وكأن للقدر مفاجأت تائهه لا تخطر على أذهاننا، ليجمع ويفرق كما يشاء، وما علينا نحن سوى الوقوف أمام تلك المفاجآت لنرى هل ستسعدنا أم سيكون شعور آخر لا نتوقعه. وقفت متأملة في صوت كانت تعرفه كثيراً، لتلتف بأعينها لترى صاحب ذلك الصوت. هبه بحب: ياااا يامريم آخر مكان ما توقعتش للحظة إني أقابلك فيه، وحشتيني بجد. مريم بحب: وإنتي وحشتيني أكتر ياهبه، مبروك على خطوبتك ببشمهندس أحمد. هبه بخجل: الله يبارك فيكي.
نظرت إليها بتساؤل لتقول: إنتي كنتي فين المدة دي كلها؟ أنا سألت عنك كتير لدرجة إني فقدت الأمل إني ألاقيكي. لتشيح بوجهها سريعاً، لتقع عينيها عليه وهو يتحدث مع ضيوفه بابتسامته وجاذبيته المعهودة، لتتنهد قليلاً: اتجوزت! هبه فرح: مبروك ياحبيبتي، وأنا كلها مدة قصيرة وأحصلك. تذكرت شيئاً قد جاء ببالها: إنتي عرفتي منين صح إن أنا وأحمد اتخطبنا؟ لتعود بنظرها على أدهم وهي شارده، لتنظر إليها هبه بدهشة: إنتي ودكتور أدهم اتجوزتوا!
لتبتسم مريم بحزن وهي تهرب بأعينها إليه، لتتذكر لحظة زواجهم لتبتسم بألم، وهي تحرك لها رأسها بالإيجاب. .................................................. ............... كانت جميع نظراتها توحي بالعتاب والألم، لم يكن كما يقولون فارس الأحلام المنتظر، ولكن كان فارس الأحلام المرسوم، فارس الأحلام الذي يصنعه هو كي يصبح في نظر إحداهن الشخص المناسب. تذكرت يوم رأتْه وبدأ يلعب معها لعبته.
عزت: أهلاً، أهلاً بشمهندسة إلهام، نورتي الشركة. إلهام بجديتها المعهودة: أهلاً يا فندم. ليظل هو يتفحصها بعقله قبل قلبه، ليصبح قلبه تائهاً بين رغبات عقله. وما إن انتهى حوار العمل، حتى بدأت اللعبة الجديدة، التي لم ينكر يوماً أنه لم يحبها، فقد كانت لها بريق لامع يخطف الأنظار، ولكن لم يكن عليه ومعه، هو عزت شوكت أشهر رجال الأعمال. وفي النهاية أصبحت زوجته التي فرض عليها الزمن أن يكون قدرها.
ابتسمت بسخرية وهي تتذكر أيامها معه، لتشرد في يوم أن طلقها، لتبتسم براحة كما يبتسم العصفور الحر عندما يطلقه سجانه لينعم بحريته. كما كانت كثيراً تظن أن كلمة طلاق بالنسبة للمرأة أصعب شيء، ولكن عندما نطق هو بها إليها، كانت مثل الطفلة الصغيرة التي يكافئها والديها بالعروسة الكريستال. ليقف الزمن ثوانٍ وتتلاقى أعينهما. عزت مقترباً منها بغروره وثقته المعتادة: بلاش تعصي أدهم عليا يا إلهام، أدهم ابني أنا.
