كان يتابع بعض أعماله وهو منهمك، وعندما سمع جملة أخاه، ترك ما بيده ونظر له يتفحصه، فهو يعلم طبيعة أخاه الأصغر، وأن طلبه هذا لن يكون سوى نزوة يريد أن يمر بها مع إحداهما، عندما وجد أن الحل الأمثل معها هو الارتباط. أدهم بهدوء: "ياترى مين اللي قدرت تخلي إياد باشا عايز يرتبط؟ إياد: "في إيه يا أدهم، مالك بتكلمني كده؟ بدل ما تفرح لي؟ أدهم بتهكم: "أفرح لك؟
طب قولي إزاي أفرح وأنا عارفك، ممكن بكرة تيجي تقولي لأ خلاص صرفت نظر عن الموضوع، أصلها مش عاجباني إيه يا إياد، ده انت أخويا وأنا أكتر واحد عارفك." إياد: "لأ، متقلقش، المرة دي بجد." نظر له ليتأمله قليلاً، وبهدوئه المعتاد. أدهم: "ومين بقي هتكون سعيدة الحظ؟ إياد بابتسامة واسعة: "شاهي أسعد، بنت أسعد مرتضى." أدهم بهدوء: "ممممم، تمام."
نظر إياد لأخاه، وهو يعلم أن أخاه عندما علم بمكانة والدها، فلن يعترض، فهو يعلم بأن أخاه سوف يعقد بعض الصفقات معه، وهذه هي فرصته لتزيد العلاقات بينهم بارتباط أخاه بابنة أسعد مرتضى. ***
حالة من الهدوء أصبحت تسري على أبطالنا، وكل منهم يسير في حياته المعتادة، ولكن ما حدث في تلك الأيام هو ارتباط إياد بشاهي، الذي أحدث ضجة في عالم الصحافة والبيزنس. كانت حفلة الخطبة على أعلى مستوى، يحضرها أكبر رجال الأعمال وأهم فئات البلد. كان أدهم سعيداً جداً بذلك الارتباط، وأيضاً والد شاهي لما بينهم من صفقات. عزت بابتسامة: "إمتى هفرح بيك يا أدهم؟
نظر له أدهم ببرود وقال: "المهم انت تفرح بنفسك وتبقى مبسوط، متشغلش بالك بيا." عزت بأسى: "هتفضل تكرهني لحد إمتى يا ابني؟ نظر له أدهم بتهكم ثم رحل، ليتابع مقابلة ضيوفه. كان عزت ما زال واقفاً، وهو ينظر على ابنه الأكبر ويتذكر. (فلاش باك) "يا شيخ حرام عليك، أنا تعبت، كل يوم في حضن واحدة شكل، وكنت بقول مش مهم مادام بعيد عن بيتي وولادي. كمان أرجع ألاقيكم أنا وابنك وانت مع واحدة وفي بيتي، منك لله يا شيخ."
عزت ببرود وهو يهم ليضربها: "والله أنا حر أعمل اللي أعمله، وكفاية قوي عليكِ العز اللي عايشّاكاه والفقر اللي نجّتك منه انتي وأهلك." ليلي ببكاء: "انت بتعيرني يا عزت؟ عزت ببرود: "لأ، مش بعايرك، بس بفكرك عشان تعرفي بس خيري عليكي وعلى أهلك يا هانم." اقترب منها ببروده المعتاد: "عيشي يا ليلي وربي عيالك، وسيبيني أعيش."
نظرت له بحزن ولم تتحدث، فكيف ستتحدث مع ذلك الرجل الذي تزوجها غصباً مقابل المال الذي كان ثمناً لمنع والدها من السجن. كاد عزت أن يغادر غرفتهم، فوجد ابنه ذات الست سنوات ينظر لهم ببكاء. عزت بأسى: "أنا السبب، أنا السبب يا أدهم." *** كان قد دعاها لحفلة خطبة أخاه، وعندما جاءت نظر إليها مبتسماً، ثم تابع حديثه مع بعض أصدقائه. نظرت له تتأمله بحسرة، فهي ليست سوى عشيقته التي يقضي معها وقتاً لطيفاً، ثم ينصرف ويتركها بمفردها.
