مشاعر مختلفة وأفكار هائجة، أحلام جميلة، وقلب لا يعرف سوى الحب، وابتسامة صافية. وقلب آخر لا يعرف سوى القسوة، أو بالأصح، لا ينبت بداخله سوى ذكريات أليمة جعلته تائهاً في عالم لا يعرف الحب. وآخر تائه لا يعرف ماذا يريد. جلس بهيبته المعتادة. وبعد نظرة طويلة، قال: "أنا اتفقت على ميعاد الفرح مع أسعد باشا، وحددنا كل حاجة." أياد بضيق: "والمفروض أنا أقول سمعاً وطاعة، صح؟ أدهم بحدة:
"أنت اللي غلطت، ولازم تصلح غلطتك. أنا مش مستعد أخسر صفقات بملايين عشان طيشك يا أستاذ." أياد: "أهم حاجة عندك الشغل والفلوس؟ مبتفكرش في غيرهم." أدهم بضحك: "ما هي الصفقات والشغل اللي مبفكرش في غيرهم دول يا أستاذ، هم اللي مخلينك أياد باشا، ولا فاكر إيه؟ ثم أطلق زفرة قوية، لعله يرتاح قليلاً. "وتفتكر لما اتجوز شاهي، كده هترتاح؟ أدهم بحدة:
"فكر في الطفل اللي جاي، وافتكر إن محدش ضربك على إيدك إنك تعمل علاقة مع شاهي وبعدين تقول خلاص زهقت." وقبل أن يدور حديث بينهم آخر، تركه ورحل وهو لا يشعر بشيء. أدهم بضيق: "هنا، ابعتيلي أحمد." ...
كانت كلمات أخاه تكاد أن تعصف به. ركب سيارته وكاد أن يتحرك بها، ولكن نظره استوقفه وهو يراها تبتسم لأحد صديقاتها وهي تودعها. إلى أن وقفت إحدى السيارات الفاخرة وفتح لها السائق الباب بعد أن ابتسمت له. كان فضوله يسيطر عليه. لم يدري بنفسه إلا عندما رآها تدخل أحد المنازل الفاخرة ويقابلها رجل يبدو عليه في منتصف الثلاثينات، وعلى وجهه ابتسامة راقية.
أخذ يتطلع عليها، والفضول يكاد أن يقتله. فكيف لفتاة مثلها قد خدعته ببرائتها هذه؟ ظفر بضيق شديد وبدأ يبتسم بسخرية. وبعد ساعة تقريباً، وجدها تخرج من تلك الفيلا ونفس الرجل يودعها وهو يطلب من سائقه أن يوصلها إلى حيث ما تريد. تتبعها بنظره باحتقار شديد وهي تغادر. ثم خرج من سيارته ووقف أمام الحارس وهو يسأل عن شيء، حتى أن جاء بالحديث. الحارس:
"ده جلال بيه، لسه واصل من بره بقاله شهرين. عايش هو وابنه عنده خمس سنين بس مش بسمع ولا بيتكلم، مولود كده." أياد يسأل: "والآنسة اللي كانت خارجة من هنا دي تقربلهم؟ أصل بشبه عليها." الحارس بطيبة: "آه آنسة مريم، البيه الصغير أصله بيحبها ومرتبط بيها من ساعة ما تاه في يوم ورجعته. ياااه متفكرنيش يا أستاذ، ده كان يوم جلال بيه كان هيقلب الدنيا، ما ابنه عنده حق.
ثم تابع في حديثه: بس شكلها بنت طيبة وغلبانة والله، يوميها فاكر جلال بيه عرض عليها فلوس بس هي رفضت. ولما لقي ابنه متمسك بيها، عرض عليها يوم إجازتها إنه تيجي تشتغل هنا تخلي بالها منه وترعاه. بس النهارده الولد تعب وفضل يعيط، فمكنش فيه غيرها عشان يرضي يسكت." ثم انتبه الحارس لثرثرته الكثيرة مع هذا الغريب وقال: "هو أنت يا أستاذ قريب الآنسة ولا إيه؟ أياد بشرود: "آه. متشكر أوي يا... الحارس: "محمود يا بيه."
