لحظات أستكان بها الزمن بعد أن بدء بتصفية حساباته ليعلن بداخل كل صفحات الماضي حياة قد حيت في قلوبنا بعدما أصبح القلب يبحث عن نفسه من جديد ليتأمل حاله بعد زمن طويلا قد طال. ليجد أنه قد كان ضائع وسط سراب أهوائه، ليفيق على ذكريات الشوق والحنين ليصبح نادمًا على لحظات قد أهدرها بين طيات الزمن وسط الآمال الزائفة.
لحظات من الشرود قضاها وهو يطيل النظر إلى الفراغ الذي أمامه وكأنه يبحث وسط الظلام على شعاع نور يضيء بداخله، ليتنهد طويلاً وهو يستنشق بعض نسمات الهواء العليلة، وهو سارح في عالمه هو فقط. أحمد بألم: أول مرة أشوفك ضعيف كده يا أدهم! ليلتف إليه بأعين هاربة وهو يقول: ومين فينا مش ضعيف من جواه؟
عارف يا أحمد أنا دلوقتي اكتشفت أني عامل زي القشاية أو الريشة اللي الهوا ممكن يطيرها في أي مكان، من غير أي مقاومة. قوتي كانت أداري بيها ضعفي. أحمد بتنهد: بس أنت عمرك ما هتبقى ضعيف يا أدهم، عشان أنت لو ضعفت مش هتبقى أدهم اللي كلنا عارفينه. ليضحك أدهم بسخرية: ماهو عشان كلكم عارفينني بأدهم القوي والصارم، عمر ما حد تخيل إن جواه أدهم ده حد ضعيف قوي، عامل زي الطفل ممكن يفرح بأي حاجة حتى لو لمسة إيد.
ليبتسم بأسى: مريم الوحيدة اللي قدرت تخرجه ببرائتها وطيبتها وضعفها قصادي. أحمد بحنان: طيب مادام أنت محتاج لمريم دلوقتي، ليه ما تروحش ليها وترمي نفسك في حضنها؟ ولا أدهم الضعيف مش عايز يظهر دلوقتي ويظهر احتياجه؟ ليظل يجول بنظره في كل أرجاء المكان وهو شارد بخفقان قلبه. .................................................. ............
لم يكن خفقان قلبها بكاذب، ولا حنينها الذي أصبح يسيطر عليها مجرد فقط لشيء مضى لا أكثر، حتى ذلك الصوت الذي أصبح يتردد في أذنيها لم تستطع يوماً إخماده. فكلما تردد لم تجد شيئاً تجادله به حتى لا تصبح حجتها مجرد حنين وشوق لا أكثر. ليتردد ذلك الصوت في أذنيها ليقول: لماذا ما زلتِ تحبينه، وتخشين عليه حتى من حزنه؟ لما كل هذا؟ ليخمده قلبها ليقول: لا أعلم وكفى وجعًا بي، فأتركني وشأني.
