الفصل 25 | من 32 فصل

رواية قلوب تائهة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
20
كلمة
4,140
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

لحظات وقف فيها ليصرخ في وجهه ليقول بصوت حاد: أنا يا أدهم، أنا أبوك، تخون ومع مراتي! ليسير أدهم بخطوات بطيئة، ليظل يتأمل والده ليقول: لو هي قدرت تخليك تصدق إني خاين، فبجد هي نجحت وقدرت تكسر الشرخ اللي بينا وتهدمه، أما لو أنت جاي تسمع مني الحقيقة، فلسه فيه أمل إن الشرخ يتصلح. ليقترب منه عزت قليلاً ليقول: مكنتش فاكر إن طعنة الغدر هتكون منك أنت يا أدهم، وإنك تستغفلني. ليصمت أدهم قليلاً ليقول:

يبقى هي فعلاً قدرت تكسر الشرخ اللي بينا، وتقريباً أنت مش جاي تسمعني، أنت جاي ومصدق اللعبة. ليصرخ عزت بحدة ليقول: وهي هتعمل كده ليه، فاهمني؟ هتعرض صور ليك وليها ليه عشان تفضح نفسها قدامي؟ دي أكيد الضربة اللي كنت عايز تضربهالي وتشككني في أقرب حد ليا. ليضحك أدهم: أقرب حد ليك، وبشكك فيها... فعلاً مفيش أمل إن أي حاجة تتصلح بينا. عزت بحدة: أنت اللي بتهدم كل حاجة بينا يا أدهم، من ساعة ما اتجوزت البنت دي، وحياتنا بقت للأسوأ.

أدهم ببرود: ههههه، ضحكتني يا عزت باشا، حياة إيه اللي اتحولت للأسوأ، ومن امتى حياتنا كانت حياة؟ ها، قولي حياة إزاي؟ كل واحد في عالم لوحده... وكأننا أغراب عن بعض. ليتنهد عزت قليلاً ليقول: أنت السبب، أنت اللي بعدت عني أنت وأخوك، وفضلتوا تعيشوا بعيد عني. أدهم بسخرية: عايزني أعيش إزاي مع أب، كان السبب في عذاب أقرب حد ليا، سامع أمي. عزت بصراخ: أمي، أمي، أمي! إيه هو أنا مش أبوك؟

وكمان أمك اللي بتتكلم عنها دي، أنت اتجوزت أكتر حد برضه إذاها... وحبيتها؟ ولا أنا اللي لازم بس أكون غلطان. ليصمت أدهم قليلاً ليقول: مع إن موضوع مراتي مش موضوعنا دلوقتي، بس أحب أفرحك... أنا ومريم هنسيب بعض عشان تقدر تستريح. ليتنهد عزت قليلاً ليقول: أنت ونانسي إيه اللي بينكم؟ ليصمت قليلاً ليقول:

أنت اللي قربتها مني عشان تقدر تاخد كل حاجة، وأفضل أنا ولا حاجة وتحت رحمتك. أنا مكنتش قادر أصدق، لما سمعت منها إن ابني بيحاول يخدعني... بس هي طلعت أشرف منك واعترفتلي بكل حاجة، ومن حقها إني أغفر لها. ليظل أدهم يتأمله بريبة ليقول: وصدقتها طبعاً، صدقتها عشان عايز تصدق كده. عزت بغضب: ومصدقهاش ليه؟ أنت كرهك ليا بقى عميك، أما هي عمرها ما تمنت غير سعادتي. أدهم بهدوء: أنا مبسوط أوي، عارف ليه؟

عشان صدقتها وكدبتني، نانسي كسبت آخر جولة بينا... وأظن إن الجولات خلاص خلصت. جلست أمامه بقهقهتها المعتادة، وهي تضع ساقاً على ساق، لتظل تنفث بدخان سيجارتها وهي تقول: ميرسي خالص يا فهمي، بجد أنت عرفت تظبط الصور جداً ولعبت اللعبة صح. ليبتسم فهمي برغبة: أنتي تأمري يا نانسي وأنا عليا أنفذ، والمجلة ورئيسها تحت أمرك. لتنهض هي من مكانها وتقترب من أحد أذنيه لتقول: ده العشم برضو يا فهمي. وتبتعد عنه سريعاً وهي تقول:

أنا همشي بقى. فهمي برغبة: إيه ده هتمشي على طول كده؟ ده أنا حتى عاملك سهرة تجنن يا حياتي في البيت عندي، ولا انتي عايزة تكشفي. نانسي: معلش بقى يا فهمي، الأيام دي لازم أفضل في البيت ومتأخرش عشان عزت، ممكن يشك بس أوعدك قريب أوي هنكون مع بعض. ليقترب منها فهمي: وأنا هستنى اليوم ده بفارغ الصبر. نانسي بدلع: مش أكتر مني يا حياتي. لتذهب هي تحت أعين فهمي التي تتفحصها. ليقف شادي أمام مديره ليقول: هي مدام نانسي، كانت هنا؟

فهمي بحدة: وأنت مالك يا أستاذ أنت، يلا اتفضل على شغلك... ويا ريت تنتبه لشغلك عشان مش عاجبني اليومين دول، وغلطة بسيطة منك هتسيب المجلة فوراً، مفهوم؟ نظر إليه شادي بحنق، وهو لا يدري لماذا قد تغير معه فهمي هكذا، وكيف لا يتغير والافعى قد دخلت هنا أيضاً. لحظات من القلق قضاها، وهو ينتظر أمام غرفة العمليات، وهو ينتظر أن يطمئن عليها. ظلت الساعات تمر ولكن بدون جدوى. لتقف إلهام بجواره وهي تقول: متخافش يا أدهم إن شاء الله خير.

ليخرج الطبيب يأسي ليقول: ربنا يعوض عليكم. ويذهب ويتركهم تحت مسمع تلك الكلمة. لتتأمل إلهام وجهه بحزن وهي تربط على أحد كتفيه: ربنا يعوضك عليك يا حبيبي، لسه العمر قدامكم طويل. لينظر لها أدهم بألم: الرابط الوحيد اللي كان بيربطنا ببعض، خلاص راح، الطفل ده هو الأمل الوحيد اللي كان ممكن حياتنا تستمر عشانه. لينكس برأسه أرضاً: إنا لله وإنا إليه راجعون.

وكأن لحظات قربهم ثانية.. لم تأتي لمجرد إحياء الماضي فقط، بل لصنع حاضر ومستقبل ليجمعهم معاً بعد أن فرقهم الزمن في ظل ماضي قد سحق بقلوبهم. جلس أمامها يتأملها، ليشيح بوجهه بعيداً على الطفلان وهما يمرحان معاً. لتتطلع صافي إلى نظرة عينيه بحب لتقول: اتعودوا على بعض أوي. ليضحك مازن: مبقاش في حد على لسانها غير مازن، كل ما أقولها "ما أنا معاكي أه يا رهف"، تقولي "أنا مش عايزك أنت، أنا عايزة مازن تاني"، شكلها باعتني خلاص.

لتتبسم صافي بحب: ومازن برضو بقى كده، مبيقدرش يعدي يوم من غير ما يفضل يقولي "أنا عايز ألعب مع رهف". لينظر مازن إلى عينيها ليقول: طيب وأنتي يا صافي، مازن مبقاش يوّحشك؟ لتصمت صافي قليلاً وهي تعلم ما يرمي إليه، ولكن: مازن ده كل حياتي، لو بعد عني ثانية ممكن أموت. ليبتسم مازن إليها: مش قصدي مازن الصغير، قصدي مازن الكبير يا صافي، وبلاش تهربي بعينك بعيد عني. ليتنهد قليلاً ليقول بعد لحظات من الصمت: أنتي لسه بتحبيني يا صافي؟

لتتطلع هي إلى عينيه، وتظل تتأملهما.. وكأنها تترك لعينيه المهمة لتقول له كل شيء.. لا يستطيع لسانها أن ينطق به. ليقطع هو صمتها: أنا عمري ما نسيتك يا صافي!! لم تكن تظن أنها قد أحبته هكذا، وكيف لا تحبه وهو كان جزء منها، جزء من نبضها وجسدها، وجزء منه هو أيضاً. ظلت تتطلع إلى الفراغ الذي أمام عينيها وهي تتحسس مكانه السابق، لتذرف دموعاً قد أرهقتها كثيراً. ليدخل هو عليها ولأول مرة تراه ضعيفاً، حائراً هكذا.

