الفصل 26 | من 32 فصل

رواية قلوب تائهة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
21
كلمة
3,889
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

لم يكن يتوقع أنه عندما يقربها منه، سيشعر بمدى حقارته أمام برائتها. فهي قد وافقت على عرضه عندما أخبرها بأنها لابد أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها، وألا تترك نفسها لماضي قد أوشك على الانتهاء. فكان عرضه لها كمنقذ، أما هو فكان لشوقه إلى قربها. لتقابله هي بحسن نيتها ولا تظن شيئًا سوى كمجرد شخص يساعدها. ظل ينظر بعينيه للأوراق التي أمامه قليلًا، وعندما وجدها تردف إلى داخل مكتبه لتقول: "حضرتك طلبتني يا أستاذ جلال؟

جلال بنظرة عاشقة: "تعالي يا مريم، اتفضلي اقعدي." مريم برهبة: "خير يا أستاذ جلال؟ جلال بابتسامة عذبة: "مبسوطة في الشغل معانا يا مريم؟ مريم: "أنا مش عارفة أشكرك بجد إزاي، بجد حضرتك مديت إيدك ليا في الوقت اللي كنت محتاجة حد يقف جنبي." ينهض جلال من على كرسي مكتبه، ويجلس مقابل لها ليقول: "متشكرنيش يا مريم، انتي متعرفيش انتي غالية عندي قد إيه." ليبتسم ويقول بعد أن أحس بارتباكها منه: "أنا ومروان يعني." ليصمت قليلاً

ليتابع بحديثه: "عيد ميلاد مروان بعد يومين، وهو عزمك يا ستي." مريم بابتسامة: "كل سنة وهو طيب." جلال: "أكيد هتيجي يا مريم، واوعي ترفضي عزومة مروان." لتبتسم له بألم وتشيح بوجهها سريعًا، وهي تتذكر من افتقدته كثيراً. ***

لم يكن عليه كرجل أن يتحمل تلك الحقيقة التي سقطت على مسمعه، ليغفر لها لحظة ضعف قد عصفت بها، لحظة احتياج قد جعلتها تلغي جميع حواسها ليبقي قلبها هو فقط من يرشدها. كانت كل كلمة تقصها عليه لا تزيده سوى ألم، لم يشعر بنفسه سوى وهو يزيح بوجهه بعيدًا عنها. تتطلع إليه بأعين باكية: "كان لازم أحكيلك عن الفترة دي اللي مرت عليا في حياتي، عشان متفضلش طول عمرك فاكر إن صافي اللي حبيتها فضلت زي ما هي."

ليصمت مازن بألم، وهو يشعر بأن كل كلمة قد نطقت بها تخنقه. ليقول بمرارة: "يعني حبتيه؟ صافي بألم: "أنا محبتش راجل غيرك أنت يامازن صدقني، بس للحظة حسيت إن محتاجة حد فعلاً جنبي، حسيت إن بنت مراهقة بتفكر بقلبها مش بعقلها، نسيت نفسي ومشيت ورا قلبي اللي بقى ضايع في حياة أنا مش عارفة أنا مين فيها." لينظر لها بمرارة ليقول: "أنا مش مصدق اللي سمعته ياصافي، قولي إنك كنتي بتكذبي عليا." صافي بألم: "لسه عايز تتجوزني، ولا غيرت رأيك؟

لينظر لها مازن طويلاً وهو يتأمل ملامح وجهها. ليقول: "للأسف ياصافي انتي خيبتي ظني فيكي، وهدمتي الحلم الوحيد اللي كان باقي ليا. الحقيقة طلعت مؤلمة أوي، أحسن من الخداع." صافي بحزن: "مكنش ينفع إني آخدك، وأحسسك إن صافي اللي لسه بتحبها، لما قبلتها من تاني كانت زي ما هي." ليتأملها مازن قليلاً، وينهض ليلتف بوجهه بعيدًا ليرحل. ليتوقف على صوت كلماتها وهي تقول: "هتسبني يامازن؟

