الفصل 30 | من 32 فصل

رواية قلوب تائهة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
24
كلمة
2,868
وقت القراءة
15 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

مرت الأيام ببطئها المعتاد، ليصبح الغد مثل اليوم، لا يفرقه شيء كما اعتدنا. وبين هذا وذاك، يبقى لكل منا حياة مع أيامه. فمن يحيي الحياة، ومن تحييه الحياة. ليصبح كل شيء بين أيدينا، وما علينا سوى الاختيار. فهل نريد أن نحيا وكأن لا وجود لنا، أم نحيا حياة تسعدنا؟ لتستمر تلك الدوامة بنا، وتصبح للحياة، كما يقولون، يوم لك ويوم عليك. حالة من الهدوء أصبحت بينهم بعد آخر شيء قد حدث، ليظل القلب يعاتب، ويبقى العقل كدفاع.

جلس كما اعتاد يقرأ في إحدى المجلات التي أصبحت لا تتفرغ لشيء سواه، وكأن المجتمع لا يوجد به أحد غيره. ليظل يتطلع إلى ذلك الخبر حتى يفقد صوابه، ويقذف بالمجلة بعيدًا. ليتنهد بضيق وهو يهاتف سكرتيرته لكي تردف إليه. أدهم بعصبية: إزاي لحد دلوقتي ياهنا؟ معرفتيش مين صاحب المجلة دي؟ عايز أعرف اسم صاحب المجلة دي حالاً، سامعة؟ لتتطلع إليه هي بارتباك، وتتحدث بصوت منخفض: حاضر يافندم. اتفضل أوراق الصفقة الجديدة.

ليتنهد هو بضيق وبصوت جامد: اطلبيلي البشمهندس أحمد. لتخرج سكرتيرته وهي تتمتم ببعض الكلمات، حتى تقف فجأة أمام نظرات أحمد الثاقبة. هنا: مالك يا هنا؟ شكل أدهم رجع لعصبيته تاني. هنا بارتباك: أظاهر كده يا بشمهندس. أنا قولت خلاص هأرحم من العصبية والشخط، بس للأسف رجعتلي تاني. أحمد بضحك: المفروض تكوني اتعودتي خلاص على كده ياهنا. أنا داخل لأدهم. هنا: اتفضل يا بشمهندس. هو أصلاً كان طالب حضرتك، وأكيد في انتظارك. ليدخل

عليه أحمد بقلق وهو يقول: مالك يا أدهم؟ مش طايق حد كده ليه؟ أدهم بتنهد وهو ينفث دخان سيجارته الذي أصبح اعتاد عليه يومياً، بل وكل دقيقة: هجنن يا أدهم. مين اللي مصمم إنه يشوه صورتنا في السوق؟ حتى أسرار حياتنا بقت معروفة، وكأن مفيش حد في البلد غيرنا. أحمد بهدوء: وانت لسه معرفتش مين اللي ورا كل ده؟ ده انت طول عمرك ذكي حتى... ليتنهد أحمد قليلاً وبصوت هادئ:

أنا لما لقيت الموضوع زاد عن حده، ملقتش حل غير إني أروح لرئيس الجريدة. بس للأسف طلع مجرد صورة، والشريك الأساسي فيها طلع للأسف... هي نانسي! ليتطلع إليه أدهم بجمود: مفيش حاجة بعيدة عنها. فعلاً عمرها ما هتتغير. اللي زي دي مبيتغيرش، لأنها مريضة بالكره. ليظل أحمد صامتاً وبصوت هادئ: متشغلش بالك. طول ما إحنا ماشيين صح، فمفيش حاجة هضُّرنا. أما بالنسبة للأمور العائلية، فمفيش حد مش معرض لكده. ليتطلع إليه أدهم بضيق:

بس دي وصلت لمراتي كمان. انت نسيت الصور اللي كان ليها مع جلال؟ كانت مجرد صور عادية، وطلع عليها أقذر كلام ممكن حد يتخيله. أحمد بتنهد: انتوا لسه زعلانين بسبب كده؟ ما جلال جه ووضحلك كل حاجة، ونفى صحة الصور دي. أدهم بجمود: مش عارف هتفضل لحد امتى شوكة في ضهري. نانسي دي وباء، من ساعة ما دخلت حياتنا وهي مصممة إنها تدمرها، وبالأخص أنا. ليتنهد أحمد قليلاً وهو يقول: المهم إننا بقينا عارفين الضربة جايلنا منين ومن مين.