لتخمد هي كل شيء بداخلها، وهي تسمع صوت طرقات الباب، وتنهض من مكانها لترى من الطارق. لتقف إلهام أمامها مبتسمة لتقول: جيت أطمن عليكي يا حبيبتي، وأجيب لك حاجة تلبسيها بدل ما أنتِ قاعدة بهدومك كده. لتنظر لها مريم بحب: تعبتي نفسك ليه؟ أنا كنت هروح الصبح بيتي. إلهام بحب: وده يعني مش بيتك يا مريم؟ ده بيتك وبيت جوزك، ولازم تقفي جنبه وتفضلي معاه في الفترة دي. لتقترب منها إلهام وتربط
على أحد كتفيها وهي تقول: أدهم بقى محتاج لك قوي يا مريم، محتاج لك أنتِ أكتر واحدة. عارفة إنه ظلمك وعذبك بس صدقيني كان بيعذب نفسه الأول. لتجلس إلهام على أحد المقاعد
وتقربها منها وهي تقول: أدهم عمره ما كان كده، كان زي أي شاب في عمره ليه طموح وبيتمنى يلاقي إنسانة يحبها وتحبه ويعملوا أسرة صغيرة وجميلة. كان نفسه يؤسس حياته زي ما كان بيتمنى يلاقيها هو ويعيشها. يمكن أنا الوحيدة اللي كنت ديمًا بحسسه بالدفء والحنان اللي محتاجه عشان كده فضلت أنا الوحيدة اللي بيقدر يشكي لها حتى من ضعفه. أدهم اتغير أوي. لتصمت إلهام قليلاً
لتقول: من ساعة ما عزت الله يرحمه كشف له الحقيقة المخادعة اللي كانت السبب في جواز أمه وعيشه في وهم ظلم أبوكي لأمه. طبعًا كان صعب عليه أوي إنه يستحمل كده وأترسخت جواه فكرة الانتقام من باباكِ اللي فضل يدور عليه. وبالصدفة اكتشف إن اللي حبها واتجوزها هي بنته. وكأن القدر كان عايز يزرع الحب بفكرة الانتقام. أنتوا الاتنين يا مريم عيشتوا لعبة الكره والانتقام اللي زرعها عزت بسبب كرهه لأبوكي.
لتصمت إلهام، وتظل نظرات مريم مسلطة عليها. لتضمها إليها إلهام بحب وهي تقول: هو محتاجك دلوقتي خليكي جنبه. وبعدين وقت العتاب هيجي. بس هو دلوقتي محتاج مراته مش مريم اللي بقيت عنيدة. لتضحك مريم بدون أن تشعر لتقول: هو اللي خلاني أبقى عنيدة. أنا عمري ما كنت كده. إلهام بحب: ربنا يهديكم يا ولادي! .................................................. ...........
لحظات من الشرود قد قضاها، ليظل يفكر في كل شيء لم يستطع عقله أن يصدقه، وكيف يصدقه وكل شيء قد قُص إليه لا يعتبر سوى حكايا من قصص الأساطير. ليمسك بهاتفه وبعد ثوانٍ معدودة: أنت فين يا أحمد؟ وما من لحظات ظلت فيها نظرات أعينهم تجول بينهم، ليظل كل منهما شارد في عالمه. ليتحدث إياد وهو يقول بصوت مضطرب: يعني مريم تبقى بنت عمي؟ يعني بعد السنين دي كلها يبقى لي عم أول مرة أسمع عنه. ليتابع بنظراته وهو يتطلع إلى
وجه أدهم الشارد وهو يقول: أنا دلوقتي عرفت ليه كان جوايا حاجة بتشدني ناحيتها. ليصمت قليلاً ليقول: فعلاً الدم بيحن. ليقترب إياد من أخاه: أكيد مريم لسه معرفتش الحقيقة صح؟ أحمد بأسف: للأسف كلنا كنا آخر من يعلم بحقيقة عمرها ما كانت تخطر على بالنا. بس الحقيقة لسه فاضل واحد بس معرفهاش. لتتابعهم نظرات أدهم بشرود، ليتركهم ويرحل وتظل نظراتهم مصوبة عليه. أياد بأسى: أول مرة أشوف أدهم كده يا أحمد. أنا خايف عليه قوي.
أحمد: متخافش على أدهم، الصدمات ديما بتقوي فيه وبتخليه أقوى. أياد بحزن: وتفتكر هيفضل طول عمره كده؟ يقدر يتحمل ويواجه أي حاجة لوحده؟ ده لو جبل كان زمانه اتهد من زمان. ليصمت بشرود وهو يقول: حتى الإنسانة الوحيدة اللي كنت فاكر هتكون مصدر لسعادته طلعت للأسف الحاجة اللي ديما بتعذبه بسبب حبه ليه. ليربط
أحمد على كتفه وهو يقول: متظلمش مريم يا أياد. حتى مريم كانت لعبة دخلها القدر وسطكم عشان تنكشف كل حاجة. بس للأسف هي أكتر واحدة اتظلمت من غير ما تعرف ليه وعشان إيه. مريم كانت بتحب أدهم ولحد دلوقتي بتحبه بس للأسف الماضي لسه سايب وهيسيب وجع فيهم. بس أنا واثق إن حبهم أقوى. وحاسس إن زي ما كل حاجة انكشفت مرة واحدة، كل حاجة برضه هتتغير مرة واحدة. لينظر له أياد بشرود: ياريت يا أحمد ياريت!