ليقف أمامها بألم ليقول: الدكتور طمني عليكي، وقال ممكن تخرجي على بليل إن شاء الله. مريم بتعب: عايزة أطلب منك طلب واحد يا أدهم، ممكن تنفذهولي؟ ليتأملها بحب ليقول: اطلبي يا مريم، وتأكدي إني هنفذهولك. مريم بألم: أنا عايزة أرجع لحياتي القديمة، ممكن؟ أدهم بوجع: حاضر يا مريم. مريم بهدوء: هو ينفع أخرج دلوقتي؟ أدهم بعتاب: لدرجة دي مش طايقة وجودي جنبك؟ ليقول كلمته الأخيرة، ويذهب تاركاً إياها بمفردها.

لتسقط دموعها بغزارة بدون أن تشعر بها. جلس أمامه بارتياب، ليقول بصوت حاد: آه نانسي مشيت وسابتنا، اتفضل اتكلم يا أحمد. أحمد: مش معقول يا خالي، عايز تصفي كل الشراكة اللي بينا، وتنفصل عنا؟ طب ليه؟ عزت بضيق: عشان أسيب الأستاذ يتمتع براحته، وأريحه مني.. ومادام هينفصل عن البنت دي فمبقاش خلاص حاجة تخصه تهمني، وكويس أوي إن الطفل اللي كانت رابطانا بيه مات. أحمد بأسى: لدرجة دي يا خالي، هان عليك أدهم؟ عزت:

أنا اللي خليت أدهم يبقى أقوى مين، بس دلوقتي خلاص لازم أعلمه الأدب. أحمد بعتاب: قبل ما أمشي يا خالي أحب أوريك صورة، وأحب أفهمك حاجة كويس. ليخرج أحد الصور ليقول: بص الصور اللي في المجلة وبص على الصور دي وقولي.... فيه اختلاف بينهم؟

مش هتلاقي لأن الصورة الحقيقة هي اللي معايا. دي صوري أنا وندي، للأسف نانسي عرفت تستغل الموضوع ده كويس، كانت فاكرة إن محدش هيقدر يكشفها ونسيت إن الصور كانت معايا نسخة منها، وزي ما ندي ادتهالها، كان معايا أنا النسخة التانية. أوعى تقولي يا خالي إنك نسيت ندي. ليصمت قليلاً ليقول: بس ندي بالنسبة لنانسي ولا حاجة. أنا هسيبلك الصور وأنت اتأكد بنفسك. وتقريباً الحقيقة بقت واضحة قدامك، عشان تعرف أنت متجوز مين كويس.

لحظات طويلة من الصمت دامت بينهم، لتقف تائهة بعينيها وهي تعيد ذكرياتها في بيتها القديم، لتظل تتذكر كل شيء، قد مرت به هنا، حتى أتى بها المطاف.. إلى الحب الذي نبت في قلبها هنا. هنا كانت تعود إلى بيتها لتظل تتذكر اللحظات البسيطة التي تراه فيها. لتجلس على فراشها وهي شارده في حلماً، لعنت نفسها أنها تمنت يوماً أن يتحقق. ليضع حقيبتها جانباً ليقول: هبعتلك حد من الخدم يفضل معاكي. مريم:

يا ريت يا أستاذ أدهم، تخرج من حياتي، زي ما أنا خرجت منها، وأظن إن اللي مكنتش عايزه من الأول خلاص راح، والرابط اللي بينا انقطع. ومتشغلش نفسك بيا، أنا هبقى كويسة طول ما أنت بعيد عن حياتي. لينظر لها بألم شديد. ويتركها مودعاً بقلبه قبل عينيه. ليلفت إلى قبل أن يغلق آخر باب بينهم ليقول: لو احتاجتي حاجة هفضل دايماً جنبك ومعاكي، وهبقى أطمئن عليكي من بعيد عشان مضايقكيش.