بعد وقت طويل قضوه في البحث عما يريدون، جلسوا ثلاثتهم بتعب حتى يستطيعوا إكمال جولتهم. مريم بتنهد: أنا خلاص مبقتش قادرة يا هبة. حرام عليكي. شاهي بابتسامة تعب: أنا هقوم أتصل بطنط إلهام عشان أطمن على أدهم. لتقترب هبة من مريم وبصوت هادئ: لسه برضه موضوع الصور مضايقك وزعلانين من بعض؟ مريم بألم:

ده كان فاكر إن بيني وبين جلال حاجة. مع إن والله يا هبة، كنا في اجتماع بره الشركة. بس ربنا يسامح اللي صورنا وكأن أنا الوحيدة اللي في البلد دي. هبة بحب: أي حد مكان أدهم كان هيضايق يا مريم. يعني لما يلاقي مراته ساندها راجل غيره وقريبين أوي من بعض، تفتكري هيفكر إزاي؟ مريم بشرود وهي تتذكر ذلك اليوم: مقولتليش إيه رأيك في الاجتماع يا مريم؟ لتسير هي بجانبه وبصوت هادئ: بس الشرط الجزائي مش كبير يعني على مدة العقد.

جلال مبتسماً: لأ مش كبير ولا حاجة. ومادام هنفضل ملتزمين بالعقود، يبقى مافيش حاجة هتضرنا ولا هتضرهم. وبالمناسبة دي يا ستي، أنا عازمك على الغدا، ويا ريت متقبليش طلبي بالرفض، ممكن؟ لتصمت هي قليلاً حتى تقول: مينفعش، لأن أدهم هيرفض. لتتحول ملامح جلال إلى الجمود وبصوت جامد: اللي يريحك. يلا عشان أوصلك. وبرضه هتصممي تروحي في تاكسي؟ زي ما جيتي برضه في تاكسي.

لتظل هي شارده في معالم وجهه التي تغيرت فجأة، وصوته الذي أصبح صارمًا. لتتطلع إليه قليلاً وبصوت هادئ: لأ، هروح زي ما جيت. عن إذنك. وما هي لحظات حتى كادت أن تسقط أمامه. ليلحق بها سريعاً وبصوت خائف: انتي كويسة يا مريم؟ مريم بألم: رجلي بس مش قادرة أحركها. جلال بخوف وهو يمسك بها: تعالي أوديكي للدكتور. لتتطلع إليه بألم وهي تقول: لأ، أنا كويسة صدقني. جلال بغضب: يعني تعبانة ومش عارفة تمشي، وبرضه عنيدة. يلا عشان أوصلك.

ليفتح لها باب سيارته وهو ممسك بها: يلا اركبي. مريم بارتباك: لو سمحت يا مستر جلال، وقفلي تاكسي أرجوك. ومتقلقش، صدقني أنا كويسة. ليظل يتطلع إليها بغضب. وقبل أن تزداد عصبيته، تنهد بألم وهو يقول: حاضر يا مريم. لتتطلع إليها هبة وهي تقول: مش عارفة ليه حاسة إن جلال ده بيحبك. مريم بضحك: هو يعني عشان حد بيعملك بلطف يبقى بيحبك؟ هبة:

صدقيني يا مريم، جلال بيحبك، أو يعني ممكن نقول معجب بيكي. وإلا ما كانش أدهم غار لدرجة دي منه، وهو عارف إن مفيش حاجة بينكم غير إنه مديرك بس في الشركة. الراجل بيفهم نظرات الراجل اللي زيه. مريم بشرود: تفتكري يا هبة؟ بس ده عارف إني بحب أدهم وإني لسه على ذمته. هبة: بس لسه حياتكم مرجعتش طبيعية من تاني، وده في حد ذاته يديله أمل. خلي بالك يا مريم، لأن ساعة الأمل بيعيشنا في أوهام بنكون فاكرينها حقيقة.