.................................................. ........... لحظات من السكون كانت تعم المكان، وهو يراها نائمة ليظل شارد ببسمة حزينة ظهرت على شفتيه وهو يتذكر لحظات قربهم القليلة التي جمعتهم. ليتذكر تلك الوجه البريء الذي عشقه وتلك البسمة الصافية التي لا تحمل عبء شيء. وتلك الملامح التي دومًا كانت يملأها الحزن بسبب آلام وأوجاع صاحبتها.
لتمتد يديه برفق على وجهها ليتحسسه برفق، ويجلس على مقربة منها ليظل يتأملها وهو يتحسس وجهها بحنان حتى نام بجانبها بدون أن يشعر بذلك النعاس الذي داعب جفونه بدون أن يشعر. لتظل هي مستمتعة بدفء أنفاسه ولمساته، ليأنبها عقلها بذلك الغفران الذي تمنحه له. ليتألم القلب بصمت بعد أن علم بأن غباءه هو السبب في تلك الأوجاع. ليصدر أنينه بصمت وكأنه يريد أن يسمعه هو فقط بأوجاعه حتى يعيد له حجته بسبب حب أصبح تحت بند الانتقام.
الانتقام وفقط. لتنهض من جواره وتظل شاردة في ملامح وجهه الحزينة وهي تتأمله بحزن. لتشيح بوجهها سريعًا وهي تبتعد عنه. لتسبقها لمسات يديه وهو يجذبها إليه وبصوت حانٍ. أدهم: خليكي يا مريم. أنا هخرج من الأوضة. لتظل نظراته مصوبة نحوها، لتبتعد بنظراتها عنه وهي تقول: أنت شكلك تعبان. ارتاح شوية. أنا أصلًا مش جالي نوم. لينهض هو
دون أن ينتظر ردها ليقول: بكرة هنروح نجيب حاجتك من بيت أهلك، عشان كفاية عِناد لحد كده. عايزة تعاندي معايا بعِناد هنا وانتي تحت عيني. ليتركها وتظل هي شاردة في حياتها مع ذلك السجان الذي تعشقه. .................................................. ........ وما من لحظات كان يقضيها وهو يودع كل شيء حوله.
يودع ماضي قد أنهى الكثير من عمره لينتهي به المطاف إلى الرحيل لكي يهرب من عالم قد صنعه لنفسه بسبب حب قد امتلك قلبه حتى جعله يكرهه ذلك الإنسان الذي أصبح هو عليه الآن. ليفيق من شروده لينهض كي يتابع بعض إجراءات سفره قبل رحيله ليبدأ رحلته التي لا يعلم متى ستنتهي وهل سيعود ثانية أم سيظل غريبًا طيلة حياته في بلاد غريب. ليسير بخطوات بطيئة وهو يلقي بنظرة على كل شيء حوله، حتى يسمع صوتها وهي تقول: شادي!
ليلتف إليها بعد أن ترك لأذنيه أن تسمع صوتها الذي أصبح يبغضه. نانسي: عزت مات يا شادي، وأنا خلاص هورث وهبقى معايا فلوس كتير. ونقدر نتجوز. أوعى تسافر وتسبني يا شادي. ليظل يتأمل معالم وجهها بسخرية ليقول: مزعلتيش على جوزك مجرد يومين، وجاية لحبيبك عشان تتمتعوا سوا بفلوسه. ليظل ينظر لها بألم ليقول: تفتكري لو اتجوزنا وجه اليوم اللي هتودعيني فيه لما أموت؟ تفتكري دموعك هتنزل عليا ولا لأ يا نانسي.