إلهام ضاحكة بسخرية: ابنك؟ غريبة يا عزت، أنت تعرف إيه عن الأبوة عشان تقول ابني؟ ضحكت ثانية لتقول: تقريباً متعرفش غير بس متعتك والستات، أما ولادك الفلوس ممكن تربيهم، ممكن تجيب مربية أو عشرة مش هتفرق وتربي ولادك. نظرت إليه باحتكار وهي تقول: أو واحدة تتجوزها وتكون ليهم داده مش صح. أما أنت بقى لازم تفضل في العالم بتاعك ومزاجك ومش فارقة، تصدق أنا بستغرب أنت بقيت أب إزاي؟
والغرابة إن أدهم مش زيك ولا حتى إياد اللي كان ممكن يبقى زيك مبقاش نسختك، أظاهر أنت نسخة شاذة يا عزت. ليتطلع إليها بحدة، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كان أدهم يقف أمامهما: السواق وصل يالولو، يلا عشان يوصلك إنتي ومريم، لأن مريم شكلها تعبانة. لتتطلع إليه إلهام بحب: ربنا يخليك ليا يا حبيبي. ثم عادت بالنظر للعزت الذي كان يشتعل غضباً من كلامها الذي لم تتفوه بشيء خطأ منه. ليقف
أمامه أدهم وبصوت هادئ: كرامة مراتي من كرامتي. وكاد أن ينطقها لأول مرة منذ زمن، ولكنه أدرك سريعاً غلطته وقال: يا عزت باشا، وأظن لما تهينها كأنك بتهيني تماماً، عن إذنك سهره سعيدة. ليتركه بمفرده، وهو يلعن كل شيء وأولهم هي (مريم) .................................................. ........
جلست بجانبه في سيارته، ليتطلع إليها من حين لآخر وهو يرى عينيها الشاردة وكأنها تفكر في شيء هارب منها، لتحرك بيديها يميناً ويساراً وكأن المسألة أصبحت معقدة بالنسبة لها. أحمد ضاحكاً بصوت عالٍ: مالك ياهبه؟ إنتي اتجننتي ولا إيه ياحبيبتي. هبه بغيظ: يعني أنت كنت عارف مكان مريم فين؟ ومرضتش تقولي لما جيت سألتك. أحمد ينظر أمامه ليتابع طريقه: مش بالظبط كده. هبه: يعني إيه مش فاهمة.
أحمد بتنهد: يعني عارف أه الموضوع من بدري، بس يوم سألتيني كنت لسه معرفش. التفت بوجهه إليها: إنتي ليه شغلة بالك بالموضوع؟ هبه بتفكير: أمممم، أصل غريبة دكتور أدهم ومريم يتجوزوا، شيء غريب. طب إزاي ده تقريباً دكتور أدهم مشافش مريم غير في المرتين اللي خبطها فيهم؟ يعني حب من أول نظرة، طب لو فعلاً حب من أول نظرة ليه محدش عرف بجوازهم؟
أحمد بهدوء: مفيش حاجة غريبة ياحبيبتي، مع الحب متستعجبيش. طب ما أنا حبيتك من غير ما أعرف. ضحك قليلاً وهو ينظر إلى وجهها. هبه بدعابة: طب ما أنا حبيتك من غير ما أعرف حبيتك إزاي. أحمد مبتسماً: بس إنتي كنتي بتحبيني من زمان. غمز لها وهو يضحك. هبه بعبوس: لأ إنت بقى اللي كنت بتحبني الأول. ليقف بسيارته
أمام بيتها ويتطلع إليها: مش مهم مين فينا اللي حب التاني الأول، المهم إننا دلوقتي مع بعض. ويقف بهما الزمن للحظات، ليذوبا معاً في نظرات أعينهما، ليقترب منها قليلاً ويكاد أن يقبلها، ليبتعد عنها سريعاً: يلا عشان متتأخريش، وهبقى أكلمك لما أوصل البيت.
لتنظر إليه بخجل شديد، وتهبط من سيارته وهي تتابعه بأعينها. ليتنهد هو بشرود، ويتذكر حبه الزائف سابقاً لـ ندى، لينهر نفسه على ما كان سيفعله، فحتى لو أصبحت زوجته، فهي الآن أمانة معه حتى تصبح زوجته أمام الناس. .................................................. ...........