لتظل هي شارده من حقيقة، قد كذبتها حتى لا تظن أن كل ما يفعله من أجلها ليس سوى مجرد اهتمام لا غير. عالم لا ترى فيه سوى النفوس المريضة، نفوس لا تبحث سوى عن الانتقام، تبحث عن المتعة وهي ترى غيرها يسقط أمام أعينها حتى تتمتع في ذلك المشهد، وكأن العين قد شغفت بهذا، ليصبح كل ما تحب أن تبصر به لا تجده إلا في ذلك المرض البغيض. جلست بجانبه وهي تتمايل من كثرة السكر، لتضحك بشدة وهي ترى ذلك الخبر الذي نشرته. ليقترب

هو منها برغبة ليقول: مش قولتلك هتتمتعي وأنتي كل يوم بتشوفيه؟ مش وراه حاجة لغير الإعلام والصحافة، والأسهم بتاعته بتهتز في السوق، عشان تعرفي بس إن فهمي الوحيد اللي بيعرف يلعبها صح. نانسي بسكر: تعجبني دماغك يا فهمي بجد. طلعت جامد أوي. ليضحك هو بشدة على طريقتها ويقول بصوت هامس: هنفضل طول الليل كده؟ مش ورانا غير أدهم. نانسي بتمايل:

لأ يا فهمي، إحنا أصدقاء وبس يا حبيبي، وإحنا خلاص خلصنا حفلتنا على أدهم واحتفلنا في بيتك زي ما طلبت. أنا همشي بقى. لتقف هي بسكر وبصوت ضعيف: تصبح على خير يا فهمي. ليقف فهمي بجانبها وهو يتلذذ في معالم جسدها، ليقترب منها بخبث، حتى تبتعد هي عنه قليلاً، لتسبقها لمسات يديه حتى يجذبها إليه برغبة، فتقع بين نظرات عينيه، ليتلذذ بها كما كان يرغب منذ البداية.

لم يصبح القرب سوى ألم يتلذذ في تعذيبهم، وكيف لا يكون عذابًا والحنين لا يعرف سوى بالموت البطيء. فنعدما تتلاقى الأعين، يعلن القلب عن هزيمته، وتصبح العين مرسال بكل الأشواق، حتى يفتضح القلب سره، ويصبح السر سرابًا. جلسوا جميعهم يتناولون وجبة العشاء، فقد أصبح العشاء والإفطار هما وجبة التلاقي بينهم. ليبتسم إياد ضاحكًا وهو يقول: فاكرة نفسك العروسة يا شاهي؟ شهر عسل مين؟ انتي هتغيري من أحمد وهبة. شاهي بضحكة حب: كده يا إياد؟

طيب مش هديك البدلة اللي أنا اشتريتها لك. ليصمت إياد قليلاً وبصوت طفولي: شوفت يا أستاذ أدهم؟ آه، ده آخرة الجواز. ليت الشباب يعود يوماً. ليضحك أدهم بحب على تصرفات أخيه: وحشتك السرمحة ولا إيه يا إياد؟ ده انت بالذات استمتعت بالشباب وأخدت حقك كمان. ليتذكر إياد نفسه منذ عام ليبتسم: يااا أيام. بس أنا كده الحمد لله. لينظر إلى وجه زوجته وهو يمسك يدها ليقبلها: ولا إيه يا حبيبتي؟ لتتلاقي أعينهم، وتنظر إليه شاهي بحب وهي صامتة.