ليضحك بسخرية وهو يقول: مظنش أصل أنا معيش فلوس عشان تقدري تمثلي لساعات إنك زعلانة على فراقي. أنتي مريضة قوي يا نانسي. نانسي: أنا يا شادي. أنا لو مكنتش بحبك مكنتش أنت أول حد أفكر فيه. وجيت لك جري عشان نبدأ حياتنا اللي اتهدمت يا حبيبي وكنت زعلت منك بسبب آخر مرة عاملتني فيها وحش واتهمتني بحاجات أي ست متقدرش تستحملها. لتقترب منه وهي تقول: احنا دلوقتي هيبقى معانا فلوس كتير ونقدر نعيش واحنا فوق مش تحت.
شادي: تصدقي أنا صعبان عليا فعلاً جوزك اللي مات بسبب واحدة زيك. وإني ندمان إني كشفت له خيانتك وكنت سبب في موته. بس أكيد جوزك يستحق إن حياته تنتهي على إيد واحدة زيك. نانسي بصدمة: أنت بتقول إيه؟ عزت عرف قبل ما يموت بخيانتي؟ شادي بشرود: للأسف أه. وللأسف طلعتي محظوظة وملحقش يطردك ويرميك في الشارع اللي تستحقيه يا نانسي. نانسي بغضب: أنت يا شادي تعمل فيا كده. لتهدأ قليلاً
وهي تتطلع إليه لتقول: أنت فعلاً متستحقش إني أفكر فيك للحظة. أنا مش عايزة أشوف وشك تاني. شادي بضحك: ومين قالك إنك هتشوفيني تاني يا نانسي؟ أنا خلاص سايب البلد كلها ومسافر ولا أنتِ مش واخده بالك إنك في المطار؟ ولا أنتِ خلاص غرورك بقى عاميكي مش عايزة تعترفي إنك نحلة في حياة أي حد. وبقى وجودك غير مرغوب فيه. لتظل تنظر إليه وهي تبحث عن شادي الذي أحبها بكل ما فيها من عيوب. ولكن كان لا بد لحبه لها نهاية. ليبتسم
لها وبصوت يخلو من كل شيء: سلام يا نانسي هانم. ويلتف بظهره مودعًا كل شيء، ليذهب إلى أرض بعيدة يبحث فيها عن شادي آخر، وليس شادي الذي صنعته نانسي ليكون لها فقط. لتظل هي تتابعه بنظرات أعينها، ليناديها صوت بداخلها ليقول: لستِ أنتِ الخاسرة، فهو وحده الخاسر. .................................................. لحظات من الصمت قضّوها وهم يجلسون سويا على مائدة الإفطار، ليظل كل منهم يتابع تناول طعامه بصمت.
لتقترب منهم تلك السيدة الطيبة فاطمة لتقول بصوت حانٍ: يااا، من زمان وأنا نفسي أشوفكم متجمعين كده. ما كانش نفسي لما تتحقق أمنيتي دي يكون في وقت حزن. إلهام بحب: الحمد لله على كل حال. تعالي يلا أفطري معانا عشان نكمل اللمة سوا. فاطمة: لا ياست إلهام، ميصحش برضوه. إلهام بطيبة: أنا هسيب أياد هو اللي يتكلم بقى، عشان عارفة إنك بتحبيه قد إيه. لتنظر إلى شاهي بحب وهي تقول: على فكرة فاطمة هي اللي مربية جوزك.
شاهي بطيبة: أياد حكالي عنك يا دادة كتير، وحكالي عن كل المقالب اللي كان بيعملها فيكي. أنا خايفة أدهم يطلع زيه. ليبتسم أياد بشرود: يلا بقى يا بطوط اقعدي أفطري، ولا أنا موحشتكيش؟ فاطمة بحب: ده أنت وحشتني قوي يا حبيبي. وكان نفسي أشوف ابنك والحمد لله رجعتوا لينا بالسلامة وهربيه زي ما ربيتك. أياد بحب: ربنا يخليكي لينا يا دادة. ليتابع بالحديث ليقول: أدهم ومريم مش هينزلوا يفطروا معانا.