ليذهب هو، وتستسلم هي لضعف دموعها، لينهرها العقل على غبائها، أما القلب فيظل يمد يده ليمسح برفق على جرح، من الأفضل أن ينزف الآن، حتى لا تعيش به طيلة حياتها كمرض سقيم. *** ظل يسمعها، وكأن حديثها أصبح متوقعاً بالنسبة له، ليحادث قلبه ليقول: "كنت بتدافع عنها، وشايفني أنا الخاين، تفتكر هي تستاهل إنها تعيش، وتفضل زي الأفعى."

ليتأمل معالم وجهها باحتقار، وهو يشمئز من قلبه بأنه قد أحبها يوماً، حتى جسده أصبح يكرهه، لأنها امتلكته أيضاً، وجعلت الأفعى للحظات في حضنه. لينعم بها، لينعم بنعيم زائف بغيض، نعيم قد صوره له الشيطان بأنه حقاً نعيم، وليس جهنم. ليتنهد قليلاً بعد أن رآها تبتسم له وهي تقول: "ها ياشادي، هتساعدني يا حبيبي؟ لينظر لها شادي بريبة: "انتي اتجننتي يانانسي، عايزة تموتي جوزك، انتي اتجننتي أكيد." لتنظر له باحتقار لتقول:

"متعيش الدور ده ياشادي عليا، وتعمل نفسك عندك أخلاق، ما انت عايش برضوه في خيره، ولا انت ناسي الشقة اللي من فلوسه اللي بنتقابل فيها؟ لينظر لها شادي باحتقار: "الشقة دي ياهانم انتي اللي جبتيها، عشان تقدري تاخدي كل حاجة، تاخدي الفلوس من راجل قد أبوكي، وتاخدي المتعة من عشيقك اللي كان في يوم حبيبك وخطيبك، وتنتقمي من اللي كنتي عايزاه ليكي بس كان ذكي وعارف معدنك ومأثرتيش فيه لحظة وفي الآخر اتجوزتي أبوه." نانسي بغضب:

"انت بتقول إيه ياشادي؟ لتهدأ من روعها قليلاً لتقول: "أنا نانسي حبيبتك تهون عليك، تسيبها لوحدها في محنة زي دي؟ وأنا اللي بعمل كده عشان خلاص مبقتش قادرة أستحمل بُعدك ونتجوز بقى." شادي: "نتجوز يا نانسي؟ فاكره يانانسي ده فعلاً كان حلمنا اللي هدمتيه بجملة واحدة. أفكرك بيها ولا نسيتيها زي ما نسيتي نفسك؟

"كل واحد يشوف نصيبه ياشادي بعيد عن التاني، أنا مش هقدر أكون الزوجة اللي انت عايزها، ولا انت هتقدر تكونلي الزوج اللي أنا عايزاه. أنا مش عايزة أفضل طول عمري في الفقر ده." ليضحك شادي بسخرية: "نسيتي يانانسي، ولا الماضي بيتمسح على طول؟ نانسي بضيق: "يعني مش هتساعدني ياشادي؟ بس افتكر إني جيتلك في يوم وطلبت منك إنك تساعدني." شادي بألم: "فوقي بقى يانانسي من الشر اللي انتي فيه، أنا بقيت بشفق عليكي من نفسك. على فكرة أنا مسافر."

نانسي بغضب: "في ستين داهية." لتذهب من أمامه وتغادر المكان سريعاً وهي تسب وتلعن فيه. ليتأملها شادي لآخر مرة وهو يقول: "لازم تفوقي يانانسي." لينظر إلى هاتفه، بعد أن نظر إلى مدة التسجيل التي دامت بينهم. ليقول: "لازم الأفعى تظهر على حقيقتها، كفاية عليكي كده." ***

لحظات من الصمت دامت بينهم، ليتوقف بها الزمن قليلاً، ل تمر حياته أمام أعينه، وهو لا يرى شيئًا فيها سوى السراب، سراب قد أضاع بأجمل شيء قد أهدته له الحياة، لتهدمها كذبة لم يعرف لماذا كل هذا. ليعود بعينيه الهاربة وهو يتأمل كل شيء حوله، وكأنه يبحث عن نفسه الضائعة في وسط حياة كاذبة، لم يرى فيها غير الظلام القاتم. ليقترب أحمد منه بألم وهو يقول: "هي دي الحقيقة، اللي مكنتش عارف أقولهالك إزاي يا أدهم، بس لازم كنت أقولك."

