لحظات باتت فيها جميع أحلامها مجرد رمادا. قد جانته هي في النهاية بعد أن ظنت بأن لكل الأحلام نهاية على أهوائنا، وأن للطمع حياة تنبت لينعم المرء بكل ما يتمنى بعد ما حصد. جلست أمامه وهي تبتسم، ابتسامتها التي لا توحي سوى بأفعى ماثلة على هيئة بشر. لتضع ساقا على ساق وهي تتمدد في جلستها، لتتأمل كل شيء حولها بأعين رابحة تتمتع بالفوز. لتقول بصوت هادئ: "أظن أن المفروض الوصية تتفتح يا أدهم، ولا أنت عايز كل حاجة تبقى ليك."
ليظل يتأمل معالم وجهها قليلا، حتى يشيح بوجهه سريعا عنها، ليتطلع إلى الأوراق الماثلة أمامه. ليقول بصوته المعتاد: "وياترى سهراتك وخروجك الكتير نسيتك إن الراجل اللي جايه تطلبي بحقك منه مكملش شهر على وفاته. تفتكري إن ده يديكي الحق إنك تتمتعي في خيره." لتنظر له باستهزاء وهي تقول: "أظن دي حياتي وأنا حرة فيها، ومحدش وصي على حد، والمفروض كمان تلزم حدودك معايا. ولا عشان خلاص اللي كان بيني وبينك مات هتقفلي؟
لا، أوعى تفتكر إنك تقدر تحاسبني يا أدهم." ليتطلع لها ضاحكا وبصوت هادئ: "خير يا مدام نانسي! نانسي ببرود: "عايزة حقي يا أدهم، ولا أنت فاكر إن الأملاك دي كلها ملكك أنت وبس." ليتنهد قليلا وهو يتطلع إلى الأوراق التي أمامه ثانية، ليعاود الحديث معها بصوت جاد: "طيب لو قولتلك إنك ملقيش حق في الورث يا نانسي، وإن حقك بس هي الفيلة اللي عايشة فيها والفلوس اللي باسمك في البنك." لتتطلع إليه بصدمة، حتى تتلاشى الصدمة
سريعا وتقول بصوت غاضب: "انت بتقول إيه؟ لا أنت أكيد اتجننت يا أدهم وعايز كل حاجة ليك طول عمرك طماع. بس أنا مش هسكت عن حقي فاهم وحقي هاخده. أنا مفضلش مستحملة العيشة مع راجل عجوز وفي الآخر أطلع بره وأنتم تتمتعوا بكل حاجة." ليقف أمامها ببرود وهو يقول: "دلوقتي بقى راجل عجوز؟ طول عمرك إنسانة زبالة. وكان أكبر غلطة عملها أبويا الله يرحمه إنه اتجوزك. بس هقول إيه، كان نصيبه إن حياته تنتهي وهو معاشر أفعى زيك." لتقترب منه بأعين
ثاقبة يمتلكها الغضب لتقول: "وانت فاكر نفسك بقى الملاك؟ لتتنهد قليلا وهي تقول: "بص يا أدهم حقي هاخده فاهم، وده حقي الشرعي ولا هطلعني في الآخر بلا مولد بلا حمص." ليظل يتأملها قليلا وهو يشعل دخان سيجارته وبصوت جامد: "ما أنا قولتلك حقك يا نانسي، الفيلة اللي انتي عايشة فيها والفلوس اللي باسمك في البنك، وبتهيألي إن 2 مليون في حسابك في البنك مش قليل غير الفيلة طبعًا. ولا الطمع لسا مشبعش."