إلهام: أدهم راح مع مريم عشان تجيب كل حاجتها من بيتها القديم. لتنظر لهم شاهي وهي تحمل طفلها: مريم شكلها طيبة قوي. أنا مبسوطة قوي إن هيكون ليا أخت زيها، وأنتي برضوه يا طنط إلهام حضرتك طيبة كمان. لتتابعها نظرات زوجها وإلهام بحب وهم يسمعون حديثها. *** ظلت تجول بعينيها في كل أرجاء البيت، حتى وقفت بعينيها على أحد الصور وهي تتأملها. ليتابعها هو بعينيه ويقترب منها وبصوت هادئ: ده باباكِ يا مريم؟
مريم بألم: آه، ده بابا واللي جنبه ماما. لتضحك بألم لتقول: وأنا اللي في النص. أدهم بحب: أنتِ شبه مامتك قوي. ليصمت قليلاً ويلتف إليها بعد أن أمسكها برفق من أحد كتفيها ليقول: سامحيني يا مريم عشان للحظة فكرت أظلمك فيها. بس اللي لازم تتأكدي منه إني عمري ما خدعتك في مشاعري، صدقيني. ليتنهد قليلاً وهو يعاود النظر
لتلك الصورة التي أمامه: يا ريت يا عمي عبدالله تسامحني. عشان مقدرتش أحافظ على بنتك ولا أحميها من نفسي. ليلتف بعينيه إلى مريم ليقول بأسى: النهاردة لازم تعرفي الحقيقة كلها. عشان اللعبة خلاص انتهت وخلصت، وأنتي مبقتيش دلوقتي لعبة يا مريم بين عالم أنا اللي دخلت فيه بأيدي. بس للأسف كان لازم تدخليه عشان الحقيقة كلها تبان. ليصمت أدهم بشرود ليظل يدور بنظره في كل شيء أمامه. ليبدأ يقص لها كل شيء...
حتى انتهى على آخر جملة وهي تتابعه بعينين شاردة لتنطق بكلمة واحدة بعد أن جلست على أحد الأرائك وهي تقول: أنا مش فاهمة حاجة! ليظل هو يسير يميناً ويساراً. حتى جلس بجانبها بتعب: للأسف هي دي الحقيقة يا مريم. اللي كانت غايبة عني سنين وأنا جوايا بس فكرة واحدة إني أنتقم من عمي اللي مكنتش أعرف بوجوده غير إنه شخص غريب. أذي أقرب إنسانة ليا. لتنظر له مريم بألم: طب فضل يكره بابا ليه؟ حتى لما عرف إنه مات ليه فضل يكرهه؟
وكرهني أنا كمان عشان أنا بنته؟ طب ليه؟ لتصمت قليلاً لتقول: عشان كده بابا عمره ما حكى عنه عشان عارف إنه بيكرهه. وأكتر حد مبيتمناش وجوده في حياته. ليقترب منها أدهم بحب: الكره كان مسيطر قوي على بابا يا مريم. سامحيه أرجوكي. كان نفسي عمي يكون موجود عشان يسامحه وعشان أعتذر منه كمان عشان محفظتش عليكي.
مريم بشرود: أدهم، إحنا حبنا بقى مليان وجع وكره وحاجات كتير قوي. مش دي الحياة اللي حلمت أعيشها مع الإنسان اللي أتمنته. عارف يا أدهم، كان كل حلمي بيت صغير وجميل وولد وبنت. شبهي أنا وباباهم. نربيهم صح ونحفظهم القرآن ونعلمهم دينهم كويس، وأول حاجة نعلمهلهم التسامح والحب والخير. حاجات كتير كنت بحلم بيها في دنيا بقت متحكمة فينا. ونستنى إنها في وقت هتنتهي بعد ما إحنا هنكون خلاص انتهينا!
