تحميل رواية «قلوب تائهة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل يبدو عليه البساطة الشديدة، عندما تدخله ترى مدى بساطة أهله وطيبتهم، ولكن تجد الحزن يخيم على أهله، فقد فقدوا من كان مصدر أمانهم وحمايتهم، نعم الأب والزوج. كانت تجلس سيدة في الخمسين من عمرها، مازالت ملامح جمال الصبا ظاهرة على وجهها، بالرغم من ظهور التجعدات البسيطة والحزن الشديد الذي يملأ قلبها قبل وجهها على زوجها الغالي الذي تركها وحيدة في تلك الحياة هي وابنتها. مريم بحزن واشفاق على حال والدتها، وبرغم من حزنها الشديد والفراق الذي لم تتقبله، ولكن تجاهد أن تبقى قوية من أجل والدتها المريضة. جل...
رواية قلوب تائهة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سهام صادق
الــفـــصـــل الــحـــادي عـــشـــر
لحظات معدوده جمعتهم بقلوب عاشقه ، بقلوب تبحث عن ساكنها قلوب لا تحمل سوا الغفران ،قلوب قد نست كل الأمهاا بين ايدي اصحابهاا
نظرا لها مبتسما وهو يراها تبتعد عنه ، وعيونهاا تتهرب منه من شدة خجلهاا ، ظل يتأملهاا وهو يراهاا تلتف سريعاا حولهاا ، ثم قالت بأرتباك: هقوم احضرلك الفطار
بدأت ضحكاته تتعالا وهو يري شدة ارتباكهاا ، نهض من علي الفراش وبدء يرتدي سُترته ومازالت ضحكاته مستمره عليها
نظرت له بضيق شديد وكادت ان تغادر من الغرفه ، ولكنه كان اسرع منها فأمسك يديهاا واقترب منها وهو يقول : مع اني مش بحب أفطر، بس هفطر معاكي النهارده
تحولت نظراتها سريعاا اليه التي تعبر عن سعادتها، ثم غادرت الغرفه وقلبها يتراقص من الفرح ، وهو يري صاحبه يغمرهه بتلك السعاده
تتابعها بعينيه وهو شارداا بها ، شاردا بملاكه الصغير الذي يرضيه أبسط شئ حتي لو أبتسامة صغيره ، تنهد بأسي وهو يتذكر كلامه البارحه وكيف قتلها بكلماته بدون أن يشعر
.................................................. ..............
افاقت من نومهاا ، وهي تود ان تراه الان نائم بجانبهاا ..
تطلعت بأعينها بأسي وهي تتخيله بجانبها ، ولكن قد خاب ظنهاا ، نظرت الي هاتفهاا وهي تتمني أن تجد منه اتصالا او رسالة يعتذر بهاا عن ليلة امس ، ولكنه أيضا لم يتذكرها ، تنهدت بأسي وهي تري نفسها مثل الطفله الصغيره التي تغضب حين يوعدها ابهاا بعروس لعبه ويخيب ظنهاا ، فقد تعلقت به حقاا وعصفت بكل شئ مقابل ان تقضي لحظات تختطفهاا من الزمن لتكون بجانبه ، كانت تعلم تماما بأنه سيأتي يوم وستصبح فيه مجرد غريبه بالنسبه له ، او بالأصح ستكون ليس اكثر من ذكري فقط
يالها من لحظات قاسيه عندما تجد نفسك أصبحت ذكري لأحد كان بالنسبه لك كل شئ ، تنهدت بأسي وهي تتذكر طفلهاا الصغير، تمنت لو عادت الايام ثانية مثلما كانت فتاة في الثامنة عشر من عمرها وتزوجت ممن احبه قلبها وانجبت منه طفلا يشبهه كثيرا وعاشت معه مثلما كانت تتمني
ولكن ليس كل مايتمنه المرء يُحصل عليه... نهضت من فراشهاا وهي تبحث عن قرصا لتتناوله ليخفف ذاك الصداع المؤلم
.................................................. .........
كان يتأملها وهو يرتشف فنجان قهوته ، وكلما تلاقت اعينهم أبتعدت بنظرها بأي شئ لتمنع تلك الخجل ان يظهر علي وجهها ويفضحهاا ، كان يبتسم بداخله وهو يري ارتباكهاا هذا ، اقترب منها قليلاا وهمس في احد اذنيها وقال :
تسلم أيدك علي الفطار ... ونهض من علي كرسيه وهو يقول لهاا : عايزه حاجه يامريم قبل ما امشي
أبتسمت له وهي تخفض رأسها وقالت : شكراا
تطلع لها قليلا وقبل ان يغادر ، نهضت من علي كرسيهاا وأقتربت منه وهي تقول : خلي بالك من نفسك
وبدون ان يشعر وجد قلبه يبتسم قبل شفتيهه .. وقال : حاضر
نطقت أسمه ، وكأن صوتها قد أتي من مكان بعيداا .. وقالت:
استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه
وكأن قلبه كان يود أن يسمع تلك الدعاء الجميل ، وكأن عينه كانت تتمني ان تري تلك النظر الحانيه ، وكأن أذنيه كانت تشتاق أن تسمع مثلا هذا الصوت الحاني ، الذي لا يطلب شيئا من الله سوا ان يحفظه له ... تأملهاا قليلاا وهو يود ان يجري عليهاا ليحتضنها وينسي العالم بأكمله معهاا ، فلحظات قليله قد جمعتهم جعلته لا يريد ان يبتعد عنها ، وكأنها مثل المغناطيس تجذب كل شئ حولهااا بتلك البرائه والطيبه التي تمتلكهاا .... غادر سريعااا وهو يشعر بأن كيانه كله قد أهتز وبأن قلبه التائه قد اصبح ضائعااا
فتح السائق له باب سيارته ، وظل يحدثه وهو ليس سواا في عالم الاحلام الذي صنعه قلبه مع ملاكه الصغير ... الي ان ان افاق من شرودهه وقال : بتقول حاجه يا حسن
حسن بأبتسامه : لا ياأدهم باشا، بس كنت عايز اسأل هنروح الشركه ولا الفيله
ادهم بتنهد : لاء الشركه ياحسن
.................................................. ............
دموع تكاد تقتلها ، وهي تري نفسها بذاك الفستان الذي باتت به ليلة امس ، وضعت يدهاا علي ذاك الجنين الذي بدأت تشعر بوجودهه ، ظلت تتحسسه ودموعهاا تخترق قلبهاا قبل عينيها وهي تقول : مامي وحشه ياحبيبي ، وحشه اوووي عشان باعت نفسهاا لبابي ، بس بابي ضحك علي مامي وهي صدقته عشان كانت فاكره انه بيحبها ، بس بابي مكنش بيحبها ، وكأن شايفهاا مجرد لعبه عايز يتسلي بيها ، شوفت بابي كسر مامي ازاي ، ثم تنهدت بأسي وهي تقول : بس انت هتكون بيبي حلو وتحب مامي صح عشان مامي بتحبك اووي ... وسقطت دمعه من عينيها وهي تقول : وبابي كمان هيحبك ياحبيبي عشان انت هتكون ابنه حبيبه ..
ظلت تحادث جنينها ، وكأنه شخص يسمعهاا ، ولكنه هو الوحيد الذي يشعر بحزنهاا هذا ... قطع شرودهاا وهو يطرق عليها باب غرفتها وقال : يلاا ياشاهي عشان تفطري
كانت تسمع صوته وهي لا تستطيع ان ترد عليه بشئ وكأن لسانهاا توقف عن الكلام
اياد : شاهي ردي علياا ياشاهي ، طب افتحي الباب
ظل يندهه عليهاا وكاد ان يحطم باب غرفتهاا ، ولكنه توقف عندما رئها تفتح له باب غرفتها بتلك الهيئه وكأنها قضت معظم ليلتها تبكي
أياد بقلق : انتي كويسه ياشاهي ، اجيبلك دكتور
نظرت له بعيون تُعاتب من كان سبباً في بكائهاا .. وبعد وقتا قصير قالت : انا كويسه ، متشغلش بالك بيا
أياد بتنهد : طب أدخلي غيري هدومك وتعالي افطري ، انتي ماكلتيش حاجه من امبارح
تنهدت بسخريه وهي تقول : خايف عليناا
أياد : ايوه ياشاهي خايف عليكم ، ويلا ادخلي غيري هدومك عشان تفطري
نظرت له بألم شديد ، والتفت بوجهها بعيدا عنه
تتابعها بنظرهه بتألم علي حالهاا فوضع يدهه علي كتفيها وهو يقول بصوت حاني : انا هنزل استناكي تحت عشان نفطر سواا
تنهدت بأسي ، وذهبت لخزانتهاا لتخرج بعض ملابسهاا
.................................................. ...........
ولأول مره تخطي قدماهاا هذا المكان ، نظرت حولهاا وهي تتطلع لهذا المبني الضخم ، وبعد قراراً قد حسمه قلبهاا ..ترجلت من احد سيارات الاجره .. وما من دقائق معدوده حتي كانت تقف امام سكرتيرته بعد ان ارشدها أحد موظفي الاستقبال لمكتب صاحب الشركه
تطلعت اليها سكرتيرته الخاصه وهي تقول : صباح النور يا مدام ، اي مساعده اقدر اقدمها لحضرتك
صافي : ممكن اقابل أستاذ أدهم
السكرتيره بأعتذار : مقدرش يافندم مادام مافيش ميعاد سابق
وقبل ان تطلب منهاا أن تدخل اليه وتعلمه بوجدهاا ، كان يخرج من غرفة مكتبه ، وعندما وجدها امامه
أدهم : دخلي مادام صافي ياهنا ، وياريت تجيبلنا اتنين قهوه لو سامحتي
أردفت خلفه ، وهي تشعر بالشوق اتجاهه ، اقتربت منه وهي تتابعه بعيناها من الخلف وقالت : عارفه اني موحشتكش يا أدهم
تنهد بأسي وهو يبتعد عنهاا وقال : أتفضلي اقعدي ياصافي
تطلعت له بأسي وهي تقول : لما ملقتكش بترد علي تليفوناتي ، قولت اجي أطمن عليك
وقبل أن يتفوه بأي مبرر لها .. وجدها تقاطعه وهي تقول بأبتسامه حزينه : اتمني ان اللحظات الي قضناهاا سواا نقدر ننساها ، ونبتدي صفحه جديده كأننا أصدقاء وبس
تطلع لها وكاد ان يتكلم ، ولكن قطع حديثهم دخول الساعي وهو يقدم لهم قهوتهم ... ثم غادر
تابعت صافي بالحديث وهي تقول : انا وانت ياأدهم كنا بندور علي حد يحس بينا وننسي معه حتي لو للحظات الحاجات الي بنهرب منهاا ، يعني كنا بندور علي الاحتياج مش اكتر .... نظرت اليه تتطلع له بأعينهاا الحانيه
ثم قالت : انت أنسان جميل اووي يا أدهم جواك حنان ممكن يملئ الكون ده كله ، بس للأسف بتمنع نفسك انك تبان قدام الي بتحبهم غير بصورة وهيئه أدهم الي لازم الكل يخاف منه وبس
وبعد وقتا طويل ... قال : صافي ، انا
نظرت له مبتسمه وهي تقول : صافي عارفه أدهم كويس ، عشان كده هتبعد عن ادهم
وكاد أن يتحدث ، ولكنهاا وقفت وهي تتطلع له بأعين مودعه ومدت له أحد ايديها وهي تقول بأبتسامتهاا التي أعتاد عليها : مع السلامه ، يا أدهم
وتركته وهو يشعر بالذنب أتجاهها ، ولكنه ماجعله يتقرب منها انه قد وجد معها ما يرضي احتياجه لا أكثر ، تنهد بأسي وهو يتذكر كلماتها فقد كانت حقا سيده جميله تتمتع بعقل لا يبحث عن شئ سوا بالقليل لكي يريح قلبه ..
غادرت صافي .. وهي تشعر بالأرتياح ولكن الذنب ايضاا يحاوطهاا عندما جعلت من نفسهاا عشيقه مقابل هروبهاا من ذكرياتهاا الأليمه ووحدتهااا
.................................................. .............
وضعت امامه قهوته ، ونظرت اليه وهي حزينه لما تسمعه تنهدت بأسي وهي تقول : طب وصافي ، انتوا الاتنين كنتوا بدوروا علي الي نقصكم ، طب مريم ذنبهاا ايه في كل ده
تنهد بأسي وهو يقول : عارف أني ظلمتهاا ، وكنت ناوي أطلقهاا بس ..
ألهام : بس أيه حبيتهاا
تنهد بضيق وهو يقول : مش عارف حاجه ولا فاهم حاجه يا ألهام ، بس حاسس أن مريم بقيت أحد ممتلكاتي ومش هقدر ابعدهاا عني
تنهدت الهام بحزن وهي تقول : مريم مش فلوس بتعملها، ولا أرض بتشتريها ، ولا مشاريع وصفقات بتأسسها ... مريم أنسانه يا أدهم اوعي تنسي في يوم انهاا انسانه زيناا
أدهم بأسف : للأسف عارفه كل ده ، بس هي السبب بٍحبهاا لياا خلتني أحس انهاا بتاعتي انا وبس ولازم تكون بتاعتي ولياا
ألهام : مكنتش أناني كده يا أدهم
نظر لها بشرود تام .. وهو يقول : الايام بتغير يا ألهام
وأدهم أتغير اوووي ، ثم أبتسم وهو يقول : بس معاها هي برجع أدهم الطفل الي عمره 7 سنين
أبتسمت ألهام وهي تتذكره وقالت : وأدهم المراهق بتاع 15 سنه نسيت
تنهد أدهم بشرود وهو يقول : يااااااااااااااا كانت احلي سنين عمري ، ثم تنهد بحزن وقال : قبل ما اكون الشخص الي قاعد قدامك دلوقتي
الهام بتمني : مين عالم يمكن يجي اليوم الي ادهم بتاع زمان يرجع تاني
ضحك بشده وهو يهم بالرحيل : لسا عندك أمل فياا ، مع ان انا فقدت الامل في نفس من زمان ومن زمان اووي كمان
تطلعت اليه ألهام بأسي وهي تتذكرهه عندما كان طفلاا صغيرا ، أبتسمت بحزن وهي تقول : هترجع ادهم بتاع زمان ، انا حاسه بكده أدهم الطفل هيرجع امتا مش عارفه بس هترجع يا أدهم بحنيتك وقلبك الطيب وابتسامتك الحلوه يا ابني
.................................................. ...........
نظر لها متسألا ، حضرتي نفسك ،عشان هنسافر شهر بره البلد
شاهي بتنهد : شهر عسل يعني ، بس انا اعرف ان العريس بياخد عروسته ويقضوا شهر العسل عشان بيكون عايز يقضي معاها وقت يفضلوا يفتكروه طول حياتهم ، بس انا وانت أظن اننا عمرنا ماهنفتكر حاجه غير اسوء لحظات قضيناها مع بعض
أياد بتنهد : بعد ساعتين لازم نكون في المطار ياريت ، تكوني جاهزه ....
ظلت تتابع خطواته ، وهي تشعر بالاختناق لما يحدث وكأنها ليست عروس تقضي أحلي أيام عمرهاا بجانب من احبته
.................................................. ............
وبعد وقتا طويلا قضاهاا يشغل فكره بعمله فقط ،تنهد بتعب وهو يصارع قلبه بأن يذهب اليهاا ، وقف بتعب وهو يغادر مكتبه ... وكاد ان يصعد لغرفته ولكن استوقفه نداء احدهما
فاطمه : مش هتتعشا يا أدهم
أدهم بتعب : لاء يا داده ، روحي نامي انتي
تنهدت الداده بأرتياح وهي تقول : ماشي يا بني ، تصبح علي خير
أدهم : وانتي من أهله
صعد الي غرفته ، وبات ليلته وهو يتمني ان يذهب اليهاا ويأخذها بين احضانهاا ... ولكن هيهات فهو لا يستطيع أن يظهر امامها بصورة الرجل الحنون ، حتي لو علي حساب قلبه .... فالحب بالنسبه له ليس سوااا مخدرا نخدر به مشاعرا لنحيا بيه بعالم تائه بقلوب تائهه ....
.................................................. .........
لم تستطع جفونها أن تغمض وتستسلم للنوم ، وكلما غلبها النعاس ... كان قلبها يحادثهاا بأنه سيأتي لهاا ... ستستمع لتلك الصوت الذي لا يشعر أحد بحنيته سواهاا ، تمنت لو انه الان بجانبها يأخذها بين أحضانه ، تذكرت قبلته الحانيه ويديه الدافئه وانفاسه الهائجه وكأنه يهرب من شئ بداخله ...... سالت دمعه من عينيهاا عندما ذكرهاا عقلها بأنهاا لا شئ بالنسبه له ، وضعت يديهاا علي أذنيها لتخمد ذاك الصوت وهي تقول : ياريت كان بأيدي كنت كرهته ، بس انا بحبه هو الانسان الوحيد الي حبيته
تردد ذاك الصوت ثانيه وهو يقول لهاا : بس هو ميستهلش حبك ده ، مش شايفه حالك سيبك لوحدك وضحك عليكي وخدعني قبل ما يخدع قلبك وافتكرته بيحبك فعلاا
وبدون أن تشعر وجدت يدها تضعهاا علي قلبها .. وهي تقول : قوله انه مش بأيدي ، قوله ان هو الوحيد الي قدر يخدك وبقيت ملكه هو ، قوله اني حبيته من غير ماأحس
تنهدت بحزن علي حالهاا .... تمنت ان تنزع قلبهاا من بين ضلوعها وتفر هاربه من سجن لم يضعها فيه سواا من أحبت
تنهدت بأسي ... وهي تقول: يمكن يجي يوم ويحبني
ابتسمت عندما سمعت صوت أذان الفجر يعلواا ، وكأن الله يقول لهاا لا تجعلي حبك لاحد عبادي ينسيكي من خلقكي ، فأن قلب من احببتيه بيدي أنا
نهضت من علي فراشهاا لتلبي نداء بارئهاا ، وهي تتمني لو يأتي اليوم لتنهض هي وهو لكي يصلوا سوياا ... كما كانت تري أمها واباهاا يفعلون معا
.................................................. ...........
لم تصدق عينيهاا عندما تطلعت ، لمن امامهاا فأنه يشبهها كثيرا ، سقطت دموعهاا وهي تسأل محاميهاا وهي تقول : ابني صح ، مازن ابني
نظر لها المحامي بأشفاق ، وهز رأسه ليأكد لها ما رأت عيناهاا ....
سقطت علي ركبتيهاا ، وهي تمد له ايديهاا وتقول : انا ماما يامازن تعالا ياحبيبي
وقف من بعيد يتأمل ذاك المنظر، وهو يشعر بالراحه أتجاهها كما كان هذا الشعور يذكرهه بذكريات حفرت في ذاكرته تنهد براحه شديده ، ثم رحل دون ان تشعر بوجدهه
كانت تاخذهه بين احضانه ، وكأنها تخشي فقدانه ثانيه ، لم تصدق انه كبر هكذا واصبح عمرهه الان سبع سنوات ....