لتسقط دمعة من عينيه، ويذهب ليتركها بين ماضي قاسٍ وحاضر أليم ومستقبل غامض. لتجلس على الأرض بانهيار وهي تبكي بين جدران بيتها القديم. الذي عادت إليه ثانية. لتظل وحيدة فيها. لحظات من الصمت دامت بينهم، وهي تسمع صوت أنفاسه. ليتنهد قليلاً ويقول: أنتي معايا يا هبة؟ هبة بحزن: ليه هنأجل الفرح يا أحمد؟ أحمد بشرود: غصب عني صدقيني، أوعدك إني هعملك أجمل فرح لأحلى عروسة. هبة بابتسامة حزينة:

اللي تشوفه يا أحمد، المهم إننا نفضل مع بعض. أحمد بحنان: أوعي تزعلي مني يا حبيبتي، صدقيني أنا نفسي النهاردة قبل بكرة يكون بيجمعنا بيت واحد. هبة بحب: أنا مش زعلانة يا أحمد صدقني. أحمد بدعابة: طب فكري تزعلي كده، عارفة هعمل فيكي إيه؟ هبة: هتعمل إيه؟ أحمد بهيام: هاجي أحضنك وأخبيكي بين إيديا. ليضحك قليلاً ليقول: بس في الآخر هشدك من ودنك عشان بتزعلي.

لتضحك هي قليلاً، وقد نسيت كل شيء، لتبقى الابتسامة على وجهها بعد أن بدأ الحزن يسيطر عليها. لتتنهد قليلاً لتقول: ربنا يخليك ليا! ليغلق معها الهاتف. لتظل أنفاس صدره تتصارع وهو يمسك ذلك الخطاب القديم. ليظل يتطلع إليه وهو يتذكر!! بتقولي إيه يا نيرة؟ نيرة: صندوق ماما الله يرحمها افتحه، هتلاقي فيه المجوهرات بتاعتها، عشان تديها هدية لهبه، هي كانت موصية بكده يا أحمد. أحمد: يااا أنتِ لسه فاكرة الموضوع ده؟

ده أنا نسيته، حتى نسيت مكان الصندوق. نيرة بضحك: شكل هبة نسيتك كل حاجة، كان نفسي أجي قبل الفرح بمدة عشان أبقى جنبك بس غصب عني، إن شاء الله هنوصل أنا وحازم والأولاد قبل الفرح بيومين. لينهي حديثه مع أخته. ويظل يتذكر مكان الصندوق، ليدخل إلى غرفة والدته التي كانت دائماً مغلقة، تحمل بين جدرانها كل ذكرياتها. ليبحث عن الصندوق. وبعد وقتاً طويلاً كان يجلس على سرير أمه وهو يتفحص الصندوق. ليظل يتطلع بعينيه داخل الصندوق.

ليمُسك بعد الأوراق والصور. لتقع عيناه على خطاب قديم. واسم المرسل. ليظل يتفحص كل كلمة قد سطرت فيه. "اخت زوجي الغالية مها، لقد أصبحت أشتاق إليكِ كثيراً، أنتِ والأولاد، أنتظر قدومك بفارغ الصبر بعد تلك الغربة الطويلة عائدة إلى الوطن بسلام.

ليلي: أنا عارفة إنك الوحيدة اللي ممكن تجاوبيني على أسئلتي، وتريحيني من الضياع اللي بقيت عايشة فيه، وطول حياتي مع عزت حاسة إنه مخبي عني حاجة، حتى عمي من ساعة جوازي أنا وعزت وبقى مقاطعنا. مش هنكر إنه حنين معايا أوي أنا وولادي، وديماً بيسأل علينا، بس النهاردة اكتشفت حقيقة مش قادرة أصدقها. عبد الله فعلاً أخو عزت. أنا مش قادرة أصدق، وفكرت كتير إن أواجه عزت بالحقيقة دي، بس أنا واثقة إنه هينكرها ومش هعرف حاجة وهفضل مش فاهمة حاجة. أرجوكي يا مها فهميني بجد. أنا عارفة إنك مش زي عزت ومش هتهوني عليا إن أفضّل مخدوعة. أكيد أنتِ حاسة بيا عشان ست زي...

