لحظة قد تجمع فيها الخوف، ليعلن عن انتهاء حياة في عالم قد نسي المرء تماماً أنه فاني. حياة تمر سريعاً أمام أعيننا في شريط واحد، وكأنها تقول بصوت عالٍ: انظر أيها الإنسان، هل حصدت ما جنيته؟ هل رأيت لحظة ضعفك وأنت ترجو من الله أن يقف هذا الشريط للحظات، لتبدأ صفحة جديدة بشريط جديد؟ هل نفعك غرورك؟ هل حصد كرهك شيئاً؟ لتنظر النفس بحسرة وهي لا ترى شيئاً غير الخوف... لتقول برهبة: لقد أصبحت خائفة من حياة تنتظرني!
لتضحك الحياة بصوت عالٍ: الآن قد خفت، بعد أن انتهى كل شيء... فيالك من أحمق! تذكرت خوفك في لحظة ضعفك. ليقف كل هذا على صوت واحد: النبض ضعيف أوي يا دكتور. لينظر الطبيب بخوف وهو يقول: اعملوا صدمات الكهرباء بسرعة!
كان لا يرى شيئاً أمامه، ولا يفكر في شيء سوى بمن أنجبه، وليس بمن ربّاه. فمهما حدث سيظل هو أباه، وسيظل هو الابن. لم يكن يتوقع أنه عندما عزم على المواجهة، سبقه القدر وأنهى كل شيء. كل شيء أصبح الآن في عداد النهاية المنتظرة. وقف أدهم أمام أحمد بغضب وهو يقول: محدش خرج لحد دلوقتي يطمنا، أنا هقوله من المستشفى دي. لينظر له أحمد بألم وهو يقول: اهدي شوية يا أدهم، ادعيله، هو مش محتاج دلوقتي غير دعائنا.
ليجلس أدهم على أحد المقاعد بدموع مثل الأطفال وهو يقول: أهدي إزاي؟ قولي يا أحمد... أنا مش عايز حاجة غيره، قول له يجي يتخانق معايا، يضربني، يعمل أي حاجة بس يفضل وسطنا. ليُبكي بحرقة ليقول: أنا ليه بعدت عنه سنين عمري ونسيته، مع أنه هو ليه حق عليا. ليتنهد بضيق: بقاله قد إيه جوه. لينظر أحمد في ساعته ليقول بأسف: 5 ساعات. وقبل أن يتحدث أدهم بشيء، كان الطبيب يخرج وهو ينظر أمامه بتعب ليقول:
إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا. ليقف أمامه أدهم بغضب وهو يقول: اتصرفوا، فاهم؟ اتصرف يا أمجد، اعمل أي حاجة. أمجد بتفهم: صدقني يا أدهم، كل حاجة بين إيد ربنا، ومش بأدينا غير إننا ندعيله. ادعيله يا أدهم. ويرحل الطبيب وعلي وجهه علامات الأسى، وهو يرى صديق عمره أمامه بهذا الانهيار. ***
لحظات من الصمت بدأت تدوم، لتترك سماعة الهاتف من يديها، وهي لا تتذكر له سوى الأشياء الجميلة التي أسعدها بها حتى لو كانت قليلة. لتهبط دموعها هاربة عليه، حتى لو كانوا تفرقوا منذ زمن، فمهما حصل فهو كان زوجها في يوم من الأيام. لتنهض بألم من على الأريكة وهي تأمر خادمتها أن تبلغ السائق بالاستعداد للذهاب إلى المشفى. أما هي، فأين من كل ذلك؟ وكيف ستكون الحال؟
يسأل على من لديه آدميته، أما هي فمجرد آلة، فقط آلة تخزن وتُصرف منها الأموال. لتنتبه على صوت صديقتها في ذلك المكان الصاخب وهي تقول: انتي ولا على بالك يا نانسي، وجوزك بين الحياة والموت. لتقول نانسي بصدمة: عزت مات! سمر صديقتها: ههههه، لسا يا حبيبتي، بس بيودع أه. لتجلس نانسي على أقرب مقعد وهي تتمتم ببعض الكلمات وتقول:
