الفصل 3 | من 32 فصل

رواية قلوب تائهة الفصل الثالث 3 - بقلم سهام صادق

المشاهدات
44
كلمة
2,622
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

ذكريات وأفكار كثيرة تراوده، وحياة لا يعرف لها معالم، وإنسان لا يرى فيه سوى الآلة تعمل وعقل يفكر، ومشاعر مضطربة وقلب تائه. أسند رأسه برفق على كرسيه ليستريح قليلاً ويهدأ قليلاً من تلك الأفكار والذكريات. أغمض عينيه للحظات لعله ينشئ عالماً جديداً من خياله ويعيش فيه للحظات، ولكن كيف؟ فهو لا يحب الخيالات ولا يرى الحياة سوى واقع أليم لا بد أن نعيشه.

أفاق من غفلته تلك القليلة وبعد ثوانٍ معدودة، كان يجلس في سيارته أمام بنايتها. ظل لبضعة دقائق يتطلع لتلك البناية، وهو لا يعلم لماذا هو هنا الآن. جلست على الأريكة باسترخاء شديد بعد أن أخذت حماماً منعشاً، وأعددت لنفسها كوباً من النسكافيه وأمسكت إحدى الروايات وبدأت تقرأ فيها. إلى أن قطع اندماجها صوت جرس الباب. نظرت إلى إحدى الساعات بجانبها، فكانت الساعة تعلن عن بدء منتصف الليل. تعجبت كثيراً ممن يدق جرس الباب الآن.

ارتدت روبها وأغلقته بإحكام، وقبل أن تفتح الباب نظرت من العين السحرية لتعلم من يقف خلف الباب. نظرت إليه بتعجب شديد، وهي تفتح له الباب وتسمح له بالدخول. "أدهم! "أدهم: آسف إني أزعجتك." "صافي بهدوء: لأ أبداً، ما فيش إزعاج، اتفضل." أغلقت الباب، واتجهت إليه لتري رغبته عن أي مشروب يريد أن يقدمه له. "أدهم وهو يخلع معطفه ويضع رأسه على الأريكة: ممكن قهوة يا صافي."

هزت له رأسها بابتسامتها الجميلة، ثم اتجهت إلى مطبخها لتعد له فنجاناً من القهوة. كان لأول مرة يتطلع إلى شقتها ويتأملها، كان يبدو عليها الأناقة الشديدة والبساطة في نفس الوقت. نظر إلى المنضدة التي أمامه، وجد عليها إحدى الروايات "لأجاثا كريستي"، ثم لفت انتباهه لتلك الصورة التي تضم طفلاً صغيراً يشبهها كثيراً. ظل ممسكاً بها يتأمل تلك الصورة بشدة.

جاءت إليه وهي تمسك فنجان القهوة الذي أعدته له، وعندما رأته يمسك تلك الصورة، بدأت معالم الحزن والأسى تظهر على وجهها. انتبه إلى قدومها إليه، وظل يتطلع بها، إلى أن جاءت وجلست بجانبه ووضعت فنجان القهوة أمامه. "صافي بحزن: دي صورة ابني." "أدهم: ابنك! "صافي بأسى: آه، مازن ابني." "أدهم بتردد من سؤاله: طيب هو فين دلوقتي؟ مش عايش معاك ليه؟ "صافي بحزن وهي تشرد في ذكرياتها السابقة." "فلاش باك!

"للأسف يا مدام، زوج حضرتك مش موجود في البلد كلها، وإنتي من الأفضل تنزلي مصر بدل المشاكل اللي هتحصل بسبب هروب زوجك والشيكات اللي عليه." "صافي ببكاء: أمشي إزاي، وابني؟ "المحامي: هو ده الحل الوحيد يا مدام صافي. أستاذ أحمد صفّى كل حساباته، وأخد ابنه وهرب، وإنتي لازم تنزلي مصر حالاً." ثم تركها وانصرف، وهي تبكي بحرقة على ابنها الطفل الذي لا يتعدى عمره 6 سنوات.

لم تشعر بنفسها سوى عندما وصلت إلى وطنها الذي رحلت منه لتتزوج ذلك الرجل الذي أُجبرت عليه من عمها بسبب صفقاته. نظر لها أدهم باشفاق، ثم مد لها يده بمنديل وأعطاه لها كي تجفف دموعها. نظرت له صافي بحزن تتأمله ودموعها تنساب على وجنتيها. *** كانت تمسك بمصحفها وتقرأ بعض آيات الله في خشوع، إلى أن جاءت إلى تلك الآية التي دائماً تقف لتتأملها وتتأمل حال الناس:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

ظلت تردد تلك الآية، وتشعر بالحزن على حال بعض الناس بل وأغلبهم، فكيف نكون خليفة الله في الأرض، ونحن نسرق ونفسد ونقتل ونزني ونظلم وننصر الباطل على الحق، ونحب الحرام ونبغض الحلال، ونحلل الأشياء على أهوائنا. كان كل هذا يتجول بخاطرها وهي تشعر بالحزن. أنهت وردها ثم اتجهت إلى والدتها لتطمئن عليها وتعطي لها الدواء. "مريم بحب وهي تقبل يد والدتها: الجميل أخبار صحته إيه النهاردة؟ "سعاد