أدهم بألم: "يعني إيه مريم تبقى بنت عمي، يعني أبوها عمي؟ طب إزاي؟ أنا مش قادر أفهم يا أحمد." أحمد:

"والد مريم يبقى ابن جدتك بس من أب تاني اللي هو يبقى أبو عبدالله ومنصور، اللي عرفته إن سمية هانم، كانت مجرد مربية في القصر. اتجوزها شوكت باشا عشان حبها. طبعاً هي كانت هاربة من أهلها وأهل جوزها، لأنها مقدرتش تتحمل الحياة اللي كانت عايشاها معاه، ولا قدرت تتحمل الضرب والإهانة من مراته الأولى اللي هي تبقى أم منصور عم مريم، فهي هربت وسابت عبدالله لسه طفل صغير. وطبعاً أبوه سجله باسم مراته الأولى اللي هي صفية. وبقى عبدالله في الأوراق مش منسوب ليها، وكأنه مات. في الفترة دي جدنا حب سمية، واتعاطف معاها جداً، واتجوزها وطبعاً كانت أمي لسه صغيرة، فلقى فيها الزوجة والأم لبنته. برغم إن العيلة رفضت جامد، بس هو أصر واتجوزها وخلفت منه والدك اللي هو خالي."

ليصمت أحمد قليلاً ليقول: "الكلام ده اللي حكاهولي محامي الشركة القديم، لأن والده كان صديق جدك ومحاميه وكان عارف كل حاجة جدك مر بيها." أدهم بشرود: "وإزاي إحنا مكناش نعرف بكده؟ أحمد: "كنا هنعرف إزاي ومن مين؟ الموضوع اتقفل من زمان أوي ومحدش يعرف حقيقته غير جدك وأمي. وأمي قضت معظم حياتها بره، مع خالتها ولما كبرت بعدين اتجوزت وسافرت بلجيكا. بس جواب مامتك لامي، هو اللي فتح الموضوع.

ليعطي له الخطاب ليقول: أمك بعتته تقريباً قبل ما تموت بسنة. وطبعاً إحنا الفترة دي منزلناش مصر خالص." أدهم: "أمي فعلاً آخر تاريخ لمذاكرتها قبل ما تخلف أياد، يعني لما عرفت الحقيقة كانت بطلت تكتب مذكرتها، عشان كده خالك عرف يلعب الدور كويس من غير ما نحس. طب ليه بيكره أخوه كده؟

مش معقول في حد بالجبروت ده، أكيد هو اللي عمل الفيلم اللي مكنش حد البطل ولا المخرج غيره، عشان يبرر لنفسه كل اللي عمله. وأكيد أبو مريم مأذاش أمي ولا ظلمها، بس إزاي يتجوز مرات أخوه؟ إزاي وليه؟ أحمد: "مافيش غير اتنين هما اللي يعرفوا الحقيقة، عم مريم اللي أكيد كان عارف إنت ابن مين لما اتجوزتها، وأكيد خالي." أدهم بشرود:

"أنا فهمت دلوقتي سبب نظرات خوفه مني لما عرف إن أنا ابن مين. حتى أنا مركزتش في الاسم اللي كنت بدور عليه، بس عارف يا أحمد كأن ربنا كان ع'م'يني اللحظة دي، ومحستش بنفسي غير وأنا بمضي على قسيمة جوازي من مريم، وعشت معاها أحلى دنيا كنت بتمنها، بس الدنيا كأنها كانت ناوية تكشف كل الماضي." ليبتسم بسخرية ليقول: "بعد ما رجعت من سفرية ألمانيا، رحتله على طول عشان أعرفه إني اتجوزت وهعلن جوازي. لقيته عارف إني متجوز. مش