مكنتش فاكرة خططتي هتتنفذ ومن غير ما يكون ليا يد في حاجة، والقدر لعب لعبته وريحني من الخوف اللي أنا فيه قبل ما يرميني. ياااا يا عزت أخيراً هتمتع في خيرك، واقف قدام ابنك زي الشوكة في ضهره. لتهتف سمر بصوت عالٍ على صديقتها: انتي هتفضلي هنا؟ إحنا لازم نرجع القاهرة حالاً. انتي عايز اِيه يقولوا مراته بتتفسح في العين السخنة ولا على بالها؟
لتنظر إليها نانسي بشرود، وهي غائبة بين أفكارها الطامعة، بدون أن تفكر للحظة في زوجها، وكأن الأمر لا يفرق معاها، فمماته سيحقق لها كل ما تريد. *** لحظات كان الصمت هو سيدها، ولكن العين كانت تتحدث بكل شيء، ولكن بأعين المخاطب وليس من تخاطبه. لتنفر الأعين هاربة، من أمل بدأت تفقده، من أمل باتت تحلم به، ولكن كيف الأمل يحدث وهي مازالت تعشقه، ولن تحب أحد غيره. ليأتي بجانبها جلال بابتسامة عذبة ليقول:
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا مريم إنك جيتي الحفلة، شايفه مروان بقى مبسوط إزاي أول ما شافك. لتُبتسم مريم بأعين متسلطة على مروان: ربنا يخليهولك وميحرمكش منه. لتتذكر ما كان في رحمها. ليتأمل هو معالم وجهها ليقول: متعرفيش الخير فين يا مريم. لتنظر له مريم بتساؤل: مش فاهمة حضرتك، يعني إيه؟ ليبتسم لها جلال ليقول: إيه حضرتك دي، على فكرة إحنا مش في الشركة، وأنا عمال أقولك يا مريم عادي. وانتي برضه عادي لما تقولي يا جلال.
لتنظر له مريم بشرود من تصرفاته التي أصبحت غريبة: يبقى هقول يا أستاذ جلال. جلال بتنهيدة: إيه أستاذ جلال دي، على فكرة أنا مش كبير أوي. ليضحك وهو يقول: يعني أكبر منك بحوالي 15 سنة وبس. لتبتسم مريم ابتسامة بسيطة، وهي تُشيح بوجهها بعيداً عنه، لتتأمل في أعين الأطفال... وتستأذن منه كي تعطي هديتها ل مروان وترحل. ليتطلع هو إليها وهو يراها تحضن ابنه ليتنهد بأسى، وهو ينهَر نفسه: لما لم يخبرها اليوم بطلبه؟
فهو كان قد أوشك على مصارحتها، ولكن... لم يرَ في أعينها التشجيع لكي يعرض طلبه. وكيف ستشجعه وفي قلبها رجل آخر قد امتلكه من أول يوم قد رآته فيه. *** دموعاً قد تحجرت في عينيه، وضعفاً قد عصف بقوته، وصرخة قوية أراد أن يصرخ بها لكي يخرج كل ما يشعر به، لعله يستريح قليلاً. ودعاءً قد أطلق به لسانه، وسجدة خاشعة بدموع قد ارتوت بها الأرض. ليرفع يده إلى السماء وهو يقول بصوت باكي: يااااااارب. اقتربت منه إلهام بألم وهي تقول:
صليت ودعيتله يا حبيبي، أيوه كده خليك قوي، ومافيش أقوى من المؤمن مهما ربنا بيبتليه بيفضل، يحمده ويصبر وهو عارف رحمة ربنا بيه، وأنه عمره ما هيديله حاجة أزيد من طاقته عشان يتحملها. لينظر إلى إلهام بتعب وهو يقول: هو أحمد فين؟ إلهام وهي تتطلع إلى من أمامها، ليلتف هو بوجهه ليرى من تتطلع عليه، ليشيح بوجهه سريعاً وهو يشعر بالاختناق عند رؤيتها.
