نظرت إلى ذلك الشخص الذي ينظر لها بابتسامته المستفزة، ثم نطقت بموافقتها على ذلك العمل ببرود: "نمضي بقي العقد." مضت مريم العقد دون أن تفكر بتلك السنة التي لابد أن تقضيها تحت رحمة ذلك الرجل. لم تفكر سوى بوالدتها وعلاجها الذي تحتاجه كل شهر لمرض السكر. ولكنها عزمت ألا تخبر والدتها بعملها. "طبعًا أنتي شايفة إن المطعم مش أي زباين بتجيه، ناس من أعلى مستوى عمرك حتى ماشوفتيهم. يعني يبقى فيه التزام ووجهة بشوش." قال بضحكته
المستفزة وهو يتفحصها: "ووجهك حسن، وأنتي بصراحة إيه قمر." مريم بحدة: "أفندم؟ خيري وهو ينده على أحد العمال: "ياسعد ياسعد، تعالا فهم الآنسة شغلها." ذهبت مريم لتعرف ماهي طبيعة عملها وهي تشعر بالرهبة الشديدة. دخل شركته وهو يمشي بثقته المعهودة، ونظرات موظفينه تكاد أن تخترقه. إلى أن سمع أحد الموظفات تتحدث مع صديقتها: "عندهم حق البنات تتلهف عليه، حد يطول إن يقضي ليلة مع القمر."
سمع جملتها تلك، فالتفت إليها وهو يخلع نظارته وابتسم لها ابتسامته الساحرة. الفتاة وبعد أن رحل: "ده ضحك لي، أنا مش مصدقة." دخل إلى غرفة مكتبه، بعد أن ألقى التحية على سكرتيرته. وبعد أن دخل وجد أحمد يدخل خلفه. أحمد: "كنت فين يا أياد من امبارح؟ أياد بهدوء: "في شرم، ليه حصل حاجة؟ أحمد: "وقَفلت تليفونك ليه؟ أياد: "في إيه يا أحمد، شايفني صغير؟ وفي تلك اللحظة، دخل أدهم وعلامات الضيق على وجهه من تصرفات أخيه. أدهم:
"صغير لا سمح الله يا أياد، ده أنت أياد عزت حفيد شوكت باشا." وقف أياد لأخيه الأكبر دون أن يتحدث. أدهم: "كنت فين يا أستاذ، وقافل تليفونك ليه؟ أياد: "في إيه يا أدهم، كنت زي ما كنت، هو تحقيق؟ وأظن إني كبير ومسؤول عن نفسي كويس." أدهم بضيق وهو يلقي له إحدى المجلات التي يبدو فيها أنه في حالة سكر شديد وفي وضع حميمي مع إحداهما: "ومدام أنت مسؤول أوووي عن نفسك وكبير وناضج أوووي يا محترم، ابقى شوف تصرفاتك كويس."
ثم خرج وهو يزفر بضيق شديد من تصرفات أخيه. أياد بضيق: "في إيه يا أحمد، أنت بتبصلي كده ليه انت كمان؟ نظر له أحمد ثم غادر ولم يتحدث. أياد بعصبية وهو يأخذ مفاتيح سيارته مرة أخرى ليغادر الشركة بأكملها. عادت إلى بيتها، وجدت والدتها تنتظرها ويبدو عليها القلق والخوف الشديد. سعاد: "كل ده في الشغل يا مريم؟ مريم بتعب تحاول أن تخفيه: "معلشي يا ماما، ما أنتي عارفة المواصلات بتاخد ساعتين كمان." الأم بضيق:
"استغفر الله العظيم، أنا قولتلك اطلع مكنة الخياطة واشتغل عليها يابنتي، ما أنتي عارفة كان ليا زباين كويسين ولو عرفوا إني رجعت أخيط من تاني أكيد هيجولي." نظرت مريم لأمها الطيبة التي تشعر من كلامها بجمال الحياة وبساطتها وطيبة أهلها، ولكن هيهات. مريم بحب: "وأنا قولتلك طول ما أنا عايشة مش هخليكي تتعبى أبدا، وأنا أه الحمد لله لقيت شغل." سعاد بحزن وهي تتذكر جملة زوجها أيضًا عندما منعها من شغل الخياطة حتى لا يتعبها:
"طب روحي يا حبيبتي غيري هدومك وصلي المغرب قبل ما العشاء يأذن، وأكون أنا حضرتلك الأكل." مريم بحب وهي تقبل خد والدتها: "ربنا يخليكي ليا يا ماما." سعاد: "ويخليكي ليا يا حبيبتي." ذهبت مريم لغرفتها وأعين أمها عليها، وهي تشعر بالحزن من أجل ابنتها. ابنتها التي كانت دائمًا تداري احتياجها للأشياء التي ترغب بها أي فتاة في سنها حتى لا تكلفهم ما يزيد عن استطاعتهم، حتى لا تشعرهم بفقرهم، كانت ترضي بالقليل بل وبالأقل. سعاد بدعاء:
"ربنا يعوضك خير يا بنتي، وأفرح بيكي مع حد يحافظ عليكي." كانت تجلس أمامه، تتطلع له وهي لا تصدق أنها معه للمرة الثانية. أدهم: "مالك بتبصلي كده ليه؟ صافي: "أبدًا، بس مش مصدقة نفسي إننا اتقابلنا تاني وإنك كلمتني." أدهم: "يااا لدرجة دي؟ صافي بابتسامة صافية: "أنت متعرفش قد إيه أنا مبسوطة يا أدهم." ثم اقتربت منه لتمسك يده بحنان. نظر لها أدهم بقلب يحتاج للاحتواء، ثم أمسك يدها ونهضوا من على الطاولة وخرجوا سويًا.
"مش معقول أياد باشا منورنا، لااا مش مصدق النايت كلب منور." أياد بغرور: "الطربيزة بتاعتي فاضية يا حسن." حسن: "طبعًا يا باشا، اتفضل." دخل أياد وجلس على طاولته، وبدأ في الشرب وهو ينفس بدخان سيجارته أيضًا. جاء إليه بعض أصدقائه، وجلسوا سويًا لقضاء سهرتهم في وسط الفتيات والضحكات والكؤوس التي تتعالى إلى أفواههم للشرب. يحاوطها بين ذراعيها، وهي تستلقي برأسها نائمة على صدره العاري. صافي: "مبسوط يا أدهم؟
نظر لها أدهم نظرة طويلة ثم أشاح بوجهه، وهو يشعر بالضيق مما يفعله، ولكن احتياجه وهدوء صافي ونظرات الحب التي تبدو في عينيها جعلته يعصف بنفسه لقضاء ليلة أخرى معها، لينسي معها كل أعباء يومه، ويلقي نفسه بين أحضانها فكل منهم أصبح يحتاج للآخر. لمست صافي وجهه بحنان، وأدارت وجهه ثانية إليها ثم اقتربت منه وطبعت قبلة على شفتيه، ثم ذابوا معًا لقضاء ليلتهم الحميمة. بدأ صوت أذان الفجر يعلو، وكلمة (الصلاة خير من النوم)
تتردد في الأذان لعلنا ننهض ونعلم أن الصلاة خير من أي شيء حتى من النوم الذي يغلبنا، وبالأخص عند سماع الأذان وكأن الشيطان يحلي النوم في أعيننا حتى لا نفيق ونقف بين يدي خالقنا لنستجيب لندائه. رحماك ربي بنا ومن تقصيرنا. كانت مريم مستيقظة تقرأ وردها اليومي الذي اعتادت على قراءته في ذلك الوقت. نهضت لترى والدتها هل استيقظت أم غفاها النوم. مريم: "صحيتي يا ماما؟ سعاد بحنان: "أه يا حبيبتي، قايمة أتوضأ عشان أصلي." مريم بحب:
"ماشي يا ست الكل." عاد إلى قصره الفخم، وهو يترنح يمينًا ويسارًا. الدادة بحزن على حاله: "أنت جيت يا أياد؟ أياد بسكر ولا يستطيع الرد عليها، ثم صعد إلى غرفته وألقى بجسده على فراشه الوثير ونام في ثبات عميق. كانت مازالت واقفة تتطلع إليه بحزن شديد. نظرت إليه بحسرة على شبابه وما يفعله. حزنت من أجله كثيرًا فهي من ربته منذ أن تركته والدته وهو كان طفلًا لا يبلغ من العمر عامين.