ابعدته عنها قليلاا ، وهي تنظر في عيناهه التي تتطلع فيهاا
صافي بحنان : انا ماما ياحبيبي ، انا ماما يامازن متخفش
ثم اعتدلت ووقفت وهي تمسك احد أيدي طفلها وقالت : مش عارفه أشكرك أزاي يا أستاذ محسن
نظر له محسن مبتسما .. وقال :متشكرنيش أنا يا مدام صافي ، الي المفروض تشكريه أدهم باشا هو بعلاقاته اقدر يساعدنا وكمان دفع الشيكات الي كانت علي أحمد بيه وكان المقابل انه ياخد مازن ويتنازل عن حضتنه
نظرت لطفلها بحزن وهي تتذكر والدهه الذي ابعدهم عن بعض تلك السنوات الماضيه ، والان قد تركهه مقابل المال
وبدون ان تشعر تذكرت أدهم وأرتسمت علي شفاهاا أبتسامة
لمافعله من اجل ان يعيد اليها طفلها كما وعدهاا
اخفضت ببصرهاا .... وهي تقول بفرحة تملئ قلبهاا قبل عينيهاا : وحشتني اووي ،اووي يامازن
يتبع بأذن الله
*********
رواية قلوب تائهة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سهام صادق
لحظة لقاء قد اتساوت بكل شيء.
لحظة قد تجمعت فيها دموعها لتعبر عن مدى شوقها.
لحظة قد عجز اللسان فيها أن يرسل كلماته التي تمنى دوماً أن يُنطق بها.
وابتسامة قد عادت لقلب قبل شفتيها.
ودفء قد افتقدته الروح.
وأيدٍ تمنت لو أن يأتي يوم لتحتضن مفتقدها.
شعور كثير كان يحيط بها، ولكنه ليس سوى شعور يعبر عن فرحة صاحبه.
نظرت لطفلها بشوق شديد، وهو نائم بين ذراعيها.
ظلت تتأمل ملامحه التي افتقدتها منذ زمن.
وياله من زمن كان قاسياً عليها عندما حرمها من طفلها.
اقتربت منه بحذر لكي لا توقظه، ووضعت قبلة حانية على جبينه.
وبعد وقت قصير، كانت تمسك هاتفها وهي تنتظر أن يُرد عليها.
وبعد لحظات:
أدهم: مازن أخباره إيه دلوقتي؟
صافي: مش عارفة أشكرك إزاي يا أدهم، بس كل اللي أقدر أقولهولك ربنا ما يحرمك من أعز الناس عندك، عشان بجد أصعب حاجة لما الروح تفقد أصحابها.
أدهم: متشكرنيش يا صافي، الظروف هي اللي ساعدتني إني أقدر أرجعلك ابنك من تاني، حافظي عليه قوي يا صافي.
صافي بهدوء: وأنت حافظ على اللي بتحبهم، عشان ميجيش يوم تندم إنك ضيعتهم من إيديك.
ثم نطقت بكلمتها الأخيرة وهي تقول: مع السلامة يا أدهم.
وكأن كلماتها الأخيرة قد لمست قلبه.
تنهد بارتياح وهو يبحث عن مفاتيح سيارته ليذهب إليها.
***
وبعد رحلة طويلة استغرقوها للذهاب إلى إيطاليا.
تتبعهم الحامل وهو يحمل متعلقاتهم الخاصة.
انتهى الحامل من وضع ما يحمله، وتطلع لهم مبتسماً وهو يتمنى لهم لحظات ممتعة.
ثم تركهم وانصرف.
ظلت تتأمل الغرفة بنظرها، فقد كانت غرفة واسعة تحتوي بداخلها على غرفتين للنوم.
تنهدت بارتياح شديد، ودخلت إلى غرفتها وهي تشعر ببعض التعب.
كانت نظراتها إليه توحي بالكثير من الألم.
وكلما تطلعت إلى عينيها شعر بمدى حقارته.
فهو قد حرمها من أجمل لحظات عمرها.
ولكن ما كان يبرره لنفسه: أنا لست المخطئ فقط.
وكأن القلب يريد أن يدافع عن نفسه ليقول:
أصبحت أنا الآن مخطئ عندما صدقت بحبك وعصفت بكل شيء لكي أرضيك.
هل نسيت عندما كانت تبتعد عنك وتتركك بالأيام دون أن تحدثك؟
ماذا كنت تفعل؟ كنت تتهمني بالإهمال.
وعندما أصبحت تمتلكني ماذا فعلت بي؟
يالك من وقاحة.
تنهد بضيق شديد.
وكأن عقله أصبح مدافعاً عنه:
كنت عايز أكسر غرورها.
نطق القلب متألماً وهو يقول:
أنت فعلاً كسرتني وكسرت نفسك معايا بذنب ستفضل تتذكره طوال عمرك.
وضع يديه على أذنيه وهو يشعر بالصداع الشديد.
لم يشعر بنفسه إلا وهو جالس في ذلك البار لينسى نفسه بين كؤوسه البغيضة.
***
وقف يتابع حركاتها، وهي تسجد بخشوع.
وكلما تأملها وهي تسجد ابتعدت عيناه سريعاً وهي تشعر بالخجل الشديد من صاحبها.
كان صوتها عالياً نسبياً وهي تناجي ربها بعد أن أنهت صلاتها.
وعندما نطقت باسمه في الدعاء سادت الحسرة قلبه.
فحتى في صلاتها لا تنساه.
أما هو فيهرب بفكره بعيداً حتى لا يتذكره قلبه.
التف ليغادر الغرفة سريعاً كي لا ترى تلك النظرات التائهة.
ولكن استوقفه صوت ندائها عليه.
ابتسمت بحب وهي تقول:
ممكن تقرب شوية يا أدهم مني.
وقف للحظات، يتأكد ممن طلبته منه.
وعندما خاب أمله في طلبها.
أشاحت بوجهها وهي ما زالت جالسة على سجادة الصلاة.
اقترب منها قليلاً، وبعد لحظات هبط بركبتيه وهو ينتظر أن يعرف ماذا تريد.
ثم قال بصوت متهدج:
أنتِ تعبانة يا مريم؟
ابتسمت له بحب شديد وهي تهز له رأسها نافية.
ومدت يديها الصغيرة وأمسكت بيده.
وشرعت بالتسبيح عليها.
وكلما ذكرت اسم الله على أحد أصابعها، وجد جسده يرتعش.
كأنه كان يفتقد منذ زمن ما يريد أن يرتوي به.
ظل يتأملها.
وشعور الراحة التي طالما بحث عنها قد وجدها وأصبحت تسري بين عروقه.
أغمض عينيه وكأنه يعيد ذكريات ماضيه حينما كان يرى والدته تسجد ويسجد بجانبها.
وعندما تنهي صلاتها، تبتسم له وتضع يدها على رأسه بحنان وتضمه بين أحضانها.
نظرت إليه تتأمل ملامحه.
وبداخلها شعور بالتمني أن يزرع الله في قلبه الهدى ويرشده إلى طريق الصلاح بعيداً عن هذا العالم المزيف.
فتح عينيه برفق، عندما أحس بأن حركة أصابعها قد توقفت.
نظر لها طويلاً.
كأنه يبحث عن أشياء بعيدة تسير أمام عينيه.
وبعد لحظات قال:
ليه عملتي كده؟
مريم بابتسامة:
عشان تشاركني في الثواب.
ويالها من كلمة قد سقطت على أذنيه.
خدعها في كل شيء وهي تبحث له عن أجر يتقرب به لربه.
يحطم قلبه بيديه كي لا يحبها.
يتركها وحيدة وهي لا تنساه وتذكره في صلاتها.
نهض من أمامها وهو يقول بهروب:
أنا كده اطمنت عليكي، عايزة حاجة مني يا مريم قبل ما أمشي.
وقفت أمامه مثل الطفلة الصغيرة التي تترجى أباها أن يبقى معها بدموعها.
ولكن سرعان ما أشاحت بوجهها وهي تقول:
هو أنا هفضل محبوسة هنا؟
أدهم:
وإنتي عايزة تخرجي ليه؟
مريم بحزن:
عايزة أرجع أشتغل تاني.
أدهم بحده وهو يقربها منه:
خروج من هنا ما فيش، وشغل برضه ما فيش، فاهمة؟
كانت دموعها هي من استطاعت أن ترد عليه.
ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها وتقول:
بس أنا بقيت بخاف قوي صدقني، مبضحكش عليك.
حاول أن يلطف الوضع قليلاً بينهما وقال:
إنتي مش طفلة صغيرة يا مريم، الأطفال بس هما اللي بيخافوا.
ولا أنا متجوز طفلة؟
نظرت له بعتاب شديد.
وهي تخرج بعض الكلمات من حلقها بصعوبة:
صح، أنا مش طفلة صغيرة، ولازم أعيش دايماً لوحدي.
وقبل أن يضعف قلبه.
التف بوجهه بعيداً عنها وهو يقول:
تصبحين على خير.
ثم تركها ورحل من عالمها الذي يخشى أن يقع فيه بدون أن يشعر.
تنهدت بأسى.
وهي تقول بين دموعها التي انسا بت بعد رحيله:
يا ريتني كنت طفلة صغيرة، كان هيشفق عليا ويفضل قاعد معايا.
***
وقفت تتطلع له بخجل شديد، وهي تقول:
مهندس أحمد.
التفت إلى مصدر الصوت، وهو ينظر لها متعجباً في حاجة.
هبه بتردد:
بصراحة، كنت عايزة أسألك على مريم.
أحمد:
مريم مين؟
وبعد أن تذكرها:
آه مريم مساعدة مهندس إياد.
هبه:
أيوه يا فندم.
بقالها مدة كبيرة مبتجيش الشغل، وبتصل بيها ديماً تليفونها مقفول.
ممكن تقولي عنوان شغلها الجديد اللي الشركة حولتها له؟
أحمد:
للأسف معرفش يا آنسة هبه، لأن موضوع النقل ده تم عن طريق أدهم.
هبه بخجل:
لو مش هضايق حضرتك، ممكن تسأل مستر أدهم عن مكان نقلها.
أحمد:
حاضر يا آنسة هبه، عن إذنك.
***
وقفت تنتظر أن يتطلع بعينيه إليها، حتى لو قليلاً.
وبدون أن يرفع نظره عن ما أمامه من أوراق، قال بصوته الجاد:
اتفضلي اقعدي يا مدام نانسي.
نانسي:
لو مشغول ممكن، أجيلك في وقت تاني يا أدهم باشا.
أطلع بنظره قليلاً إليها.
وهو يشعر بالاشمئزاز من هذا المنظر بملابسها التي تجلس بها أمامه.
وقال بعد أن نظر إلى الأوراق التي أمامه ثانية:
خير يا مدام نانسي.
نانسي بتصنع للحزن:
هو عزت حبيبي مقل لكش إني كنت عايزة أرجع أشتغل هنا تاني في الشركة؟
أدهم بجدية وهو ينهض من على كرسيه:
عزت باشا عنده شركاته اللي بيديرها، تقدري تشتغل عنده يا مدام.
ثم التفت إليها باحتقار وهو يهم بالمغادرة.
وقال:
مضطر أمشي عشان عندي اجتماع مهم، وابقي وصلي تحياتي لعزت باشا.
وقفت تتابعه بعينيها، وهي تستشيط غضباً من تجاهله لها.
تطلعت إلى ملابسها وهي تقول:
شكل المهمة صعبة، عشان أقدر أوقعك يا أدهم باشا، بس ما فيش حاجة بتصعب على نانسي.
***
أفاق من نومته هذه، وهو يشعر بالصداع الشديد.
تطلع بجانبه وجدها نائمة بجواره.
أخذ يتذكر ما حدث الليلة الماضية.
ولكن كل ما يتذكره هو عندما خرج من حجرتها وذهب ليحتسي مشروباً.
استيقظت من نومها وهي تبتعد عنه وقالت بارتباك:
أصلك كنت جاي تعبان من بره، وفضلت ماسك في إيدي تقولي متسبنيش خليكي جنبي، ومحستش بنفسي غير دلوقتي.
وكادت أن تغادر الغرفة وتتركه:
يا ريت تخف الشرب شوية، يعني عشان صحتك.
أياد بتعب:
متشكر يا شاهي.
أشاحت بوجهها بعيداً.
وخرجت سريعاً من غرفته قبل أن تفضحها عيناها من الخوف عليه.
تنهد بتعب شديد، ولاحت ابتسامة على شفتيه عندما تذكرها.
ولكنه سرعان ما رفضها عقله.
تنهد بأسى.
وهو يخشى أن يكون فعل بها أخاه شيئاً لا ذنب فيه، سوى أنها قد احتلت جزءاً من تفكيره.
***
دموع لم تجف وأعين قد تورمت من كثرة بكاء صاحبتها.
انهضت من على الفراش وهي تشعر ببعض السخونة تسري في جسدها النحيل.
تحركت بضعف نحو حمام غرفتها لتنعم ببعض الماء، لعله يريح جسدها.
وبعد أن أنهت حمامها، ارتدت ملابسها بصعوبة وقد ازدادت سخونة جسدها.
استلقت على الفراش بصعوبة، وجسدها بدأ يرتعش.
حاولت أن تنهض لتبحث عن دواء.
ولكن إعياء جسدها قد منعها.
ظلت تتألم بصوت ضعيف.
لم يكن ألم حرارتها أقوى من ذاك الألم الذي جعلها تشعر بأنها إذا فارقت روحها جسدها لن ترى أحداً بجانبها سوى تلك الجدران.
سالت دمعة من عينيها وكأنها تشفق على حال صاحبتها.
ونامت والعرق يصب على وجهها بسبب السخونة.
كان ينهي عمله.
وعندما تذكر دموعها التي كانت تترجاه أن يبقى بجانبها.
تنهد بأسى شديد وهو يمنع قلبه من ذاك الشعور.
قرر أن يتابع عمله.
ولكن بعد مدة قصيرة كان يستلقي بسيارته ليذهب إليها.
كان البيت يعمه السكون التام.
خشي بأن تكون قد تركته ورحلت.
ترجل إلى غرفتها وهو ينادي عليها.
ابتسم عندما وجدها نائمة بتلك الملابس التي تعبر عن مدى براءتها.
ولكن قد انتابها شيء، قد كانت تنادي على أحد.
اقترب منها وهو يراها تتفوه ببعض الكلمات.
وضع يده على جبينها وهو يشعر بالأسى.
فقد تركها بمفردها وهي مريضة.
ومنذ زمن بعيد قد ترك مهنة الطب التي كانت يوماً ما حلماً من أحلامه وتخلى عنها من أجل أن يحافظ على تلك الثروة.
بدأ يفحصها وهو يشعر بالخوف عليها.
فتحت عينيها ببطء شديد.
ثم أغلقتها ثانية.
***
جلست بجانبه، وهي تتصنع الزعل.
عزت: مالك يا نانسي يا حبيبتي.
نانسي بحزن مصطنع: يرضيك كده يا زيزو ابنك يعاملني المعاملة دي؟ ده كان ناقص يطردني.
عزت بهدوء: يا نانسي، أنا قولتلك تعالي اشتغلي معايا، إنتي ليه مصممة إنك تشتغلي عنده؟
نانسي بارتباك: ما أنت عارف يا زيزو، أنا قبل ما أتزوجك وأشوفك يا حياتي، كنت شغالة سكرتيرة لبشمهندس أحمد، وأنا بصراحة عايزة أرجع أشتغل تاني هناك وسط صحابي.
عزت: يا نانسي يا حبيبتي، إنتي دلوقتي مراتي، ومينفعش تشتغلي زي أي موظفة.
نانسي بضيق: كده يا عزت، يعني إنت مش عايزني أشتغل؟ اخص عليك، أخلفت وعدك معايا وقلتلي هخليكي سيدة مجتمع.
عزت وهو يقترب منها لكي يقبلها: خلاص يا قلب عزت، يبقى تعالي اشتغلي معايا، بدل ما إنتي دايماً وحشاني كده.
نانسي بدلع: بس أنا يا زيزو مش عايزة حد يقول عشان هي مراته، والكلام اللي إنت عارفه. ها يا حياتي هتكلمه أرجع تاني الشركة؟ إنت مهما كان عزت باشا.
عزت بتنهد: ربنا يسهل.
نانسي بخبث: ميرسي يا زيزو يا حياتي.
ثم اقتربت منه لتضع قبلة على خد ذاك العجوز وهي تضحك على غبائه أمام أنوثتها التي أصبحت سلاحها أمامه.
***
وضع يده يتحسس حرارتها ثانية.
تنهد بارتياح عندما وجدها تنخفض.
تطلع إلى ملامحها المتعبه، وبدأ يزيح خصلات شعرها عن عينيها.
اقترب منها قليلاً وبدأ يغطي جسدها برفق.
ونهض من على الفراش ليحضر لها شيئاً ساخناً تأكله.
وبعد أن خلع سترته وأزال ربطة عنقه.
بدأ يعد لها الطعام.
وهو يبتسم بعذوبة لما يفعله هو.
انتبه على صوت هاتفه.
أدهم: أيوه يا أحمد.
أحمد باستغراب: فيك حاجة يا أدهم؟ إنت تعبان؟
أدهم بضحك: ما أنا كويس أهو، وبكلمك.
أحمد بارتياح: أصل عمرك ما اتأخرت على الشركة، فقلق.
أدهم بتنهد: أنا مش جاي النهارده، وخلي هنا تلغي كل الاجتماعات.
أحمد بقلق: لأ يا أدهم، أكيد فيك حاجة، نص ساعة وأكون عندك في الفيلا.
أدهم بضحك: قولتلك أنا كويس صدقني، وكمان أنا مش في الفيلا.
ثم انتبه لصوت أنفاسها المتقطعة خلفه وقال: سلام دلوقتي.
التفت إليها، وهو يقول بحدة مصطنعة:
قمتي ليه من على السرير؟
نظرت له بعتاب شديد وكادت دموعها تتساقط.
ولكنها سرعان ما أشاحت بوجهها وقالت:
متقلقش عليا أنا كويسة، وكمان أنا مش طفلة صغيرة.
ضحك بشدة على تذكرها لكلماته وظل يتطلع إليها وهو يقف أمامها:
شكل قلبك أسود يا مريم.
نظرت له بخجل من تلك النظرات وأخفضت رأسها.
أدهم: روحي ارتاحي، عشان أجيبلك الشوربة، وعلى فكرة أنا اللي عاملها بإيدي.
وبعد لحظات معدودة، كان يطعمها بيديه وهما يتحدثان.
أدهم: كنت لازم تتصلي بيا لما حسيتي إنك تعبانة.
تطلعت عيونها إليه وكادت أن تتحدث.
أدهم بتنهد: من بكرة هيجيبلك شغالة، تفضل جنبك.
مريم بتعب: بس أنا مش عايزة حد يخدمني، أنا بعرف آخد بالي من نفسي كويس.
أدهم: إنتي مش شايفة نفسك بقيتي إزاي، وكمان أنا مش مستعد أجي مرة تانية ألاقيكي بالمنظر ده.
تطلعت إليه بحب شديد وهي ترى خوفه عليها، الذي يمنع عينيه أن تظهره.
كان قلبها يحدثها بهذا.
وبدون أن تشعر ابتسمت له.
أدهم بضحك: بتضحكي على إيه؟
ومن شدة ارتباكها قالت:
أصل افتكرت شكلك وإنت بتعمل الأكل وواقف ماسك المعلقة في إيد، والتليفون في الإيد التانية.
ابتسم رغماً عنه.
