيان ما زالت تجلس في حديقة الڤيلا. تبكي بصمت، فهي لا تحب أن يغضب ليث منها، ولكنها في حيرة من أمرها، لا تعرف أقربهم من بعض هكذا صحيح أم لا، فهي بقربه تنسى كل شيء ولا ترى سوى حبيبها وعشقها الأوحد. قاطع شرودها والدتها وهي تجلس بجانبها على الأرجوحة. فرح بابتسامة هادئة: حبيبت ماما بتفكر في إيه. انتبهت لها كيان وعانقتها بحب.
ضمتها فرح لقلبها قائلة: حبك تتكلمي. هزت كيان رأسها بإيجاب. فرح: سمعاكي يا حبيبتي. تنهدت كيان قائلة: ليث زعلان مني جامد ومش هيتصالح بسهولة. فرح: قبل ما أعرف السبب إيه ومين غلطان، اعرفي إنه بيعشقك مش بس بيحبك يا كوكي، فأكيد هيتصالح وهينسى زعله، بس انتي مستغليش حبه ليكي ومتعمليش حساب لزعله. كيان وهي
ما زالت في حضن والدتها: وأنا كمان يا ماما والله بحبه، بس محتارة، ونظرات بابا لينا الصبح ضيقتني، حسيت إني بعمل حاجة غلط أو مش عاملاله حساب. فرح بهدوء: وإيه سبب زعل ليث منك. كيان بخجل: ا... اصل ه... هو يعني. ضحكت فرح قائلة: إيه، انتي هتقطعي ولا إيه. ضحكت كيان بخجل قائلة: بسني قبل ما يمشي الشغل من خدي وأنا زعقتله، بس كان غصب عني، وكنت عمالة أفكر قربي منه دا صح ولا غلط.
فرح بهدوء: بصي يا حبيبتي، ليث دلوقتي جوزك، يعني ليه عليكي حقوق فيما يخص كتب الكتاب، وطبعًا دا لو فيه إشهار، لأن أساس الجواز الإشهار. اعتدلت كيان ونظرت لوالدتها بتركيز: يعني مش حرام يحضني. ضحكت فرح قائلة: حبيبتي، كلمة حرام دي كبيرة قوي. بصي، عادي إنه يحضنك ويبوسك كمان، تكونو في مكان مع نفسكم، مفيهاش حاجة، لأنه زوجك، عدا إن يتمم الزواج دا، لازم بعد الفرح. فهمتيني. كيان بخجل: احم، فهمت.
ضحكت فرح عليها قائلة: دا من حقكم إنكم تقعدوا مع بعض، بس يفضل مش كتير، عشان برضه انتو شباب، ولما بيكون فيه حب متبادل مبتحسوش انتو بتعملوا إيه. شردت كيان عندما كانت في غرفته صباحاً وحلقت له ذقنه. ثم تنهدت قائلة: ليث عمره ما تعدى حدود معايا يا ماما.
فرح بابتسامة: واحنا عارفين دا، الفكرة كلها إن مالك غيران عليكي، فحولي تقدري دا، ومتقعدوش في الأوضة كتير، اقعدوا في الجنينة قدامنا، اخرجوا مع بعض عادي، بس بلاش مكان مقفول عليكو، فهماني. حركت كيان رأسها بإيجاب. أكملت فرح حديثها: وصالحي ليث، لأن اللي عملتيه غلط، هو يفضل بعد ما تعملوا الفرح، بس برضه مش عيب ولا حرام، ورفضك ليه بالطريقة دي ممكن تجرحه، خصوصاً إنك مش وضحتيله سبب رفضك. أومأت كيان وعانقت والدتها بحب.
عند يوسف في مكتبه، جلس وهو يمسك رأسه بقوة، يشعر بألم قوي وكأن رأسه ستنفجر. لاحظته غرام فاقتربت من مكتبه بقلق: يوسف، انت كويس. يوسف بتعب: صداع رهيب، مش قادر أركز، بقالي 3 ساعات شغال على الملف ومشربتش قهوة، وحاسس إن راسي هتنفجر. غرام: طيب ارتاح شوية عشان ايدك، وأنا هعملك قهوتك، هتخفف الصداع شوية، وهاجي أكتب أنا الملف من تاني. خرجت قبل أن يرد عليها.