نظر له أياد مبتسماً وانصرف، وبداخله أسئلة كثيرة تحاوطه. ولكن ما قرر فعله أنه سيتركها بشأنها، فملاك مثلها لا يستحق إلا لشخص مثله. تنهد بأسى وهو ينظر إلى وجهه من مرآة سيارته، وانصرف. ... نظرت إلى ذلك الوجه الذي تعرفه تماماً. لم تصدق أنه الآن قد تذكر أن لديه ابنة أخ. تطلعت إلى وجهه وهي لا تعلم لماذا قد تذكرها الآن وجاء لزيارتها. منصور: "إيه يا بنت أخوي؟ مش هتقولي لعمك اتفضل؟ مريم بابتسامة: "اتفضل يا عم."
أخذ يتطلع إلى البيت الذي تقطنه بمفردها وقال: "الله يرحمك يا خوي." مريم بحزن: "تحب تشرب إيه؟ منصور بابتسامة: "متتعبيش نفسك يابنت أخوي. ثم التف إليها وقال: هنقعد فين؟ مريم: "اتفضل يا عم. هو في حاجة حصلت؟ منصور: "تعالي يا مريم يا بنتي. ثم بدأ يتطلع إليها بنظرة لما تفهم معناها إلا عندما... وقال: "كبرتي يا مريم وبقيتي عروسة." نظرت إليه بدون فهم، ولم تتحدث إلى أن تابع حديثه وقال: "بس قريب هفرح بيكي يابنت أخويا." ...
لم يدرك بنفسه إلا وهو يلقي التحية على أحد الغفر وهو يقول: افتح الباب يا صالح. نظر له الغفير بتثاؤب، وعندما أدرك من أمامه، أفاق سريعاً. وهو يقول: "نورت المزرعة يا أياد بيه." دخل بسيارته، وكأنه يريد أن يهرب تلك الأيام من كل شيء. حتى يفيق من هذه الغيبوبة التي أصبح يعيش بها منذ أن دخلت عالمه في تلك المدة القصيرة. نظر إلى حارس المزرعة، وبعد أن ألقى عليه بعض الأوامر.
ترجل إلى الداخل، لعله يجد في هذا المكان راحة حتى لو قليلاً. ... كانت دموعها تنثاب وهي تتذكر كلمات عمها بعد أن رفضت تلك الزيجة، وكيف ستوافق على هذه الزيجة وهي لا تعرف شيئاً ولا تعي شيئاً عن هذا الرجل الذي تقدم لخطبتها. وكيف سيتقدم لخطبتها وهي لا تعرفه؟ ولكن عمها متمسك بشدة، كأنه يريد أن يتخلص من عبئها تحت مسمى ابنة أخاه. تذكرت كلمته الأخيرة وهو يقول:
"ما أنا مش هستنى لحد ما تجيبيلي العار وأنتي عايشة هنا من غير راجل. وديري على حل شعرك." مسحت دموعها سريعاً عندما سمعت دقات الباب على غرفتها وهو يقول: "يلا يا مريم المأذون وصل." كادت أن تخرج من الغرفة وتصرخ في وجههم جميعاً. ولكن ماذا ستقول؟ فإذا رفضت، فحتماً سوف لا تلقي بمصيرها إلا أن تذهب مع عمها لبلدتهم، وكما قال لها: "هجعلك خادمة لي، ولن تتزوجي سوا ابني بكر."
بكر، الذي يكبرها بـ 25 عاماً. تنهدت بحسرة لما يحدث لها. انتبهت لصوته ثانية وهو يقول: "يلا يا مريم."