وقبل أن يفتضح أمره، قال:
طيب يلا عشان تشربي الدوا بتاعك وبطلي ضحك.
ثم تابع بالحديث وقال:
شكلي بسببك هرجع أمارس مهنة الطب تاني.
تطلع إلى أعينها التي تنظر له بغرابة وقال:
مالك بتبصلي كده ليه؟
مريم بخجل: أصلي مش مصدقة إنك طبيب.
أدهم بسخرية: كنت.
مريم تسأل: طب سبت مهنة الطب ليه؟
التف بوجهه بعيداً عنها وهو يقول:
ارتاحي دلوقتي وأنا هفضل بره أتابع شوية شغل في التليفون.
تابعته بعينيها إلى أن غادر الغرفة.
ووضعت رأسها على وسادتها بابتسامة حب وهي تتذكر نظرات خوفه عليها.
بدأ عقلها يسبح معها في عالم أحلامها، وقلبها لا يتوقف عن الرقص بنغمات دقاته فرحاً.
فاليوم اجتمعوا معها الاثنان.
ونامت وهي تبتسم مثل الطفل الصغير.
عاد إليها ثانية، وهو يرى ابتسامتها الصافية على وجهها النائم.
ابتسم على براءتها هذه واقترب منها بحذر شديد.
ووضع قبلة حانية على جبينها بألم يعتصر قلبه بسبب عناد صاحبه.
رواية قلوب تائهة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سهام صادق
أحلامًا نتصدي بها عن واقعٍ، وواقعًا نريده بأحلامنا.
وأيام يطول انتظارها، وعمرًا يمضي مودعًا لأصحابه.
وذكريات تبحر في أعماق قلوبنا، وقلوب تعيش تائِهة، وعيون تود أن تبصر على ما تتمناه قلوبنا، وعقلٌ سارحٌ بين أرواحنا يتمنى لو للحظة سكون يتوقف فيها صارخًا هائجًا بأفكارنا وذكرياتنا الهاربة بين بحور قلوبنا.
خطوات بطيئة كان يخطوها، بين صراع لا يود أن يخمد. وقف أمام غرفتها قليلًا، لعله يستجمع تلك القرار الذي اتخذه عقله. وبعد لحظات كان يطرق عليها الباب، لتستجيب هي وتفتح له الباب وتقف تتطلع إلى عيونه الهاربة منها.
تنهدت طويلًا وهي تتطلع له وقالت:
في حاجة يا أياد؟
أياد: عايز أتكلم معاكي يا شاهي، ممكن.
شاهي بهدوء: وأنا كمان كنت عايزة أتكلم معاك بهدوء، بدل ما إحنا ديما بنتخانق.
أياد بارتياح: طيب أنا هستناكي في الصالة.
نظرت إلى ملامحه وهي تائِهة بين طياتها. تنهدت بعمق، وذهبت خلفه لتعرف ماذا يريد.
أياد بهدوء: أنا مش عايز أظلمك أكتر من كده، ولا عايز أظلم ابني اللي جاي زي ما ظلمتك.
ثم تتطلع بوجهه لأعلى ليرى وجهها: مش عارف هيقدر يسامحني إزاي لما يعرف إنه جه الدنيا بغلطة غلطناها ونسينا عواقبها.
ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنها وهو يقول: أنا وإنتي غلطنا. أنا غلطت لما حاولت أعاقبك وأكسر غرورك، وإنتي غلطتي لما سلمتي نفسك ليا عشان ترضيني.
خفض عينيه ثانية. وبعد لحظات: أتمنى إنك تسامحيني.
كانت تستمع له وهي تجمع شتات أوجاعها. وبعد لحظات رفعت بصرها بكبرياء وهي تقول: ياريت لما أولد، تتطلقني يا أياد. ويا ريت تنهي الرحلة عشان عايزة أنزل مصر.
***
وبعد وقت طويل قضته بين أحلامها، استيقظت وهي تبحث عنه بعينيها. نهضت من على الفراش وهي تتمنى أن تجده كما وعدها.
كان جالسًا وهو ممدد برأسه للخلف ومغمض العينين. اقتربت منه وظلت تتطلع على الملامح التي طالما عشقت صاحبها بكل عيوبه وقسوته. ابتسمت وهي تتذكر لمسات يده الحانية وهو يطعمها. أخفضت بجسدها قليلًا كي توقظه من تلك النومة، ولكنه كان أسرع منها وجذبها إليه وهو يقول: بقالك ساعة واقفة تبصي عليا، إيه يا مريم أنا حلو أوي كده؟
حاولت النهوض من وضعيتها هذه، فكم كانت قريبة من أنفاسه وبين يديه، وتستمع لدقات قلبه. حاولت الابتعاد عنه ثانية ولكن محاولتها أبت بالفشل.
مريم بخجل: ممكن تسيبني.
نظر لها مبتسمًا وهو يقترب من أذنيها بأنفاسه: لأ.
كانت نظراتها له مثل نظرات الطفل وهو يترجى أباه.
ابتسم لها ثانية ولكن بصوت عالٍ: متحاوليش معايا، فاهمة؟ عشان مش هسيبك، إنتي اللي جيتي برجليكي وكنتي فاكراني نايم.
تطلعت بضحكته قليلًا، وهي شاردة به. ثم سقطت دمعة من عينيها.
أدهم بخوف: مريم، إنتي تعبانة.
أخذت تحرك برأسها نافية وهي تقول: لأ.
أدهم: طيب بتعيطي ليه؟
وبدون أن يشعر وجد نفسه يضمها إلى صدره بخوف شديد.
حاولت أن تبتعد عنه، ولكن ضمته لها جعلتها تنسى كل شيء حتى خجلها واستكانت بين أحضانه وهي تقول: نفسي أدهم الحنين يفضل على طول كده.
أبعدها عنه قليلًا وهو يضحك بشدة وقال: اممم، مرة أدهم الإنسان ومرة أدهم الحنين. أومال أنا كنت أدهم إيه بقى قبل ما أكون دول؟
تأملته قليلًا وهي ترى ضحكاته العالية، فأخفضت بوجهها بعيدًا عن عينيه التي تتطلع بها.
وبدون أن يشعر وجد نفسه يقبلها بشدة. ثم حملها برفق لتصبح من الآن زوجته.
***
لحظات قضاها وهو يتذكرها، يتذكر اللحظات التي تمنى أن يتعجل بها الزمن لتكون زوجته. أحبها بشدة لدرجة أنه لم يصبر بعيوبها، ويالها من ذكرى أليمة عندما يتذكرها يشعر بمدى غبائه. تنهد بأسى وهو يسترجع تلك الذكرى الأليمة.
أدهم: صدقني يا أحمد، ندى دي مش بتحبك، دي بتحب فلوسك بس. بتحب اللي هتاخده منه أكتر.
أحمد بحدة: ولا هي عجبتك يا صديق عمري؟ وجاي دلوقتي تفرق بينا؟ فعلاً ندى كان كلامها صح.
أدهم بعتاب: أنا يا أحمد؟ أنا هسيبك عشان إنت شكلك دلوقتي مش في وعيك.
أحمد بحدة: أنا اللي دلوقتي بقيت في وعي فعلاً.
نظر له بعتاب وهو يغادر شقته وقال: بكرة هتعرف الحقيقة يا أحمد، بس ياريت تعرفها قبل فوات الأوان.
وياله من أوان قد أتى ليعصف به، عندما سمع كلماتها وهي تقول: أنا بحبك إنت يا أدهم. أحمد ده مجرد سُلّم كنت عايزة أقرب بيه منك. أنا مستعدة أفسخ الخطوبة دلوقتي حالا يا حبيبي.
وكادت أن تقترب منه لتحتضنه.
أبعدها عنه وهو يبتسم لمن أمام عينيه، وهو يقول: نورت الحفلة يا أحمد.
كان في عالم آخر، لا يشعر بشيء سوى بقلبه الذي أصبح ينزف. تطلع إليها بسخرية وهو يبتسم: مش عايز أشوف وشك في حياتي تاني، فاهمة؟ اطلعي بره يا حقيرة.
عاد بذكرياته، وهو يبتسم بسخرية. عندما شاهدها اليوم وهي تمسك بين إحدى يديها طفلًا، وملامحها التي بدلّها الزمن وكأنها ليست هي.
***
وقفت تعد له طعام الإفطار، وهي شارده بليلة أمس. كانت أنفاسه مازالت عالقة بجسدها وكأنها مازالت بين أحضانه. تنهدت بأسى وهي لا تعرف ماذا هي الآن لديه.
انتبهت من شرودها، عندما تطلعت للقهوة التي تفور أمامها. وبعد أن أعدت الفطور على المائدة، ذهبت إليه وجدته قد أفاق من نومته ويرتدي ملابسه. انتبهت لوجودها ونظراتها التي تبتعد عنه خجلًا وهي تقول: الفطار جاهز.
ابتسم لها بعذوبة وهو يلف حول عنقه تلك الرابطة. وبعد أن أنهى ربطها اقترب منها ورفع وجهها بين يديه وقال: أممم، ومنزلة راسك للأرض ليه؟
وانحنى بجسده ليصبح في مستوى أذنيها ليقول: هتفضلي مكسوفة كده مني؟
وكاد أن يقبل عنقها، ولكنها كانت أسرع منه وابتعدت عنه لتغادر الغرفة.
ابتسم على فعلتها هذه وهو يبتسم على أفعال ابنته الصغيرة وليس زوجته. ثم غادر الغرفة وهو يقول: افطري إنتي كويس عشان تاخدي علاجك.
وكاد أن ينطق بـ "يا حبيبتي" ولكنه تنهد طويلًا وقال: لو احتاجتي حاجة كلميني.
ثم غادر وهو أخذ بقلبها معه الذي يعصف به بعناده.
***
نظرات غضب قد امتلكته، عندما رآها تجلس في مكتبه وهي تتطلع له بتلك النظرة التي يكره أن يراها.
أعتدلت من جلستها وهي تنظر لزوجها وتبتسم.
عزت بهدوء: جيت قبل الاجتماع بنص ساعة، بس للأسف حضرتك لسه واصل قبل ما الاجتماع ما يبدأ بخمس دقايق.
تطلع له بهدوء تام بعد أن جلس على كرسي مكتبه ونظر للأوراق التي أمامه وقال: اتفضل على غرفة الاجتماعات يا عزت باشا عشان الاجتماع هيبدأ.
كانت عيناها تتطلع لهما مبتسمة وهي ترى كم المشاحنات التي بينهم.
نانسي بهدوء: هو أنا هحضر معاكم الاجتماع يا حياتي.
عزت بابتسامة: طبعًا يا حبيبتي، إنتي دلوقتي من أعضاء مجلس الإدارة.
أما هو فأخذ بأوراقه وغادر غرفته وهو ينظر لهم بسخرية.
وبعد وقت طويل قضاه في هذا الاجتماع، ذهب إلى غرفته وهو يشعر بالاختناق الشديد من كل شيء. جلس بتعب على أريكته واتكأ بجسده ليصبح متساويًا مع الأريكة وأغمض عينيه وهو يتذكرها وهي نائمة بين أحضانه وهو يداعب خصلات شعرها بيده ويقبلها. تنهد بضيق وهو يشعر بالاحتقار من نفسه عندما تذكر بعض اللحظات التي قضاها مع صافي مسبقًا. تنهد بأسى، ونهض من جلسته ليتابع عمله.
***
وبعد لحظات قد قضاها في القلق عليهم، أسرع بخوف إلى الطبيب وهو خارج من غرفتها.
تطلع له الطبيب مطمئنًا وهو يقول: متقلقش مستر أياد، المدام بخير والبيبي كمان بخير. بس لازم الراحة التامة والمدام متتحركش.
أياد بتساؤل: بس إحنا كنا ناوين ننزل مصر.
الطبيب محذرًا: مينفعش دلوقتي مستر أياد، عشان حالة الجنين مش مستقرة لازم نستنى لما الحالة تستقر. عن إذنك.
تنهد بأسى وهو يتذكر منذ لحظات فقط كان سيفقد طفله.
وبعد لحظات كان يتطلع إليها وهي نائمة. اقترب منها وهو يمسك إحدى يديها ويقبلها.
شعرت بلمسته. نهضت بتعب وهي تتحسس جنينها وتقول: ابني مات صح؟ أكيد إنت فرحان دلوقتي عشان خلصت منه.
نظر لها معاتبًا، وهو يقول: لأ يا شاهي، البيبي بخير. الدكتور طمني. بس لازم ترتاحي ومش هينفع ننزل مصر دلوقتي لغير لما حالتك تستقر.
ثم تركها وهو يشعر بالاختناق من كلماتها، فكيف تظن أنه سيسعد عندما يفقد طفله؟ هل تراه قاسي بهذه الدرجة؟
***
وبعد وقت قصير، دخلت إليه وهي تقول: أنا حجزت لحضرتك الشاليه اللي طلبته في الغردقة. أي أوامر تانية يا فندم.
أدهم وهو يترك حسابه الشخصي: كل الاجتماعات والبنود اللي هتتمضي، حوليها على بشمهندس أحمد، عشان أنا مش هكون موجود في الشركة يومين.
هنا بتساؤل: هو حضرتك هتغيب يومين يا فندم؟
ثم تطلعت إليه سريعًا وهي تقول: آسفة يا فندم، أصل حضرتك مش متعود تغيب عن الشركة يوم واحد.
أدهم بجدية: اتفضلي يا آنسة هنا على شغلك.
تطلعت إليه ثانية بخجل. ثم غادرت مكتبه.
وفي هذه اللحظة كان أحمد يهم بالدخول.
أحمد بتساؤل: إيه ده يا أدهم؟ هو إنت هتسافر؟ وهتسيب الشركة يومين؟
أدهم بضيق: هو في إيه يا جماعة؟ هو أنا مينفعش أرتاح وأخد إجازة كل فترة؟ أريح أعصابي فيها.
أحمد مبتسمًا: اممممم، وياترى مين سعيدة الحظ اللي قدرت تغير أدهم بيه شوكت حفيد شوكت باشا الدمنهوري؟
أدهم بجدية: وإنت ليه فاكر، إني لما آخد إجازة لازم أقضيها مع واحدة؟ مش يمكن عايز أكون لوحدي.
أحمد بضحك: اممممم، معتقدش إن مافيش واحدة ظهرت فجأة في حياتك وبدأت تغير أدهم.
ثم قال مبتسمًا: اللي كان بقى لا يطاق. بس بصراحة أنا سعيد بكده وأتمنى إني أشوفها عشان أشكرها على التغيير العظيم اللي عملته فيك ده.
أدهم بحدة وهو ينظر لساعته: عندي اجتماع مهم بره الشركة مضطر أمشي دلوقتي.
وقبل أن يهم بالمغادرة.
أحمد بتساؤل: صحيح يا أدهم، إنت نقلت مريم أنهي فرع من شركاتنا ولا طردتها خالص.
وقف للحظات، وهو يود أن يتطلع إليه بحدة حتى لا يذكر اسمها ثانية، فلا أحد لابد أن ينطق باسمها سواه هو فقط. ثم قال: طردتها.
وخرج سريعًا قبل أن يفضحه قلبه ويقول: يا لك من كاذب، لقد تزوجتها وأصبحت تعشقها.
ولكن عنادك هذا سيجعلها تضيع من بين يديك.
لم يتحمل قلبه أن لا يسأل عليه فمهما فعل سيظل هو أباه وأخاه الأكبر. كان يشعر بالخوف الشديد عندما يعلم أنه عندما أبعدها عنه، تقرب منها هو وتزوجها. عاود الاتصال ثانية وبعد وقت قصير كان يحادثه وهو سعيد.
أياد بسعادة: عارف يا أدهم إنك كنت خايف عليا، خايف تتكرر نفس مأستنا مع عزت باشا، والمفروض أبطل أنانية واستهتار.
أدهم بحب: أوعى تزعل مني في يوم يا أياد، صدقني غصب عني.
أياد: في حد بيزعل من أبوه يا أدهم؟ ثم ضحك قليلاً وقال: أنت حالة شاذة مع عزت باشا. بس أنا فعلاً قبل ما بشوفك أخويا الكبير بشوفك أبويا اللي ديما واقف في ضهري بيحميني حتى من نفسي.
وبعد لحظات من الصمت: خلي بالك من نفسك، ومن شاهي، ولما حالتها تستقر خد طيارة خاصة وانزلوه، بس خليها تبلغ أسعد باشا بحملها، يعني عشان محدش يشك.
وبعدما أغلق مع أخاه، ظل قليلاً يتخيل اليوم الذي ستنكشف فيه نوايا الماضي، التي أبدلتها الأيام لعشق وحب لم يتخيل يوماً أن يعصف بكيانه.
تنهد السائق بتعب وهو يقول: مش موجودة يا جلال باشا.
جلال بتنهد: أنت متأكد إن ده عنوانها يا عم سيد؟
سيد بتعب: أيوه يا جلال بيه، أنا لما كنت بوصلها كانت بتنزل هنا، يمكن تكون سافرت عند حد من قرايبها.
جلال بقلق: كل ده مش معقول، طب كانت قالت.
سيد بتساؤل: هو حضرتك يابيه أنت ومروان بيه الصغير هتسافروا إمتى عشان العملية؟
جلال بتنهد: بعد بكرة إن شاء الله. ادعيله يا عم سيد إن عملية زرع القوقعة تنجح وأشوفه بيتكلم قدامي.
سيد بدعاء: ربنا يشفيهولك يا جلال بيه، وما يحرمك منه.
جلال بتنهد: يارب. ثم قال: يا ترى أنتِ فين يا آنسة مريم؟
وقف السائق حتى تفتح الإشارة ليكمل مواصلة طريقه.
وبعد لحظات وقفت تلك الطفلة الصغيرة وهي تطلع إليه وتقول: تاخد مناديل يابيه؟ ربنا يكرمك خد مني.
ابتسم لتلك الطفلة الصغيرة وقبل أن يتحدث إليها كان ضابط الشرطة يأخذها من يدها بعنف وينهرها.
خرج من سيارته سريعاً، وبعد محادثات دامت بينه وبين ضابط الشرطة، قال: يلا يا فرح تعالي معايا.
فرح بخوف: أجي معاك فين؟ لاء يابيه إحنا كله إلا الشرف.
ابتسم لحديثها الطفولي هذا، فكيف لفتاة في عمرها تخشى على شرفها وهي مازالت في السابعة من عمرها.
أدهم بابتسامة: اسمعي الكلام يا فرح، ومتبقيش زي مريم فاهمة.
فرح بتساؤل: مريم مين دي يابيه؟ بنت حضرتك؟
أدهم بشرود: مريم دي كل حاجة عندي. ثم انتبه لشروده وهو يقول: والدك ووالدتك عايشين؟
فرح: أمي بس هي اللي عايشة، وأنا اللي بصرف عليها عشان هي تعبانة، ممكن تاخد المناديل دي بقي وتديني العشرين جنيه عشان أروح أجيب لها الدوا.
أدهم بحنان وهو يمسح على شعرها: عشرين جنيه بس؟ اتفضلي ياستي ادي الفلوس أه.
فرح بابتسامة: كل دي فلوس؟ دول كتير أوي. لاء أنا هاخد حقي وبس وخد أه المناديل.
ظل يتطلع إلى براءتها وطفولتها هذه التي تجعلك تشفق عليها. وبعد وقت طويل في أحد الأحياء الشعبية، كان يمسك بيدها وهو يصعد تلك السلالم البالية.