شرد يوسف في أثرها وتنهد بحيرة، لا يعرف ما هي خطوته القادمة تجاه علاقتهم. في سيارة ياسين. ياسين بحب: ها يا ستي، حبة تروحي فين. مليكة بسعادة: أولاً كدا عايزة أعمل شوبينج وأجيب لبس كتير، وانت اللي تختاره معايا، وبعدين عايزة أدخل سينما وآكل آيس كريم ودرة مشوي وحمص الشام وغزل بنات، وكمان نتغدا في مطعم رومانسي مع بعض. ياسين بمرح: هو بعد كل اللي قولتيه دا، هتتغدي كمان.
مليكة بتزمر طفولي: انت هتعد عليا من أولها، خلاص مش عايزة حاجة. نظر لها ياسين بعشق وقبل يدها بحب قائلاً: أنا أجيبلك النجوم لو تحبي، مش غزل بنات وآيس كريم، أنا وكل ما أملك ملك يا مليكة قلبي. خجلت مليكة وتوردت وجنتيها. ضحك ياسين قائلاً: إيه، صوتك اختفى، راح فين، مش هتكملي طلباتك. تذكرت مليكة وأكملت طلباتها، وانتهت بالملاهي. ياسين باعتراض: بصي، تشتري تجيبي لبس، تركبي فلوكة في النيل، كل دا عيوني، لكن ملاهي، أنسي يا مليكة.
مليكة بإصرار: لأ يا ياسين، أنا عايزة أروح ملاهي، نفسي أروحها معاك، عشان خاطري، نبي وافق. ياسين بتنهد: حبيبي، خاطرك غالي عندي، بس أنا مليش في جو الملاهي والتنطيط، وبعدين مش هودي مراتي ملاهي تتنطط والناس تتفرج عليها. مليكة بدموع: كل الناس بتروح وبتلعب، محدش فاضي يبص على حد، وبعدين انت هتكون معايا. أوقف ياسين السيارة بصدمة عندما رأى دموعها، قائلاً: انتي بتعيطي عشان ملاهي يا مليكة.
مليكة وهي تمسح دموعها: أنا عايزة أروح، وإلا مش هروح في مكان، ورجعني الڤيلا. سحبها ياسين لتجلس على قدمه، فشهقت مليكة من فعلته. ياسين بهدوء وهو يمسح دموعها: نهايكي عن أسلوب الأمر اللي بتتكلمي بيه، بس مقدرش أشوف دموع حبيبتي. خجلت مليكة وعانقته بحب: أنا آسفة، مقصدش أعلي صوتي ولا أتكلم كدا. أبعدها ياسين بخفة قائلاً بحب: حبيبي يقول اللي نفسه فيه. ابتسمت مليكة. ولكنها كشرت وجهها بتذمر عندما سمعت نهاية حديثه.
ياسين بمرح: بس متتخديش عليها، عشان ممكن أقلب في ثانية. ضحكت بقوة على تبدل ملامحها. تحرك مرة أخرى، وبعد مدة توقف أمام مول كبير، هبط من سيارته بطلته الجذابة، التفت لها وفتح لها الباب، وأمسك يدها بحب، خرجت مليكة من السيارة بسعادة وتشويق لتحقيق ما تمنته في خيالها معه هو فقط. وضح يدها بيده، فتعلق به مليكة بسعادة، ابتسم لسعادتها ودلفوا للداخل. ظلت مليكة تتنقل من محل لآخر وبجانبها حب طفولتها.
أمسكت فستان ضيق من الصدر للقدم، ولكنه جميل. ياسين ببرود: حطيه مكانه أحسن لك. مليكة بتمزمر: جميل يا ياسين. ياسين بهدوء: مليكة حبيبتي، متدوريش على النكد، يا روحي، يعني إحنا خرجين مع بعض ومبسوطين وتمام، متتكدبيش بقى. مليكة بزعل: يعني عشان عجبني الفستان دا أبقى نكدية. جز ياسين على أسنانه قائلاً بابتسامة مصطنعة: حبيبي، انتي محجبة، ودا ضيق، مينفعش حجاب على حاجة تفصل الجسم. كادت أن تتحدث. قاطعه ياسين بحزم: مليكة، انتهينا.
صمت، وأخذت تبحث عن شيء آخر. تقدم منها ياسين بحب وهو يعطيها فستان رقيق وغاية في الجمال باللون اللافندر بأكمام طويلة وضيق من الخصر وينزل بابتسامة يتوسطه حزام أبيض. قائلاً: دا هيبقى تحفة لو لبستيه. ابتسمت بحب ودلفت لغرفة القياس، بعد دقائق خرجت وهي تدور حول نفسها، فكانت خلابة كالحورية، سحرت ذلك العاشق بجمالها. مليكة بسعادة: ذوقك جميل. تقدم منها ياسين بحب مقبلاً وجنتيها هامساً لها: عشان اخترتك في حياتي.