ظلت تتابعه، وهي ترسم ابتسامة باهتة على وجهها، إلى أن قابلت أحد معارفها، وبدأت تنشغل بالحديث معه لعلها تنسى وجودها القريب منه ولكن البعيد عنه. *** نظر لها مبتسماً وهو يتذكر كل شيء فعله كي تتم تلك الخطبة. أمسك أحد يديها ليقبلها. إياد بابتسامة: "مبروك يا حبيبتي." شاهي بهدوء: "الله يبارك فيك يا حبيبي." إياد وهو يقترب من إحدى أذنيها: "بعشقك."
كانت كلماته مثل المغناطيس عليها، فقد سحرها باهتمامه وكلامه المعتاد، حتى استطاع أن يحصل عليها ويرتبط بها بعدما كانت بالنسبة له كسهل الممتنع. بادلته نفس الابتسامة، وأمسكت يده الممدودة لها وبدأوا بالرقص سوياً تحت أعين الموجودين من المدعوين والصحافة. ***
بدأت عملها اليومي المعتاد مثل كل يوم. وقفت لتقدم لأحد الزبائن ما طُلب منها، فانحنت قليلاً لتضع الطعام ولم تشعر بأنفاسه سوى وهو يهمس في إحدى أذنيها ويدعوها لقضاء ليلة معه مقابل بعض المال. كانت كلماته كالصاعقة لها، فكيف يطلب منها ذلك؟ هل يراها مثل ما يعرفهم؟ ولكن كيف وهي دائماً ترتدي ما يسترها من ملابس محتشمة؟ ولكن ستظل الرغبة عند أمثالهم فطرة يبحثون عنها لمتعتهم ومزاجهم كما اعتادوا.
نظرت له نظرة احتقار ثم سكبت ذلك الكوب الذي أمامه في وجهه. وقف يهتف بأعلى صوته وهو ينده على مديرها. "آتي يا خيري والشر يتطاير من عينيك." خيري: "في إيه يا أكرم باشا، حصل إيه؟ أكرم بتوعد: "مش تختار الناس اللي بتشغلهم عندك يا خيري، الآنسة كنت حاطط محافظتي وقمت اتكلم في التليفون لقيتها جت وبتحاول تسرقني، ولما اتهمتها لقيتها بتعلي صوتها عليا، وفي الآخر من بجاحتها بص منظري."
كانت واقفة، تتأمل براعته في الكذب، فكيف لا يكذب ليداري عن فعلته. نظرت له باحتقار شديد وبصوت يملؤه الغيظ. "كذاب يا أستاذ خيري." خيري بصرامة: "انتي اخرسي خالص، وتاخدي بقية حسابك وتتفضلي، أنا مش مستعد استحملك أكتر من كده." مريم: "طب والشرط الجزائي؟ خيري بحدة: "مش قلت اطلعي بره." ثم اتجه لتلك الرجل وأخذ يعتذر منه. خيري بود: "آسفين يا أكرم باشا، وغداه النهارده على حساب المطعم، اتفضل يا باشا."
نظر له أكرم بتعالي، وجلس على طاولته وكأن شيئاً لم يحدث. *** عادت إلى منزلها، نظرت لتلك النقود التي بحوزتها ثم ابتسمت بسخرية وهي تتذكر اتهام ذلك الرجل. حمدت ربها، أنها ليست من ذاك العالم البشع الذي يعيشونه تحت نفوذهم وسطوتهم. ولكن ما يجني سطوتهم نحن فقط، وكأننا خلقنا من لا شيء، وكأننا ضيوف على عالمهم ويجب أن نرحل لنتركهم ينعموا هم فقط بعالمهم الذي يزينه فقط سطوتهم ومظاهرهم التي تخفي ما وراء قلوبهم التائهة.