ظلت تتأمل المكان، وكأن الزمن لم يمر عليه يوماً، وكأن الزمن قد مر عليهما فقط. لتتطلع بعينيها على مكان جلوسه، وتسير بخطوات بطيئة لم تعرف لماذا أصابها الخوف الآن ولماذا سوف تخاف؟ فهي لم تصبح المراهقة التي تسرق من الزمن لحظات للقاء حبيبها. ليرفع بوجهه قليلاً، ليرى قدومها، ويبتسم. صافي: إزيك يا مازن! لتجلس أمامه وهي شارده في ماضٍ قد انتهى: لسه فاكر مكاننا المفضل. مازن يتطلع إلى عينيها: وعمري ما نسيته.
وبعد صمت طويلاً دام بينهما. مازن: أطلقتي من أحمد ليه؟ نظرت إلى عينيه، اللتين تتأملانها بأسى لتقص له كل شيء، كل شيء عن زوج خائن، زوج لا يفرق معه سوى نفسه، زوج قد أعاد إليها ابنها مقابل المال، زوج قد أهانها طيلة سنين زواجهم، ليرمي لها ورقة طلاقها بعد أن تركها في بلد غريب. لتبكي مع كل كلمة كانت تنطق بها تذكرها بجميع لحظاتها معه. مازن يتطلع إلى وجهها الباكي بألم: على فكرة أنا سميتها رهف.
صافي تبتسم من بين دموعها: وعلى كده طالعة ليك ولا لمامتها؟ لتشيح بوجهها بعيداً عن موضع إصبعه الذي يزينه خاتمها. مازن بشرود: مي ماتت بعد ما ولدتها على طول، للأسف كان عندها القلب، والدكاترة منعوها إنها متخلفش بس كان نفسها تجيبلي طفل أفضل أفتكرها بيه. صافي تتطلع إلى معالم وجهه بأسى: أنا آسفة يا مازن، مكنش قصدي أفكرك بيها. مازن مبتسماً: أنا أصلاً منستهاش، بشوفها ديما في رهف، لأنها نسخة مصغرة منها.
لتشيح بوجهها بعيداً، حتى لا يرى الدمعة التي فرت منها بدون أن تشعر، عندما رأت في عينيه حبه لزوجته. لم تدري لماذا قد غارت، فهو لم يخطئ عندما بدأ حياته من دونها وتزوج، فماذا كانت تنتظر؟ أن تعود له لتجده ما زال ينتظرها. .................................................. ...............
جلس يتابع أعماله بتركيز تام، إلى أن جاء طيف من ملامحها أمام عينيه، ليزيح بنظارته الطبية، ويظل شارداً بها قليلاً، ليتذكر عين طفله عندما أخبره أنه قد رآها، ليبتسم له ابنه، ويطلب منه أن يلتقي بها، فهو يريد أن يسمع صوتها ويتحدث معها، فقد كانت أول امرأة شعرته بالحنان بعد وفاة والدته ويحبها. لم يعتقد أن الصدفة سوف تجمعه بها في ذلك الحفل، الذي تم إقامته بسبب الصفقة التي حدثت بين شركته ومجموعة شركات أدهم.
ليحادثه عقله: أكيد موظفة عندهم. ليشرد قليلاً ويتذكر يوم أن قالت له إنها تعمل في إحدى الشركات التي تخص مجموعة الصفوة (التابعة لأدهم) . لينهر عقله بأنه لم يتذكر هذا إلا الآن، فقد بحث عنها كثيراً، ولكنه نسي أمر عملها تماماً. ليمد يده ويلتقط صورة طفله القابعة أمامه ليتأملها وهو يراها أيضاً أمامه، ليبتسم بشرود بعد أن علم كيف سيصل إلى طريقها.
لتدخل سكرتيرته الخاصة: مستر جلال، الاجتماع هيكون بعد يومين مع شركة الصفوة للاستثمار، سكرتيرة مستر أدهم اتصلت وبلغتني بالموعد. .................................................. ...............