تركتهم والدته هو وأخاه الأكبر الذي كان يبلغ من العمر 7 سنوات ورحلت وتركتهم في يد أب لا يهمه سوى متعته. تنهدت المربية بحزن، ثم ذهبت لتؤدي صلاتها وهي تردد له بالهداية والصلاح. تناولت الفطور مع والدتها، وقبل أن تذهب لعملها. مريم: "عايزة حاجة أجبهالك يا ماما وأنا جايه؟ سعاد وكانت تود أن تطلب من ابنتها أن تجلب لها دواء السكر ولكنها كانت تعلم أن ابنتها لا يوجد بحوذتها سوى القليل جدًا من المال ولم يأتي نهاية الشهر
لكي تقبض أول راتب لها: "لا يا حبيبتي ربنا يخليكي ليا، خلي بالك من نفسك." "لا إله إلا الله." مريم بحب: "محمد رسول الله." ذهبت مريم إلى عملها، وهي تتذكر كلمة مديرها وهو يحثها على لبس الملابس الضيقة ووضع المساحيق، فلابد أن تكون وجهة لمطعمه الفاخر مثل بقية العاملات. أشاحت مريم وجهها بضيق وهي تستغفر ربها على حال هؤلاء الناس. استيقظت من نومها تبحث عنه، ولكنها لمحت تلك الورقة التي وضعها لها بجانبها.
"كانت ليلة جميلة زي اللي قبلها يا صافي." قرأت كلماته، ثم التفتت لمكان نومه وتحسسته بيديها وظلت تشم رائحة عطره الذي أصبحت تعشقه. ثم شردت قليلاً في حياتها السابقة وبدون أن تشعر نزلت دمعة من عينيها فمسحتها سريعًا. كانت دقات رنات هاتفه تتعالى للمرة الثانية، مد يده بتثاقل ليرى المتصل. أياد بنوم: "في إيه يا أحمد؟ أحمد: "في إيه، في اجتماع بعد ساعة يا أستاذ وحضرتك لسا نايم." أياد: "ييييه نسيت، طب اقفل اقفل."
نهض من فراشه بتثاقل شديد، ثم ذهب لحمامه ليأخذ دوشًا لعله يفيق. كانت تتابع عملها بتعب شديد، إلى أن جاءها اتصال من إحدى جاراتها. مريم بخوف: "ماما مالها يا طنط، طمنيني بالله عليكي." جارتها: "هي الحمد لله يا حبيبتي، بس ظاهر مكنتش واخدة علاج السكر بتاعها فأغمي عليها." مريم: "طب معلشي يا طنط خليكي معاها، وأنا ساعة وهكون عندك ولو في أي حاجة اتصلي بيا وأنا هتابع معاكي." الجارة: "ماشي يا حبيبتي."
كانت نظرات المدير تتابعها وترمقه بضيق. مريم بخوف: "أستاذ خيري، معلش ممكن أستأذن حضرتك بس النهاردة عشان والدتي تعبانة." خيري بضيق: "أنتي مش شايفة المطعم يا آنسة مليان زباين، ولا أنتي فاكرة إني فاتح سبيل؟ مريم: "لو سمحت، أنا بترجاك، مش هتتكرر تاني بس والدتي تعبانة." نظر لها خيري بتأفف: "طب خلاص روحي، وياريت متتكررش تاني يا آنسة." "مش هتفطر يا أياد! أياد بحب: "لأ يا بطوط هشرب فنجان قهوة في الشركة، يلا سلام يا موزة."
ابتسمت الدادة، وهي تردد: "الله يرضيك يا أياد يابني ديمًا كده تعكسني وتدلعني." كان ينظر في ساعته بضيق شديد، الاجتماع بعد 10 دقايق ولسا الأستاذ مشرفش، ولا عزت باشا كمان جه. أحمد: "زمانهم على وصول متقلقش." أدهم: "خلي هنا تحضر الأوراق وتوزعها قدام كل أعضاء مجلس الإدارة." أحمد: "تمام." ثم غادر أحمد ليتابع ما طُلب منه. بدأ هاتفه يعلن عن وصول رسالة، وعندما فتحها. "وحشتينيِ."