كان يتطلع لهذا المكان وكأن عينيه لأول مرة ترى في الوجود مثل تلك العيشة التي لا تشبه عيشة صاحبها.
فرح: هي دي الأوضة اللي عايشين فيه؟ هروح أنادي أمي عشان تشكرك على الفلوس والدوا والأكل اللي جبتهولنا يابيه. ثم نظرت لهذا الفستان الذي طالما تمنت أن ترتديه، وركضت سريعاً إلى تلك الغرفة وهي تخرج ممسكة بأيد والدتها المريضة.
نظرت السيدة له وهي تتطلع إلى أناقته وهيبته، وقالت: هي بنتي عملت حاجة يابيه؟ أو عى تكون عايز تاخدها مني عشان تشغلها عندك أو تشتريها بالفلوس؟ خد يابيه فلوسك والدوا والأكل، إحنا مش محتاجين حاجة من حد.
أدهم بطيبة: يا فندم، أنا مش عايز حاجة. ثم ابتسم لفرح ابتسامة صافية: أنا بس جاي أقولك إن فرح ما تنزلش تاني الشوارع، لإن أنا هتكل بكل مصاريفها ومصاريف علاجك كمان.
والدة فرح: وليه تعمل معايا كده أنا وبنتي؟ ومين في الزمن ده بقي بيساعد حد؟ كله بياكل في التاني.
أدهم بابتسامة: اعتبرني واحد مجنون في الزمن ده، وعايز يساعد غيره. وصدقيني أنا مش عايز مقابل، أنا هتكل بمصاريفها. ثم عاود النظر لفرح ثانية وهو يقول: وهتكملي تعليمك يا فرح.
أخذت الفرحة تظهر على وجهها الملائكي الصغير، واتجهت نحوه وهي تقول: أنت حلو أوي يا عمو أدهم، ربنا يكرمك يارب.
ابتسم أدهم لدعوة تلك الصغيرة، وكأن الحياة بدأت تبصره بعالم جديد وهو العطاء.
نظرت الأم لفرحة ابنتها وهي تقول: ربنا يجازيك خير يا ابني.
أدهم بابتسامة: كل شهر هبعت السواق بتاعي يشوف طلباتكم، وياريت ترجعي فرح تاني مدرستها وأنا هتكل بكل حاجة.
ثم رحل ورحلت معه تلك الدمعة التي دائما كانت تسيل على وجه تلك السيدة وهي تشعر بالشفقة على ابنتها الصغيرة.
تطلعت بابنتها الصغيرة وهي تدور بذاك الفستان الوردي.
وابتسمت وهي تتذكر جملتها لطفلتها: لا تخافي يا طفلتي إن الله معنا ولن يتخلي عنا.
رواية قلوب تائهة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سهام صادق
لحظة اجتمعت فيها البسمة لترتسم على وجهه، افتقدها منذ زمن.
وكلمة عصفت بقلوب لتجعل الحب ينبض ثانية.
ودعوة أحيت روحًا عادت لأصحابها من جديد.
وعطاء انبعث بشعاع ليبعث بدفئه حياة.
ودفء أحاط قلوبًا لم تبحث عن سواه.
في عالم لا نحيا فيه إلا بقلوب تائهه.
لحظات وقف فيها ليتأملها وهي نائمة على تلك الأريكة.
اقترب منها بحذر شديد حتى لا يفزعها من نومتها.
حملها بين يديه ليضعها على فراشها.
كان دفء أنفاسه يحاوطها.
فتحت عيناها ببطء لتطمئن بأنه قد عاد إليها.
وبعد ثوانٍ قليلة أغمضت عيناها ثانية لتعود إلى أحلامها.
كانت كل حواسه تبتسم لفعلتها هذه.
فمعها يشعر القلب ببرائتها.
وتشعر العين بالصفاء.
وتشعر الروح بالنقاء.
ويشعر الجسد بالدفء.
تطلع إليها بحب شديد اجتمع في قلبه، وكأنه غزواً احتل ذاك القلب الذي طالما تعود على الوحدة وأصبح يتيقن بأنه سيظل وحيدًا طيلة عمره.
ولكنه الآن أصبح ينعم بدفئ ساكنه.
ولكن إلى متى سيظل سجانًا لتلك العصفور التي لا تبحث عن شيء سوى حبه.
وياله من يوم لو علمت سبب زواجه بها.
سيتحطم قلبه قبل أن تنكسر جناحيها وتهرب منه نافرة من حب أصبح ينبت في قلب مات منذ زمن وعاد ليحي من جديد.
تنهد بأسى، وبدأ يقترب منها وهو يلمس وجهها بأنامله.
حتى استيقظت ثانية وهي تبتسم له بنعاس شديد.
أدهم وهو يهمس في أذنها: صباح الخير يا كسولانة.
وكأنها الآن بدأت تفيق حقًا.
وانتبهت أن قربه منها هذا ليس حلماً باتت تحلمه كل يوم.
تطلعت إليه ثم عادت النظر إلى ملابسها التي ترتديها أمامه.
انتفضت من مكانها وهي تبحث عن الغطاء الذي كان أمام موضع عينيها.
ابتسم لفعلتها هذه.
وأقترب منها أكثر ليضمها إلى صدره ويقول: مش معقول يا مريم، هتفضلي تتكسفي مني لحد امتى؟ على فكرة أنتِ مراتي وأنا جوزك... والمفروض عادي يعني.
استكانت بين ذراعيه وهي تستمع لكلماته الحانية.
وتشعر بأنفاسه الهادئة، وكأن وجودها قريبة منه هكذا يجعلها لا تطلب شيئًا سوى أن تظل هكذا طيلة حياتها.
عاود الحديث معها ثانية وهو يقول: قومي جهزي نفسك عشان مسافرين.
تطلعت إليه قليلاً.
وكأنها تريد منه أن يكمل حديثه.
أدهم مبتسمًا: هنسافر الغردقة يومين.
ثم عاد ضاحكًا وهو يقول: عايز أخطفك يومين، تسمحيلي بكده يا طفلتي الصغيرة؟
ابتسمت له بعفوية شديدة.
وهزت رأسها بسعادة بالغة.
وأقتربت من إحدى وجنتيه لتقبله قبلة شعر بدفئها قبل لمستها.
لتغيبه بها في عالم يصارعه منذ أن أصبحت ملكه.
كادت أن تنهض من على الفراش.
ولكن يده كانت أسرع منها فجذبها إليه ليقبلها بشوق شديد افتقده قلبه.
وبعد أن انتهى من فعلته هذه.
أبعدها عنه قليلاً ليرى معالم وجهها الذي بات يعشقها.
وضحك بشدة على هيئة وجهها الذي أصبح يشع دماً من خجل صاحبته.
أدهم بضحكة عالية: قومي جهزي نفسك يا مريم، قومي. ده أنتي شكلك هتطلعي عيني.
أما هي، في لمح البصر.
كانت أمام مرآة حمامها وتضع يدها على قلبها الذي أصبح يدق سريعاً.
فكل لمساته تجعلها تفقد توازنها.
فهي لحد الآن لم تنسَ فعلته البارحة وأنها أصبحت زوجته حقا.
تنهدت بسعادة وهي ترى وجهها يبتسم قبل قلبها لأفعال صاحبه.
أما هو، كان يمسك إحدى المجلات التي وقعت عليها عينه بدون قصد.
ورأى صورته في بعض الحفلات السابقة.
تنهد بحزن.
فهو لا يستحق كل هذا الحب منها.
فهي لم تكذب عندما قالت أنها تحبه.
وقبل أن يجدها أمامه، كان قد أعاد تلك المجلات لمكانها كي لا تشك بأنه عرف أمر حبها وعشقها له منذ زمن.
اهتماماً لم تعهده من قبل.
تطلعت إليه وكأنها تبحث عن أياد الذي تعرفه.
ولكن ما وجدته الآن أمامها شخصاً آخر يعتني بها ويرعاها.
وكأن الأيام قد بدلته لشخص آخر.
وبعد لحظات كانت تبتعد عنه وهي تقول: خلاص أنا شبعت. وكمان أنا عايزة أتحرك عشان زهقت طول اليوم قاعدة مبتحركش.
أياد: معلش يا شاهي، استحملي.
ثم عاد بالحديث وقال: اتصلي بوالدك عشان يعرف خبر حملك.
التفت بوجهها بعيداً عنه.
وهي تتذكر بأنها الآن في شهرها الثالث.
ثم عاودت النظر إليه وهي تقول: طبعاً لما هننزل مصر. بطني هتكون ابتدت تظهر.
وقبل أن تكمل حديثها وجدته يقول: مش هننزل مصر دلوقتي إلا بعد ما تولدي.
شاهي بصدمة: بس لسه فاضل 6 شهور. هنفضل هنا المدة دي كلها.
أياد: مضطرين يا شاهي. دي غلطتنا إحنا. وإحنا اللي لازم نتحمل عواقبها.
ولأول مرة لم تستطع تحمل كلماته وهي تسمعه وهو يلومها على غلطتها أيضاً كما يلوم نفسه.
نظرت له ببكاء.
وهي تقول: أنا عارفة إني أنا كمان غلطانة. ويمكن غلطتي أكتر منك. بس أنا للأسف ما كنتش بلاقي حد يفهمني إيه الغلط وإيه الصح. اتولدت لقيتني بدون أم. عارف لما تعيش حياتك كلها تدور على حد ياخدك في حضنه ويهتم بيك. ومتلاقيش. أنت الوحيد اللي حسستني بالاهتمام، حسستني بالحاجة اللي ممكن أضعف قدامها ومن غير ما أفكر في عواقبها. بس للأسف اهتمامك بيا ماكنش غير زي الطفل اللي بيهتم بلعبته شوية وبعدين يزهق منها. عشان في لعبة جديدة عجبت. عارف أنت مشكلتك إيه يا أياد.
كان يستمع لكلماتها.
ولأول مرة يشعر بكل حرف تتفوه به.
تطلعت إليه قليلاً بألم.
واخفض وجهه خجلاً من نظرات عيونها.
ثم تابعت هي بالحديث وقالت: مشكلتك إنك شايف كل الناس زي اللعبة. أو العربية اللي ممكن تغيرها كل لما تلاقي حاجة جديدة نزلت السوق وعجبتك. مبتفكرش غير في حياتك أنت وبس وكأنك عايش في عالم لوحدك.
ثم تنهدت بأسى وهي تمسح دموعها: أنا بكرهك. بكرهك يا أياد.
كم كانت كلماتها وجعاً كبيراً أسقطته على قلبه قبل قلبها.
لم يتحمل سماع كلماتها ونظرات عيونها.
فابتعد عنها وقبل أن يغادر، التفت إليها وكأنه يعاتبها.
ثم تركها وانصرف بقلب أصبح لا يشعر به.
أما هي، ظلت تتطلع إلى الفراغ الذي تركه.
وظلت تبكي ألماً على قلبها الذي جرحته بكذبة كلماتها.
فهي لم تحب أحد سواه.
وقفت مثل الطفلة الصغيرة تضحك بعفوية على منظر المياه التي تداعب قدميها.
كان يقف بعيداً يتأمل فرحتها بهذا المكان.
كانت بكل ضحكة وابتسامة تشعره بضعفه وضعف قلبه أمامها.
كانت عيناه تتطلع بها وكأنها تود أن تختطفها وتحفظها بين جفونها.
لم يشعر بنفسه سوى وهو يقف خلفها ويضمها لصدره ويهمس بين أذنيها.
مبسوطة يا مريم.
مريم بفرحة: أوي أوي يا أدهم.
ثم التفتت إليه وهي تقول: من وأنا طفلة بتمنى إني آجي مكان زي ده ويكون فيه بحر وسما ورمل وأقعد على الشاطئ وأفضل أحكي للبحر عن كل حاجة. عارف أنا عايزة أعمل إيه دلوقتي.
ظل يتطلع إليها وهو يتأمل وجهها البريء: عايزة تعمل إيه.
ابتسمت له بصفاء كالطفل الصغير.
وجلست على الرمل وبدأت تلعب بعفوية بحبات الرمل الناعمة وهي تبتسم.
أدهم بضحك وهو يجلس بجانبها: طيب تعالي يا ستي نلعب سوا.
تطلعت إليه بحب.
وبدأوا يعيشون سوياً لحظات من عمرهم قد أخذها منهم الزمن سابقاً.
وبعد لحظات كان ينفض يديها من الرمل.
ويحملها ليهمس في أذنيها: كفاية لعب بقى.
وقفت تتطلع إلى سكرتيرتها.
وهي تقول: بلغي مستر أدهم إني موجود يا آنسة.
تطلعت إليها السكرتيرة باستنكار.
وهي تحدث نفسها: طول عمرك رافعة مناخيرك في السما. وعزت بيه رفعها أكتر. صبرنا يارب.
نانسي بتأفف: أنتِ يا آنسة اللي اسمك هنا، ركزي شوية. أووف.
هنا بهدوء: مستر أدهم مش موجود. ومش هيكون موجود في الشركة ليومين. في حاجة تانية يا مدام نانسي.
نانسي بغضب: مسافر. ليه وفين. المفروض إن فيه اجتماع النهارده.
هنا ببرود: أظن مش من اختصاصي إني أسأل أدهم بيه مسافر فين وليه. وعلي العموم يا مدام نانسي، كل الاجتماعات هيرأسها الأيام دي بشمهندس أحمد لحد ما مستر أدهم يرجع بالسلامة. وعلي فكرة الاجتماع بعد ساعة يا مدام.
نانسي بتأفف: أوووف. مصيبة تاخدك.
ابتسمت لها وهي تسمع همساتها وقالت: شكراً يا نانسي. سوري قصدي يا مدام نانسي.
تطلعت لها بنظرة حارقة.
وهي تهمس وتقول: ياترى مسافر ليه وفين.
وقبل أن تنصرف، صدمت في أحدها.
تطلعت إليه وهي تقول: آسفة يا بشمهندس.
أحمد ببرود: ولا يهمك يا مدام نانسي.
ثم تابع حديثه لهنا وهو يقول: جهزي الأوراق عشان الاجتماع يا هنا.
استيقظت من نومها.
فلم تجده بجوارها.
نظرت إلى الساعة التي بجانبها فوجدتها قد تجاوزت منتصف الليل.
لم تشعر بقدماها سوى وهي تقف تتطلع إليه وهي تراه يصلي ودموعه تتساقط.
وكأن دموعه تريد أن تطهره من ذنوب قد أرهقته.
وقبل أن ينهي صلاته ويراها وهي تتطلع إليه، ذهبت سريعاً إلى الفراش.
ودثرت نفسها بالغطاء كما كانت وأغمضت عيناها.
ليظن أنها مازالت نائمة.
وبعد ثوانٍ معدودة.
كان يضع رأسه على الوسادة وهو يتنهد بحزن.
تطلع إليها وهي نائمة بجانبه.
ثم عاود النظر إلى الفراغ الذي كان يتطلع به وبدأ يشرد بذكرياته.
هو بابا ليه يا ماما كل ما بيجي من بره. مبيقدرش يطلع السلم ويفضل يضحك ضحكة غريبة. وريحة بوقه بتكون وحشة.
كانت نظرات أمه مازالت عالقة بذاكرته وهي تنظر له بحسرة.
ولاتستطيع أن تجيبه على سؤاله.
أفاق من شروده عندما شعر بحركاتها وعينها التي تتطلع إليه.
أقترب منها ليحاوطها بذراعيه، وكأنه يريد أن يهرب بها بعيدًا عن عالمه الذي أصبح يكره صراعه.
تطلعت إليه بحب وهي تقول: "مالك يا أدهم؟ أنت زعلان؟"
أدهم بهمس: "في حد يزعل وهو جنبه القمر ده؟"
تطلعت إليه بخجل وهي تشيح بوجهها، ثم عاودت النظر إليه ثانية وقالت: "على فكرة أنا بعرف أكتم الأسرار، احكيلي وأنا صدقني هسمعك."
ابتسم لها بسعادة واقترب منها ليقبل شفتاها بنهم شديد، وبعد لحظات كان يضمها لصدره وهو يقول: "احكيلي يا مريم عن باباكي ومامتك."
تطلعت إليه بحزن وبدأت تشرد في ذكريات حياتها...
كان يتطلع إلى معالم وجهها وهو يضمها بشدة، وكأنه يريد أن يقول لها: سأبقى بجانبك إلى أن أفارق الحياة، ستظلين طفلتي الصغيرة التي أستمد منها الأمان.
مريم بحنان: "بس هي دي حياتي الجميلة اللي قضيتها مع أهلي، وكانت أجمل أيام. لما بتفكرها بتمنى الزمن يرجع من تاني وأفضل مريم الطفلة الصغيرة اللي مامتها قبل ما تعاقبها عشان عملت حاجة غلط، بتكون جريت على حضن باباها عشان يحميها..." وبدون أن تشعر وجدت نفسها تبكي.
أدهم بحنان: "طب بتعيطي ليه دلوقتي؟"
نظرت له ببكاء وهي تقول: "عشان لو بابا كان عايش مكنش عمي باعني ليك."
أدهم بتنهد: "كنوز الدنيا كلها يا مريم متكفيش إن حد يقدر يشتريكي، أنتي غالية قوي يا مريم."
تطلعت إليه من بين دموعها وهي تبتسم، ثم قالت: "هو أدهم الطفل كان إزاي يا أدهم؟"
تتطلع لها بضحك شديد وهو يقول: "مريم، انتي بجد مش معقول! عارفة أنا بحس وأنا معاكي بإيه؟"
مريم بتسأل: "بإيه؟"
أدهم بضحك: "إنك بنتي وأنا باباكي ههههههه!"
نظرت له باستنكار وهي تقول: "بنتي؟"
أدهم بضحك: "انتي عارفة فرق العمر بينا كام؟"
مريم بتسأل: "كام يعني؟ 6 سنين؟"
أدهم بضحك: "لأ 10 ياستي."
تتطلعت إليه بطفولة ثم قالت: "مش كتير يعني، عشان كل شوية تحسسني إني طفلة."
تطلع إليها بنظرات خبث، قد فهمتها هي فأبتعدت عنه وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه.
ضحك عليها بشدة وهو يقول: "مش بقول طفلة."
ثم نهضت من على الفراش وهي تقول: "أنا هقوم أصلي."
أدهم بتسأل: "بس لسه الفجر فاضل عليه نص ساعة."
تطلعت إليه بسعادة وهي تتذكره وهو يقف بين يدي الله، وقالت قبل أن تنصرف: "لي حكايا وأحاديث طويلة مع الله."
ابتسم لحديثها وشرد في حياته الجديدة التي دخلتها هي ببرائتها وطيبتها وسط خبثه وعالمه المزيف، ليتحول معها كل شيء وكأن الخريف يتحول ربيعًا مزهرًا، ولكن مازالت هناك بقايا للأوراق المتساقطة.
***
لحظات عصفت به، لعالم قد هرب منه منذ زمن.
تطلعت إليه بخجل شديد وهي تنطق باسمه: "أحمد، قصدي بشمهندس أحمد."
تتأملها باستنكار وهو يقول: "إزيك يا ندي؟"
ندي بندم: "أنا الحمد لله، إزيك أنت..." ثم تطلعت إلى أصابعه وقالت بحزن: "اتخطبتي ولا لسه؟"
أحمد ببرود وهو يشيح بسبابته التي يرتدي فيها تلك الدبلة المزيفة: "عن قريب إن شاء الله."