بتعب وبابتسامة باهتة: الحمد لله يا بنتي على كل حال." "مريم: هروح أحضرلك الفطار وأجيبلك الدوا يا ست الكل." "سعاد: ربنا يبارك لي فيكي يا بنتي، ويحلي أيامك دنيا وآخرة." نظرت مريم لأمها بحب، واتجهت إلى مطبخهم المتواضع لتعد لها طعام الإفطار، وهي تحمد ربها أن اليوم هو يوم الجمعة يوم إجازتها وسوف تقضيه مع والدتها لترعاها. ***

سهرات وحياة يعيشها كما يقولون بطولها وعرضها، ومال ورفاهية يتمتع بها وكل يخضع لأوامره من أجل ذلك المال. وعالم يعيشه يغيبه عن كل شيء، وشيطان يمتعه بدنيا فانية وعالم مزيف، وهو أين من كل ذلك؟ هو فقط قلب تائه. "اشرب اشرب يا عم، شكل السهرة النهاردة هتكون جامدة." "أياد بسكر: طب ما أنا بشرب أه، هو انت فاكرني زيك خرع؟ "خرع: واو، شايف المزة الجامدة دي؟ "أياد وهو ينظر إلى الفتاة

التي ينظر لها صديقه: لأ جامدة بصحيح، بس ماليش مزاج النهاردة." ثم أعاد وجهه مرة أخرى بعيداً عنها. "رامي بتعجب: بقي أياد، يشوف مزة ويقول ماليش مزاج؟ "أياد وهو ينهض من مكانه وبعد أن ألقى بالنقود على طاولته لدفع ثمن تلك السهرة: أنا ماشي، كمل انت سهرتك." *** وبعد يوم شاق ملئ بالمتاعب، ووقوف طوال النهار لخدمة الزبائن، عادت إلى منزلها وهي تشعر بالوهن في كل أجزاء جسدها.

ذهبت إلى والدتها لتطمئن عليها أولاً، ثم دخلت غرفتها وبدون أن تشعر بدأت دموعها تتساقط وهي تتذكر كلمات التجريح التي سمعتها من مديرها، أمام ذلك المتعجرف. وكل هذا لما؟ لأنها أحضرت له طلباً بالخطأ. وبالرغم من اعتذارها وجلبها له ما أراد، ولكن ظل يوبخها إلى أن جاء مديرها الذي لا يفرق عنه، وظل يوبخها ويسبها ويسب غبائها إلى أن طلب منها أن تعتذر له.

كان ينظر لها بابتسامة نصر عندما سمع أسفها، وكأنه حظي بنصر عظيم عندما سمع ذلك الاعتذار، وكأنه شعر بسطوته وكأن باقي البشر عبيد وخدم فقط له. هذا ما كانت توحي به نظراته. ظلت تتذكر مريم نظراته البغيضة، وكلام خيري يتردد في أذنها. ظلت تبكي بحرقة إلى أن أفاقت على صوت والدتها. ذهبت إلى والدتها سريعاً بعد أن تأكدت أن دموع عينيها قد جفت. "سعاد بقلق: مالك يا مريم؟ إنتي كنتي بتعيطي يا حبيبتي." "مريم بحب

وهي تجلس بجانب والدتها: مالي يا ماما؟ أنا كويسة أه، إنتي بس اللي بتقلقي عليا زيادة." "سعاد: أنا أمك وبحس بيكي، متخبّيش عليا." "مريم باشفاق على والدتها المريضة: أبداً يا ماما، بس شفت حادثة وصعب عليا الناس اللي ماتت." "سعاد باشفاق وهي تربت على كتف ابنتها: ربنا يرحمهم، ويجعل خاتمتهم حسنة. طب يلا روحي غيري هدومك وصلي، وكلي يا حبيبتي." "مريم: حاضر يا ست الكل." *** كانوا يجلسون سوياً، يتناولون وجبة الإفطار.

إنه يعتبر حدث في قصرهم الفخم، فهم لا يجتمعون سوياً إلا لمرات قليلة. "أياد بابتسامة: صباح الخير يا أدهم." "أدهم وهو يضع إحدى الجرائد جانباً: صباح النور يا أياد." جاءت الدادة لهم ووجهها يملؤه السعادة وهي تراهم مجتمعين سوياً. "الدادة بحب: أيوه كده اتجمعوا على طول، ربنا يحفظكم ويخليكم لبعض يا حبيبي." "أياد بدعابة: يا سلام على شوية الدُعاء الحلوين دول يا بطوط." "الدادة بطيبة: أحلى بطوط بسمعها منك يا بكاش انت."