لم يقطع شرودها سوى رنين هاتفها البسيط، وهي تنظر على الرقم الموجود خلف الشاشة بدون اسم. مريم: "السلام عليكم." رنا بابتسامة: "وعليكم السلام، إزيك يا مريم وحشاني أوي." مريم بعدم تصديق: "رنا؟ يااا، رنا انتي جيتي إمتى من السفر؟ رنا: "لسه راجعة من أسبوع، وحشاني أوي يا مريم، نفسي أشوفك، أخبارك إيه؟ *** فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت إليه وهو يقف أمام المرآة ليهندم من ملابسه. عندما رآها من خلف زجاج المرآة، التفت إليها.
صافي بصوت ناعس: "صباح الخير." أدهم: "صباح النور، صحيتك؟ صافي وبدأت تفيق: "لأ، أبداً، بس أنا اللي قلقت، انت ماشي؟ أدهم بضحك وهو ينظر لساعته: "الساعة 7 دلوقتي، ولا انتي عايزة صاحب الشركة يروح آخر واحد؟ صافي وهي تنهض لتقف أمامه: "لأ، أبداً يا حبيبي، هروح أحضرلك الفطار." أدهم: "متتعبيش نفسك، أنا هشرب قهوة في الشركة." عادت إليه ثانية، وعلى وجهها ابتسامتها الجميلة وبدأت تربط له ربطة عنقه. صافي: "ثواني والفطار هيكون جاهز."
ثم اقتربت منه لتقبله وغادرت الغرفة لتحضر له طعام الإفطار. نظر لها وهي تغادر الغرفة، وتنهد بصعوبة ثم بدأ يكمل ارتداء ملابسه. *** نظرت إلى صديقتها بأسى، وهي تشفق عليها مما حدث لها. رنا: "ياا يا مريم، طب مقولتليش ليه؟ كنت ممكن أساعدك تلاقي شغل، ما انتي عارفة علاقات بابا." مريم: "مكنتش عايزة أشغلك بمشاكلي، سيبك مني انتي، أخبارك إيه؟ رنا: "أنا يا ستي اتخطبت لابن عمي، وبعد كام شهر هسافر معاه أمريكا."
مريم بفرحة: "مبروك يا رنا." رنا بحب: "الله يبارك فيكي يا حبيبتي." ثم نظرت لصديقتها لبعض الوقت، وقالت: "الشركة اللي بابا شغال فيها محتاجين محاسبين ويكونوا خارجين تجارة إنجلش، إيه رأيك تقدمي للوظيفة وأنا هقول لبابا يساعدك." مريم: "بس أنا مش عايزة أسبب لك إحراج مع والدك."
رنا: "إحراج إيه يا بنتي، هو أصلاً كان عارض الوظيفة دي على مي بنت خالتي، بس خطيبها رفض، ولما انتي حكيتلي ظروفك افتكرت، وكمان انتي نفس المؤهل اللي طالبينه، ومتخافيش بابا له اسمه في الشركة والكل بيقدره ويحترمه. وانتي اعملي اللي عليكي وقدمي، يمكن يكون ليكي نصيب وتشتغلي في شركة كبيرة زي دي." مريم بسعادة: "ياا متعرفيش الخبر ده فرحني قد إيه ورحمني، من اللف على أي وظيفة أشتغلها."
رنا باشفاق: "خلاص بكرة إن شاء الله نتقابل، وأخدك لمقر الشركة، مع إن اسمها معروف في البلد كلها." *** "ها يا أحمد، اخترت المحاسبين اللي الشركة محتاجهم؟ أحمد: "بكرة إن شاء الله هنعمل المقابلة، وهنختار اللي يصلح للوظيفة." أدهم ويعيد نظره لبعض الأوراق التي أمامه: "ماشي يا أحمد، التعيين هيكون تحت إشرافك، المهم أخبار بنود العقد مع الشركة الإيطالية إيه؟ أحمد بابتسامة: "بعتوا لنا مندوبهم عشان نتمم العقود."