خرجت من غرفتها وهي تتطلع إلى ذلك الوجه. يا لهم من وجوه كثيرة قد رأيتها في تلك الأيام. وجه جامد قد صدمتها في ذلك العالم الذي كانت تعتقده مثل نقاء قلبها. انثابت دموعها وهي تتذكره، فالآن سوف ينتهي حلمها الذي كانت تكتفي برؤيته فقط. لم تحلم سوى أن تسمع صوته هذا الحاد وترى تلك الوجهة الجامد. ولكن كأن الله أراد أن يخلصها من هذا الحلم الذي تعلم حتماً نهايته. منصور بصوت منخفض:
"حسك عينك تعملي أي حاجة، ولا أنتِ عارفة يابنت أخويا. ثم ابتسم لها ابتسامته المصطنعة وهو يقول: هو أنا عندي أعز منك يابنت أخوي؟ بكرة تعرفي إني عملت كده عشان أحافظ عليكي مع راجل يصونك." ... الآن قد شعرت بغبائها. فهو لم يحبها، بل كانت كما يقولون لها بأنها لعبته الجديدة. تذكرت غرورها وهي تقول: "مش مع شاهي أسعد."
لم يحطم غرورها هذا سواها هي فقط، وكأن الغرور لا يحطمه سوى صانعه. تنهدت بأسى وهي تتذكر حفلة زفافها الذي سيتم بعد يومين، وأين هو من كل ذلك. ... نظرت لتلك الوجهة الذي يتطلعها، وهي تعلمه تماماً. ظلت تحدق فيه لعلها تستيقظ من هذا الحلم، ولكن لم تجد سوى أن حلمها واقع أمامها يتجسد الآن. نظر لها مبتسماً وهو يقول: "إزيك يا مريم؟ تأملته للحظات للتأكد بأن هذا الصوت هو صوته. ظلت تتطلع إليه.
إلى أن قطع شرودها صوت عمها وهو يقول مبتسماً: "هسيبكم مع بعض يا أدهم باشا، عشان تتكلموا." ثم استأذن منه وهو يبتسم. أدهم بابتسامة: "مالك يا مريم؟ واقفة ليه؟ ولا أنتِ اتفاجئتي؟ ثم عاد ليحدثها ثانية، وهو يقول: "أنتي تعبانة؟ أجيب لك دكتور؟ ثم اقترب منها قليلاً، بعد أن يأس من سماع صوتها. وقال: "مريم، انتي سمعاني؟ رفعت رأسها قليلاً، لعلها ترى وجهه عن قرب وتتأكد أن الذي أمامه هو، وليس شخصاً صنعه عقلها الباطل.
ثم قالت بصوت ضعيف: "أستاذ أدهم، أنت بتعمل إيه هنا؟ هو أنت تعرف عمي؟ أدهم بخبث: "آه أعرفه. أستاذ منصور عم مراتي." نظرت له لعلها تدرك أن ما سمعته منذ قليل ليس سوى تفوهات يصنعها عقلها. ابتسم لها عندما رأى مدى ارتباكها. علم أنها ليست سوى فتاة عادية لغاية. شعر بالذنب قليلاً تجاهها. ولكن شعوره هذا قتله سريعاً. ثم قال بصوت حانٍ: "إيه يا مريم؟ مفاجأة وحشة إنك عرفتي إني العريس." نظرت له قليلاً، ثم قالت: "العريس؟
أدهم بابتسامة وهو يدير وجهه ليصبح ظهره أمامها، ثم تنهد قليلاً وقال: "أنا بحبك يا مريم، من أول مرة شوفتك فيها. من أول مرة جيتي الشركة وكنتي هتقعي ومسكتك بين إيديا. بس مكنتش فاكر إني هشوفك تاني. بس حظي كان حلو وشوفتك تاني وعرفت إنك بتشتغلي في شركتي. بس مقدرتش أستحمل أكتر من كده وأنا بشوفك كل يوم قدامي وأنتي بعيدة عني." كانت تسمع كلماته وهي لا تصدق ما تسمعه أذنيها. هل كان حقاً يحبها مثلما أحبته بدون أن تشعر؟