لتظل نظرات أعينها تحاوطه، حتى يخرجها من كل هذا. ليقول: "بصي يا نانسي، كنتي ممكن تورثي فعلا زي ما بتقولي وتاخدي حقك، بس ده لو مكانتش كل الأملاك باسمي أنا بالتوكيل اللي معمول لي، يعني محدش من حقه حاجة غيري. والكلام ده تقدري تعرفيه من المحامي." لتجلس هي على أقرب مقعد: "والأسهم اللي ليا في المجموعة؟ ولا أنت كمان هضمها لأملاكك؟ أدهم:
"ما أنا قولتلك يا نانسي، حقك هي الفيلة اللي باسمك والفلوس اللي في البنك وبس. غير كده مافيش." لتصمت قليلا وهي ترى أن كل ما عصفت به من أجل تلك الغنيمة لم يبق لها سوى هذه الأشياء، وكأنهم يتصدقون عليها. أدهم بتنهد: "أنا مش ظالم يا نانسي ولا هظلمك. وبدل ما يكون في حسابك 2 مليون هيكون 5 مليون، وبكده تقدري تعيشي الحياة اللي انتي عايزاها." لتنهض أمامه لتقول ساخرة: "5 مليون في ثروة بمليارات؟
أنت بتتصدق عليا يا أدهم وبترمي لي مليم." ليتطلع إليها قليلا وهو يتنهد ليقول: "تقدري تقعدي مع المحامي وهو هيخلص معاكي كل الإجراءات وكل حاجة انتي حابة تتأكدي منها. شرفتي يا مدام نانسي."
منذ زمن بعيد وهي تحبه. كان عشق طفولتها ومراهقتها وشبابها. أحبته بصمت حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه عن زواجه بأخرى. لم تستقبل هذا الخبر سوى بدموعها التي أحرقته من كثرة ذلك العشق الذي حرمها من حياة تحياها بدونه. ولكن ظل دائمًا عشقها له سرًا أخفته عن الجميع، حتى زجروها عن حياة قد أضاعتها في العمل فقط، حتى هو كان كثيرًا ما يزجرها على تلك الحياة. فهو ينظر لها دائمًا بابنة العم الصغرى التي لا بد أن يرعاها وفقط. حتى أنه لم يلاحظ يومًا أن ابنة عمه قد كبرت وأصبحت امرأة ناضجة في منتصف العشرون.
جلست أمامه وهي تطلعه على بعض التصميمات الهندسية وبصوت هادئ: "ده تصميم اللي حضرتك طلبته." ليتطلع إليها جلال مبتسمًا: "مش مصدق إنك كبرتي يا إيمان وبقيتي مهندسة شاطرة." لتبتسم له بخجلها المعتاد، ليقول ضاحكًا: "وكمان لسه بتتكشفي؟ لسه متغيرتيش." لتتطلع إليه قليلا وبصوت حزين: "لسه ديمًا شايفني البنت الصغيرة، مع إن البنت الصغيرة كبرت خلاص وبقى عندها 26 سنة." ليضحك جلال بشدة:
"خلاص متزعليش يا ستي، كبرتي وبقيتي عروسة والمفروض نخلص منك بقى. أشرف لسا مكلمني من البلد وبيسألني عن رأيك في العريس." لتصمت بألم وهي لا ترى في عينيه أي شيء جديد سوى تلك النظرة التي اعتادت عليها: "ممكن منتكلمش في الموضوع ده تاني، أنا جيت من البلد عشان أشتغل وبس. أما فكرة الجواز دي أنا مبفكرش فيها." لينظر لها جلال مستفهمًا:
"لو في حد في حياتك يا إيمان، تقدري تثقي فيا وتحكيلي، وتأكدي إني هسمعك من غير أي اعتراض. أنا عارف تربية عمي صعبة شوية غير التقاليد اللي لسا متمسكين بيها إن البنت ملهاش رأي ولا ينفع تتكلم عن الحب." ليضحك قليلا ليقول: "بس انتي يا بشمهندسة مش زي أي حد، انتي كسرتي القاعدة مع عمي. واه وافق تيجي القاهرة وتشتغلي وتعيشي هنا مع عبد الله ومراته." لتتطلع إليه قليلا وهي تتأمل معالم وجهه التي طالما عشقتها:
"صحيح عبد الله عزمك أنت ومروان على العشا. هو قالي هيتصل بيك بس أنا قولت أقولك بردوه." ليضحك جلال قليلا: "لأ متقلقيش، أخوكي البخيل اتصل وعزمني." لتبتسم له كالمعتاد وبصوت هادئ: "هروح أكمل أنا شغلي بدل ما يقولي وسطه بقى وكده. عن إذنك." ليتطلع إليها مبتسمًا ليقول: "اتفضلي! حتى يعاود الاطلاع إلى التصميمات التي أمامه، ليشرد قليلا بها، ليندفع من على كرسي مكتبه ويخرج لسكرتيرته الخاصة: "سارة ممكن تناديلي أستاذة مريم؟
ولأول مرة يشعر بأن الحديث عليه أصبح ضاحكًا. ليظل يتطلع إلى فنجان القهوة الذي أمامه ليقول بجدية: "خلاص يا أحمد، أنت ما صدقت تستلمني النهاردة وتعمل عليا حفلة." لينظر له أحمد قليلا وما زالت ضحكاته مستمرة: "ماهو بصراحة يا أدهم، حاجة تضحك قوي. أنا أعرف فترة الخطوبة قبل الجواز، أما بعد الجواز بصراحة مسمعتش. بس مع أدهم ومريم مفيش حاجة مستحيلة." لتتابعه نظرات أدهم بضيق وهو يقول:
"أنا غلطان إني حكيتلك. روح لخطيبتك يا أحمد، روح." أحمد: "خلاص هتكلم جد شوية. يعني أنتوا الفترة اللي فاتت كلها وأنتم بتعملوا على الأساس ده؟ أدهم بتنهد: "أيوة ياسيدي. حتى الشغل صممت تروحه تقولي لما أبقى مراتك أبقى اتحكم فيا. ساعتها كان هاين عليا أشدها من شعرها وأحط وشها جوا قسيمة الجواز وأقولها أومال إيه ده يا هانم. أنا قربت أتجنن. أنا تعبت بجد لولا إن الشركة الفترة دي في مشاكل كان زماني ارتكبت جناية."
لينظر إلى صديقه، الذي وجده يتطلع إليه ضاحكًا. أدهم بضيق: "شكلي على آخر الزمن بقيت فرجة قدام اللي يسوى وميسواش. أقول عليكي إيه يا مريم! أحمد ضاحكًا: "حقها والله تعمل فيك كل حاجة. وكمان بقى من حقها بصراحة فترة الخطوبة بردوه هتعرفك على حقيقتك وهتقول أريد خلعًا." ليتنهد أحمد قليلا، بعدما رأى أن كل هذا لا يزيد على صديقه سوى غضبًا. ليقول بصوت جاد: "مش أنت وعدتها إنك هتصبر عليها وهتستحمل؟
وكمان متنساش اللي مريم مرت بيه كان صعب ومن حقها تعيش كل ده وتتدلل عليك كمان ومتقلقش ياسيدي، حاسس إن قريب أوي كل الأمور هترجع لطبيعتها." لينظر له أدهم بتنهد ليقول: "نظرات جلال واهتمامه مش مريحني. حاسس إن في حاجة من ناحيته." أحمد: "طيب ما تخليها تستقيل وترجع تشتغل معانا تاني." أدهم: "وتفتكر أنا معرضتش عليها كده؟ بس الهانم بردوه رفضت. وقالت إنها مرتاحة في شغلها. بس شكلي مش هصبر كتير عليها." أحمد ضاحكًا:
"فعلا الحب ياما بيبهدل ناس. وأولهم أنت يا بوس." لينظر له أدهم مشمئزًا وهو ينفث دخان سيجارته بغضب. يكاد يفتك بكل شيء أمامه. لحظات من الصمت قد قضوها وكلاهما سارح في عالمه الخاص. عالم لا يوجد فيه شيء سوى الطمع والرغبة. لتصبح الرغبة عند أحدهما، والطمع عند الآخر. لتتلاقى الأعين كما تلاقت النوايا. جلست أمامه، وهي لا تفكر بشيء سوى في كل ما خططت من أجله وفي النهاية أصبح لا شيء. لتظل نظراته مصوبة نحوها وهو يقول بصوت هادئ:
"وانتي زعلانة ليه يا نانسي؟ ولا انتي كنتي فاكرة إنك في الآخر هتطلعي من الجوازة دي كسبانة؟ تبقي كنتي مغفلة. وكويس أوي إنك طلعتي منهم بـ 5 مليون غير العربية والفيلة." لتقابله نظرات نانسي الهاربة: "انت بتقول إيه يا فهمي! فهمي بهدوء: "بصي يا نانسي ما انتي لازم تكوني فاهمة حاجة واحدة. انتي مكنتيش متجوزة عزت بس. متنسيش ولاده وبالأخص أدهم. يعني المفروض تكوني عارفة إنك مش هتاخدي اللي انتي عايزاه." ليتنهد فهمي قليلا:
"إيه رأيك تشاركيني في المجلة ونعمل بيزنس سوا؟ لتظل نظرات نانسي تتابعه بتفكير: "مجلة؟ ما افتكرش هو ده المشروع اللي هيفيدني وهيخليني أنتقم منه وأفضل واقفاله زي الشوكة في كل حاجة." فهمي بهدوء: "ومين قالك إنك لما تبقي صاحبة المجلة، مش هتقدري تقفيله بالمرصاد. وكل خبر هيأثر على سمعته في السوق. فكري كويس في عرضي وأنتي حرة." لتبدأ هي في إشعال سيجارتها بشرود، حتى يقترب هو منها بخبث ليقول:
"أنا عازمك على سهرة هتنسيكي كل حاجة. إيه رأيك تقبلي عزومتي؟ وتأكدي إنك مش هتكوني خسرانة." لتبتعد هي قليلا عن نظراته: "انت متعرفش حاجة عن شادي بعد ما سافر يا فهمي." ليضحك وهو يقترب منها ثانية: "تصدقي أحلى حاجة عاملها الواد شادي إنه عرفنا على بعض." لتصبح أنفاسه قريبة جدًا منها، ليقطع عنهم تلك اللحظات دخول سكرتيرته الخاصة بعد أن أذن لها بالدخول.
من يراهم من بعيد يظن بأنها أسرة قد تكونت منذ زمن. حتى جدران المنزل أصبح يظن أنه يضم أشخاص آخرين ليسوا من سكانه. وأن كل هذا ليس سوى حلم سيفيق منه على جدرانه الخالية ثانية. جلسوا يتسامرون في بعض الأحاديث بينهم. لتقترب منهم إلهام بحب لتقول: صحيح يا مريم، ليه مفكرتيش أنتِ وشاهي تعملوا مشروع سوا وكل واحدة فيكم بمجالها، وتقريبًا مجالكم واحد؟ لتتابعهم نظرات إياد الذي عاد من الخارج على تلك الجملة ليقول بمرح:
حرام عليكي يا لولو، أنا ما صدقت أقنعها إنها تتفرغ ليا أنا وأدهم وبس. لتنهض شاهي بطفولة وهي تتحدث: يا سلام يا سي إياد، أنت عايز تحبسني ولا إيه؟ أنا عايزة أشتغل زي مريم. لتضحك مريم قليلاً: بلاش مريم، اتصرفوا بعيد عن مريم. ليقترب إياد بحب من زوجته: أنا مش عايز أحبسك ولا أفرض رأيي عليكي، بس أنا بجد عايزك ليا أنا وبس. ليضحك إياد قليلاً ليقول: ولأدهم برضه، عشان متقوليش إني أناني. لتبتسم إلهام ومريم. حتى
تتابعهم نظرات شاهي لتقول: شفتوا، مش قولتلكم؟ أه ده إياد، وأنتي يا طنط إلهام، قولتيلي مش معقول يطلع ده من إياد، وإنه العقلية دي عقلية أدهم.. شكل الاثنين نسخة واحدة وابني هيبقى النسخة التالتة. لتبتسم مريم بهدوء لتقول بضحك: مالكيش دعوة بجوزي يا ست شاهي لو سمحتي. ليأتي هو على تلك الكلمة وكأن أذنيه أبت أن تسمع شيئًا إلا هي. حتى تسقط على مسمعه لتوحي كلمة واحدة بمعاني جميلة. ليقترب منهم مبتسمًا حتى يقول: أنا سامع اسمي.