وعارفة قد إيه صعب تبقي عايشة حياة مخدوعة فيها. أنا مش قادرة أصدق إزاي عبد الله أخو عزت وهو مخبي عليا، وليه بيكرهه كده وبيحاول يكرهني فيه لحد ما فعلاً بقيت أكرهه بعد اللي حصل. أكيد عزت حكالك وإنتي عارفة كل حاجة حصلت. لتترك توقيعها في النهاية. ليلي. ليظل يبحث بعينيه عن شيء آخر، يثبت صحة تلك الكلام. ولكن بالتأكيد لا يوجد. وحتى لو وجد شيئاً آخر، بالتأكيد قد وقع بين يدي خاله. لتظل الحقيقة مخفية عنهم جميعاً.

فهو يعلم أن خاله وأمه أخوات من الأب فقط ولكن الأم مختلفة. فأم والدته قد توفت بعد ولادة أمه سريعاً، ليتزوج والدها بأم خالها. لتتوفي هي أيضاً بعد أن كان عمر خاله 20 عاماً. نظر إلى الخطاب قليلاً، وكأنه يبحث عن شيئاً بعيد جداً. ولكن كيف ولماذا كل هذه الأسرار. ظلت شارداً بذهنه، لا يشعر بشيء سوى صوت أنفاسه المضطربة. ليحرك يديه على وجهه بألم. لتقترب هي منه لتقول: انت لسه زعلان مني يا عزيزو؟ زعلان من نانسي حبيبتك؟ عزت بشك:

ليه أدهم رد فعله كانت عادية؟ ليه مأثرش عليا عشان يثبت إن كلامك ده كذب؟ ليتطلع إليها بشرود: مفيش حد بيرتكب حاجة غير لما بيفضل يحاول يثبت للي قدامه إنه مظلوم، حتى لو مكنش كده بس لازم يثور عشان يبعد الشك عنه، بس ابني قابلني بهدوء، وفضل ساكت. نانسي بدموع: أنت مش مصدقني يا عزت؟ طب أنا كنت هعرفك إزاي؟

أنا معرفتكش غير لما ابتديت أحضر الاجتماعات عشان أسجل الملاحظات، لو كنت فضلت في العلاقات العامة، عمرك ما كنت هتشوفني. أدهم ده طماع وعايز كل حاجة، بس صدقني أنا حبيتك واتجوزتك عشان بحبك مش عشان الفلوس. لتتطلع إليه بأعين متفحصة لتقول: أنت فعلاً هتستقيل عن شركاتك؟ عزت بهدوء: وإنتي شغالة نفسك ليه بالموضوع ده؟ لتتنهد هي بضيق، وتحادث نفسها لتقول: شكلي قلبت الطربيزة عليا، وأنا اللي هطلع في الآخر خسرانة.

عادت إلى وحدتها ثانية، عادت إلى جنتها الصغيرة، جنتها التي خرجت منها بقلب لا يملؤه سوى الحب، لتعود بقلب ضائع قد فقدته معه، ولكن ما زال قلبها يبحث عنه. قد مر عليها أسبوع وهي لا تراه، لا يطمئن عليها سوى إلهام، وكأنها قد صدقت كذبتها بأنها تريد أن يتركها في حياتها وحيدة. ولكن ما زالت تحتاجه. والآن أصبحت تحتاجه بشدة.

لتمسك أحد صوره، وتظل شارده في تلك العينان، لتسبح بداخلهما وهي تبحث عن ما أحبت في خلف تلك القوة التي أصبحت تعلم تماماً أنها ساتر لضعفه. لا أحد أصبح يرى ضعفه سواها. لتتنهد بألم وهي تخبر قلبها بأن قرارها هذا هو الصائب، حتى لا يموت ثانية. لتسمع صوت جرس بابها يدق، لتقوم بفزع، فمن سيأتي إليها؟ نعم، إن الوقت ما زال مبكراً، ولكن قد ارتابها شيء من الخوف.