أدهم بارتياح: "كويس جداً." ثم نهض من مكانه وبدأ يرتدي بدلته ليهم بالخروج. وقبل أن يغادر مكتبه... "ابقي أعلن عن الصفقة الجديدة للصحافة." *** "هتوحشيني على فكرة." شاهي بدلع: "ياسلام، يعني بكرة مش هتزهق مني؟ إياد: "في حد يزهق من روحه يا حياتي؟ شاهي: "بكاش على فكرة بقا." إياد: "في واحدة تقول لحبيبها وخطيبها وزوجها المستقبلي كده؟ ثم غمز لها بإحدى عينيه وقال بهيام لتذكره لتلك الليلة التي قضوها سوياً منذ ساعات قليلة.
شاهي بخجل: "تصبح على خير." إياد: "وانتي من أهله يا حبيبتي، أوعي تنسي معادنا بكرة." ابتسمت له، وخرجت من سيارته وهي تودعه بإحدى يديها. ثم تنهدت براحة، ودخلت إلى فيلتها التي تقطنها هي وأباها بمفردهم. *** جلست تنتظر دورها بعد أن اصطحبتها صديقتها وتركتها للتقديم في تلك الوظيفة. كانت عيناها تتابع المكان من حولها وهي تحلم بأن تقبل بتلك الوظيفة. ظلت تتأمل هؤلاء الفتيات بملابسهن ومكياجهن الصارخ.
نظرت لهم بتعجب، ثم أخفضت رأسها لعلها تستجمع قواها. تأملتها السكرتيرة باستغراب شديد، وهي تطلع إلى ملابسها، فقد كانت ملابس بسيطة للغاية. السكرتيرة بابتسامة: "اتفضلي يا آنسة، المقابلة هتكون مع بشمهندس أحمد." أحمد بهدوء وبدون أن يتطلع إليها: "اتفضلي يا آنسة مريم." ثم نظر لها وقال: "آنسة مريم صح؟ مريم: "أيوه يا فندم." أحمد: "ممممممم ال cv بتاعك هايل، بس ناقصك خبرة. انتي تدربتي في أي شركة قبل كده؟
مريم بابتسامة: "لأ يا فندم." أحمد بتفهم: "تمام، اتفضلي." خرجت من مكتبه، وهي لا يبدلها شك بأنها لن تقبل في تلك الوظيفة. خرجت من الشركة وهي تشعر ببعض الدوار، وكادت أن تسقط مغشياً عليها، إلى أن لحقها. "انتي كويسة؟ مريم بتعب: "آه الحمد لله، متشكرة لحضرتك، عن إذنك." وقف يتأملها للحظات، ثم صعد إلى غرفة مكتبه ليلقي أوامره على سكرتيرته الخاصة، قبل بدء الاجتماع. *** استيقظت من نومها، على صوت رنات هاتفها.
انتظرت قليلاً لكي ترد، وبعد أن ردت، لم تكن تصدق ما سمعته منذ قليل. هل هي قبلت حقاً في تلك الوظيفة أم هي تحلم؟ نهضت سريعاً من فراشها لتبحث عن ملابس مناسبة لعملها، ولكن بحشمتها المعتادة. لم تكن ملابسها أنيقة ولكن كانت راضية تماماً عن ملابسها حتى لو سوف تخالف ذلك المجتمع المتحرر. نظرت لنفسها نظرة رضا. ثم ذهبت لتبدأ حياة أخرى لا تعلم ما ينتظرها في وسط هذا العالم.
وقفت تنتظر السكرتيرة لتدخلها، نفس المكتب السابق لمقابلة مديرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!