أياد بضحك: شكلهم هيعملوا علينا عصابة، ولولو شكلها هتنضم ليهم وهتتخلي عننا يا أدهم. ليقترب هو منها ليميل على أحد أذنيها هامسًا: شفتي حتى لسانك قال جوزي؟ بس تصدقي أجمل كلمة سمعتها النهارده. ليتنهد قليلاً وبصوت حانٍ: بعشقك، ووحشتيني أوي يا طفلتي. لتظل نظراتها تجول بينهم بخجل. حتى يخرجها هو من هذا الارتباك ليقول: إياد عايزك في المكتب. لتقف تتابعه بأعينها في صمت وهي شارده. حتى تقترب منها إلهام بحب لتقول: روحتي فين؟
على فكرة دخل من بدري المكتب، ومادام أنتي مش بتقدري على قربه كده، ليه بتعذبيه وبتعذبي نفسك؟ لتهرب هي من نظرات أعين إلهام لتقول: هي شاهي راحت فين؟ لتضحك إلهام بحب وهي تتأملها: شاهي راحت تطمن على أدهم الصغير يا ستي. أما هو، جلس بتعب أمام أخيه. ليظل يحادثه عن كل شيء حدث من زوجة أبيهم. ليتنهد بتعب هو الآخر ليقول:
كويس إنك اتصرفت كده يا أدهم. مهما كان هي كانت ذكرى من أبونا الله يرحمه. صحيح هي ذكرى الواحد مبيحبش يفتكرها، بس نانسي أمر واقع في حياتنا، وتصرفاتها دلوقتي بقت محسوبة علينا أكتر. ليظل هو شارداً في عالم آخر. في عالمها هي فقط. ليفيق على صوت أخاه وهو يقول: بقالى ساعة بنادي عليك، روحت فين يا بوس؟ ليبتسم أدهم بعفوية: في حاجة يا لمض؟ إياد بحب:
ياااه، من زمان أوي مقولتليش الكلمة دي. تصدق كل حاجة وحشتني. المهم أنا طالع أطمن على أدهم وأشوف شاهي اللي عايزة تشتغل زي مريم دي. ليضحك أدهم بشدة: عايزة تبقى زي مريم، ربنا يستر.
لم يكن بعده عنها سوى بكبرياء أراد أن لا يعصف به تحت بند العشق، ولكن هذا العشق الذي جعله مازال يحبها حتى الغفران قد أعطاه لها عندما راجع حساباته للحظات. نعم، فقد كان مثلها تمامًا. احتاج إليها كثيرًا بعد وفاة زوجته فسلك مثلها ذلك الطريق. طريق الاحتياج الذي لا يؤدي لشيء غير رغباتنا. رغبات قد أنهكت كل منا، ولكن يبقى الحب أنقى وأطهر من تلك اللحظات التي نسرقها من عمرنا ولا تجلب لنا غير الندم على ذكريات لو عادت إلينا لتمنينا ألا تصبح لنا ذكرى خالدة في أذهاننا.
لتجلس أمام عينيه. لتتابعه بعتاب. حتى رفض كبرياؤها أكثر من ذلك. فرفع صوته عاليًا لتقول هي: ليه افتكرتيني دلوقتي يا مازن؟ مش ده نفس المكان اللي تخليت عني فيه وسبتني؟ أنا صحيح الأول كنت ضعيفة وتايهة، بس دلوقتي لا. ومتفتكرش إني بقيت محتاجاك أو محتاجة لحد. بالعكس، أنا مبقتش محتاجة لغير صافي القديمة اللي نداوي جروحها وآلامها لوحدها. ليظل هو قابعًا أمامها يتأملها في صمت. حتى يعلن الصمت عصيانه وبصوت هادئ:
عشان حاسبت نفسي يا صافي. عشان لو كنت حفظت على قلبي ليكي، كنتي انتي برضه حفظتي على كل حاجة ليا. أنا خونتك برضه وضعفت تحت مبررنا القذر اللي بنسميه احتياج. وللأسف ده أسوأ احتياج ممكن الإنسان يرمي نفسه تحته ويقول أصل أنا كنت محتاج لحد جنبي. بس أنا دلوقتي مش جاي أتكلم في اللي راح عشان مش عايز افتكر أي حاجة من الماضي اللي ديما بحاول أهرب منه. أنا عايز نعمل صفحة جديدة يا صافي، مش صفحة بس، كتاب يجمع كل لحظتنا الحلوة مع بعض. بس مش تحت بند الاحتياج، لأ، تحت الرباط الأقوى والأعظم. رباط المودة والرحمة.