لتأتي هي إليهم بأعين باكية مخادعة، لتمثل دور الزوجة الحزينة التي سيقتلها الحزن إذا فارق زوجها الحياة. لتقترب من أدهم بأعين باكية: عزت ماله يا أدهم؟ قولي. أوْعَ تقول لي إنه حصله حاجة. لتجلس على الأرض بدموعها الكاذبة، وهي تتنهد بألم. لتقترب منها إلهام بإشفاق، وقد ظنت حقاً أنها حزينة بالفعل، لتربط على كتفيها وتنهضها لتقول: ادعيله يا حبيبتي.
ليظل يتطلع إليها أدهم بأعين كالصقر، وكأنه يتهمها بكل شيء. فمنذ أن دخلت حياتهم وتعقد كل شيء بينهم بالأكثر. لتخرج الممرضة سريعاً من أمام أعينهم، وبعد ثوانٍ معدودة كان خلفها الطبيب الذي خرج بعد دقائق ليربط على أحد كتفيه ليقول: عزت باشا عايزك يا أدهم.
لحظة قد توقف فيها الزمن لثوانٍ، ليسمع ضحكة والده ويشعر بأنفاس حضنه عندما كان يلاعبه أحياناً وهو طفل صغير. لتسير كل اللحظات الجميلة أمام عينيه. ليتمنى أمنية واحدة فقط لو أن تلك اللحظات قد ظلت هكذا وظل والدهم أباً يعيشون في كنفِه طيلة شبابهم. ليدخل على والده وهو يراه بوجه متألم ليقول عزت:
الحمد لله إن ربنا زود في عمري دقايق عشان أقدر أقولك سامحني يا ابني. أنا عارف إني مكنتش أب كويس ليك لا أنت ولا أخوك، ولا حتى زوج وأخ، ولا ابن بار بأبوه. أبويا كان عنده حق لما حب عبدالله أكتر مني، حتى أمك، لأن أنا كنت مجرد شيطان ماشي على الأرض، أهم حاجة نفسي وبس. حتى الخير القليل اللي كان جوايا ضاع مع شري وبقيت مجرد إنسان من غير قلب ولا روح. ليتطلع عليه أدهم بتعب ليقول:
أوعى تزعل أنت مني، والله أنا بحبك زي ما بحبها. انتوا الاتنين أغلى من روحي، أوعى تسبني كمان. أنا محتاجك جنبي أنا وإياد، أوعى تتخلى عني. طب مش عايز تشوف أدهم الصغير ده؟ إياد بيقول إنه شبهك. ليتطلع إليه عزت بتعب: يااا يا أدهم، مكنتش أعرف إنك بتحبني للدرجة دي، كنت فاكر إنك بتحبها هي وبس. ليبتسم بحزن وهو يقول: أمك فعلاً إنسانة كانت تستاهل الحب، كانت إنسانة طيبة وبريئة. ليتطلع إلى ملامح وجهه بألم ليقول:
عشان كده انتوا مطلعتوش زي. نبتة الخير برضه بتفضل، وليلى كانت البذرة الوحيدة اللي صح زرعتها عشان تجيبكم للدنيا يا ولادي. ليتطلع إلى كل شيء حوله وهو يقول: ابقى سلم لي على أخوك، واقوله يسامحني هو كمان. أنا مكنتش ليه فعلاً الأب اللي أي ابن بيتمناه. ليبتسم بألم: ومريم خليها تسامحني. كان نفسي عبدالله هو اللي يسامحني بس خلاص أنا رايحله. والسماح اللي في الدنيا خلاص انتهى.