خجلت مليكة بشدة منه. ظلوا يتنقلون بسعادة ويجلب لها كل ما تطلبه، وبعد ساعتين من التسوق، وقف ياسين بتعب قائلاً: كفاية يا مليكة، أنا تعبت ومعنتش قادر أتحرك ولا أشيل شنط تاني. التفتت له مليكة، وجدت عينيه تظهر بصعوبة من كثر ما يحمله في يده، ضحكت بقوة عليه. تزمر ياسين وأوقع جميع ما يحمله في الأرض. قائلاً بسخط: بتضحكي، اضحكي براحتك بقى، مش هشيل ولا هتحرك من مكاني. ضحكت مليكة بقوة واقتربت منه قائلة بحب: خلاص والله، آخر محل.
ياسين بحزم: ولا كلمة، قدامي على العربية، بدل ما أشيلك وأسيب الشنط دي كلها وأمشي. ازدادت ضحكاتها قائلة: وعد والله، آخر محل، يلا بينا. تنهد بقلة حيلة وحمل الشنط مرة أخرى ودلف خلفها. نظر باستغراب، ماذا تفعل في محل رجالي. ياسين باستغراب: انتي بتعملي إيه، دا رجالي. مليكة بحب: عارفة يا حبيبي، عايزة أنقي لك على ذوقي. ابتسم لها ياسين وظل يتأملها.
جاء صاحب المحل مرحباً بياسين قائلاً: باشمهندس ياسين، نورت المحل، اتفضل، تحت أمرك. ياسين بمجاملة: المحل منور بأصحابه يا جو. ابتسم له بهدوء قائلاً: حضرتك لو معاك عربيتك بره، هخلي حد يطلعلك الشنط دي فيها. ياسين بامتنان: اااه، معايا، شكراً يا جو. جو وهو ينادي لعاملين: ولو يا باشمهندس، تحت أمرك. ياسين وهو يعطيهم مفتاح السيارة والحقائب: الأمر لله. أخذ العاملان جميع الشنط وخرجوا بها للسيارة. تقدم ياسين من تلك الحائرة.
ياسين بابتسامة: تحبي أساعدك. التفتت له مليكة قائلة: لأ، هتختار، يا أسود يا أبيض يا أزرق. ضحك ياسين عليها قائلاً: دا أكيد، عشان مبحبش الألوان. مليكة بتزمر وهي تمسك قميص باللون النبيتي الغامق: وفين التغيير بقى، كل هدوم غوامق، جرب دا. ياسين ببرود: متحلميش. مليكة: طيب يا حبيبي، جربوه، هتخسر إيه، والله هتحبه. ياسين بهدوء: حبيبي، مبحبش الألوان دي ومش هعرف ألبسها. وضعته مليكة بضيق وكادت أن تخرج.
أمسكها ياسين من يدها قائلاً: مش ملاحظة إن كل ما أقولك على حاجة لأ، بتزعلي وتلوّي بوزك. مليكة بتزمر: ألوّي بوزي يا ياسين. ضحك بقوة عليها قائلاً: آآه، البوز دا يا قلب ياسين، اللي بتصدريه أول ما يشم ريحة لأ في الموضوع. ابتسمت مليكة قائلة: لأ، مش بزعل من حبيبي، بس بدلع عليه، ينفع. ياسين بحب: ينفع قوي، بس بلاش دلع هنا، عشان ممكن أرزعك بوسة عادي جداً. ضحكت بقوة عليه. طبع قبلة على جبينها بسرعة قائلاً: هقيس القميص.