قادر أنسى ضحكته وهو بيقول:" عزت: "ات'ج'وزت بنت الراجل اللي كان السبب في عذاب وظلم أمك، من بنت الراجل اللي هدم حياتنا." ليعود أدهم من شروده ليقول: "كنت مصدوم أوي." ليربط أحمد على كتف صديقه بألم: "محدش مظلوم في كل اللي حصل ده، غير مريم وبس." أدهم بشوق: "وحشتني أوي يا أحمد، بقيت أحب شقتي القديمة عشان هي المكان الوحيد اللي جمعنا ببعض، جمعنا بأحلى ذكريات عمرنا." ***

لحظات قد دام الصمت بينهم، ليعلن الزمن صفارته، بأن الوقت قد حان لتصفية الحسابات، واليوم قد جاء الزمن ليصفي حسابه معه، ليعطيه أكبر درس، وألد طعنة، ممن أحبها واستسلم لها وعصف بجبروته وقوته واستكان بين يديها. ليتطلع إليه شادي. ليقول: "لو مش مصدقني، دي كل الفيديوهات اللي تقدر تشوف مراتك وهي في حضني.. وتقدر تسمع آخر حاجة طلبتها مني."

ليبدأ بتشغيل أحد مقاطع الفيديو أمام مرأى عينيه، ليحدق عزت بكل شيء، ليتوقف به الزمن للحظات وهو يرى زوجته في حضن رجل آخر، ليسمع صوتها وكلماتها البذيئة. وكأن السكين قد بدأت تقطع في جسده. ليتوقف الفيديو.

ليسمع حديثها وهي تخطط لموته كي ترثه وتصبح وريثه شرعية لأملاكه، لأملاكه التي قد حرم منها أخاه وجعله يتذوق الفقر، ويعمل كمجرد عامل كي يحصل على قوت يومه، على الرغم بأن والده قد كتب له بعض الأملاك لكي يورث في أمواله بعد أن اعتبره ابن له أيضاً. لتأتي هي وتتمتع بكل هذا بعد أن تقتله. لينهض شادي من أمامه وهو يقول: "كده الحقيقة كلها بقت واضحة قدامك." ليضع عزت يديه على قلبه ليقول: "وإشمعنى جاي دلوقتي تفضح عشيقتك؟ شادي بألم:

"عايز أنضف بجد، وأبعد عن الوساخة دي بقى. الوساخة اللي خلت أقرب حد ليا تموت بقهرتها بعد ما شافت ابنها اللي ربته، بقى أحقر مخلوق. للأسف كل واحد بيفوق بعد ما بيدفع التمن وبيدفعه غالي أوي." عزت بألم: "اخرج بره مكتبي يا حقير." شادي بسخرية: "افتكرت إنها حبيتك، دي كانت بتحب فلوسك وبس، كنت بتوهم نفسك بكذبة انت نفسك مش مصدقها." لينظر إليه شادي قليلاً. ويتركه وهو يقول: "سلام يا عزت باشا." ***

لحظات من الألم قضاها وهو يتطلع إليه بشفقة، وهو يرى ذلك الرجل الطامع نائمًا على الفراش بانكسار، وهو يغطي رجله التي فقدها حتى لا يشعر بعجزه. نظرة قد شرّدت فيه بكل شيء. فنعم لكل شيء نهاية. مهما طالت بنا الحياة. للظلم نهاية، وللباطل نهاية، وللكذب نهاية، وللإنتقام أيضاً نهاية، ولقوتك أنت أيها الإنسان أيضا نهاية. حتى الحياة مجرد نهاية لنا جميعاً. منصور بألم:

"كنت هبعتلك بكر ابني يا والدي عشان أعترفلك بكل الحقيقة، أعترفلك إن عبدالله أخويا مكنش فيه أجدع ولا أحن ولا أشرف منه." ليصمت منصور قليلاً ليقول:

"أبوك كان بيكرهه عشان عبدالله مكنش حد بيشوفه من غير ما يحبه. كانت كل الخلق بتحبه. حتى جدك وأمك. جدك مع إنه مش ابنه وابن مرته بس حبه وكان عايزه يعطيه من ماله ويرفعه، بس أبوك للأسف كان بيكرهه متعرفش ليه وكأنهم مش إخوات من بطن واحدة. أمك كانت بنت أكبر أعيان بلادنا، كانت زينة البنات. في يوم قرر جدك بعد ما يأس من عبدالله إنه يجي يعيش معاه في القاهرة بعد ما سمية هانم ماتت، عشان يقدر يخلي باله منه ويساعده ويمتعه في خيره. بس

للأسف هو رفض لأنه قاله ده مش من حقي. جه جدك بلدنا واشترى مزرعة كبيرة وخلى عبدالله هو المسؤول عنها وإحنا كمان معاه ونعيش في خيرها، وتبقى مكان ليه لما يجي يزور عبدالله يلاقي مكان يقعد فيه. كان معتبر عبدالله والده التاني، كان بيحبه زي ما أحب أمه وحب يعوضه سنين الحرمان اللي عاشها بعد ما أمه سابته لسه بيرضع و هربت من أبوي بسبب ظلمه و ضربه ليها. ولما رجعت عشان ترجعه ليها أبويا رفض لما عرف إنها اتجوزت وحرمها منه لما رفضت

ترجعله تاني بعد ما جدك كان طلقها منه واتجوزها."

ليصمت منصور قليلاً وهو يتنهد: "كان عبدالله بيحب أمك أوي، كان بيحبها من بعيد من غير ما تعرف إنه بيحبها. أنا الوحيد اللي كنت عارف. كان دايماً يجي يقولي: تفتكر يامنصور ممكن يجي يوم وأقدر أصرحها وتعرف حبي ليها؟ أنا خايف لتضيع مني." "لغاية لما جه أبوك، وأول بنت وقع بنظره عليها في بلدنا هي أمك وحلف إنها مش هتكون لحد غيره مهما كلفه الأمر حتى لو هيقتل عبدالله." ليشرد منصور قليلاً وهو يتذكر!

"أوعى تفتكر يا عبدالله إن كل حاجة هتاخدها مني، إنت بتحلم، يا ابن الفلاح. وأوعى تعمل نفسك راجل ولا شريف قدام أبويا عشان تضحك عليه وتكرهه فيا عشان تبقى إنت ابنه، فاهم يا عبدالله." ليتطلع إليه عبدالله بألم ليقول: "ليه يا عزت الكره ده؟ ده انت أخويا الصغير اللي بحس إني مسؤول عنه، ومستعد إني أسيبلك الدنيا كلها، ولو ليلى فعلاً عايز'ا'ك هسيبهالك صدقني وهتمنالكم السعادة." ليأتي منصور إليهم:

"أنت هتسيب الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها ليه؟ لينظر إلى عزت باحتقار: "ابعد عنا يا ابن الباشا، أوعى تفتكر إن الخير اللي معيشينا فيه، ممكن يخلينا نسيبكم تبيعوا وتشتروا فينا. إلا أخويا سامع." ليعود منصور بذاكرته ليقول:

"وصممت أمك تتجوز عبدالله عشان حبته، وده زاد الكره أكتر بس من ناحية أبوك. لحد ما جه اليوم اللي هدد'ه' فيه أبوك بأبويا وبيا. وقاله لو مطلقتهاش هشرد أهلك وهسجن أبويا بعد طبعاً ما كان عايز يتهم أبويا إنه سرق. وطبعاً عبدالله مقدرش يشوف أبوه في آخر أيامه مسجون ولا أخوه. كان جدك الفترة دي مسافر بره البلد يتعالج، ومكنش حد قادر يقف لأبوك لأننا كنا غلابة يا والدي، وطردنا من البلد كلها. وسبنا بلدنا، ورحنا بلد بقينا أغراب فيها. وعبدالله مبقتش عارف فين أراضيه. لغير بعد سنين طويلة كانت مراتك عندها 4 سنين لقيته في يوم جيه ليا ومسكها في إيده."