لضحكة إلهام قائلة: بتحبوا في بعض قدامنا؟ وبالنسبة لأدهم الصغير، خلاص مريم شكلها اللي هتبناه، وناسينه. لترفع مريم وجهها بعيداً عن أدهم الصغير، لترى نظرات زوجها إليها، حتى تبتعد بأعينها هاربة من حنينها وحبها قائلة: لأ، أنا مبسوطة كده. وكمان أدهم هادي ومش متعب خالص. ليضحك إياد: بلاش يا مريم تقولي كده. شاهي هتستغلك وهتفضل سيبهولك، أنا بقولك أه. شاهي بطفولة: أنا يا إياد؟

طب مش هتاكل. وهات الطبق اللي عماله من الصبح أحطلك فيه أكلك. ليتطلع إليهم أدهم مبتسمًا، حتى ينهض بعد أن أنهى طعامه الذي أصبح لا يزيد إلا وجعًا من وجودها أمامه. فهي مثل البعيد والقريب في ذلك الوقت، بعيدة عنه بعينيها التي تمنعها من النظر إليه، وقريبة من عينيه التي لا تسقط على شيء سواها. لتتطلع إليهم إلهام بحزن، حتى تلتف إلى مريم الجالسة بجانبها، وتتطلع إلى وجهها وهي ترى عينيها ما زالت عليه. لتربط إلهام

على إحدى يديها وبصوت هامس: بتضيعوا أحلى أيام عمركم في العند، انتوا الاتنين. لتشرد هي آخر شيء حدث بينهم، وتبتسم بمرارة عندما تتذكر نظرة عينيه لها عندما ظن للحظة بأن يوجد شيء بينها وبين جلال. لم يستطع أن يخفي عليها أكثر من ذلك، لتبقى الليلة التي تسبق موعد زفافهم، هي ليلة الاعتراف بكل شيء. ليظل شارداً في ماضيه وهو يتذكره معها، حتى يقول بصوت هادئ:

"وديه حكايتي مع ندي ياستي. وصدقيني الماضي كله انتهى. من أول يوم وعدتك إني هفضل أحبك طول حياتي، وعمري ما هخلي ست تشاركك فيا. وزي ما إنتي وهبتيلي قلبك، قلبي عمره ما هيكون غير ليكي يا هبه." لتبتسم له بحب قائلة: "ربنا يقدرني وأقدر أسعدك يا أحمد، عشان إنت بجد تستاهل السعادة." ليضحك أحمد بحب: "ياسيدي ياسيدي على الكلام، مبقيناش نتكثف خلاص." لتصمت هبه قليلاً وبصوت مرتبك: "سلملي على نيره وقولها الفستان جميل قوي بجد عجبني."

أحمد بخبث: "والعروسة برضه عاجباها أوي، ونفسها بكرة يجي بسرعة عشان تاخدها في حضنها وتقولها كلام كتير قوي." لترتبك هبه أكثر قائلة: "هي مين دي؟ أحمد بضحك: "نيره يا حبيبتي، بتموت فيكي... ليقول بصوت هامس: شكلك هتتعبيني قوي معاكي." هبه بأرتباك: "مش هتروح تنام وتسيبني أنا كمان أنام؟ أحمد ضاحكاً: "زهقتي مني؟ على فكرة دي آخر مكالمة هتكون بينا. أهو بنودع العزوبية، وبعد كده كله هيكون وجهًا لوجه."

لينتهي الاثنان حديثهما وهم يحلمون بليلة عمرهم التي ستجمعهم سوياً، ليبث كل منهما شوقه وحبه للآخر. *** سنون تمضي، وأحلاماً ترحل، وتبقى القلوب تائه بين طيات الماضي ونسمات الحنين. ليعصف بنا الزمن بعهداً آخر يحيي قلوبنا. لتعود الأحلام ثانية وكأن للأحلام عهداً. فيا لها حقًا من أحلام تتحقق. نعم قد تحققت بعد زمن، ولكن في النهاية قد شاء الله لها بأن تتحقق. لتصبح الأمنيات حقيقة نحيا بها من جديد. جلست بجانبه، ليضمها هو طويلاً

حتى يقول: "أنا مش مصدق نفسي يا صافي، أنا حلمنا اتحقق بعد سنين طويلة. أنا كنت هبقى غبي لو كنت ضيعتك من إيدي تاني." لتبتسم صافي بحب قائلة: "مش إنت قولت هنسي الماضي خلاص؟ خلينا دلوقتي في الحاضر اللي هنعيشه سوا مع ولادنا." ليبتسم لها مازن ليقول بصوت هامس: "مازن ورهف ناموا." لتتطلع إليه بخجل، حتى تشيح بوجهها سريعاً عنه، ليقترب منها ويضمها ثانية وبصوت حانٍ: "بحبك."