ندي بحزن وهي تتطلع لموضع دبلته: "مبروك على الخطوبة، ربنا يسعدك..." ثم تطلعت على ذاك الطفل الذي تحمله وقالت: "ده شادي ابني."
أحمد: "ربنا يخليهولك أنتي وباباه، صحيح أخبار معتز باشا إيه؟"
نظرت إليه بأسى وهي تقول: "اتطلقنا من سنة، عشان خلاص مبقاش أعجبه."
نظر لها أحمد بأسى وهو يقول: "ما هو ده آخرة اللي يبيع نفسه بالرخيص، في النهاية بيتباع برضوه بالرخيص يا مدام ندي..." ثم ارتدى نظارته السوداء وهو يلتف بظهره ويقول: "فرصة سعيدة يا مدام."
ثم تركها وهي تتطلع عليه بحزن وهي تقول: "عندك حق يا أحمد..." واحتضنت طفلها بأسى وكأنها تريد أن تحتمي به من زمن قد عاقبها على طمعها ولكن بعد أوان قد فات.
***
لم يشعر بنفسه إلا وهو جالس على مكتبه بشرود تام.
إلى أن وجدها تقف أمامه بخجل وتقول بصوت هادئ: "آسفة يا بشمهندس، بس حضرتك قولتلي إنك هتبلغني بفرع الشركة اللي اتنقلت فيه مريم، وشكل حضرتك نسيت."
تطلع إليها بشرود وظل يحدق بها دون أن يتفوه بكلمة.
شعرت بالإحراج من نظراتها المصوبة عليها، وكادت أن تغادر مكتبه ولكنه استوقفها بصوته الجاد وقال: "آنسة هبة، تتجوزيني؟"
لم تستطع أن تخفي دهشتها من طلبه هذا، ظلت تتطلع إليه وفجأة وجدها تغادر الغرفة سريعًا. أما هو فظل يضحك على منظرها عندما عرض عليها طلبه.
وعاد لشروده ثانية وهو لا يعلم لماذا عرض عليها هذا الطلب ولماذا هي.
انتبه لشروده على صوت رنين هاتفه.
"مالك صوتك يا أياد؟ أنت كويس وشاهي كويسة؟"
***
كانوا يقفون سويا وهم يتطلعان إلى موجات الماء المتلاطمة.
تطلع بوجهها وجدها شارده وكأنها في عالم آخر.
كانت نظراته كفيلة أن تجعلها تلتفت إليه مبتسمة وهي تقول: "بتبصلي كده ليه؟"
أدهم بابتسامة: "أصلك عجباني."
تطلعت إليه بخجلها المعتاد، ولكي تغير مجرى الحديث قالت: "إحنا هنمشي بكرة صح؟"
أبتسم بشدة وهو يرى خجلها وتغيرها لمجرى حديثهم. حاوطها بذراعيه لكي يسيروا سويا على الشاطئ وهو يقول: "أعمل فيكي إيه ها؟ قوليلي."
مريم بطفولة: "هو أنا عملت حاجة؟"
أدهم بضحك: "قولي مبتعمليش حاجة..." وبدأ يقلد نبرة حديثها وقال: "هو أنا عملت حاجة."
نظرت له بغضب وهي تبتعد عنه، وانحنت بجسدها النحيل وهي تمسك بيدها قطرات المياه وأسكبتها عليه.
أدهم بضحك: "ماشي يا مريم..." وانحنى هو أيضا.
ليمزحون سويا بضحكات قد أعطاها لهم الزمن لينعموا بها. وبعد لحظات رن هاتفه، ليقطع عليهم لحظاتهم الهادئة. لتبتعد هي عنه وتسير بمفردها وهي شارده.
حتى رأت من يجعلها تبتسم، لتنحني لها لتقبلها وهي تقول بصوت حانٍ: "اسمك إيه يا حبيبتي؟"
الطفلة بهدوء: "اسمي مريم."
مريم بابتسامة: "وأنا برضو اسمي مريم."
أبتسمت لها الطفلة وهي تقول: "يعني انتي اسمك زي اسمي."
مريم بابتسامة: "ههههه أه، أنا اسمي زيك اسمك."
إلى أن جاءت والدتها وأخذتها بعد أن ودعتها بملاطفة.
كانت عيناه تتابعها وهو يتحدث بهاتفه، إلى أن رآها تبتسم لتلك الطفلة. أنهى حديثه وذهب إليها وهو يقول: "مش عيب تتمشي لوحدك وتسبيني..." ثم اقترب من إحدى أذنيها وهو يقول: "عندي ليكي مفاجأة حلوة."
تطلعت لأعينها لتعرف ماهي تلك المفاجأة، فتابع بحديثه وهو يقول: "متحاوليش، مش هتعرفي حاجة دلوقتي..." ثم تطلع إلى ساعته وقال: "فاضل 3 ساعات.. تعالي نروح نتغدى وبعدين أوريكي المفاجأة."
مريم بطفولة: "بس أنا عايزة أعرف، ماليش دعوة."
أدهم بضحك: "استحالة، ومتحاوليش معايا..." وامسك خصرها ليجعلها تلتف إليه وتصبح أمامه ليضمها بذراعيه، لتنعم بدفء حضنه وتغمض عيناها وهي تستمع لدقات قلبه الهاربة إليها هي وحدها، في عالم لا يبحث عن شيء سوى الحب.
رواية قلوب تائهة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سهام صادق
نظرة قد تلاقت فيها كل الكلمات المبعثرة، وهمسات تمايلت من أجلها القلوب، وحب قد عصف بكل شيء ليسكن بين أيدي أصحابه، وشوق أصبح صوته يضوي بين الضلوع، وقلب قد أصابه الخمول لينام مع أحلامه الوردية، ولغات ترجمت من أجل دقات قلوب مبهمة، وكيان أصبح يحيي كيانًا آخر بلمسة دافئة انبعثت إلى روح أصحابه، وصمت بات يسكت أفواهنا لنتوقف لحظات مع زمن يريد أن يحيا دائمًا بذكريات أحبابه.
وقف يتطلع إلى نظراتها التائهة، وهي تتأمل ذاك المكان الذي أشبه ما يقال عنه رحلة مع خيال عقولنا. ألتفتت إليه لترى ابتسامته الهادئة، وهي تقول بفرحة وكأنها طفل صغير: "أنا بحلم صح؟"
وبدأت تغمض عيناها لتفتحهما ثانية وهي ترى نظراته تتفحصها. ليقترب من أذنيها ويقول: "مبسوطة بجد يا مريم؟"
مريم بسعادة وهي تتطلع إلى فستانها الأبيض: "أنا النهاردة مش بحلم صح؟ كل اللي حصل ده مكنش حلم. البنت اللي جابتلي الفستان..." ثم رفعت فستانها قليلاً والحذاء ووضعت يدها على وجهها لترتفع إلى حجابها الملفوف بعناية وتلك التاج الجميل الذي يتوسطه. وقالت بتساؤل: "ولا الساحرة هي اللي عملت ده كله في الحلم؟"
وعادت تغمض عيناها ثانية. ليقربها منه وهو يضحك على تلك البراءة التي أصبح يمتع عيناه بها في عالم لا يبصر فيه سوا بسواد قلوب أصحابه. ليخرجها من بين أحضانه ويتطلع إلى وجهها بعناية. ويقول بصوت هامس: "بحبك يا مريم، بحبك لدرجة إني مبقتش عارف أعيش أو أتنفس إلا بيكي." ثم ابتسم قليلاً وعاد ليقول: "شكلي بقيت كمان أدهم العاشق."
لم يكن قلبها يصدق كل هذا، وكيف يصدق وهو يبحث فقط عن القليل في وقت قد حُرم فيه من كل شيء حتى لمسة اليد الحانية. ليقربها منه ثانية وهو يهمس في أذنيها ويقول: "بحبك يا طفلتي الصغيرة." ويحملها بين ذراعيه ليدور بها ويصرخ بجنون: "بـــــــحــــــبــــك."
لتضحك هي، ويتراقص قلبها من فرط سعادته، وتسقط دمعة من عيناها لتمسحها سريعًا. لتعود بالنظر لتلك الشخص الذي أحبته كثيرًا، أحبته بشخصيته العنيدة الصارمة، وللقلوب عناية في اختيار معذبيها.
ليتركها من بين يديه، وهو ينظر في عينيها التي طالما عشق فيها تلك الدموع المتراكمة سواء أكانت حزينة أو في غاية السعادة. لتبقى دموعها اللامعة هي من تعبر عن فرحتها.
أدهم بحب: "على فكرة المكان ده النهاردة بتاعنا إحنا وبس."
لتنظر حولها، وترى الأنوار التي قد أضاءت في وقت واحد، وتلك الشموع التي تحاوطهم. لتتطلع إلى ذاك القلب المرسوم بدقة بالورود. ليمسك هو يدها ليتوسطا ذاك القلب. ويخرج تلك الخاتم الذي صنع بدقة من الألماس ليصبح أكثر جمالاً وهو بين أصابعها. ويرتدي هو دبلته الفضية التي نُقش بداخلها أول حروف اسمها. لتبتسم له وتنسى معه العالم كله، وتحيا معه حياة قد تمنتها في وقت ظنت أنها مستحيلة. ليحققها لها رب العباد.
.................................................. ................
ليجلس على كرسيه الهذاذ، وهو يحادث نفسه بفعله.
كيف عرض عليها الزواج وهو لم يحبها؟ لماذا فجأة شعر أنه يحتاج لزوجة؟ وكيف يتزوجها وهو أصبح يكره النساء بسبب من خدعته بحبها المزيف؟ هل لأنه يريد أن يقتل ذاك الشعور الذي امتلك قلبه عندما رآها؟ وتذكر جميع لحظاتهم وأحلامهم المزيفة سابقًا. فأراد أن يعاقب قلبه لحنينه لذكريات ماضيه. أم أنه يريد أن يثبت لقلبه أنه لم يشعر سوا بصفعات الخذلان الذي تسبب هو فيه بسبب ضعفه. فبسببه قد أحبها بل وعشقها بجنون لتخونه هي. تتطلع قليلاً إلى ذاك الفراغ الذي أمامه، وهو يفكر بأيامه القادمة التي لابد أن يحيا بها بذكريات جديدة ويعصف بكل شيء خلفه. ومادام الذكريات نحن من نصنعها، فالأصنع لنفسي ذكريات تسعدني. لينُهض من على كرسيه ويبحث عن هاتفه. ليحادث والدها وهو يطلب منه موعدًا ليتقدم فيه لخطبتها.
.................................................. ...........
وعندما سمع صوت سيارتها، وقف يتابعها بأعينه وهي تتمايل بخفة بفستانها العاري القصير. وتدخل من باب الفيلا. ليهبط هو ويقول: "كنتي فين يا نانسي؟ وكمان راجعة سكرانة؟"
نانسي بخفة: "أنا تعبانة دلوقتي، وعايزة أنام يا عزت. تصبح على خير."
عزت بحدة وهو يمسك أحد ذراعيها: "لما أكون بكلمك فوقيلي سامعة؟ وتردي عليا مش تسبيني وتمشي."
نانسي ببرود: "يوووه بقي يا زيزو. بقولك تعبانة وعايزة أنام."
عزت: "وقولتلك قبل كده بطلي شرب."
لتضحك هي ساخرة، وتتذكر عندما اجتمع بها أول مرة. لتقول: "مش انت اللي علمتني كده؟ وأنا تلميذة شاطرة وحفظت كل دروسك يا حبيبي وبقيت أعجبك صح يا زيزو."
لتصعد إلى غرفتها بتثاقل وترمي بحذائها أرضًا. لتنام على الفراش وهي تتذكره وتقول بصوت هامس: "انت السبب يا أدهم." لتنام تائهة في عالم هي من اختارت أن تحيا فيه.
.................................................. ..............
كان يضمها لصدره، وكأنها ابنته الصغيرة وليست زوجته.
لتتمايل هي بين أحضانه، وتمسك بأحد يديه وتشاور له على ذاك النجم اللامع وهي تقول بطفولة: "أنا النجمة دي."
ليضحك هو ويضمها إليه بشدة: "طب وأنا أنهي نجمة بقى؟"
لتلتف إليه بوجهها قليلاً ثم تعاود النظر لتلك النجوم وتقول: "أمممممم، انت الشمس يا حبيبي."
ليطلق ضحكاته العالية ويقول بزعل مصطنع: "كده يا مريم، أنا الشمس؟"
لتقول هي من بين ضحكاتها: "ما أنت لو سألتني، اشمعنا الشمس اللي اخترتها، هقولك السبب."
أدهم بتساؤل: "اشمعنا الشمس يا مدام؟ ابهريني."
مريم بضحك: "عشان الشمس هي اللي بتدفي الكون، وبتنوره بنورها، وبتخلي للوجود حياة ومن غيرها هنفضل في ضلمة."
ليهمس هو في أذنيها ويقول: "يعني انتي بتحسي بوجودي جنبك بالدفء؟"
مريم بحب: "بالدفء، والأمان، والحياة، والحنان." ثم قالت ضاحكة: "بعيد طبعًا عن الصرامة وأدهم اللي مش إنسان."
ليضحك هو، وينهضها من بين تلك الشموع. لتقول: "إحنا رايحين فين؟"
أدهم بجدية مصطنعة وهو يشاور على تلك اليخت المضاء: "هخطفك، وأسيبك لوحدك في جزيرة مع الحيوانات، عشان تعرفي تقولي أدهم اللي مش إنسان تاني يا نكرة الجميل. فعلاً الستات دول نكرات الجميل طول الوقت وبينسوا الحلو وبيفتكروا الوحش."
لتتشبث هي بقدميها على الرمل وتقول: "خلاص يا أدهم حرمت، والله كنت بهزر."
أدهم بضحكة خبيثة: "وحد سامحلك تهزري يا هانم؟ شكلي دلعتك كتير." ويسحبها بيده وهو يقول: "أنا أدهم شوكت، واحدة ست تهزر معايا؟ لا يمكن، وكمان مراته؟ لا لا لا."
لتدمع عيناها هي وتقول: "أنا آسفة يا أدهم، مش ههزر تاني. وكمان هعتذر لأدهم اللي مش إنسان تاني وأقوله ميزعلش."
ليجذبها هو لتلك اليخت ضاحكًا: "مكذبتش لما قولت طفلة." ثم انحنى هامسًا وقال: "بعشق الطفلة اللي جواكي، اللي قربت تجنني دي."
لتمسح دموعها بيديها وتقول: "نزلني من هنا طيب، أنا عايزة أنزل."
ليضحك وهو يحتضنها. ويشير لها على تلك الألعاب النارية ويقول هامسًا: "عارف إن الأطفال بيفرحوا بكده. بصي يا حبيبتي."
لتنظر له بغيظ شديد قد أراده هو. وتتابع هذه الألعاب بطفولة عارمة. ليقضوا ليلة قد حفرت في قلوبهم قبل ذاكرتهم.
.................................................. ............
جلست أمامه بأعين هاربة من نظراته المصوبة نحوها.
ليبتسم هو ويقول: "أزيك يا آنسة هبة؟"
هبة بخجل: "الحمد لله."
أحمد بهدوء: "يارب ديمًا. وبعد لحظات من الصمت قال: "إيه مش هتسأليني عن أي حاجة؟"
هزت رأسها نافيه وهي تقول بارتباك: "معنديش." ثم تابعت: "قصدي مفيش. معلش أقصد يعني لما ألاقي سؤال في بالي هسأله لحضرتك يا بشمهندس."
ليضحك هو ويقول: "يوصل بالسلامة إن شاء الله."
لتقول بصوت هامس، وقد سمعه هو: "إيه العيلة اللي عندها هدوء أعصاب وبرود متناهي دي."
ليبتسم هو ويقول: "تحبي أعرفك بنفسي ولا مش محتاجة؟"
هبة بارتباك: "عادي، اللي يريحك."
أحمد: "أمممممم، طبعًا لو قولتلك إني مهندس معماري هتقولي معلومة قديمة. ثم يعاود بالحديث ويقول: أنا مهندس، عندي 32 سنة، عازب، ليا أخت عايشة في أمريكا مع جوزها وعندي بنوتة اسمها لوجين وولد اسمه حمزة. وكان عندي شركة للتصميم المعماري، بس اضطريت أصفي الشركة وأناضم في الشراكة مع ولاد خالي. تحبي أعرفك بالعيلة كمان؟"
لتنظر له بخجل: "لأ، كفاية كده." وقبل أن يتحدث.
هبة: "هو حضرتك ليه اتقدمتلي؟ اشمعنا أنا؟"
أحمد بتنهد: "هرد على سؤالك ده، بس مش دلوقتي."
هبة بتساؤل: "طيب امتى؟"
أحمد: "لما تبقي مراتي."
اخفضت رأسها بخجل وهي تقول: "طب ليه مش دلوقتي؟"
أحمد بهدوء: "عشان لسه مبقتيش مراتي."
لتتطلع له بارتباك وهي تقول: "اللي يريحك." وقبل أن يعرفها بنفسها وحياتها. يبتسم هو ويقول: "مش محتاج أي معلومة عنك." وينظر لها متفحصًا وكاد أن يسألها عن شيء ولكنه شعر بأنه لابد أن يأجله لوقت لاحق. حتى تصبح زوجته.
.................................................. ...............
ارتسمت ابتسامة على شفتيه، وهو يمرر ذاك الخاتم على إصبعه. ليتنهد بأسف على زيجة لم يعلن عنها حتى الآن ولكن لابد أن ينتظر قليلاً.
ليدخل عليه وهو مبتسمًا ويقول: "أدهم باشا حمدلله على السلامة." ثم يتطلع لوجهه بتفحص: "بس شكل سفرية الغردقة كانت حكايا."
أدهم بجدية: "أخبار صفقة الحديد إيه؟"
أحمد بتنهد: "ماشي ياسيدي غير الموضوع. اتفقنا على كل حاجة فاضل بس نمضي العقود."
أدهم بتنهد: "تمام."
ثم عاد أحمد بالحديث: "وأخيرًا قررت أسبقك من العزوبية وقررت أتجوز. إيه رأيك في الخبر ده؟"
ليبتسم أدهم بسعادة ويقول: "بجد يا أحمد؟"
أحمد بهدوء: "شوفت الخبر ده بقى. عقبالك."
ليتنهد هو بأسف ويقول: "إن شاء الله." ثم يتابع بالحديث: "مين بقى سعيدة الحظ؟"
أحمد بضحك: "سعيدة الحظ مين بس. آنسة هبة اللي في قسم السكرتيرية." وقبل أن يتحدث أدهم.
أحمد بجدية: "أنا مبتفرقش معايا المظاهر الكدابة، وإني لازم أتجوّز واحدة من عيلة كبيرة والكلام ده. فبلاش نتكلم في الموضوع."
أدهم بتنهد: "ومين قالك إني كنت هقول كده؟ دي حياتك يا أحمد وعمر المال ما كان أساس السعادة."
لينظر له أحمد متعجبًا ويقول: "ساعات كتير بحس إنك مش أدهم."
ليشرد هو قليلاً في كلامها وهي تلمس وجهه وتقول: "انت مش أدهم صح." ليبتسم هو بشرود.