مليكة بحب: لأ، لو مش حابب خلاص، هنشوف لون تاني انت بتحبه. ياسين بحب: هلبسه عشان اختيارك. مليكة بسعادة: أشطا، وهيلبق عليه بنطلون بيج. ياسين ببرود: أسود. مليكة: بس مش هيلبق. ياسين: الأسود يا روحي، عشان لو عايزاني آخد القميص، ماشي. ضحكت مليكة: لأ، خلاص، أسود أسود. ارتدى ياسين القميص والبنطال الأسود وخرج لها، شردت الأخرى به، فكان مثالاً للوسامة والجاذبية، رأت إحدى الفتيات تطلّع له بإعجاب. احمرت عيناه قائلاً
بضيق: مش حلو، أدخل غيره. ضحك ياسين عليها بقوة عندما رأى نظراتها لتلك الفتاة. مليكة بضيق عندما رأت تلك الفتاة تهيم في ابتسامته: ياسين، متضحكش. انقطعت أنفاسه من كثرة الضحك على هيئته وكأنها مستعدة للهجوم. مليكة بتزمر: هو أنا بقولك اضحك. ضمها ياسين بحب قائلاً: يسلملي هالغيران. مليكة بغيرة: بتطلع ضحك ياسين المقشفة دي بتبص عليك. ضحك ببوة أكبر، لا يستطيع أن يمنع نفسه، وزادت الأخرى من تذمرها.
قبل ياسين خدها بحب قائلاً: اللي يبص يبص، المهم أنا شايف مين. ابتسمت له بخجل قائلة: طب ابعد، الناس بتبص علينا. ياسين بحب: ميهمنيش غيرك. ابتسمت بخجل. فتحدث ياسين: عجبني الطقم، هناخده. أومات له ودلف ليبدل ملابسه، بينما هي ظلت تنظر لتلك الفتاة التي تشبه البلايتشو بنظرات نارية. خرج ياسين، ضمها من كتفها لقلبه، ودفع الحساب وغادروا المحل. مليكة: ياسين. ياسين بحب: عيونه. مليكة بابتسامة: جعانة.
ابتسم الآخر قائلاً: وأنا كمان، تعالي نتغدا. أخذها وذهب لأحد المطاعم الفاخرة. تناولوا طعامهم في جو يملؤه السعادة والحب، ولا مانع ببعض الخجل الذي شعرت به مليكة من إصراره على إطعامها بيده، ظلت تتأمله بعشق وكأنها تقنع نفسها أن ما تعيشه حقيقة ملموسة وليس وهماً. انتهوا من طعامهم وخرجوا بسعادة وحب، وكل منهم يحتضن يد الآخر بتملك.
أخذها ياسين ودلفوا لإحدى السينمات، وجلب لها كل ما تطلبه من فشار وشوكولاتة، وظل يتأملها بسعادة وهي مندمجة مع أحد الأفلام الرومانسية التي تعرض أمامها. ضمها لقلبه بحب، ينعم بدفئها، فاحتضنته الأخرى بقوة، وظلوا على تلك الوضعية حتى انتهى الفيلم. في الشركة. دلت غرام وهي تحمل في يدها فنجان القهوة، وضعته أمامه بحرص. وأخذت من يده القلم والملف من أمامه. يوسف باستغراب: بتعملي إيه، لازم أخلصه.
غرام بحب: ايدك مجروحة ومنتاش قادر تكتب، اشرب قهوتك وأنا هكتبهم مكانك. يوسف بابتسامة: هتتعبي. غرام بصدق وهي تنظر لعينيه بقوة: مستعدة أتعب عمري كله بس تكون جنبي. بادلها يوسف نظرتها قائلاً: وطول ما أنا جنبك، مش هسمح لحاجة تتعبك. ابتسمت غرام بخجل وجلست أمامه على الأريكة الجلدية، ووضعت الملف أمامها على تلك الطاولة، وأخذت تنقله للملف الآخر. ظل يوسف يتأملها بعشق لن يختفي مهما حدث، وهو يرتشف قهوته باستمتاع.
عند ياسين، ظلوا يتنقلون بالسيارة وسط ضحكها وحديثها غير المهم الذي لا ينتهي، ولكنه يستمعها باهتمام وحب كبير. مليكة بخجل: هتفضل كدا على طول وعمرك ما هتمل مني. ياسين بحب: معقول أمل من وجودك جنبي وضحكتك اللي بتجنني وصوتك اللي كفيل يرسم البسمة على وشي أول ما أسمعه. مليكة بحب: بس أنا بقالي ساعة بقول أي كلام فاضي وانت بتسمعني بشغف واهتمام كأني بتكلم في حاجة مهمة. ياسين: وأنا معنديش أهم منك عشان أسمعه بشغف أو أهتم لكلامه.