ما زالت الأعين والنظرات تحاوطها، والكل يتحدث عن زوجة صاحب العمل، التي تعمل معهم كمجرد موظفة عادية لا تفرق شيئاً عنهم. ليظل البعض يتأكد من الخبر المعلن أمام أعينه في مجلات مشاهير المجتمع، ويظل البعض الآخر يتأكد ممن شاهد ذلك بعينيه في الحفل التي حضرها. لتظل هي تشاهد العيون المسلطة عليها، وتسمع أحاديثهم الجانبية، وكأنها أصبحت حديثهم جميعاً، لتبتسم بسخرية على حالهم. لتأتي إليها سكرتيرته التي تحولت تماماً من كائن بغيض إلى أحد يود أن يفرش لها الأرض وردًا كما يقولون.
وقفت تنظر حولها، متأملة مكتبه الفارغ، لتسير بخطوات بطيئة نحو مكتبه الوثير لتظل تتفحصه بعناية دقيقة، وبعد لحظات كان فضولها يحاوطها أن تجلس على كرسيه، لتلهو بعض الشيء في متعلقاته، ولكن ليس للاطلاع بل بالعبث قليلاً. شعور طفولي قد سيطر عليها بدون أن تشعر، لتظل تمسك بأحد الأقلام وتجذب أحد أوراقه لتسطر عليها رسمتها. وكادت أن تنهض من مكانها عندما وجدت أنه لم يأتِ حتى الآن، لتري الباب يفتح ويقف هو أمامها.
عزت بحده: لأ وكمان قاعدة على كرسي ابني؟ وكأنك ورثتي الشركة، أو شريكة فيها. لأ فوقي يا بنت عبد الله، إنتي ولا حاجة وعمرك ما هتبقي في المكانة دي، واللي في بطنك اللي ربنا ربطنا بيه ده، بكرة تولدي وأخده وأرميكي في الشارع. ضحك بسخرية وهو يرى دموعها. لتتطلع إليه بعينين باكيتين: أنت ليه بتكرهني كده؟ عزت ساخراً: عشان إنتي بنته فاهمة؟ حظك إنك بنته. ليتطلع إليها بحدة: إنتي لسه واقفة قصادي؟
يلا من وشي، مش على آخر الزمن راسك هتبقى براسنا. ليقف خلف والده، بعدما هز رأسه لها بأن تصمت، ليقول: خلصت كلامك يا عزت باشا، واهنت مراتي براحتك. تنهد بضيق: قولتلك قبل كده كرامة مراتي من كرامتي. يعني لما بتهنها بتهني أنا. والعموم نورت المكتب ياعزت باشا.
ليصمت عزت قليلاً ويتطلع إليه وهو يعلم بأنه قد خسر ابنه للمرة المليون. ولم يبقَ أحد خاسر في تلك الكرة إلا هو. ليلتف إلى مريم ويتأمل ملامح وجهها الباكية. ليغادر المكتب، بل الشركة بأكملها. لتقف هي أمامه: "أنا آسفة أني سببت لكم خلافات مع بعض. وصدقني كان غصب عني." ليقاطع حديثها وهو
يضع أنامله على فمها بحنان: "هووس، متتكلميش. مكتبي ده هو مكتبك، والكرسي ده تقعدي عليه براحتك. وأظن لو متمتعتيش بخير جوزك وهو عايش، عايزة تتمتعي بيه امتى؟ لتنظر له بدموع: "بعد الشر عليك، متقولش كده. أنا مش عايزة حاجة، أنا عايزاك." لتقف آخر كلمة في حلقها. ليبتسم هو على حبها له الذي ما زالت تحمله: "لسه بتخافي عليا يا مريم؟
مريم بطيبة: "متزعلش منه يا أدهم، ده مهما كان باباك. صدقني باباك طيب، بس للأسف ساعات من ضعف نفسنا الشيطان بيسيطر علينا ويلعب بينا زي ما هو عايز، لحد ما بنعيش ونموت وإحنا في دنيا غافلة." ليجلس على أحد الأرائك بتعب: "أنا تعبان أوي يا مريم. بقيت تايه، مش شايف أي حاجة قدامي غير سراب." لتقترب منه ببطء وهي تتطلع إلى ملامح وجهه المتعبة: "انت كويس يا أدهم؟