ولكن كيف وهو دائماً لم يشعرها بأي شيء يجعلها تتأكد من حبه. كان يعلم ما يدور بداخلها. وقبل أن يجعلها تفكر وتسأل عن شيء قال: "عارف إني محسستكيش ولو للحظة بحبي ليكي، وديما شيفاني أدهم الصارم اللي الكل بيخاف منه وبيعمله ألف حساب. بس كان غصب عني يا حبيبتي، كنت خايف تضيعي مني." ثم التف إليها، فوجدها تتطلع إليه في صمت ودموعها تنثاب على وجنتيها. اقترب منها قليلاً وكاد أن يمد يده ليمسح دموعها، ولكن... منصور:
"مش كفاية كده يا أدهم باشا، عشان نكتب الكتاب واه هتكون مراتك وتقولها كل اللي نفسك فيه وهتبقي معاك طول العمر." نظر له أدهم مبتسماً، ثم عاود النظر إليها وذهب مع عمها لتتم تلك الزيجة المخادعة. وقف يتأمل تلك الخضرة وهو شارد بأفكار كثيرة تدور بخاطره. لم يشعر بشيء سوى تلك اليد التي تربت على أحد كتفيه. "في واحد فرحه بكرة وسايب عروسته." تنهد أياد: "انت عرفت مكاني إزاي؟
ثم ابتسم بسخرية وهو يقول: "مافيش حاجة بتخفى على أدهم باشا." "أدهم بيحبك يا أياد وخايف عليك حتى من نفسك." قال أياد بسخرية: "عارف إن أدهم بيحبني، بس حب بامتلاك. عايز كل حاجة تبقى تحت إيده هو وبس، حتى أنا." تساءل أحمد: "كريم قالي على كل حاجة. مش معقول أنت حبيت مريم؟ ابتسم أياد وهو يلتف بوجهه بعيداً عنه: "تفتكر إن واحد زيه كل همه يسهر ويشرب ويقضي سهره مع دي ويصاحب دي، يحب واحدة زي مريم؟
مريم أطهر وأجمل مخلوقة شوفتها، عشان كده واحد زي أنا مينفعش يحبها." تنهد أحمد: "يبقى حبيتها فعلاً." "مش عارف يا أحمد، ولا فاهم حاجة، ولا بقيت عارف إيه اللي بيحصلي." "بكرة ترجع أياد بتاع زمان. آه هتسافر انت وشاهي تقضوا شهر العسل." ثم تابع كلامه بابتسامة: "وأكيد هتتبسطوا." نظر له أياد طويلاً: "أتبسط، مفتكرش." لم تشعر بنفسها سوى وهي تسمع كلمة "قابلت زوجها"،
ووجه عمها يبتسم وهو يقول: "مبروك يا أدهم يا ابني، قصدي يا أدهم باشا." نظر له أدهم مبتسماً وقال: "إحنا أهل دلوقتي يا عم منصور، شيل الألقاب دي." قال منصور بابتسامة واسعة: "ده العشم يا أدهم يا ابني." ثم اقترب من إحدى أذنيه وقال: "أوعى تنسى اللي اتفقنا عليه." نظر له أدهم بسخرية وقال: "لأ، متخافش. المحامي هيكون عندك بكرة عشان تستلم أوراق الأرض." قال منصور بصوت عالٍ: "تعالي يا مريم، قربي من جوزك. متتكسفيش يا بنتي."
نظر لها يتطلع إليها وقال: "جهزي نفسك عشان هتيجي معايا." وكأنها الآن بدأت تفيق من كل هذا: "أجي معاك فين؟ كاد أن يرد عليها ولكن صوت عمها كان الأسبق. "هتروحي مع جوزك يا بنتي، يلا روحي جهزي نفسك." وقفت للحظات قليلة وهي لا تفهم شيئاً. وكيف ستفهم شيئاً وكل شيء حدث وكأنها كانت تحلم واستيقظت الآن من الحلم. تمنت لو كان حلماً حقاً وتستيقظ منه الآن، ولكن... قال منصور: "يلا يا مريم يا بنتي، مش عايزين نعطل أدهم بيه أكتر من كده."
ثم قال: "خلي بالك منها يا أدهم، مريم دي زي ولادي." نظر له بسخرية وهو يرى ذلك العم الذي باع ابنة أخيه من أجل المال، دون أن يعلم سبب هذه الزيجة، وكأنه يبيع قطعة أثاث بالية، ليس ابنة أخيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!