عانقته بحب قائلة: ربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك أبداً يا ياسين. ياسين بحب: ولا يحرمني منك يا قلب ياسين. أنهت غرام كتابة الملف وفرت يدها بتعب، ونظرت له، ووجدته ما زال يتأملها منذ أن جلست. ابتسمت بخجل قائلة: خ... خلصت. وقع يوسف وتقدم منها وأمسك يدها وقبلها بحب: تسلم إيدك. خجلت غرام قائلة: هتوديه لعمو صقر. دخل صقر عليهم قائلاً بسخرية: لا، عمو صقر بنفسه هنا، يا عصافير الحب. خجلت غرام، وحمحم يوسف بحرج وابتعد عنها قليلاً.
أكمل صقر قائلاً: يوسف، روح لدكتور يشوف ايدك وخد غرام وصلها. غرام: معايا العربية بتاعتي يا عمو. صقر: بعتها مع السواق: يلا يا يوسف ومن غير اعتراض، خلي الدكتور يشوف ايدك. أومأ له يوسف قائلاً: حاضر يا بابا. ثم أخذ غرام وغادر الشركة. عند بدر، كان يصرخ بضيق: متركز معايا يا حيوان انت. حازم بتزمر: الله، منا مركز أهو، انت اللي غبي ومش عارف تشرح. وقف بدر وأمسكه من ياقته بغضب قائلاً: أنا غبي يا حيوان.
تصدق بالله، أنا طالع عيني من الصبح ومخنوق، وختمته بيك، أدربك، هطلع على جتك القديم والجديد يا حازم الكلب. وأخذ يسدد له اللكمات. صرخ حازم بألم وهو يستنجد بأحد. دلف أدهم على صوت صراخ حازم، وجد بدر يلكمه بقوة. أدهم وهو يركض لفصل بينهم: فيه إيه يا بدر، اهدي. بدر بصراخ: ابعد يا أدهم، أما أخلي الحيوان دا يشوف مني الغبي. أدهم وهو يبعده عن حازم الذي يتأوه بألم وهو ممد على الأرض. بدر بضيق: شيل الحيوان دا من قدامي.
دلت ليان بسرعة، وجدت حازم ممدد على الأرض ووجهه ينزف. ركدت له وعيناها مملوءة بالدموع قائلة بصوت مخنوق: حازم، انت كويس. حازم بهيام: بقيت كويس لما شفتك. صرخ بألم عندما ركله بدر في قدمه قائلاً: انت لسه هتسبلها، قوم يلا. وقف حازم بألم وليان تسنده: آآه، براحة يا طور، انت كسرتني. اندفع له بدر ليهجم عليه مرة أخرى، ولكن أمسكه أدهم قائلاً: اجري يا حيوان من قدامه قبل ما يفلت من إيدي. ركد حازم هو وليان للخارج.
أدهم وهو يهدأ في بدر: يا عم، اقعد بقى، فرهدتني. بدر بغضب: مهو كله منك، انتي اللي حشتني على الحيوان دا. أدهم بملل: انتو مش هتبطلو بقى، أنا تعبت. بدر وهو يجلس بضيق: مهو اللي بيستفزني غبي. أدهم بزهق: هبل إيه المراضي. بدر: الغبي، بقالي ساعتين بفهمه وماشي معاه خطوة خطوة، وهو زي الحمار عمال يهز راسه إنه فاهم وخلاص، بسألوا في اللي شرحته يقولي مفهمتش. واني أنا اللي غبي ومش عارف أفهمه. ضحك أدهم عليه بقوة. فزفر بدر بضيق.
أدهم بضحك: واضح إن صقر باشا مش راضي عنك، لدرجة إنه مش مكتفي بالشغل اللي معاك، لأ، بعتلك حازم تدربه. بدر بغيظ: أنا هفرف يا أخي، أنا مدبس هنا، وسي ياسين مقضيها مع ست مليكة. ضحك أدهم بقوة، وشاركه بدر الضحك بقلة حيلة. حازم وهو يمشي بجانب ليان ويتألم قائلاً: آآه، إيده تقيلة، الله يخربيتك يا بدر الزفت. ليان بقلق: انت عملت إيه، خلاك خرشمك كدا. حازم بقرف: خرشمك، غوري، تهدي في لفظك. ضحكت ليان بقوة عليه. أوقفها حازم قائلاً
بمكر: سيبك من اللي عمله، قوليلي، انتي خوفتي عليا بجد. كادت ليان أن تجيبه، ولكنها نظرت خلفه بصدمة وتوتر. حازم باستغراب: انتي بلمتي كدا ليه، متردي. أتاه صوته هلاكه من خلفه. تحدث صقر قائلاً: متقلقش، هخليها تخاف عليك لما أربطك على السرير في المستشفى، وخلي الدكاترة مهياش لقيه فيك حتى سليمة، لو مخفتش من قدامي دلوقتي يا حازم. سحب حازم يد ليان وأخذها وركض للخارج ما إن أنهى صقر حديثه. زفر صقر بضيق قائلاً: شوية أغبياء.