أدهم بشرود: "أنا بقيت محتاجك أوي يا مريم. أوعي في يوم تفكري تسيبي إيدي. خلينا نعاتب بعض، نزعل، نثور، نغضب، بس أوعي في يوم تبعدي وتسبيني، سامعة." ليبتسم بألم: "أنا عارف إني ظلمتك، وجيت عليكي كتير، وهدمت حبك ليا بإيدي. ومهما بتعملي وتثوري عليا مش بزعل، بحسك إنك بنتي اللي لازم أحتويها." لتبكي أمامه بصمت. ليقف أمامها ويحتضنها: "أخبار حبيبي أو حبيبة بابا إيه؟ لتتأمل ملامح وجهه بحب: "إحنا كويسين طول ما أنت معانا وجنبنا."
لم يتمالك نفسه، سوى أن يقربها منه ثانية ويحتضنها بشدة. لتبكي هي على كتفيه. لأول مرة تراه بهذا الضعف. الضعف الذي جعلها تعصف بكل شيء، حتى لا تبقى هي أيضاً جلاداً يُنصب عليه. ليرفع وجهها قليلاً: "بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش كنتي بطلتي عياط وبقيتي مريم القوية؟ مريم بدموع: "أوعي تضعف يا أدهم، وتكرهه بابا. والله ما كان راجل وحش. لو كان عايش لحد دلوقتي كنت فعلاً هتصدق كلامي."
أدهم بشرود: "ما هو ده اللي مخليني تايه. مش قادر أصدق إن الراجل اللي عرف يربي بنته كويس، ويربيها أحسن تربية وبرغم كل حاجة قبله، حافظ عليها وعلمها. مش قادر أصدق إن البنت اللي رضيت تشتغل أي حاجة عشان تصرف على والدتها وترعاها. ولا قادر أصدق إنها بتدعيلي حتى لو ظالمها." ليصمت قليلاً ليقول: "شفتي أنا تايه إزاي." *** كانت عيناه ما زالت تتفحصها وهو يتطلع إلى جسدها برغبة شديدة. ليبتسم لها: "إنتي تأمري يا مدام نانسي."
لتتطلع إليه باشمئزاز، تحاول أن تداريه تحت ابتسامتها المزيفة: "عايزاك تنشرلي الصور دي، ولازم تنشرهالي في أسرع وقت. ويا ريت يكون في العدد اللي جاي." فهمي: "صور إيه دي يا مدام نانسي؟ لتعتدل هي من جلستها: "هيبقى سبق صحفي لمجلتكم هايل." ليتطلع هو إلى الصور. لتبدأ شفتاه في التبسم: "تحبي تشربي إيه يا مدام؟ لمون صح؟ نانسي بضحك: "طبعاً، محدش هيعرف إن أنا اللي ورا الصور دي، مفهوم؟ فهمي، بتأمل للصور: "طبعاً يا هانم! ***
كان يحتضنها بين ذراعيه، لتصبح أنفاسه تحاوطها. لتغمض عينيها قليلاً، وهي خائفة لا تعلم لماذا أصبحت تخاف من حياتها، وكأن كل شيء معه أصبح مهدد. ليشعر هو بهدوئها ويقول بدعابة: "بطنك بدأت تظهر يا حبيبتي، قربتي تبقي شبه الكورة." لتضحك وهي تبتعد عن حضنه. ليجذبها له ثانية ليهمس بصوت حانٍ: "بس عجباني برضه في كل الحالات يا طفلتي." لتبتسم هي، وتمسك بأحد يديه وتضعها على بطنها التي بدأت بالفعل في الظهور: "سامع بابا بيقول إيه؟
ماما هتبقى شبه الكورة." ليضمها إليه بشدة. ليشرد قليلاً في يوم قد فكر للحظة أن يتخلص منه ويحرم نفسه من أجمل شعور يتمناه المرء: "كنت خايف مكنش أب كويس. كنت خايف أكون زيه، وابني يكرهني." لتتطلع إلى وجهه الذي أشاحه بعيداً
عن عينيها: "كتير كنت بحتاجه يبقى جنبي. عارفة كنت بعوض نقص احتياجي ليه في إياد. كنت كل ما أحس إني محتاج حضنه، وإيده تطبطب عليا وتوجهني، كنت ألاقي نفسي مع إياد. أفضل أزعقله وأعاقبه. كنت عايش معاه تقريباً دور الأب قبل الأخ." ليتأمل وجهها بحب: "خفت أوي يا مريم، أكون أب ولا حاجة بالنسبة لولادي، وكأن وجودي زي عدمه."