اقول لمريم يا أدهم: إن عبدالله عرف يربي كويس، واوعى تفرط في مريم. اوعى يا أدهم تخسرها. وأول ابن ليكم سموه عبدالله عشان عايز عبدالله يشاركني باسمي، زي ما كان مشاركني في دمي. بس للأسف عمري ما حسيت ولا حسّيته إنه أخويا. كنت طفل أناني لما كنت أشوف أمي ماسكة صورته وبتعيط، أكرهه أكتر عشان مشاركني في حبها، مع إن أنا اللي كنت متمتع بحنانها واهتمامها وهو بس مجرد حنين ولحظات قليلة بتجمعهم لما بتزوره. ولما كانت بتفارق الحياة فضلت تطلب من جدك إنه يخلي باله منه، بس للأسف كرهته برضه أكتر بأنانتي وأنا شايف أمي حتى في لحظة موتها بتفكر فيه. ومفكرتش لحظة إنها بتطلب كده عشان عارفة إن أنا معايا أب هياخد باله مني وعايش حياة محدش عايشها. أما هو كان فين في كل ده؟
وحتى لما جدك حبه وفضله عليا مع إنه قالهالي قبل ما يموت. الكره اللي جواك يا عزت من أخوك هو اللي مخليك غبي. حد يكره ابنه اللي من صلبه يا ابني؟ أنا كنت بس بحاول أقربكم من بعض عشان تفضلوا إخوات طول العمر في إيد بعض. لينظر عزت لابنه بتعب: كان عنده حق جدك. الكره اللي سيطر عليا من الغيرة والأنانية خلوني إنسان غبي معندوش قلب ولا رحمة. أدهم بدموع: كفاية يا بابا! عزت بفرحة: يااا أخيراً نطقتها! ليقول بصوت مُجهد:
كل حاجة أملكها مكتوبة باسمك أنت. عارف إنك مش هتظلم أخوك للحظة ولا مريم بنت عمك، يا أدهم، بنت أخويا عبدالله. وقبل أن يلتقط أنفاسه الأخيرة: نانسي... لاء، لاء يا أدهم. ليتنهد لحظات باقتضاب وهو يقول: يارب ارحمني! ليتوقف كل شيء، ولا يبقى سوى هذا الصوت الذي يعلن عن رحيله، ودموع تتساقط بغزارة على فراق قد كسر ظهره. ليتأمل معالم وجه أباه بألم وهو يقول:
والله كنت بحبك أوي يا بابا، بسبب حبي ليك كنت بعاقبك وبأسي قلبي عليك قدامك. بس كنت بحبك صدقني، ولو كنت طلبت عمري ما كنت هتأخر لحظة وهدهولك. *** لحظات من الهدوء بدأت تسري، وكأن العاصفة تأتي أولاً وبعدها يعم هدوؤها، ولكن بعد أن أدت مهمتها. جلست بجانبه وهي تحمل طفلها لتقول بصوت مضطرب: أياد في إيه؟ طمني، في حاجة حصلت لي. ليتأملها طويلاً، وهو لا يرى شيئاً أمامه وكأنه يبحث عن أحد. ليضع وجهه بين كفيه ليقول:
بابا مات يا شاهي، عزت باشا مات. لترتفع صوت شهقات شاهي وهي تقول: إن لله وإن إليه راجعون. أياد: جهزي نفسك بسرعة عشان مسافرين في أول طيارة دلوقتي وحالاً. لتنظر له شاهي بصمت، وهي ترى دموعه التي تحجرت أمامها. لتقول بصوت هادئ: حاضر. لترحل هي، وتبدأ دموعه بالتساقط وكأنها تحجرت قليلاً قبل أن تنفجر العينان باكية. ***
لحظات من الصدمة قد تجمعت أمام عينيها وهي ترى ذلك الخبر في إحدى الجرائد، وكأنها أصبحت غريبة عنهم. ولكن لماذا لا تشعر بالألم؟ هل لأنها كانت آخر من يعلم بكل شيء حتى ترى هذا الخبر الماثل أمامها وتصبح على علم بكل ما حدث معه؟ ولماذا تحزن وهو قد أخبرها بأنه قد طلقها وأن قليلاً من الوقت وسترى ورقة طلاقها أمام عينيها كما قال آخر مرة قد أتى إليها فيها.
لتنهض من على كرسي مكتبها وتأخذ حقيبتها، وتغادر الشركة بدون أن تفكر أين سيكون مقر العزاء. وما من لحظات قليلة كانت تقف أمام القصر الذي أتت إليه باكية، ورحلت منه بقلب لا يُقال عنه سوى بالجبل الذي ما زال صامداً. علمت من الحارس بعد أن رحب بها بأن العزاء سيكون في قصرهم الآخر. لتذهب إلى هناك وهي لا تفكر في شيء سوى أن تراه، سوى أن تمسح بيديها دموعه، سوى أن تقول له: اصمد يا حبيبي.