وبدون أن يشعر ابتسم أدهم ولكن سريعًا ما اختفت ابتسامته ونهض من على كرسيه ليذهب إلى غرفة الاجتماعات. وأغلق هاتفه. كانت تمسك بهاتفها تنتظر منه مكالمة حتى تسمع صوته فقط، أو يبعث لها رسالة ليرد بها على رسالتها. ولكن ظلت تنتظر دون جدوى. نظرت إلى هاتفها بحزن ثم أخذت حقيبتها وذهبت للتسوق لعلها تشغل بالها بشيء آخر سواه.
جلسا يرأسهم في غرفة الاجتماعات المخصصة، كانوا يسمعونه فقط هو فقط من يلقي الأوامر والقرارات وهم يسمعون ويقدمون الموافقة دون أدنى شك في قراراته، فهو معروف بخبرته واتقانه لكل شيء وتخطيطه فحتى الآن لم تخسر مجموعتهم أي من الصفقات مهما كان المنافس، كانوا يدركون هما ذلك لذلك لا يعترضوا على شيء. انتهى الاجتماع، وفي تلك اللحظة دخل والدهم. نظر له أدهم بأستنكار، ثم عاد النظر مرة أخرى على الأوراق التي أمامه.
كان أياد يتطلع إليهم، ثم نطق ببعض كلمات المرح حتى لا يحصل صدام بين أخيه ووالده. أياد: "أهلاً بالعريس، منور يا عزت باشا، لاء أنا كده هغير وهتجوز." عزت بضحك وهو ينظر لأدهم: "بس ياواد طول عمرك بكاش، مش هتبطل صياعة." أياد بضحك: "طلعلك يا باشا، يعني أبقى ابن عزت باشا وأبقى واحد أي كلام." ضحك عزت من كلام ابنه الأصغر. عزت وهو ينظر لأدهم: "معلش اتأخرت على الاجتماع، أصل كنت في المزرعة ولسا راجع حالًا." أدهم
بهدوء وهو يهم بالرحيل: "لأ ولا يهمك، براحتك خالص أهم حاجة تتبسط." ثم تركه وذهب. نظر عزت لولاده الآخر وابن أخيه أحمد ولم ينطق أحد بشيء. فهم يعلمون مدى المشاحنات بينهم. كانت تمسك يدهها وتقبلها بدموع. "كده يا ماما تخوفيني عليكي، ليه مقلتليش إن الدوا خلص كنت جبتلك غيره، كده تضحكي عليا وتقوليلي بتاخدي دواك." سعاد بأشفاق: "يا حبيبتي ما أنا كويسة أه، محصليش حاجة." مريم بدموع: "يعني عايزاني أستنى لحد ما حاجة تحصلك."
ثم قالت بحب: "هروح أجيبلك الأكل اللي الدكتور وصى عليه وأجيبلك الدوا." أكادت مريم تغادر الحجرة، ولكن استوقفها صوت والدتها. سعاد بتعب: "جبتي فلوس الدكتور والعلاج منين يا مريم؟ نظرت لها مريم بأستغراب فكيف علمت أمها أنها لم تكن تملك إلا القليل من النقود، واضطرت أن تبيع حلقها. مريم بكذب: "أستلفت من واحدة صاحبتي، وهردلها الفلوس أول ما أقبض مرتبى علطول، هانت كلها 10 أيام وأقبض."
طلعت سعاد إلى ابنتها بتفحص، ثم نظرت إلى أذن ابنتها. سعاد بحزن: "بعتي حلقك يا مريم! مريم وهي تعود لوالدتها وتحتضنها: "أنا من زمان عايزة أبيعه، ما أنتي عارفة كان بيوجعني ودني، وديما رامياه في الدرج." سعاد بضيق: "بس برضوه." مريم بأشفاق على والدتها: "يا ست الكل يعني هعمل بيه إيه، أنا الحمد لله محجبة ومالوش لازمة أصلًا يعني، هروح أحضرلك الأكل." ثم قبلت والدتها وذهبت لتحضر لها الطعام.
نظرت عليها سعاد بأشفاق وحزن، وظلت تدعو لابنتها. يتبع بإذن الله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!