ليقول بشرود: "نظرتها عمرى ما أنساها، وهي بتبصلي أنا وإياد. كان إياد لسه طفل بيتعلم المشي. قالتها آخر جملة في حياتها. يا ترى مين فيكم يا ولادي هيكون زيه؟ فضلت تبصلنا إحنا الاتنين وكأنها كانت بتدور على عزت تاني. مكنتش عارف ليه نظرتها كانت فيها ألم كده، بس بعدين فهمت هي كانت خايفة ليه. تصدقي لو قولتلك إني مش بكرهه؟ عمري ما كرهته."
لتتطلع إلى نظرات عينيه قليلاً: "أنت مش زي باباك ولا هو زيك. إحنا اللي بنقرر هنعيش بأي دور وبأي وش. في اللي بيكون عايز يعيش زي الصنم مبيسمعش غير شيطانه، وفي اللي بيكون عايز يعيش إنسان زي ما ربنا خلقه. وكلنا بنحدد دورنا وكل واحد هو اللي بيحكم على نفسه الدور اللي هيعيشه. وفي الآخر الرسالة بتنتهي، وقلوبنا التايهة بترجع مطمئنة من تاني، وعقلنا بيقف عن البحث في عالم فاني. وبكده كل واحد بيوصل لرسالته." ليتأملها بحب شديد،
ويلمس وجهها بحنان: "إنتي أحلى حاجة ربنا بعتها لي بجد يا مريم. ده أنا حتى ساعات بستغرب إن ربنا بعتك ليا." ليبعد بوجهه قليلاً ليقول بندم: "مع إني كنت بعصيه أحياناً." ليصمت قليلاً: "وكثير كمان، وبنسى إنه مطلع عليا وشايفني." لتتطلع هي إلى
الفراغ الذي أمامها بشرود: "ساعات ربنا بيمد إيده لينا، عشان يساعدنا والشاطر هو اللي يقدر يجري على فرصته قبل ما تضيع. لأن الفرصة ما بتجيش غير مرة واحدة. وكل واحد حسب فرصته في اللي ممكن ربنا يبتليه بمرض عشان يختبر صبره ورضاه، ودي بتكون فرصته في الدنيا. وفي اللي بتمر عليه الدنيا بمواقف للعبرة، عشان تنبهه ويفوق. وفي اللي ربنا بيقابله بالناس اللي روحهم شبهه عشان يقدروا يمدوا إيديهم لبعض ويكملوا مع بعض. وفي اللي بتتوفر ليه كل الفرص دي، وللأسف بيكون الأوان فات، والفرص بتكون خلاص راحت، والحياة انتهت."
ليظل يتأملها طويلاً. ليقول بحب: "يوم جوازنا ما صليناش مع بعض، تيجي نقوم نصلي وأكون أنا إمامك."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!