"بس للأسف النفوس اتغيرت، والطمع بقى خلاص ع'م'اني هو والكره، بقيت كارهه أخويا ومحملاه ذنب مش ذنبه لما طردنا بسبب جوازته من أمك. لحد ما جيه ليا في آخر أيام عمره الله يرحمه بيطلب مني إني أساعده وأسلفه فلوس عشان العملية اللي مفروض يعملها في أسرع وقت. كان ربنا الحمد بدأ يفتح عليا وبقى معايا فلوس. وبدل ما أساعده، خليته يتنازلي عن بيته، مقابل الفلوس." ليتنهد منصور بألم ليتابع حديثه:

"ويوم ما جيت تطلب مني إيد بنت أخويا، وعرفت إنت مين، عرفت إن الزمن جيه يصفي حساباته مع أبوك، كنت خايف لتشك في الاسم، بس ربك كان مدبر كل حاجة. واتجوزت بنت عمك عبدالله." "وأنا استغليتك وبعتلك بنت أخويا، ونسيت إنها عرضي، ولازم أحافظ عليها. وروحت لأبوك عشان أشمت فيه وأخد منه فلوس، وأعرفه إننا خلاص بقينا عايشين في خيره، اللي حرم منه أخويا." ليصمت منصور بألم:

"وكانت آخر خطة ليا مع أبوك، إني أثبتلك إنه كلامه صح وإن عبدالله هو اللي رمى أمك وأذاها عشان تنتقم منه في بنته وأحط ورق مزرعة أمك في بيت أخويا عشان تعرف إن كلام أبوك صح وإني عبدالله أخد المزرعة مقابل حرية أمك. مع إن جدك هو اللي كتب المزرعة باسم عبدالله لما عرف اللي حصل وفضل يدور على عبدالله. بس للأسف محدش كان عارف فين أراضيه." ليظل أدهم شاردًا، في عالم لا يرى فيه شيء سوى الظلام. منصور بألم:

"الكره يا ولدي يعمل أكتر من كده، والشيطان. ربنا يسامحني." ليتأمل رجله المبتورة بألم: "وزي ما أنا خطيت في الحرام ونسيت المنتقم الجبار، ربنا انتقم مني." ليتنهد أدهم بصعوبة. ويسير بخطوات بطيئة كي يغادر هذا المكان. ليقول منصور: "خلي مريم تسامحني يا أولادي." *** والآن قد أصبح كل شيء واضح أمامه، ليمر ماضيه أمام عينيه وهو يتذكر كل شيء مر بحياته، حياته التي لم تكن غير مليئة بالكره، بالكره الذي كان يعشق جنايته وكأنه ورد.

ليأتي الزمن ويوقعه تحت يد تلك الأفعى، التي أحبها على كبر، وكأن الزمن يعاقب كل أحد بما يحب. ليتذكر زوجته الأولى وحبها لأخيه الذي كان يقتله كل يوم كلما شعر بأنها مازالت تحبه بعد أن هدم صورته أمام عينيها. ليأتي به المطافي أن يزرع الكره في قلب ابنه كي يخفي حقيقته المخذية، ليأتي صورة زوجته وهي بين أحضان آخر، وهي تحادثه بأن تقتله. ليشعر بأنه قد فقد السيطرة على موقد سيارته، ليحاول أن يتحكم بها ولكن...

يظل فقط صوت صراخه، وهو لا يرى شيئًا أمام عينيه غير النهاية المقتربة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...