عارف يا أدهم. أحياناً كنت بلوم نفسي على طيبتي الزيادة عشان هي سبب غبائي. بس دلوقتي عرفت إن الغباء ساعات بيكون راحة. عن حياة إنت مش شايف فيها حاجة وسط حاجات كتير بتحاول تهدم وتكسر فيك. لتضحك بأسى: أنا كنت ضحية زي والدتك. للأسف إنت كمان عملت نسخة تانية من أمك. بسبب الكره والانتقام اللي للأسف ملهوش مبرر ولا عذر حتى قدام نفسك.
ليقترب منها وهو يمد يديه ليمسح دموعها التي بدأت تنساب. ليكن رد فعلها بأن تشيح بوجهها سريعاً وهي تنهض من جانبه لتقول بصوت هادئ: أنا هروح أجهز حاجتي. ليبتسم هو. ويظل شارداً في كل شيء أمامه. حتى يقف أمام صورة لوالدها ويظل يتأمل ملامح ذلك الرجل الذي أحبته أمه ولم يفرقهم سوى أباه. لتقف هي خلفه وهي تتأمله. وبعد لحظات من الصمت قضتها وهي تتابعه بعينيها: أنا خلاص خلصت. ممكن نمشي دلوقتي.
أدهم بشرود: تفتكري ليه محكاش ليكي إنتي ووالدتك عن الحقيقة؟
مريم: مشكلة بابا الله يرحمه كان شخص مسالم جداً وممكن يتخلى عن أي حاجة مادام هيلاقي اللي حواليه سعداء ويقدر يحقق لهم اللي بيتمنوه حتى لو هيتخلى عن سنين حبه وفرحته ويفضل طول عمره وحيد. كان أهم حاجة عنده إنه يعيش حياة ديما كان بيصورها لي بقلبه قبل عقله. حياة تقدر تشوف فيها العين كل حاجة ممكن تتمني وجودها في عالم مزيف. عالم تقريباً مش بنلاقيه غير في الأحلام. وللأسف من كتر ما عشت معاه العالم ده نسيت الحقيقة اللي إحنا عايشين فيها.
لتصمت قليلاً. حتى تبتسم بعفوية لتقول: بس بابا قدر يلاقي الإنسانة اللي هي شبهه ويكمل معاها باقي عمره ويعمل الأسرة اللي بيتمناها. صحيح حلمه الأولاني مات. بس قدر يعمل حلم تاني ليه ويعيشه ومهما كانت بتقبله من صعوبات كان ديما بيبقى راضي بأي حاجة. لتشرد قليلاً لتقول بصوت شارد وهي تتأمل ملامح والدها في تلك الصورة: كنت طفلة صغيرة نفسها في لعب ولبس كتير وجديد. مكنتش فاهمة حاجة.
وفي يوم فضلت أعيط عشان يجيب لي فستان جديد وجزمة جديدة. ولما قالي هجيب لك يا حبيبتي إن شاء الله وعد بس لما بابا يبقى معاه فلوس. فضلت أتطنط وأعيط وأقول له: لأ أنا عايزة دلوقتي، هو إنت ليه مش هتجبلي؟ هو عشان إحنا فقراء؟ ضحك لي وخدني في حضني وقالي: الفقر يا بنتي مش في الفلوس. الفقر فقر النفوس. لتتنهد قليلاً لتقول: مكنتش عارفة يعني إيه فقر النفوس. بس لما كبرت فهمت. لتضحك بحزن وهي تتذكر أحد
لحظاتها مع والديها لتقول: وماما عملتلي الفستان اللي كان نفسي فيه لأنها كانت خياطة شاطرة. وهو اشترالي الجزمة اللي نفسي فيها. بس أنا اللي في الآخر مرضتش البسهم عشان محستش بفرحتهم. عشان نفسي مكنتش فرحانة وحسيتها إنها فعلاً بقت فقيرة. بس عشان بابا يفرحني ويخليني ألبسه خدني يفسحني وقالي مش هفسحك لغير بشرط يا مريم. إنك تلبسي الفستان الجديد.