لتسقط الكلمة على القلب فيتراقص فرحاً. ويعلن العقل بأن للحياة أسرار كثيرة لا نعلم متى وأين سيأتي اليوم الذي كنا نتمنى أن نحياه. ولكن تبقى القلوب تنتظر حياة واحدة قد حلمت بها، ليفاجئها القدر بحياة قد رغبت بها ولكن لم يكن الوقت قد حان لتتحقق فيه أمنيتها. ليتركنا الزمن نحيا حياة أخرى حتى يعود ثانية بما تمنينا. ولكل منا حياة سوف يعيشها. ***

وقفت أمامه، وهي لا تعلم كيف ستبدأ بالحديث معه. لينهي أملاً قد وضعته القلوب بسبب ضعف أصحابها. فأحياناً كثيراً يخطئ القلب حتى ينتبه له العقل ويقف أمامه ليواجه بحقيقة قد نسيها تمامًا. نسيها مع قلبه التائه في عالم أصبح يضع نفسه فيه كما صنعه بنفسه. مريم: "دي استقالتي يا أستاذ جلال، وأتمنى إنك تقبلها." ليتطلع إليها جلال بحدة وبصوت حاد: "استقالة إيه؟

اتفضلي يا أستاذة على شغلك، استقالتك مرفوضة. ولو على موضوع الصور، أظن إني كذبت ده كله. فبلاش الحساسية اللي بقيتي فرضها ما بينا الأيام دي." لتتنهد مريم قليلاً حتى تقول: "بس أنا كنت مقررة إني أسيب الشغل من بدري، وموضوع الصور ملوش دخل بحاجة، لأني مش هخاف من حاجة ملهاش وجود." ليتطلع لها جلال بحيرة: "ومادام مفيش حاجة، ليه عايزة تستقيلي يا مريم؟ ممكن تفهميني؟ حتى يصمت قليلاً ليقول: "أدهم ضغط عليكي في الموضوع؟

لتبتسم مريم بألم قائلة: "بالعكس، أدهم بقى سايبني أعمل كل حاجة بمزاجي، وحتى اعتراضه على أي حاجة مبقاش موجود." ليقف أمامها جلال بحب: "مريم أنا... حتى يعجز اللسان عن نطقها. لتتطلع إليه بفهم قائلة: "بتحبني يا أستاذ جلال؟ هو ده سر اهتمامك بيا؟ اللي للأسف اكتشفته متأخر... بس أنا عايزة أقولك حاجة، إنت مبتحبنيش، إنت ممكن تكون لاقي معايا الراحة، لاقي معايا الأسرة اللي نفسك تكونها، بس مش حب صدقني." ليتطلع إليها جلال بشرود:

"لأ يا مريم، أنا بحبك. بس إنتي اللي بتحبي أدهم. وكل ما الأمل بيتولد قدامي إنك ممكن تكوني ليا، فجأة بلاقيكي بتبعدي وتروحي له هو. عارف إنه جوزك، بس الحياة ما بينكم بقت مش موجودة." لتبتسم مريم وهي تتطلع إلى معالم وجهه وبصوت هادئ:

"للأسف إنت بتقنع قلبك مش نفسك يا أستاذ جلال. إنت لو فكرت بجد هتلاقي إن مش أنا الحب اللي إنت عايزه. في حب تاني إنت مدورتش عليه وهو قدامك، بس للأسف دايماً القلب بيدور على المستحيل عشان يصور لنفسه الحب دايماً بعيد عننا، مع إنه بيكون قدام عينينا بس إحنا اللي مبندورش عليه. إحنا بس بندور على رغباتنا. ودايماً رغباتنا تايه وسط العقل والقلب." ليجلس جلال أمامها بشرود: "مريم إنتي بتقولي إيه؟