لتدخل القصر بخوف شديد، فهي قد أصبحت تخشى من تلك الحياة، من حياة القصور التي لا تكون سوى سجن يدخله المرء ليفنى في حياة لا يبصر فيها سوى الألم، كما أصبحت تظن. لتقترب منها إلهام بدموع وهي تحتضنها: يا حبيبتي يا مريم، وحشتيني. معلش معرفتش أتصل بيكي وأقولك، غصب عني. لتحتضنها مريم بحب وهي تقول: ربنا يصبركم ويصبر أدهم. إلهام بألم: أدهم لحد دلوقتي منهار، ربنا معاه ويصبره. مريم بأسى:
إحساس الفقد صعب أوي، وبالذات الأهل. ربنا يصبره. إلهام: يارب يا مريم. مريم تسأل: هو فين دلوقتي؟ إلهام: بيشوف الحادثة كانت من فعل فاعل ولا لأ، لأن البوليس شاكك في الموضوع. ومستنيين أياد عشان طلب إن محدش يدفن أبوه غير لما يكون موجود. لتتطلع مريم بألم إليها، وهي تتنهد بحزن. لتمسك إلهام يدها وتجلسها على أحد الأرائك وهي تقول: تعالي اقعدي يا بنتي، أنتي شكلك تعبانة. ***
وتري القبور أمام عينيك، لتتأملها وأنت ترى أين نهايتك، نهايتك التي تصبح غافل عنها، حتى يأتي الدور، لتفيق على أصواتهم وهم يودعونك، ويتركونك بمفردك، ولا يبقى لك شيء، لا مال ولا بنون ولا قصور ولا أي شيء غير عملك الذي قضيت طيلة حياتك تجنيه. ليأتي يوم الحصاد لتفارق الروح الجسد ولا يبقى شيء حولك غير التراب والظلام. لحظات من الحزن قد اعتلت قلوبهم، وهم يودعونه بألم، وهم لا يظنون للحظة أنه قد فارقهم. ليقترب أياد بدموع من أخيه
الأكبر ليحتضنه وهو يقول: خلاص يا أدهم، راح أبوك راح وسابنا، أنا حاسس إنكم بتضحكوا عليا. ليحتضنه أخاه بشدة وبصوت ضعيف: أياد خليك قوي، ادعيله يا أياد. أياد بألم:
كنا ديماً بُعاد عنه، بس هو اللي اختار كده، وقرر إنه يسيبنا نعيش حياتنا بالفلوس، الفلوس اللي مكنتش غير نقمة ومش نعمة على حياتنا، الفلوس اللي مش بتعمل الحنان ولا بتعمل الأسرة. طول عمرنا كنا أسرة مشتتة كل واحد في حياته، مبنجمعش لغير في الحفلات والمناسبات أو في المشاكل وبس. ليتمالك أدهم دموعه التي قد أوشكت على أن تخونه ليصرخ ويقول: خلاص يا أياد، أرجوك. ليقترب أحمد منهم بألم: أياد يلا، وسيب أدهم شوية لوحده.