لتتطلع إليه صافي بألم: بس أنت لو سامحتني أنا مش هقدر أسامح نفسي. لأن بسبب ضعفها هي اللي وصلتني لكده. مازن بحب: لأ، هننسي يا صافي. هننسي بحبنا بولادنا. هننسي مع كل ذكرى جديدة في حياتنا. هننسي واحنا مع بعض زي ما تمنينا زمان. فاكرة زمان يا صافي؟ فاكرة أمنيتنا؟ لتتطلع إليه صافي بحب لتقول بحنين وهي تتذكر الماضي: نفسي أقرب من ربنا أوي، وتكون إيدينا سوا عشان نبقى مع بعض في حياتنا التانية وميفرقناش حتى الموت.
لتتنهد بدموع وهي تقول: أحلام كتير ماتت جوايا. مع أول لحظة كنت بين إيديه وأنا حاسة إني روحي بتتطلع. وأنا في حضن غيرك وبفكر فيك. نسيت كل حاجة وبقاش جوايا غير الذكريات اللي كانت بتموتني مع كل لحظة حنين. ليبتسم لها بحب وهو يقول: والزمن رجع بين إيدينا تاني. وصافي ومازن اتغيروا ومبقوش المراهقين بتوع زمان اللي بيحلموا وبس. ليصمت قليلاً ليقول بحب: بعد السنين دي كلها، تقبلي تشاركيني حياتي أنا وبنتي يا صافي؟
لتبتسم له بعفوية من بين دموعها. لتبقى نظرة عيناها فقط هي من تنطق بكل شيء. ويصبح اللسان عاجزًا عن النطق. ليأتي الليل ويأتي الحنين معه. وتبقى همساته ونظرات عينيه الحانية هي فقط التي تراودها. ليصبح الحنين قاسي جدًا على قلب قد أنهكه ذلك الحب الذي حرمت منه نفسها من أجل الصمود أمامه. حتى لا تشعر يومًا بأن حبها هذا هو من قضى على كبريائها. ولكن كيف للكبرياء وجود مع الحب؟
فالحب يلغي معه كل شيء. ولكن أحيانًا يبقى للقلب رغبة أن يشعر بكرامته للحظات أمام توبيخ العقل له. لتتنهد قليلاً بألم وهي تمسك أحد صوره وتظل تتأمل في ملامح وجهه حتى بكت عيناها من كثرة الحنين والاحتياج لحبه. لتتوقف عن البكاء عندما سمعت صوته خلف الباب وهو يسألها هل مازالت مستيقظة أم لا. أدهم بحب: لسه منمتيش يا مريم؟ لتشيح بوجهها سريعًا حتى لا يعلم من احمرار أعينها أنها قد كانت تبكي على حنين قد أنهكها. لتقول بصوت ضعيف:
هنام بس بعد ما أقرأ الورد بتاعي. ليبتسم لها بحب وهو يقول: طيب ما تيجي نقرا سوا. ولا انتي مش عايزاني أشاركك في الثواب؟ لتتطلع إليه وهي تبتسم بعفوية وتهز له رأسها بحب. أدهم بدعابة: هروح أتوضى وأجيلك. بس أوعي تبدأي قبل ما أجي، سامعة؟ وقبل أن يلتف ويغادر حجرتها، ظل ينظر لها طويلًا وهي تتطلع إلى ملامح وجهها. حتى اقترب منها وضَمَّها بين أحضانه بشوق ليقول:
أوعي تعيطي تاني يا مريم. دموعك دي غالية عليا أوي. وممكن أعاقب نفسي لو أنا سببها. ليخرجها من بين ضلوعه ويترك الغرفة سريعًا قبل أن يخونه شوقه ويعصف بكل الوعود. لتظل نظراتها تتابعه بحب. وهي تتنهد بألم: دموعي بسبب حبك يا أدهم. اللي ساعات كتير بيخليني أسعد ست في الدنيا. وساعات تانية بيجني عليا.
ويظل الحنين بين قلوب قد عصف بها الحب يومًا. ليظن القلب أن الراحة في الحب. ليعاتبه الزمن على سذاجته ويبقى الحب هو ألذ ألم تصب به القلوب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!