أحمد بتعجب: "لأ، أظاهر سفرية الغردقة دي وراها حاجة. على العموم يارب ديمًا تكون مبسوط."
وقبل أن يغادر يلمح تلك الخاتم في إصبعه ويقول:
"اللي يشوفك لابس الخاتم ده علطول يقول إنك متجوز، بس الموديل ده شكله جميل وعجبني، هخلي رامي يعملي زيه."
ثم يغادر ليتركه وسط أفكاره التي باتت تخنقه.
يجلس بجانبها مثل كل يوم ليعتني بها. وكاد أن يتركها ويغادر الغرفة قبل أن تتفوه بكلمات باتت تشعره بحقارته.
تنهدت بأسي وهي تقول:
"أنا آسفة يا أياد، ما كانش قصدي أقول عليك إنك مش راجل."
أجابها أياد بأسى:
"وبتعتذري ليه يا شاهي؟ انتي مش غلطانة، لأن عندك حق. الراجل ما بيضحكش على بنات الناس ويلعب بيهم، ولا بيرجع نص الليل وهو سكران ومش قادر يسند طوله. ولا بيظلم حد ائتمنه على نفسه."
صمت قليلاً وهو يتطلع إليها وقال:
"ولا بيظلم حد ائتمنه على نفسه."
قالت شاهي بخجل:
"أنا مسامحاك يا أياد، عشان إحنا الاتنين غلطانا، ومينفعش واحد فينا يحمل غلطه على التاني، لأن إحنا الاتنين في نفس المركب، والمفروض نحاول ما نغرقهاش بسبب غبائنا. عشان ما ندمرش واحد تاني بغبائنا، ويبقى نسخة مصغرة منا بسبب أنانيتنا."
ثم تابعت بالحديث وهي تضع يدها على بطنها وقالت:
"عشان ما ندمرش واحد تاني بغبائنا، ويبقى نسخة مصغرة منا بسبب أنانيتنا."
ليتابعها أياد بارتياح وهو يقول:
"انتي طيبة أوي يا شاهي، بس عارفة ناقصك حاجة إنك تقربي من ربنا."
لتبتسم هي وتقول:
"على فكرة صوتك حلو أوي وانت بتقرأ قرآن، انت كنت بتقرأ سورة إيه؟"
أجابها أياد مبتسمًا:
"سورة الحشر."
لتتابع هي وتقول:
"وكنت بتعيط ليه لما كنت بتقول: 'إني أخاف الله رب العالمين'؟"
رد أياد بأسى:
"في الوقت اللي الشيطان بيزين لينا المنكرات والحرام وبيمتعنا بالدنيا، هيكون بريء منا لأنه بيخاف من ربه. شوفي بقى إحنا إزاي للحظة ما خفناش من نظرته علينا واحنا بنغضبه ليل ونهار من غير ما نحس بالخجل من نفسنا لو للحظة."
ثم ينصرف ليتركها وهي شارده في كلامه وعقلها يجلب لها صورته التي أول مرة تراه ضعيف خائف.
ليتطلع إلى وجهها الذي أصبح حزيناً بعد أن أخبرها بسفره.
قال لها أدهم بحنان وهو يجذبها لحضنه ثانية:
"هو أسبوع بس يا مريم، وهرجع على طول."
ردت مريم بحزن:
"وكمان أسبوع؟ طب خدني معاك، أنا بقيت أكره الوحدة أوي يا أدهم، وكمان أنا مبحبش هنا."
قال أدهم:
"لو مش مرتاحة في الشقة ممكن آخد لك غيرها."
قالت مريم:
"أنا مش قصدي المكان فيه حاجة أو مش عاجبني، بس مبحسش فيه غير إني في سجن بيخنقني ومحبوسة فيه، مع إن بإيدي أخرج وأهرب منه."
ليتطلع إليها بأسي ويقول:
"وتسبيني يا مريم؟"
قالت مريم بحب:
"عارف، فكرت كتير في كده، بس مقدرتش."
لينظر لها بلوم ويشيح بوجهه بعيداً خوفاً من أن يأتي ذاك اليوم، فهو من فرض عليها عالماً تعيش فيه وهي لا تعلم عنه شيئاً، حتى لم يجبها يوماً عن سبب زواجه منها. ذلك السؤال الذي يخشى اليوم الذي سيأتي ليجبره على إخبارها بالحقيقة.
لتتطلع إليه وتقول بابتسامتها المعهودة وهي تلمس وجهه بيدها:
"ما تخافش، ده عمره ما هيسيبك ويمشي إلا لو انت اللي سبتنا."
ليتطلع إلى موضع يدها وهو يراها تضعها على ذاك القلب الذي عشق صاحبته.
ليحتضنها بشدة وهو يشعر بالحزن الذي بات يخنقه. وكيف لا يحزن وهو لم يرَ من ذاك القلب سوى الحب الذي لم يعهده من قبل.
لتعاود النظر إليه وهي تقول:
"هتسبنا في يوم؟"
قال أدهم:
"انتي اللي أوعي تسبيني في يوم يا مريم، فاهمة؟"
قالت مريم بسعادة:
"ما تخافش، هفضل جنبك لحد ما أموت."
قال أدهم:
"بعد الشر عنك يا حبيبتي، أوعي تجيبي سيرة الموت تاني."
لتبتسم له بحب، ويحاوطها بين ذراعيه، لتنام بين أحضانه بابتسامتها الحالمة.
لم يصدق نفسه عندما سمع تلك الكلمة من الطبيب وهو يقول:
"مبروك مستر جلال، العملية نجحت."
كانت دموعه تتساقط وهو يشعر بفضل الله عليه، فقد استجاب لدعائه، وسامحه على أخطائه ولم يعاقبه في أغلى ما يملك. ابتسم بين دموعه وهو يتذكر الرجل العجوز وهو يقول له:
"خليها ديما في بالك واوعي تنسي قول ربك: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)."
قال جلال بسعادة:
"الحمد لله، الحمد لله، لك الحمد يا الله."
لتستيقظ هي وتنهض من فراشها سريعاً لتخرج كل ما في جوفها. تطلعت لوجهها المصفر وهي تضع يدها على بطنها بتعب وتشعر بالإعياء. لتسمع رنات هاتفها لتخرج سريعاً.
قالت مريم بتعب:
"بجد يا أدهم راجع بكرة؟"
أجابها أدهم:
"أيوه يا حبيبتي. وحشتيني."
قالت مريم بتعب:
"وانت كمان، وحشتني أوي."
سأل أدهم بتساؤل:
"مال صوتك يا مريم؟ انتي تعبانه؟"
قالت مريم:
"متقلقش عليا، شوية برد بس."
قال أدهم بعتاب:
"طيب خلي بالك من نفسك يا حبيبتي، ولو حسيتي بأي تعب بسيط اتصلي بيا وأنا هبعتلك دكتور حالا، فاهمه؟"
قالت مريم باطمئنان:
"أنا كويسة، وهكون كويسة لما أشوفك."
قال أدهم بحب:
"لا إله إلا الله."
ردت مريم:
"سيدنا محمد رسول الله."
لتغلق معه، وتضع يدها على فمها وهي تشعر بالقيء ثانية، وما هي إلا ثواني وكانت تفرغ ما في معدتها، لتخرج من الحمام وهي تمسح وجهها بالمنشفة وتجلس على سريرها بتعب.
رواية قلوب تائهة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سهام صادق
الـــفـــصـــل الــــســـادس عـــشـــر
كانت كلماته مازالت تتردد في أذنيهاا ، لم تكن تصدق بأن من احبته بل وعشقته بجنون اول من يقتلهاا بدون رحمه ، لم تتمالك قدماهاا فسقطت علي ركبتيهاا لتنكمش بجسدها مثل الطفل واضعه وجهها بين كفيها ، باكيه بمرارة لاول مره تشعر بأن روحهاا هي من تبكي ، تحسست بطنهاا بأيدي مرتعشه وكأنها تُطمئن نفسهاا بوجدهه داخل رحمهاا، وضمت نفسها بذراعيهاا وكأنها تحمي نفسهاا من شبح يطاردها ، لتلمس بيدها الضعيفه موضع يداهه وهي تبكي وكأنهاا تبكي علي كل شئ جميل قد عاشته معه ... لتبتسم بمراره بين دموعهاا وهي تتذكر
مبرووك يامدام ، انتي حامل
سقط تلك الخبر علي مسمعهاا ، وهي تنظر بعيناها علي نتيجة التحاليل ، فاليوم قد علمت بخبر أن بداخلهاا جنين منه ينبت في رحمهاا ، تخيلته وهو يطير بها فرحاا ويحملهاا بين ذراعيه ويهمس في أذنيهاا بكلماته التي باتت تعشقهاا ، ويهبط بقدميه ليتحسس ذاك الطفل منه ويضع أذنيه علي بطنهاا ليبتسم لهاا بسعاده ، رسمت احلامهاا ونسجت خيوطهاا وهي تحلم بكل شئ ، لم تشعر بنفسهاا سواا وهي تقف أمام مرئتها وترتدي له احد الملابس التي قد جلبهاا لهاا ، تأملت نفسها بذاك الفستان ذات اللون الفيروزي العاري ، أبتسمت بخجل وهي تتطلع علي نفسهاا في تلك المرئه ، وبدأت تعد له طعام العشاء لتطفئ الانوار ليبقي الضوء الوحيد المضاء هو ضوء الشموع ....
ليدخل هو من باب عيشهم الجميل ، ويتطلع الي المكان بوجه مبتسم ، وتزداد ابتسامته عندما رئهاا تقف أمامه مثل الملاك ، ويالها من ملاك قد سلب قلبه ، ليضمهاا بين أحضانه ويهمس في أذنيهاا .. وحشتيني
ترفع بوجهها خجلا وهي تتأمله ، وتحث لسانهاا ان ينتظر قليلاا حتي ليفضحهاا الان وتكشف له عن تلك المفاجأه : وانت كمان وحشتيني اووي يا أدهم
وتمسك بأحد أيديه ، وبصوت هادئ : أنت أتأخرت كده ليه
أدهم بتنهد : أضطريت اروح الشركه الاول .. ويتطلع لوجههاا : كل الاكل الحلو ده ليا ، أممممم انا جعان بشكل
لتبتسم له بسعاده ، ويجلسون سوياا وهم يتبادلان نظرات الحب بينهم
ادهم بهمس وهويتطلع اليهاا : وليه الشال ده طيب ، علي فكره الفستان هيكون أحلي من غيرهه ، ليزيحه من علي كتفيهاا وهو يبتسم علي خجلهاا هذا
مريم بخجل : انت بتبصلي كده ليه
أدهم بحنان وهو يطعمها بشوكته : يعني الاقي القمر قدامي ومبصلهوش
تطلعت اليه بخجل وهي تشيح بوجهها بعيدا عنه ، لتهمس بصوت هادئ : متسافرش تاني وتسيبناا
ليتطلع لهاا بحنان ، وينحني قليلا بجسدهه : ليقبلهاا علي أحد وجنتيهاا .. ويقول : غصب عني والله ياحببتي ، بس المره الي جايه هتسافري معايا
لتبتسم له بسعاده وهي تقول : قصدك هنسافر معاك
ليتطلع الي وجهها بأستغراب .. لتخرجه هي من دهشته وتقول بصوت هامس وهي تمسك أحد أيديه وتضعهاا علي جنينهاا : انا حامل يا أدهم
لينظر لهاا بنظرات لم تستطع تفسيرهاا أهي نظرات فرح أم دهشه أم ماذا ... لتتطلع الي وجهه ثانية وهي تقول : أنا فرحانه اوي يا ادهم ، عشان ربنا أستجاب لدعائي وهجيب طفل منك
لينهض سريعاا ، تحت أنظارهاا ... ويتتطلع الي معالم وجهها ،ليقول بعد ان اشاح بوجهه بعيدا عنها حتي لا تري ضعف عيناهه.... وهو يقول بصوت صارم : الطفل ده لازم ينزل يامريم سمعاني
لتنهمر دموعهاا ،فهل هي هذه الاحلام التي رسمتهاا وعشتها منذ قليل ، ام هي الفرحه التي قتلهاا بكلمه واحده ، وقفت امامه وهي تهزهه بأحد أيديها وسط دموعهاا وتقول : انت مش أدهم صح ، او الكلام الي سمعته غلط قول اني سمعت غلط يا ادهم
ليمسكها بأحد ايديه بقوه ويقول بصوت حاد : الطفل ده هينزل سامعه ، قولت هينزل وبكره هتعملي العمليه
لتبتعد عنه وسط دموعهاا وهي تقول : انا مش هنزل ابني ، مش هنزل النعمه الي ربنا ايدهاني .. وتابعت بكلامهاا وسط شهقاتها : انا دلوقتي اتأكدت اني فعلا مجرد بيعه وشروه ، وخلاص وقتي انتهي لما صلاحيتي انتهت ، بس انا مش مهم عندي نفسي دلوقتي لتضع يدها علي بطنهاا وهي تقول : سيبني اروح لحالي ، وارجع مملاكتي الصغيره واعيش لوحدي تاني
ليتقدم هو نحوها بجمود : انا الوحيد الي اقرر وقت صلاحيتك انتهي ولا لاء سامعه ، وانا الوحيد الي اقرر فاهمه ، ومش هقرر كلامي تاني بكره هتروحي معايا المستشفي عشان تنزليه
لم تدري بنفسهاا سواا وهي تصرخ فيه وتقول : اتجوزتني ليه مادام مش عايزني اكون ام لأولادك ، اتجوزتني ليه وحرمتني من لحظه اتمنتهاا طول عمري اني افرح لما اكون ام من الانسان الي بحبه ، حبك ليا ده كان كدب صح ، كنت بتكدب عليا زي ماكدبت علياا اول مره كلمتني فيهاا عن مشاعرك ، صح رد
ليطلق هو ضحكاته العاليه وهو يقول : وتفتكري ازاي هحبك ، هاا ازاي هحب الانسانه الي ابوهاا كان سبب في دمار اغلي حد عندي عارفه مين امي ، ليعود بضحكاته وهو يقول : بس تصدقي طلعت ممثل بارع كمان ، لاء والفيلم كمان طلع مظبوط بكل حاجه ، ليقترب منهاا ببرود ويلمس وجههاا ويقول : بكره ياحلوه هرجعك لمملاكتك الزباله تاني ، بس بعد العمليه ، وقبل ان يغادر سجنه الذي صنعه بيديه يلتف اليها ويقول : اوعي تفكري في لحظه انك تهربي سامعه ، عشان بلاش اعرفك مين هو ادهم شوكت .. فزي الشاطره كده تبقي مطيعه للأخر عشان الفيلم قرب يخلص ياحلوه .....
ليتركها وسط دموعهاا ، وكلماته ، فكل مادار حولهاا الان كان مثل الكابوس فكيف والدها الرجل الطيب يتهمه بأنه سبب في تدمير و الدته ، لتغرق هي في وسط دموعهاا ،الي ان نامت منكبه علي الارض وهي تضم جسدها النحيل ، لتستقيظ علي لمسة يدهه التي باتت تكرهها ، لتتطلع اليه بعينيهاا الباكيه ، وهو يسحبهاا من يدهاا ويقول بصوت جامد : 5 دقايق تكوني جاهزه مفهوم ، ليخرج من غرفتهاا ويتركهاا وهي تشعر بالكره من نفسهاا ، فبحبهاا هي قد انتقم منهاا ونجح في تمثيل خطته ، ولكن ماذنب هذا الطفل الذي لا ذنب له مثلهاا تماما ، وما الذنب الذي اقترفه والدها ليكون انتقامه هو فيهاا ...، لم تدري بنفسها سوا وهي تهبط ساجده لخالقها وسط دموعهاا وتقول : يارب وماخاب من قال يارب
لتخرج بعدها له وهي تجر ورئهاا كل كلمات الانكسار التي قد حطم قلبها بها قبل ان يحطمهاا ، لتنظر له بحسره وهي تتابع خطواته وتقول بصوت ضعيف : بس هو مالهوش ذنب ، عاقبني انا بذنب معرفش عنه حاجه
ليتطلع لهاا ساخرا ,ويجذبهاا من يدها ويقول : يلا عشان انا مش فاضي ، وضيعت وقت كبير
وما من دقائق ، كانت تجلس بجوارهه في السياره وهي تتطلع للشوارع وكأنهاا تودعها ، ضمت كفيهاا بين ارجلهاا في خوف وهي تنظر له نظرات رجاء قبل ان تكون عتاب .. ليشيح هو بوجهه ويصرخ في قلبه بأن يصمد حتي لا ينزعه من بين ضلوعه .. لتصل بهم السياره الي المشفي التي اول ما رئتها اشاحت بوجهها وتشبثت في كرسيهاا
ليقول هو بصوته الجامد : يلا يامريم
لتنظر له وكأنها تنادي شخص بداخله كي يعيد لها أدهم الذي احبته ، ليجذبها هو من يدهاا ويحركها خلفه مثل الطفل الصغير ... لتجد نفسهاا داخل تلك المشفي وكأنها ذاهبه الي قبرهاا ، لتتطلع في وجه الناس وكأنها تبحث عن يد تساعدها منه ، لتجدهه يبتسم لذلك الطبيب ويترك يدهاا ليتحدث معه ، وأعينه مازالت عالقه بهااا لتجلس هي علي اقرب مقعد وهي تبحث بداخلهاا عن روحهاا التي تنسحب منها ببطئ
ادهم : حياتها عندي اهم سامع يا أشرف ، انا اخترتك انت عشان واثق فيك
ليبتسم له صديقه وهو يقول : متخافش يا أدهم ، ولا اقولك يا دكتور
ادهم بجمود : خلي بالك منهاا سامع ،ومش هكررتاني اي غلطه ممكن اقفل المستشفي
ليبتسم أشرف بخوف وهو يقول : شكلك بتحبهاا وخايف عليها اووي ، ليقترب من أذنيه وهو يقول ضاحكا : هما رجال الاعمال كده يغلطوا واحنا في الأخر الي بنصلح غلطهم
لتطلع هي الي وجههم ، وهم يخططوا عليها وعلي طفلها في القضاء عليهم.. لتتنهد هي بدموع .. وهي تتطلع الي قدومه ، وكادت ان تنهض هاربه منه وليحدث ما يحدث ، فوجدت احد الممرضات وهي تقول : يلاا يامدام ، عشان تجهزي قبل العمليه
لتتطلع لها بخوف ودموعها تتساقط : دلوقتي
لتنظر لها الممرضه بشفقه وهي تقول : معلشي ياحببتي ، هو انتي كنتي فاكره ايه ، هياخد الي عاوزه ويتجوزك اول ما يعرف انك حامل ، كلهم كده فاكرين بفلوسهم يقدروا يشتروا كل حاجه ، لتتنهد وتقول :يلا بقي هي ساعه وكل حاجه هتخلص وتروحي لحالك
لتجذبهاا الممرضه من يدهاا ، وتلتف هي ناحيته وكأنها لأخر مره تترجاهه ، وتفر من يد الممرضه وتذهب اليه وهي تقول : خليني أمشي من هنا يا أدهم ، متعملش فينا حاجه ، صدقني همشي ومش هتشوفني خالص ، ولو بابا زي ما بتقول كان سبب في تدمير والدتك ..هو دلوقتي بين أيدين ربنا وهو الحاكم الاعظم ، سيبني وانا أوعدك مش هتعرف عننا حاجه ، لتقترب منه وهي تقول : متخليش غضبك ، ينسيك انك بتغضب ربنا ، أنا مش خايفه علي نفسي صدقني ، انا خايفه عليك من ذنب هيفضل في رقبتك طول العمر، بلاش يا أدهم ..