مريم إنتي الست الوحيدة اللي فكرت تشاركني حياتي بعد ما كنت مقرر إن حياتي هوقفها على ابني وبس." لتبتسم له قائلة: "أنا يمكن تكون لقيت فيا حاجات كنت بدور عليها وسط الحياة، ولما لقيت ده اديت لقلبك فرصة إنه يفتكر إن ده حب مع إنه شيء عادي." جلال بألم: "عمري ما فكرت أحب. جوازي من مراتي كان مجرد صفقة وبس لأنها بنت الحسب والنسب وبينا مصالح أنا وأهلها. وبعد سنة جواز كنا خلفنا مروان." ليتنهد جلال بوجع:

"اكتشفت إنها على العلاقة بأعز أصدقائي ليا." حتى تفر دمعة من عينيه قائلاً: "تخيلي لما أشوف مراتي في حضن راجل غيري؟ كان نفسي انتقم منهم هما الاتنين، بس للأسف... القدر انتقملي منهم في اليوم اللي عرفت فيه إني كنت مغفل. كانت أكبر صدمة ممكن أي حد يتحملها. بالبند العريض في المجلات (رجل الأعمال يرى زوجته وهي في حضن آخر وقد توفوا بعد جرعات كبيرة من المخدرات ليلاقي كل منهما مصرعه) ليبتسم جلال بمرارة قائلاً:

"وسافرت وسيبت البلد كلها. ولما رجعت شوفت فيكي الصورة اللي خلتني أحس إن مش كل البشر كده. في ناس لسه بتدي للحياة حياة بوجودها فيها." لتتنهد مريم بألم وبصوت هادئ: "شوفت؟ آه إنت لوحدك قولت إني كنت النور اللي بدور عليه لنفسك عشان تخرج من السراب اللي كنت عايش فيه. فعلاً لسه في الحياة حياة ممكن نعيشها، وأكيد هنعيشها بحلوها ومرها، بالحب والكره، بالخير والشر، بالناس الطيبين والناس اللي نسيت قلوبهم الرحمة."

ليتطلع إليها جلال مبتسماً:

"إنتي إنسانة جميلة يا مريم. ومش هكون أناني وأحرمك من حياتك. أدهم بيحبك وبيحبك أوي كمان. على فكرة أدهم ألغى الصفقة اللي بينا بسببك إنتي، عشان هددني لو مبعدتش عنك هيلغي كل الاتفاقات اللي بينا اللي اضطرته يدفع الشرط الجزائي من غير ما يتردد. بصراحة أنا مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل كده. بس اللي بيحب دايماً بيخاف على اللي بيحبه حتى من نظرة حد ليه. بيكون عايز يخبيه من عيون العالم كله. هو أسلوب أناني." ليصمت جلال قليلاً

وبصوت هادئ: "بس دي طبيعة الرجل الشرقي. هتفضل حاجة بتتورث. وعمرنا ما هنفهم ولا هنلغي أنانيتنا. استقالتك مقبولة يا مريم. بس هفضل ليكي طول عمري أخ. ولو احتاجتيني هتلاقيني ديما جنبك يا مريم." لتتطلع إليه هي مبتسمة لتقول: "دور كويس حواليك هتلاقي اللي إنت عايزه، من غير ما تتعب كمان."

حتى تخرج من أمامه لتتابعها نظرات أعينه، حتى تصطدم هي بشخصاً لتبتسم له وترحل وهي تاركة لعينيه هو شخصاً رغم معرفتها القليلة به، ولكن تعلم بأنه يحمل له أسرار حبه التي لا تصبح سراً أمام نظرات العين. لتدخل إليه إيمان مبتسمة: "كانت فسحة حلوة قوي يا جلال ومروان اتبسط قوي." ليتطلع إليها جلال، ولأول مرة لا ينظر لها بإيمان التي دائماً يراها ابنة عمه وفقط. ولكن اليوم اكتشف شيئاً آخر سيعلنه الزمن، ولكن فلنتمهل ونترك الدور له.