ودلف لمكتبه. عاد يوسف وغرام للبيت بعد أن طمأنه الطبيب أن يده بخير وستلتأم جروحه مع الوقت، وأعطاه بعض المراهم ليده. انقضى النهار سريعاً وحل الليل على الجميع. وقفت سيارة ياسين أمام الڤلا. تحدثت مليكة بتعب قائلة: باااس، الله يسيّسك، نزلني هنا. ضحك ياسين عليها بقوة قائلاً: إيه، مكنتي زي القرود من شوية، وعمالة تتنططي زي الأطفال من اللعبة دي للعبه دي. مليكة بمرح: وأنا أقول اللي جرالي فجأة، اتقطعت عيني.
ضحك ياسين بقوة وكادت أن تنقطع أنفاسه. شردت مليكة في ابتسامته. فانتبه لها ياسين غامزاً لها: حلو، مش كدا. ردت له مليكة الغمزة قائلة: هو فيه فـ حلوتك. ضحك ياسين عليها بشدة قائلاً: إيه دا، ما شاء الله، بقينا بنعرف نرد أهو، ومنقلبش طماطم. ضحكت مليكة بحب وهي تجاهد لتداري خجلها: عادي، جوزي وأتغزل فيه براحتي. قبّله ياسين بحب وعشق، فوضعت الأخرى يدها حول رقبته بخجل وبادلته بحب.
ابتعد عنها بعد فترة وهو يغمض عينيه بحب ويضع جبينه على جبينها قائلاً: بحبك. خفق قلبها بشدة قائلة: وأنا بموت فيك. ابتعد عنها بصعوبة قائلاً: طب انزلي دلوقتي، لو خايفة على نفسك. فهمت مليكة قصده وركضت للداخل. ضحك ياسين عليها ودلف خلفها، وجد الجميع يجلس ويضحكون بسعادة، توقفت مليكة عن الركض، فلحقها ياسين وأمسك يدها وتقدم معها للداخل. نظرت له بخجل وتحركت معه. نور بسعادة: حمد الله على السلامة يا حبايب قلبي.
اقتربت مليكة وعانقت والدتها بعد أن حيّت الجميع هي وياسين. جلس ياسين ينظر لها بحب. فلاحظ نظرات صقر له، فحمحم بحرج. ابتسم صقر عليه، فهو عاشق يستطيع أن يرى نظرات العشق لابنته في عينيه. بدر بضيق: مرحباً بعريس الغفلة. نظر له ياسين باستفزاز قائلاً: عقبالك. ضحك الجميع عليهم. جلسوا يتحدثون بسعادة، ولا يخلو حديثهم من استفزاز ياسين لبدر وتذمر بدر منه.
كان الجميع موجوداً باستثناء يزن وليث، وكيان كانت تجلس في الحديقة تنتظر عودته. صقر لـ ليل: شمس مالها يا ليل. تحدثت ليلي باحترام: مش عارفة والله يا عمو، رفضت تقولي حاجة واتهربت من أسئلتي، مش عارفة، حاسة إنها مخبية عني حاجة. صقر بغموض: إن شاء الله خير. فتحدث فهد مطمئناً لها: متقلقيش، هي كويسة، بس كل الحكاية خايفة على ولدك ومتعلقة بيه جامد. أومأت لهم ليلي بتعب، لاحظه تيام. فمال عليه قائلاً: مالك يا حبيبتي، انتي كويسة.
ليل: مرهقة شوية من القعدة طول النهار في المستشفى. فوقف تيام وأوقفها معه قائلاً: عن إذنكم، إحنا نطلع نرتاح عشان ليل تعبت من القعدة في المستشفى. فرح بحب: اطلع يا حبيبي، خلي مراتك ترتاح. صعد تيا وليلى لغرفتهم. وبقي الجميع بالأسفل. سمعت صوت سيارته، فنهضت من على الأرجوحة، وجدته يدخل بطالته الخاطفة للأنفاس، رغم هيئته غير المهندمة وآثار التعب واضح عليه. توقف عن السير عندما استمع لصوته المخنوق بالدموع.
كيان بدموع تهدد للنزول: ل... ليث.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!