هلينظر لهم أياد بألم، ويغادر أحمد وأياد المدفن ليبقي أدهم فقط. ليظل يتأمل ذلك المكان بدموع قد خانته الآن وبدأت تسقط ليقول بصوت باكي: مبقتش قوي خلاص، فاكر لما كنت بتقولي إن بفكرك بشبابك وقوتك، وإن محدش كان يقدر يقف قدامك مهما كان. خلاص القوة اتهدمت اللي كنت بأخدها منك. ليُبكي بحرقة ليقول:
عزت باشا، قصدي يا بابا، كنت ببقى كاره نفسي وأنا مش بنطقها، مهما كبرت وبقيت حاجة كنت بشتاق أوي لنطقها. فاكر وأنا صغير لما قولتلي إن أول كلمة نطقتها هي ديه، بقيت تقولي مكنتش فاكر إن أول كلمة هتنطقها هتبقى أول كلمة هتكره إنك تقولها. سامحني. ليذهب ويتركه، وهو يجفف دموعه، ليرتدي نظارته وهو يخفي عينيه، ليصبح القلب وحده من يشعر بضعف صاحبه. ***
يوماً طويلاً قد قضوه من الألم، ألم سوف يطيب مع الوقت، وينسى مع الزمن. ليرحل آخر ونودعه بنفس الطريقة ليعود إلينا النسيان محملاً لنا حتى تستمر الحياة. ولو نظرنا سنجد أن كل منا يرحل بعمله فقط وطيبته التي يزرعها في دنياه، ليبقي أثر خيره هو فقط الموجود. بدأ الناس بالانصراف، وبدأت لحظات الصمت تعم المكان لتبدأ دموع نانسي المزيفة بالهبوط باحترافية لتقول: محدش حاسس بيا، ولا حد حاسس بالوجع اللي جوايا. لتتطلع إلى
أعين شاهي ومريم وهي تقول: كل واحدة فيكم مع جوزها، إلا أنا، اترملت في عز شبابي. لتظل تبكي بألم مخادع. لتظل نظرات مريم وشاهي لبعض، لتنهض شاهي لكي تطمئن على طفلها النائم، وتنهض مريم لتقترب منها وهي تقول: ربنا يصبرك يا مدام نانسي. وتلتفت بوجهها بعيداً كي ترحل. لتقترب منها إلهام: رايحة فين يا مريم؟ مريم: هروح، وهبقى أجي بكرة إن شاء الله عشان أعزي أدهم وأطمن عليه. لتقترب منها إلهام بإشفاق:
على فكرة هو في مكتبه، تعالي أدخلي له. لتتابعها مريم، وأعين نانسي مسلطة عليهم. ل تنهض من مكانها وهي تنفث دخان غضبها لتغادر المكان بأكمله، فهي لن تتحمل أكثر من ذلك في تمثيل دور الزوجة المخلصة. وما من دقائق كانت تخرج فيها صوتها بصعوبة وهي تقف خلفه وهو يدخن سيجارة تلو الأخرى. لتقترب منه بخطوات بطيئة وبصوت هادئ: البقاء لله يا أدهم. ليلتف إليها بهدوء وهو يتطلع إلى معالم وجهها: ونعم بالله. مريم بحب:
أنا حبيت أطمن عليك قبل ما أمشي وأعزيك. أدهم بجمود: تمشي تروحي فين؟ مريم: هروح بيتي. أدهم بصرامة: وعلى أساس إن ده بيت مين؟ مش عايز أسمع موضوع بيتي وبيتك ده تاني، فاهمه؟ أنا مش هسيبك عايشة لوحدك أكتر من كده. قولتي تبعدي شوية قولت مش مهم، قولتي أعيش لوحدي قولت هنفذلك رغبتك. منعتيني إن أكون جنبك استحملت وقولت مادام هي حابة كده أنا هنفذلها رغبتها. بس بعد كده هتسمعي الكلام، سامعة؟ مريم بألم: أنت ناسي إننا خلاص اتطلقنا.
أدهم: ومين قالك إني طلقتك؟ أنا قولتلك كده عشان أريحك من وجودي اللي بقيتي خلاص رافضاه في حياتك. مريم: يعني إيه؟ إحنا مطلقناش؟ أدهم بشرود: لأ، وإنتي لسه مراتي يا مريم. ليظل يتأملها قليلاً وكأنه يخاطب كل جزء فيها بأنه قد اشتاق إليها كثيراً، ليشيح بوجهه سريعاً وهو ينده على أحد الخدم بعد أن غادر مكتبه ليقول: طلعوا الهانم أوضتي، عشان ترتاح.
ويتركها ويغادر القصر بأكمله وأعين إلهام ومريم عليه. ليصطدم به أحمد ويخرج خلفه منادياً. لتقف الكلمات عاجزة، وتتوالى نظرات الأعين باحثة عما تفقده. ويبقى صوت واحد يئن بين الدموع وهو صوت القلب. ليخبرنا بضعفه وأنينه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!