لتتطلع إلى نظرات وجهه وهو يلتف بعيدًا عنها.
تدخل تلك الحجرة وهي لا ترى شيئًا سوى ذاك السواد الذي لأول مرة تبصر عليه.
ليلِتَفَّ هو بين دموعه التي حبسها طوال الوقت، لتفر هاربة على محبوبته التي نسي معها كل شيء، حتى هدفه الأساسي بأن يجعلها تعشقه ثم يرميها كما رمى والدها أمه وتركها بين أوجاعها.
ليتذكر يوم أن رأى مذكرات والدته في مكتب والده.
مذكراتها التي كتبتها بدموعها قبل حبر قلمها، ليرى كلمات قد سطرها الزمن ليحياها من جديد.
"أول مرة شفته فيها حبيته، وإزاي ما أحبهوش وهو أصبح بطلي. مش هنسى لما وقف قدام عزت بكل قوته وبعده عني. عزت آه، عزت اللي حاول كتير يتجوزني بفلوسه وقوته. كنت بنت عادية وبسيطة، أهلي كانوا ميسورين الحال، كان عندنا مزرعة جميلة أوي. عمري ما هنسى ريحة الريحان والياسمين. يا لو الزمن يرجع من تاني، كنت فضلت ليلي الصغيرة، البنت الهادية الجميلة. كنت أول مرة أروح حفلة، كانوا كل الناس بيتكلموا عنها وعن الناس اللي هتحضرها والشاب الوسيم اللي هيكون أمير الحفلة. كنت واقفة مع بابا زي التايهة وسط الضحكات وناس مش متعودة أشوفهم في قريتي البسيطة والجميلة، لحد ما شفت أكتر شخص كرهته في حياتي. بس في نفس الوقت كنت بشفق عليه من نفسه. مش هنكر إني لما عشت معاه حبيت فيه حاجات ما كنتش شايفاها قبل كده. بس للأسف مقدرتش أنسى خيانته ولا السجن اللي كان عايز يحبس فيه أغلى حد عندي ونفوذه اللي استخدمه عشان يخسرنا كل أملاكنا ونبقى تحت طوعه. أما عبدالله كان الإنسان اللي قلبي دق له. برغم محاولات عزت الكتير بس عبدالله هو اللي كان حلمي إني أكمل عمري معاه. شوفت فيه الحنية والطيبة برغم بساطته. بس مكنتش عارفة إن تحت قناع الطيبة إنسان خاين. دابحني بطعنته. مش قادرة أنسى يوم ما جيت أستنجد بيه يتجوزني وأعيش معاه في أي مكان المهم أبعد عن عزت وسيطرته على بابا. لحد دلوقتي صوت أقدامه وهو جاي يخدني لقبري، وهو بيمسك إيدي وبيسلمني لعزت ويقوله: 'متلزمنيش، خدها'. ونظرته ليا وهو بيقولي: 'إنتي طالق'.
ياااا على نظرات عزت وهو بيقولي: 'شوفتي آه باعك؟ آه اللي فضلتيه عليا؟' كان كل كلمة بينطقها كنت بكرهه ودني عشان سمعتها. لحد ما لقيت نفسي بين أحضان راجل وأنا بدور على الإنسان اللي بحبه. بس هو فين؟ هو باعني كمان ليه؟ وسلّمني لسجاني؟ لحد ما جيت انت يا أدهم بدأت أحس بالحياة تاني. بس خايفة لتكون انت كمان عزت التاني وتبقي زي أبوك."
ويتوقف عقله.
على أن يكون نسخة مصغرة لوالده.
ظلت كلمة أمه تتردد في أذنه: "خايفة لتكون انت كمان عزت التاني".
لينهض من على كرسيه ويذهب سريعًا إليها.
نظرت للطبيب بخوف وهو يرتدي كمامته الطبية.
تأملت المكان حولها، وجدته وكأنه يخنقها.
لم تدري بنفسها سوى وهي رافعة نظرها لأعلى بدموعها، إلى أن نامت من أثر الحقنة المخدرة بعد أن قاومت بها جوفها لتظل مستيقظة وتحمي جنينها.
لم تدري بنفسها سوى وهي على الفراش الأبيض، وهو جالس بجانبها يتأملها بخوف.
نظرت إليه، ثم أشاحت بوجهها سريعًا وهي تقول: "مش خلاص عملت اللي عايزه؟ ابعد عني وسيبني في حالي."
لتضع يدها على جنينها وتقول: "ارتحت خلاص لما انتقمت منا؟ اخرج بره حياتي، أنا بكرهك، بكرهك يا أدهم."
ليقترب منها بألم وهو يقول: "ابننا لسه عايش يا مريم. أنا مش إنسان عديم الرحمة، أو ظالم. بس صدقيني لو عشتي لحظة من حياتي هتبقي أسوأ من كده."
مريم: "انت اللي اخترت تكون كده، متلومش على الظروف. عمر اليتيم ما كان فاقد لحنان الأبوة أو الأمومة. بالعكس، بيدي ولاده كل حاجة كان بيتمناها. بيديهم الحنان والحب اللي كان بيتمناه مش الحرمان."
ليتطلع إلى وجهها بجمود وهو يقول: "هستناكي بره. هبعتلك الممرضة تساعدك."
ليخرج ويتركها وسط دموعها.
لتدخل إليها الممرضة مبتسمة وهي تقول: "شكله بيحبك أوي."
لتستمع لكلماتها وهي تتمتم بخفوت: "مبقتش فارقة. الحب بقي مختلط بالكره."
لتخرج له، وهي تراه شاردًا.
لتبتعد بنظرها بعيدًا عنه وتقول: "أنا عايزة أروح بيت أهلي."
ليجذبها إليه ويمسك أحد يديها المرتجفة.
لتبتعد عنه سريعًا وهي تشيح بوجهها.
أدهم بجمود: "الي يريحك."
ليسبقها هو بخطوات بطيئة وتسير هي خلفه.
إلى أن وقفت أمام باب سيارته وهو يفتح لها الباب.
مريم: "أنا عايزة أروح البيت اللي جبتني منه وسيبني في حالي، وأظن إن لعبتك انتهت."
ليبتسم هو ساخرًا ويقول: "لأ، لسا لعبتي منتهتش. وأنا الوحيد اللي أقرر امتى هتنتهي. اتفضلي اركبي."
لتقف مصدومة من وقاحته هذه.
وما من ثوانٍ كان يجذبها داخل سيارته وينطلق بها إلى قصره، إلى عالم ثانٍ ستدخله معه.
لتظل قابعة في السيارة وهي تتأمل المكان الجديد وبصوت باكي: "أنا مش هعيش معاك تاني. انت أكبر كدبة كدبتها على نفسي ومش هسمح لنفسي إني أرجع لها تاني."
ليتطلع لها ببرود وهو يقول بسخرية: "لما تبقي تولدي، ابقي اطلعي من العالم بتاعي وعيشي في عالمك."
لتصرخ في وجهه وهي تقول: "ياااا لدرجة دي كنت مغفلة وأنا متخيلاك بصورة تانية. للأسف أنا السبب في كل اللي بيحصلي. بس صدقني مش هكون مريم الضعيفة تاني ومش هسمحلك تاخد ابني..."
ليضحك هو.
ولأول مرة تكره ضحكته وتشمئز من كل شيء فيه.
ليقول: "برافو. بجد برافو."
ليخرج من سيارته وهو ينده على الخادمة لتخرج معها إلهام مبتسمة: "وحشتني يا بني."
ثم تتابع بنظرها على مريم وتهمس في أذنيه وهي تقول: "مش قولتلك انت مش بتحبها، بس انت بتعشقها. بس هقول إيه، عذبت نفسك وعذبتها ودمرت حياتك بإيدك، وانت دلوقتي اللي هتجني كل ده بنفسك."
ليتنهد هو بأسى ويتطلع إليها بألم ويردف سريعًا إلى مكتبه ليغلق عليه وهو يشعر بالوجع.
فالآن قد جعلها تكرهه بل وتبغضه.
وجعل مريم نسخة مصغرة من أمه.
ليتذكر اليوم الذي اكتشف فيه بأنها هي ابنة الرجل الذي عزم طوال السنين الماضية أن ينتقم منه بأغلى شيء لديه.
ليبتسم بحسرة وهو يتذكر أنه في اليوم الذي قرر أن يعلن زواجهم اكتشف فيه ما كان يبحث عنه.
لتبتسم في وجه زوجها وهي تنفث دخان سجائرها: "يعني البنت اللي كان متجوزها هي بنت الراجل اللي كان بيدور عليه؟"
عزت بسخرية: "البيه كان جاي يحطني قدام الأمر الواقع ويقولي اتجوزت، ما يعرفش إني كنت عارف بجوازه وساكت. بس على آخر الزمن أنا هخلي بنت عبدالله تعيش في فلوسي. لاء وكمان أدهم اللي تتجوزه؟ الا أدهم."
نانسي بضحك: "وتفتكر هيعمل معاها إيه؟"
عزت ببرود: "أكيد هيطلقها ويرميها في الشارع اللي جات منه."
لتنظر في عينيه بخبث وهي تقول: "هو ليه بيكرهك كده يا زيزو؟"
ليتنهد عزت بأسى وهو يقول: "ابني مش بيكرهني يا نانسي، سامعة؟ مفيش ابن بيكره أبوه."
لتبتسم نانسي بخبث: "يا حبيبي متضيقش نفسك."
وتهمس بصوت واطي: "كانت تفرق إيه عني دي؟ عشان يحبها هي ويتجوزها..."
لتتطلع إلى زوجها بسخرية وتعود لتدخن ثانية وهي تبتسم بداخلها وهي تتخيل اليوم الذي ستكون فيه شريك أساسي في الشركة وتصبح معظم ثروته التي جناها بين يديها.
رواية قلوب تائهة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام صادق
الـــفــــصـــل الســابــع عــــشـــر
وقفت تتأمل المكان &; وهي تشعر بأنها ستدخل سجنا أخر من سجون حبه &; حبه هذا هو من جني عليها لتحدث نفسها وتقول : ليتني لم أحبه &; ليتني ما ألتقيت به &;ليتني لم أعش في أحلام أوهامي &; ويالها من أحلام قد عصفت بطفل بريئ منه داخل جسد اصبح بلا روح وكيف تدب الروح فيه ويشعر بالحياه وهو يري كل من حوله يطعن به بأشد الطعنات ....
أقتربت منها ألهام بأشفاق وهي تتأمل ملامحهاا الهادئه ..وقالت لهاا بحبور: نورتي بيتك يامريم
نظرت لهاا مريم بتفحص وهي تقول بداخلهاا : بيتي &; قصدك السجن الي هعيش فيه تاني
ألهام بود: تعالي يلا أدخلي ياحببتي عشان ترتاحي &; صحيح نسيت أعرفك بنفسي &; أنا ألهام مرات ابوه أدهم السابقه &; بس هو زي أبني بالظبط أنا بعتبره كده &; وانتي كمان يامريم زي بنتي
لتتطلع بها مريم قليلا &; فهي لم تري في هذا العالم سوا الأناس الذين خديعة في مظاهرهم &; وعندما أحبتهم كانوا اول من طعنوهاا &; فحتي طيبة القلوب والوجهه تكون أحيانا مخادعه ...
ألهام وهي تعلم ما بداخلهاا : يلا ياحببتي &; متخافيش
دخلت معاهاا بأعين خائفه وجسدا مرتجفاا &; واول ما وضعت قدماها في ذاك القصر &; أحست كأن روحهاا بدأت تنسحب لتسقط منكبة علي الارض مغشيا عليهاا &; ليسمع هو صوت أرتطام شيئا فيخرج سريعاا &; وعندما يراهاا هكذا ينحني سريعا ليحملهاا بين يديه ودموعه تود أن تفر من عينيه علي من أحبهاا قلبه &; فهي فقط من أحبها وشعر بأنها جزء منه مثل الروح تمام
لتتطلع عليه ألهام بأشفاق &; وحسره وهي تتذكر يوم أن أتي اليهاا وعيناهه مليئه بالفرحه وهو يقول لهاا : أنا فعلا بحب مريم يا ألهام &; مش قادر أبعد عنهاا أكتر من كده وأفضل مخبي جوازي منهاا &; وأياد أنا واثق انه محبش مريم بس هو كان معجب بيهاا بس &; ولما هيعرف خبر جوازنا ممكن يزعل شويه بس أنا عارف اخويااا
لتبتسم له هي وتقول : وانت كنت فاكر أن أياد بيحب مريم &; أياد لو كان بيحب مريم فعلا كان وقف قصادك وعمل المستحيل وصمم أنه يتجوزهاا
ادهم بحب وهو يتأمل الفراغ الذي أمامه بأعين سارحه : هتصدقيني لو قولتلك أنا يوم متجوزتهاا مكنش بسبب أن أمنع أياد أنه يحبهاا ويتعلق بيهاا &; ويصمم علي رفضه من شاهي &; أنا كنت ممكن أطردهاا او انقلهاا فرع تاني بس&; ليتنهد بحنين : يوم بجد لما عيني شافتهاا وهي بتحضن الطفله وتبوسهاا &; حسيت ان نفسي أكون مكان الطفله ديه وتضمني &; عارفه مع أن عينيها مكنتش قريبه مني وكان بنا أمتار &; بس حسيت وكأن عنينا مافيش بينهاا سنتي واحد &; ليضحك ساخراا ويقول : وفجأه لقيت نفسي بجمع معلومات عنهاا &; وبتجوزهااا .. بس أنا قسيت عليها كتير ولازم اعوضهاا . ليضحك ثانيه ويقول : مش قسيت اووي يعني يا ألهام لتفهميني غلط
لتضحك ألهام بشده وتضربه علي أحد كتفيه وهي تبتسم بسعاده : تصدق أنا نفسي أشوف مريم ديه الي عملت فيك كل ده
أدهم بضحك : مريم ديه بتاعتي انا وبس ومحدش يشوفها غيري
لتضحك ثانية وتقول : حاسه أن أدهم الطفل رجع تاني
ادهم بأبتسامه : انتي ومريم بس الي بقدر أرجع معاكوا طفل تاني &; بس شكلكم هتبقوا خطر علياا
ألهام بحب : وهتعلن جوازك أمتا بقي
أدهم : قبل ما أسافر ألمانياا
لتبتسم له &; وتعود بذاكرتهاا عندما أتي اليهاا بعد سفره وكأن حاله تغير من حالا الي حال .. لتبتسم بحزن وهي تتنهد بأسي
.................................................. .............
جلس بجانبهاا بترقب &; وأول ما بدئت تفيق &; ابتعد بأعينه عنها حتي لا تري لهفته عليهاا وخوفه بأن يصيبها أي مكروه
لتتطلع هي اليه وتقول بتعب : انا مش عايزه أعيش هناا &; أنا لازم أمشي انا وابني ... ثم تحاول النهوض بتعب
ولكن كلماته الحاده قد اوقفتهاا : مش عارف هفضل اعيد في الكلام لحد امتا &; انا قولت خروج من هنا مافيش خروج &; وبيت اهلك تنسي انك هتروحيه لغير بعد ما تولدي &; لما تولدي هعملك الي انتي عايزاه ... ليضحك بألم : لولا هو كنتي زمانك مرميه في الشارع &; زي ما ابوكي رمي امي سامعه .. بس حظك جيه هو ونجدك
لتقول هي بين دموعهاا : طب ليه كدبت علياا بحبك &; ليه خلتني أعيش في سابع سما &; وبعدين رمتني لسابع أرض &; ليه ها ليه &; خدعتني &; كنت ممكن تفضل تزليني &; تخليني خدامه &; تحبسني &; تعاقبني بأي حاجه &; بس للاسف دمرتني &; موت فياا كل حاجه جميله &; استغليت حبي ليك عشان تمثل عليا الدور كويس &; ثم قالت ساخره : اكيد كانت من خططك انك ترميني شويه زي الحشره&; وبعدين تمثل عليا دور العاشق &; وبعدين ترميني وهكذا لحد ما تحس انك أستمتعت في عقابي
ليقترب هو منهاا ويحتضنهاا ويبكي بين ذراعيهاا بصمت &; ولكن سريعاا أنتبه لضعفه &; وخرج من غرفتهاا
ليقول بحسره : انا بعاقب نفسي قبل ما بعاقبك يامريم &; للاسف ...
.................................................. .............