*** حلماً جميلاً قد بات حقيقة. لتأتي إليهم الحياة محملة معها نسمات رياحها الهادئة. لتتطلع عليها عيناه بحب وهو يراها في أبهى صورة بفستانها الأبيض. لتتلاقى قلوبهم قبل عيونهم. ليقترب منها بحب لكي يقبل جبينها وبصوت حنون: "ما شاء الله. الحمد لله إن ربنا رزقني بيكي يا هبه في النهاية. وبقيتي فرحة قلبي وحياتي كلها." لتتطلع إليه هبه بحب شديد وبصوت هامس: "أنا بحبك قوي يا أحمد. إنت الحلم اللي تمنيت إنه يتحقق وفعلاً اتحقق."

ليمسك هو يدها بحب ليقبلها. وتتشبث هي بين ذراعه بحب. لتنزل معه بخطوات بطيئة على درجات السلم، أمام نظرات المدعوين. لتبدأ حفل زفافهم ورحلة دربهم سوياً ليسيروا معاً في حياة تبقى القلوب فيها واحدة. ***

تتلاقى الأعين والقلوب أيضاً. ومع تلك النظرات التي تجمعت على العروسين، التف ينظر إلى نظراتها بألم. فقد حرمها من حبه دائماً حتى يوم أن أعلن عن حبه هذا. كانت الصاعقة الكبرى. أخبرها بأن كل هذا من باب الانتقام ومن شروط لعبته. فكان الجرح أعظم وأكبر. وكيف تداوي القلوب جرحها وما زال الألم موجود. وهل مع الألم حياة أخرى؟ أقترب منها أدهم بحب وبصوت هامس: "الفستان حلو بس ضيق شوية يا مريم، وبلاش تضحكي تاني، سامعة؟ لتنظر

إليه مريم بعناد طفلة: "أنا كنت بتكلم مع شاهي وإلهام، وكمان إحنا في فرح." أدهم بغيظ: "عارف إننا في فرح يا حبيبتي، عشان كده بقول نقول حاضر وبس." لتلتف بوجهها بعيداً عنه وهي تنظر لأحمد وهبة بحب، قائلاً: "حلوين أوي، صح؟ ليقترب هو منها بحب ويضمها إليه بشوق: "تحبي أعملك فرح ونبقى عريس وعروسة من تاني؟ لتلتف إلى عينيه بألم، قائلة: "عريس وعروسة؟

حتى تتذكر بعض اللحظات التي قضتها سوياً في الغردقة. لتأتي ذكرى حملها وهي تتذكر يوم دمرها بدون رحمة. لتبتلع ريقها بصعوبة، قائلة: "إيه رأيك لو عملنا زي أحمد وهبة؟ أحمد هياخد هبة وهيعملوا عمرة الأول وبعدين هيقضوا شهر العسل." أدهم بحب: "بحبك يا أجمل حاجة في حياتي، يا طفلتي ويا ملاكي ويا بنت عمي." لتنظر له مريم بحدة، قائلة: "بنت عمك؟

أدهم ضاحكاً: "ومراتي كمان، بس كنت عايز أوريكي إزاي كنتي بتعملي فيا إيه، وإنتي ناسيه إنك مراتي." لتتلاقى أعينهم بحب. ويظل أياد يتطلع إليهم باسماً، حتى تقترب منه شاهي وبصوت مداعب: "المكان ده مش بيفكر بحاجة يا أياد؟ ليتطلع إليها أياد ضاحكاً: "إنتي لسا فاكرة؟ ده إنتي قلبك أسود! ليقترب منها بحب ويضمها إليه وهو ينظر إلى طفله الذي تحمله إلهام،

ليقول: "وعشان أصلحك يا ستي هاخد إجازة ونقضي أحلى يومين سوا، وكفاية يومين عشان أدهم ميموتنيش أنا وأحمد! لتتأمله شاهي بحب وبصوت حانٍ: "أنا بحبك أوي يا أياد." ليضمها إليه ثانية: "وأنا أسعد راجل عشان اتجوزت أحن وأجمل وأرق ست في الدنيا، وجبتلي أحلى طفل في الوجود." لتبقي القلوب بين حنين وذكريات وأشواق أصاحبها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...