نهضت سريعاً من على فراشها عندما أخبرها قلبها بأنه هو، لتسير بخطوات سريعة حتى تهدأ من شوق قلبها وحنين عينيها لرؤيته. لتتطلع إلى الشخص الماثل أمامها لتقول: أستاذ جلال، حضرتك عرفت عنوان بيتي إزاي؟ خير! جلال بابتسامة عذبة: طب ممكن أدخل، ولا هفضل واقف على الباب كده؟ مريم: آسفة مقدرش أدخل حضرتك، لأني لوحدي اعذرني. جلال بابتسامة: وأنا متفهم موقفك. ليتطلع إليها قليلاً ليقول:

بأختصار، أنا عارف إنك سبتي الشغل مع أدهم، وكمان هتنفصلوا. فبصراحة. لينظر إليها بارتباك: أنا مش عارف أكمل كلامي دلوقتي. ده الكارت بتاعي فيه عنوان الشركة وتليفوناتي. هنتظرك إن شاء الله في الشركة. ليتطلع إليها قليلاً. ويذهب بعد أن أخجله لسانه من ذلك الارتباك. كانت تحادثه بحذر شديد، وهي تلتف حولها يميناً ويساراً، لتقول بصوت هامس: أنا لازم أقابلك يا شادي، في أسرع وقت. شادي بخبث: فين؟ في شقتنا؟ نانسي:

لأ يا شادي، بلاش شقتنا عشان عزت دلوقتي بقى يشك فيا. شادي بسخرية: ما أنتِ اللي قلبتي كل حاجة عليكي، وافتكرتي إنك نصحة، ونسيتي إن جوزك مش حتة عيل ممكن تضحكي عليه، زي كده تمام. نانسي: مش وقت عتاب يا شادي، أنت إيه عمرك ما هتنسى؟ أنا دلوقتي محتاجالك أوي. نسيت نانسي حبيبتك يا شادي؟ شادي بألم: للأسف لأ. لينتهي حديثهم، ويغلق معها الهاتف وهو يشعر بأنه فعلاً لعبتها فقط، تستخدمها متى أرادت.

فهو من سمح لها بذلك وجعلها تستغل حبه لها. لحظات من الألم قضاه وهو يتطلع إليه بوجه حزين على حاله. ليتأمل ملامح وجهه ليقول: أنت إيه اللي بتعمله في نفسك ده يا أدهم؟ مش شايف نفسك بقيت إزاي؟ هتموت نفسك من الشغل. أدهم بتعب: أنت شايف قد إيه مجموعتنا بدأت يهتز اسمها في السوق، غير الأسهم اللي ساحبها عزت باشا، يعني لازم نوقف على رجلينا من تاني. أحمد بأسى: بتزور مريم، وبتسأل عنها؟ أدهم بألم:

إلهام حاولت معاها كتير، تخلي معاها واحدة من الخدم، للأسف رفضت، حتى حسابها في البنك مسحبتش منه حاجة، مبقتش عايزة مني حاجة. إلهام بتقولي عايزة تشتغل. ليتنهد بضيق: الهانم لسه تعبانة وعايزة تشتغل. ليتطلع له أحمد بأشفاق: رغم ضعفها، لسه قوية من بره. أدهم: أنا السبب في إن حياتها تبقى كده، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت رابطة بينا راحت. ليتأمله أحمد بأشفاق، ثم يغادر، ليتركه في عالم قد أجبره أن يظل يحارب فيه بمفرده.

ليتذكر أمر المحامي. ليرفع هاتفه وهو يقول: عايزك تجمعلي كل المعلومات عنه مفهوم؟ وفي أسرع وقت. ليتحدث بهمس: ياريت شكي يطلع صح. بدأ يفيق من المخدر، لينظر حوله وهو يتفحص المكان بعينيه، ليجد زوجته وأولاده حوله، وهم يتأملونه بأسى. ليتأملهم قليلاً. ليخرج صوته حتى يخرجهم من هذا الصمت ليقول: أنا مش حاسس برجلي ليه؟ يا بكر هو إيه اللي حصلي؟ لينظر له ابنه بدموع: أصل! ليدخل عليهم الطبيب:

سلامتك يا حج، أنت راجل مؤمن ولازم ترضى بقضاء ربنا. ليهبط بأحد يديه بدموع، وهو يتحسس ذلك الفراغ ليقول: يعني بقيت عاجز في آخر أيام عمري. لتقترب منه زوجته باكية: متعملش في نفسك كده يا منصور، ده أمر ربك. ليتأمل منصور وجههم بحزن: كان لازم ربنا ياخد حق اليتيمة مني، ربنا مبينساش حق حد. لتنظر إليه زوجته بألم: قولتلك يا منصور، بلاش سكة الشيطان. لينظر لها منصور بألم: يُمهل ولا يُهمل، يُمهل ولا يُهمل!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...