حياتي كانت بسيطة وجميلة. عمر بساطتها ما حرمتني من جمالها. ولو سألوني تتمني إيه دلوقتي! هتمني لحظة واحدة بس أرجع فيها وسطهم وأشوف نظرة عينيهم اللي كانت بتمثل لي ديما دنيا جميلة. وناس أجمل. ليقترب منها أدهم بحب. وبدون أن يشعر وجد نفسه يضمها إليه بشدة ليهمس في إحدى أذنيها ليقول: أنا آسف يا مريم على كل لحظة حرمتك فيها إنك تعيشي الحياة اللي اتمنتيها.
لتبتعد هي من حضنه لتقول: عايز ترتاح يا أدهم وتحس إنك فرحان وراضي عن حياتك. اعمل صدقة لوالدك بجد هي اللي تقدر تنفعه وصدقني هتنسيك حزنك عليه حتى لو بمقدار بسيط. وع فكرة هو كان بيحبك قوي أنا صح مشفتهوش غير مرتين بس. بس حسيت إنه ديما بيشوفك إنت الاب وهو الابن. لتتنهد قليلاً
لتقول: عمو عزت كان طيب بس للأسف الطيبة اختفت ورا الكره لأن الكره كان خلاص انتصر عليها. وبقي ضايع وسط دنيا هو رسمها لنفسه. وللأسف تاهه وسطها حتى والدتك اللي كانت ممكن تغيره هي كانت سبب إن يفضل شايف إن كرهه وانتقامه ده صح. لأنها فضلت تحب بابا حتى لما صورلها إنه إنسان وحش فضلت برضوه مش قادرة تصدق. فشاف إن حتى الكره اللي فضل يزرعه في قلبها مأثرش على حبها ليه. وبقي الكره والحب بالنسباله شيء واحد.
أدهم بتنهد: للأسف حاجات كتير ظهرت متأخر. لتمد هي يدها له بتلك الورقة لتقول: ده عقد بيع مزرعة والدتك لبابا. أنا أول مرة أشوف الورقة دي. بس لقيتها بالصدفة وأنا بحاول أدور على أي حاجة تثبتلي حتى لو جزء من الحقيقة. وديه صورة كانت بتجمع ست ورجل وطفلين. لتشير على أحد الأشخاص. أظن ده بابا. وديه جدتي. ليبتسم أدهم بحب: ده شوكت باشا. ودي سمية جدتنا. ليبتسم بأسف وهو يقول: وده بابا وده عمي عبدالله. بس إنتي لقيتي الحاجات دي إمتى؟
مريم: لما رجعت أعيش في مملكتي الصغيرة دي تاني. بعد ما وافقت إنك تطلقني. ليضع أنامله على فمها ليقول بصوت حانٍ: وإنتي صدقتي للحظة إني ممكن أطلقك يا مريم. لتبتعد عن نظرات عينيه لتقول بصوت مضطرب: دي مزرعة والدتك وإنت أحق بيها. وصدقني أنا اتفاجأت بالعقد ده لو كنت أعرف كنت من زمان اتنزلتلك عنها. ليصمت أدهم قليلاً
ليقول: دي ملكك إنتي يا مريم. وفي حاجات كتير برضوه هتبقى ملكك. حق والدك إنتي اللي هتاخديه لأن جدي الله يرحمه كان موصي إن والدك يورث مع بابا. وبابا قبل ما يموت وصاني بكده برضوه. زي ما وصاني إن أطلب منك تسامحيه وتدعي له.
مريم بطيبة: صدقني أنا مش عايزة حاجة. وأنا مسامحة من غير أي مقابل مهما كان ده عمي. ومفتكرش إن بابا قبل ما يموت كان لسه زعلان منه ومسمحوش. أنا هرجع أعيش معاكم عشان عايزة يكون لي عيلة وبس يا أدهم وسط ولاد عمي. أدهم: ولاد عمك. ده على أساس إنك مش متجوزة من واحد فيهم ومراته. لتطلع إلى ملامح وجهه بشرود: لازم بعد كل اللي حصل ده ندي نفسنا فرصة نراجع فيها كل حاجة عشان لو بدأنا صفحة جديدة نبدأها من غير ماضي ممكن في يوم يفرقنا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!