"أياد وهو يهم بالوقوف ليقترب منها لمداعبتها: اخص عليكي يا بطوط، ده أنا لو كنت بكاش مع كل الناس، إلا انتي، ده انتي اللي في الحتة الشمال." نظر لهما أدهم مبتسماً، وهو يرى أخاه يداعب مربيته، فهي من كانت ترعى أخاه دائماً منذ طفولته، لذلك يرتبط بها كثيراً. وفي تلك الأثناء جاء أحمد إليهم، وهو مبتسم. "أحمد بضحك: هي بس اللي في الحتة الشمال؟ طيب ناني وبوسي وماهي ولي لي؟ "الدادة: مين دول يا أحمد؟ "أحمد

بضحك: دول اللي في الحتة الشمال كمان." "أياد: متصدقهوش يا بطوط الواد ده." "الدادة بضحك: أنا شكلي لو فضلت واقفة معاك، مش هخلص اللي ورايا... ثم ذهبت وتركتهم لينعموا بفطورهم." "أياد: هتسافر بكرة الساعة كام؟ "أدهم بهدوء وهو يرتشف من فنجان قهوته: على الضهر إن شاء الله. ياريت الأيام دي تنتبه لشغلك وتصرفاتك." نظر له أياد ولم يعقب. ثم ألقى بعض الحديث على أحمد، وما سيفعلونه في غيابه. ***

دخلت وهي ترفع رأسها لأعلى، ولكن تلك الكلمات مازالت عالقة في أذنيها. ولولا حاجتها للمال والسنة التي مضت عقدها عليها لتركت ذلك العمل فوراً، ولكن كما يقولون ما باليد حيلة. وجدت نظرات مديرها عالقة بها، كان يحلق بها وكأنه يريد أن يرى كسرة نفسها. ولكنها أبت أن تجعل أحد من هؤلاء المتعجرفين، أن يؤثروا عليها. فمن المفترض أن يشعر بالهوان هم، هم من يشعرون بمرض الامتلاك وكأن الكون خلق من أجلهم فقط، ياله من غرور أحمق وعقول مريضة.

بدأت في عملها، الذي أصبحت تكرهه، كانت تعمل بحرص شديد فهي لن تتحمل أن تسمع كلمة أخرى من أحدهما. انتهى يوم عملها ببطء شديد، وكما اعتادت ذهبت إلى منزلها سريعاً لتطمئن على والدتها. *** أنهى عمله متأخراً في شركته، وبعد أن أعطى أوامره لهم بالاهتمام بمصلحة المجموعة، ومتابعة العمل كما اعتادوا في وجوده، واطلاعه بكل أمر هام يحدث إلى أن يعود من سفره. خرج من شركته وهو يشعر بالتعب الشديد.

أمر السائق أن يوصله للفيلا، ولكن تراجع عن قراره وأمره أن يذهب. *** "يااا يا كريم مش مصدق رجعت إمتى من باريس؟ "كريم بشوق وهو يحتضن صديقه: وصلت من أسبوع." "أياد بعتاب لصديق طفولته: أسبوع ومعرفش، لغير النهارده لما اتصلت بيك." "كريم: غصب عني والله يا أياد، كنت مشغول." "أياد: ماشي ياسيدي هسامحك. مروان بقي عنده كام سنة دلوقتي؟ "كريم: 4 سنين، انت أخبارك إيه دلوقتي؟ "أياد: آه ماشي الحال، مقضيها ما انت عارف."

"كريم: ده أنا قولت هرجع ألاقيك عقلت، امتى بقي هتعقل؟ وكاد أياد أن يرد عليه ولكن انتبه لصوت ضحكات أحدهما، نعم فهذا الصوت يعلمه تماماً. التفت لكي يتأكد من مصدر الصوت، فوجد والده، تتشبث في يده إحدى الفتيات ويجلسون على إحدى الطاولات. أعاد نظره ثانية إلى صديقه، الذي وجده مشغولاً في محادثته الهاتفية. *** "وقفت تحتضنه من الخلف، وهو يرتدي ساعته ويضع عطره الذي تعشق رائحته، فكيف لا تعشقه وهي تعشق صاحبه."

التفت إليها، وحاوطها بذراعيه، ثم بدأ يداعب أنفها بأحد أنامله. "أدهم: ها، مش عايزة حاجة أجبهالك من فرنسا؟ "صافي بتفكير: ممممم، عايزك تجبلي تجبلي." "أدهم بهدوء وهو ينتظر أن يسمع طلبها: عايزة إيه بقي؟ "صافي بابتسامتها المعهودة وهي تقبله على إحدى خديه: عايزك تجبلي أدهم." نظر لها أدهم مبتسماً، وحاوطها بذراعيه، وهو يقول: "يعني عايزة أدهم بس؟ "صافي بصدق: أيوه أدهم بس." ثم ارتمت في حضنه وكأنها تخشى أن تفقده.

رفع أدهم وجهها بحنان. "أدهم: كده أنا هتأخر يا صافي، عشان لازم أروح الفيلا الأول وبعدين أروح المطار." "صافي وهي تبتعد عنه: هتوحشني أوي." ثم لمست يده بحنان، وبصوت حنون. "خلي بالك من نفسك، وابقى طمني عليك." ثم اتجهوا سوياً ناحية الباب وهي تودعه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...