جلس ينتظرهاا في غرفة الكشف &; وبعد أنتهت من الفحص
جائت اليه وهي مبتسمه &; ومعاهاا صورة لطفلهم وهو في رحمهاا ... ليبتسم لهاا ويمسك يدهاا بحنان
وبعد أن أوصتهم الطبيبه ببعض التعليمات &; خرجوا سوياا
كان يتأملهاا ولاول مره يري شاهي الضعيفه &; وليس تلك المتعجرفه &; مثلما كان يظن فبقربه منها أكتشف فيهاا كل شئ كان يبحث عنه &; لتتطلع هي له بأعين تملئها السعاده وتقول : شوفت أبننا يا أياد
أياد بضحك : أه شوفت ياحببتي &; جميل خالص
شاهي بزعل مصطنع : أخص عليك بتتريق عليا
أياد بضحك : أنا &; لا يمكن &; اطلاقا
لتضحك علي مزحته &; وتتشبث بيدهه وهي تقول : تفتكر أحنا ليه رجعنا لبعض &; ورجعنا نبني حياتنا تاني
اياد بتنهد : تفتكري ليه
شاهي : مش عارفه &; بس عارف احنا كنا فعلا محتاجين فتره نبعد فيهاعن كل الي حواليناا &; عشان نعرف ندور علي نفسنا كويس
أياد بأبتسامه : لتاني مره هقولهالك ياشاهي انتي مسامحاني
لتضع هي يدها علي فمه وتقول : وانا قولتلك متسألنيش تاني &; عشان خلاص قفلت الصفحه القديمه عشان ابدء صفحه جديده بشاهي جديده مع اياد
لتسرح قليلا بخيالها وهي تقول : عارف نفسي بجد &; نربي ابننا بالطريقه الي أتمنينا أهلنا يربونا بيها &; مش عايزه حبنا للمظاهر والفلوس والحفلات &; ينسينا مهمتنا الاساسيه &; ثم ألتفت اليه لتنظر الي معالم وجهه
شاهي : بتبصلي كده ليه
أياد بأستغراب : أصلي مستغرب اوي طريقة كلامك
لتضحك هي وتقول : عشان دايما عارفني شاهي المدلعه &; الي كل همها بس اللبس والموضه والسهر &; لتتنهد قليلاا وتقول : عارف يا أياد &; زمان وانا صغيره تقريبا كان عمري 9 سنين &; كان عندنا حارس الفيله عايش هو ومراته وولاده &; ك&;نت ساعات كتير أحب ألعب مع ولاده &; كنت أهرب من عمتو واروح لأوضتهم الصغيره في الجنينه والعب معاهم &; مع أنهم كانوا عايشين في مكان صغير اووي بس كنت بحس بحاجه غريبه اووي وسطهم &; كانت لما مامتهم تنتهي من شغل الفيلا عندنا &; واول ما ترجعلهم كانوا &; يقوموا يجروا عليهاا ويحضنوهاا اووي &; ويحاوطوهاا ويفضلوا يحكولها عن يومهم في المدرسه &; عارف لما حد فيهم كان بينجح كانت تعملهم كيكه حلوه وصغيره وتكافئهم بيهاا &; لتضحك هي بعفويه وتقول : كنت في العيد أجي اوريهم اللعب الي بابا وعمتو أشتروهالي &; كنت اروحلهم وانا جواياا ان انا معايا أكيد حاجات أحسن منهم تفرحني أكتر منهم &; كنت الاقي كل واحد بيوطي يبوس أيد باباه وبياخد لعبته البسيطه .. انا فاكره كان حصان وعروسه &; وهما يخدوهاا ويفرحوا ويجروا عليا ويقولولي تعالي ألعبي معانا &; لتلتف اليه بحسره وتقول : كنت اروح عشان أغيظهم &; وهما ياخدوني العب معاهم &; ويأكلوني اكلهم البسيط وهما مبسوطين ... لتلتف اليه ثانية وتنظر الي وجهه وتقول : بس للاسف سابوا الفيله ومشيوا &; ونسيت كل الحاجات الجميله الي كنت بشوفها فيهم &; وبقيت أشوف عمتو بتعمل أيه وبقيت بتعامل مع الناس زيها &; عارف انا فاكره مره جيت أسال عمتو وقولهاا أشمعنا رنا بنت الحارس لبست طرحه وانا لاء &; عارف ردت عليا قالتلي ايه : قالتلي ياشاهي انتي لسا صغيره &; وأخدتني من أيدي وجبتلي فستان قصير &; وقالتلي شوفي انتي شكلك حلو ازاي &; فضلت أبص علي نفسي وبعدين جريت علي مي أغيظها بفستاني &; واني أحلي منهاا
لقيتها بتبتسم وتقولي فستانك حلو اووي ياشاهي &; بس انا احلي بفستاني عند ربنا &; فضلت اضحك وقولهاا وبصي شعري حلو أزاي &; هو في حد بيلبس فستان من غير صندل بكعب&; ومن غير ما رجله تبان ولا أيده ولا عامل شعره تسريحه حلوه ... &; بصتلي جامد وقالتلي : برضوه انا احلي عند ربنا .... لتتنهد قليلاا وتقول : هي فعلا كانت أحلي عند ربنا صح يا أياد
ليبتسم لها أياد بحب ويحتضنهاا وهو يقول : وانتي كمان زيهاا أحسن عند ربنا
شاهي بحزن : كان نفسي ألاقي حد يوجهني &; صدقني مكنتش هبقي كده
أياد بحب : مادام أحنا مع بعض هنكون أحسن &; وهنربي ولادنا زي ماكنا بنتمني أن أهلنا يربونا
لتبتسم هي له وتقول : مش هتحكيلي بقي عن مريم
ليبتسم هو ويقول : لازم يعني
شاهي بطفوله : ما أنا حكتلك عن مي ومصطفي
ليلتف هو اليها ويقول : نعم مين مصطفي ده
شاهي بضحك : اخوه مي يا حبيبي
أياد بجديه مصطنعه : لاء تصدقي مكنتيش قايله عليه &; وكمان ياهانم كنتي بتلعبي مع ولاد
لتضحك هي وتقول : يعني نسيت كل الشباب الي عرفتهم وصاحبتهم &; وجت علي رامي .. لتتطلع اليها بحده مصطنعه وتقول : وكمان ما انت ماشاء الله مكنتش عاتق &; ها أفكرك ولاا
ليضحك هو ويقول : تعالي نروح بيتنا ياحببتي أحسن &; بتنا اولا بينا
لينهضوا سوياا من علي تلك المقعد &; ويمسك يدهاا بحب ليذهبوا الي بيتهم الصغير الذي أستأجروه ليعيشوا فيه مؤقتا
.................................................. ................
لينظر له أحمد بدهشه &; وهو ينهض من علي كرسيه
مش معقول &; اتجوزت مريم &; ومن أمتا من 3 شهور
ليتنهد قليلاا ويقول : طيب ليه عشان تبعدها عن أياد &; هو أياد اصلا حبها ولا قرب منها &; ده مجرد أعجاب &; يعني انا مثلا لو قولتلك اني كنت معجب بشخصيتهاا &; تفتكرني بحبهاا &; مش معقول يا أدهم
أدهم بجمود : خلصت خلاص يا أحمد &; المهم عايزك تشوف دلوقتي موضوع بيتها الي عمها بيقول ان أبوها بعهوله لما كان مريض &; عايزك تتابع الموضوع ده مع المحامي
أحمد بسخريه : ومتبعيش الموضوع ده ليه معاه انت &; مش عم مراتك برضوه
أدهم بتنهد: مش عايز أبقي في الصوره &; الراجل ده انا عارفه أستغلالي &; عشان كده مش عايز ابقي في الصوره &; حاول تكون أنت مشتري للبيت وتعرف فعلاا الكلام الي بيقوله ده صح ولا لاء
أحمد : طب وبعدين
أدهم : مع أني شاكك في موضوع ان والدها يكون باع البيت &; واشمعنا دلوقتي عايز يرجع بيته وياخده
أحمد : أمممممممم &; قصدك انه يمكن يكون زور الورق &; بس علي فكره هو في حقه الشرعي ليه نصيب في بيت مريم &; لانه عمها ومن حقه يورث
أدهم بتنهد : في الحاله ديه انا هشتري نصيبه &; واكتبه بأسم مريم
احمد بتنهد : طب لو البيت فعلا ملكه هو بس
ادهم : برضوه هشتريه &; لان في ذكريات مريم مع اهلهاا
احمد : وانا طبعا هكون المشتري صح
ادهم : بالظبط كده
احمد : أممممممممم &; اياد عرف بجوازك بمريم
ادهم :لسا &; بس اكيد لما هيرجع هيعرف &; مريم بقيت مراتي قدام ربنا وكل الناس
احمد بأسف : طب دلوقتي هتعمل ايه لما عرفت &; انها بنت الراجل الي كنت بدور عليه طول عمرك
ادهم بتنهد : تصدق لو قولتلك مش عارف
ليتنهد احمد ضاحكا &; ولا هتقدر تعمل حاجه &; لان ببساطه محدش بيقدر يأذي روحه
ليتنهد ادهم وهو يقول بصوت هامس : فعلا محدش بيقدر يأذي روحه &; ومريم بقيت روحي دلوقتي هي وابني
.................................................. ...............
جلست بجانبهاا وهي تضع الطعام جانبا &; وبصوت حنون : ليه مش راضيه تاكلي يامريم
مريم بشرود : مش عايزه أكل من حاجه هو الي جايبهاا &; عشان بعدين يعايرني بالفلوس الي صرفهاا عليا ثم تابعت بالحديث بألم ويذليني بفلوسه
الهام بأسف : بس أدهم مش كده ولا عمره هيكون كده
لتتنهد بشرود: للأسف أدهم &; موت حاجات كتير حلوه جوايه كنت ديما بفتكرهاله لما ساعات كان بيأسي علياا &; بس خلاص كل حاجه ماتت جوايه &; أدهم هدم صورته جوايه وشككني في أقرب الناس ليا
ألهام بتنهد : طب كلي ياحببتي &; أنتي حامل ومينفعش متاكليش
لتشيح هي بوجهها وبصوت باكي : انا والي في بطني منفرقش معاه في حاجه &; هو بيتمني يخلص مننا النهارده قبل بكره &; لتتذكر ماكان سيفعلوه بهم لينزل تلك الجنين .. وتبتسم بسخريه بين دموعهاا
نظرت لها إلهام بتنهد &; وغادرت الغرفه تاركه لها الطعام بجانبهاا ... لتمسك بهاتفهاا وتطمئنه عليهاا كما طلب منهاا
ليأتي صوت ألهام وهي تقص عليه رفضهاا للطعام منذ ليلة أمس &; ليتنهد هو بأسي &; راميا بهاتفه بعنف علي مكتبه &; ليبدء في التدخين بعد أن تركه منذ سنوات ...
.................................................. ...............
أبتسم لها عندما وجدهاا أمام عيناهه&; ليتطلع لهاا في سخريه وهو يقول &; اهلاا نانسي هانم
لتبتسم له بحبور وهي تقول : ميرسي يا أدهم &; سوري أدهم باشا
أدهم بهدوء وهو يقترب منها : تفتكري لما راجل متجوز محترم يعرف ان الست الي متجوزها كانت بتعشق أبنه &; وبعد ما تلاقي كل محاولاتها فاشلت &; تلف علي والده وترسم عليه الحب عشان تتجوزه &; تفتكري ديه بقي نسميها ايه ..... لينظر لها بحده ويقول : أتجوزتي عزت باشا وقولت مش مهم مجرد وقت وهيزهق &; وسكت علي فضايحك &; ليتطلع لها بنظرات صائبه اربكتها : حتي خيانتك ومقابلاتك الكتير سكت برضوه &; وعشيقك اه قصد حبيبك الأولاني الي أتخليتي عنه بسبب الفلوس .. ليتنهد قليلا ويقول : وقولت برضوه ماليش دعوه &; بس تيجي عند حياتي انا ومراتي وهنا بقي هنوقف شويه &; ليقذف لها بأحد المجلات ويقول : اقرالك الخبر ولا تحبي تقريه بنفسك
ليتطلع الي المجله ساخرا : السكرتيره التي تقترب من الاخ الاصغر&; وبعد زواجه ترمي شباكهاا علي الاخ الاكبر لتقعه في حبها وتصبح عشيقته السريه &; الي ان تجعله يرغب في الزواج منهاا ....
ليبتسم لها بسخريه : لاء هايل بجد يا مدام نانسي &; وياتري عزت باشا مشترك معاكي في الكلام ده ولا هو الي بيخططلك و انتي بتنفذيله
كانت تستمع لحديثه بصمت &; الي انا قال بصوت حاد : مراتي وعندها خط احمر فاهمه ...
لتبتسم نانسي ساخره وهي تقول : وليه كنتوا متجوزين في السر &; ايه خايف ولا هي فعلا كانت عشيقتك &; اه ياحرام العشيقه الي اكتشف بعد زواجه منها انها أبنة من كان يريد الانتقام منه &; تصدق كان هيبقي منشط هايل في المجله كمان بجد قصة حب مؤثره
ليجلس امامهاا ببرود &; وهو يضع ساقا علي ساق ويبدء في أشعال دخان سيجارته &; ليقترب بأنفاسه منهاا &; لتشيح هي بوجهها عنه ... وبصوت ساخر : برافو اتعلمتي حاجات كتير من عزت باشا &; بس باين عليكي انك نسيتي عرضك علياا افكرك ولا انتي هتفتكريه كويس
لينظر لها ساخراا وهو يقول : انا مستعده اكون عشيقتك &; ومن غير اي مقابل .. ليصفق لهاا وهو ينظر لها بشمئزاز ويقول : بلاش تظهري الشريفه العفيفه &; وتتهمي غيرك بأنهم زيك
لتصرخ هي في وجهه .. وبصوت اشبه بالصراخ : وانت نسيت قربك مني زمان &; ولا رحله شرم
ليتطلع لهاا ساخرا : انتي بتضحكي عليا ولا علي نفسك يانانسي &; ليتذكر هو ساخرا : انتي كنتي مخططه انك توقعيني &; وندي مخططه انها توقع احمد &; بس ندي طلعت اشطر منك واقدرت تفوز بيه بس للاسف الطمع بقي &; ولما فكرت تاخد هي الي عينك عليه &; طبعا انتي قلبتي كل حاجه عليهاا &; وفضحتيها قدام احمد .. ليبتسم هو ويقول : ها افكرك يو ماجيتيلي عشان تكشفيلي ندي علي حقيقتها &; كنتي بتحاولي تباني قدامي صورة الملاك الي كان مخدوع &; ليضحك ساخرا ويقول : بس كنتي ممثله هايله &; واه في الاخر فوزتي بعزت باشا ...
لتقف هي بجمود وتقول بغضب : بكره هنشوف مين الي هيضحك يا أدهم
ليبتسم هو ... وينهض ليقف امامهاا وبصوت صارم : نورتي الشركه يا مدام نانسي
لتتطلع له بحده وهي تقول : اكيد &; واكيد هنورها علطول وبكره تشوف
.................................................. ............
وكما أعتادت منذ أن أتت من يومين &; جلست حبيسة في غرفتهاا لا تخرج منها &; ودموعها مازالت وحدهاا هي من تعبر عن ذاك الخنجر الذي ذبحها هو به &; لتبتسم هي بسخريه وكأنها تحدث قلبهاا وتقول بصوت باكي : الطعنه مجتلكش غير من الي حبيته &; ولسا بتدافع عنه وبتحبه ... فعلا انت غبي
لتمسح دموعهاا بسرعه &; وتغطي جسدهاا بذلك الوشاح &; بعد ان سمعت صوت طرقاته علي باب غرفتها &; ليدخل هو &; وهو يعلم تماما بأنها تتظاهر بالنوم &; ليقترب منهاا ويجلس بجانبها ويبدء بلمس خصلات شعرها بحنان &; ليقول بصوت هامس : عارف انك مش نايمه يامريم &; قومي يلا عشان تاكلي &; ليظل يحادثهاا دون ان تلتف اليه &; لينهضها من علي الفراش &; لتصبح امامه &; ليترك لعينيه العنان ليتأملها ويري دموعهاا التي كان هو السبب فيها ووجهها الشاحب &; ليمد اصابعه علي وجهها بحنان ويبدء في مسح دموعهاا .. لتبتعد هي عنه نافره وبصوت ساخر : اول مره اشوف الجلاد بيمسح دموع سجينه &; ياتري ديه رحمه ولا شفقه &; لتبتسم بسخريه وهي تقول بين دموعها : زمان كنت بفتكر أن ده ممكن يكون حب &; بس زمان خلاص انتهي
ليجذبها هو الي أحضانه &; وهو يشعر بأنه يود ان يبكي بينا ذراعيها &; ولكن سرعان ما يبتعد عنهاا &; وينهض من علي الفراش....... وقبل ان يغادر غرفتها
5 دقايق&; الاقيكي تحت عشان تتعشي معانا &; ليتركهاا وسط افكارها المشتته &; ليظل العقل ينفرهه .. والقلب يبحث عن شئ ليجعل لصاحبه عذراا&; ويصبحوا كلاهماا مثل القاضي والمتهم
&;
رواية قلوب تائهة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سهام صادق
وضعت يدها بحنان علي أحد أرجله. وكما أعتاد منها، نظرت له بحب، ولكن أول مرة يرى تلك النظرة مختلطة بالعتاب.
ليبتسم هو. وبعد ثوانٍ، كان يلتف خلفه قليلاً ليُتأكد من صوت أقدامها وهي آتية خلفه. لتبتسم لها إلهام بحب، لتقول بصوت هادئ:
"تعالي يا مريم يا حبيبتي. أخيراً قرر القمر ينزل من أوضته عشان يقعد معانا."
لتنظر لها وهي مبتسمة، وتخونها أعينها لتتطلع إليه وهو ماثل أمامها في صمت.
إلهام: "أنا خليت الخدم يعملوا كل الأكل اللي اتوقعت إنك بتحبيه. تعالي بقي شوفي توقعي في محله ولا."
مريم بضعف: "بس أنا ماليش نفس."
ليضغط هو على شوكته بغضب، ليتمالك نفسه قبل أن يجذبها إلى أحد المرايات ويجعلها تتطلع إلى وجهها الذي أصبح شاحبًا وكأن الدماء تجمدت وتحول لونها إلى الأصفر.
إلهام بزعل: "كده يا مريم؟ ده أنا قولت خلاص هلاقي حد يفتح نفسي."
وبعد إلحاح طويل من إلهام، جلست على يمينه مقابلة لمقعد إلهام، لتهرب بنظراتها ناحيته وهي تراه يأكل في صمت.
لتتطلع إليها إلهام بحب، وتضع أمامها الطعام وبصوت حانٍ:
"أنا عايزة الأكل ده كله يخلص."
لتبتسم لها مريم بحب، فهي أصبحت تشعر بالارتياح مع تلك المرأة، فكم كانت تذكرها بأمها كثيرًا.
إلهام: "ها، أنا قولت إيه؟"
بدأت مريم في تناول طعامها، وهي تفكر في القرار الذي اتخذته حتى يمر شهور بقائها في هذا البيت بدون اضطراب أو مشاجرات، أو دموع قد أتعبتها وأرهقتها كثيرًا، فهي أصبحت تكره تلك الدموع التي لم تشعرها يومًا سوى بضعفها.
وبعد دقائق من التفكير، كانت تنهض سريعًا لتفرغ تلك اللقيمات القليلة التي دخلت معدتها.
ليتطلع لها، وكاد أن يضعف وينهض خلفها، ولكنه ظل قابعًا بعقله وليس بقلبه الذي فر معها.
إلهام بهدوء: "متقلقش. ده أمر طبيعي عشان لسه في الشهور الأولى. أنا بكرة إن شاء الله هاخدها للطبيبة اللي حجزت لها عندها عشان المتابعة."
ليبتسم لها، ويسمع صوتها وهي تعتذر منهم، واضعة بيدها الصغيرة على بطنها بتعب.
إلهام بحب: "تعالي يا حبيبتي استريحي. أنا هخلي سمر تجيب لك كوباية اللبن حالًا عشان تعوضي الأكل، وبكرة إن شاء الله هنروح للدكتورة سوا."
لتتأملها مريم بتعب، وهي تهز رأسها. وبعد لحظات من صمته قال:
"أنا داخل المكتب."
لتلتف إليه إلهام:
"ماشي يا حبيبي."
ثم تعاود النظر إلى مريم وتقول:
"تعالي نقعد في الصالون لغاية لما سمر تجيب لك اللبن وندردش سوا."
مريم بود: "هو أنا ممكن أدخل المكتب؟ يعني لو مش هيضايقك."
لتضحك إلهام:
"يا حبيبتي، ده بيتك انتي قبل ما يكون بيتي. أوعي تستأذني تاني مرة. روحي لجوزك، ربنا يصلحلكم الحال."
لتنظر لها مريم مبتسمة، وهي شارده في رد فعله عندما تخبره بأنها تريد أن تبحث عن وظيفة.
***
وفي وسط حديثهم، أمسكت أحد يديه ووضعتها على بطنها التي بدأت في الظهور وبصوت هادئ قالت:
"ده بدأ يتحرك يا أياد شوف."
أياد بحب: "إمتى المفعوص ده ييجي بقى."
شاهي بسعادة: "عارف إن المفعوص اللي بتتكلم عليه ده هو سبب سعادتنا ديه."
أياد بشرود وهو يتذكر ذلك الرجل الذي رأه يبكي.
فلاش باك!!
وكما اعتاد، عندما يشعر بالضيق يذهب سريعا إلى ذلك المكان البغيض ليلقي بنفسه بين تلك الكؤوس ليشرب منها حتى يصبح عقله لا يشعر بشيء.
جلس شارداً. وبعد أول كأس قد شربه غادر المكان سريعًا وبدأ يسير في الشوارع وهو شارد... حتى تعب من السير ليجلس على أحد المقاعد ويضع رأسه بين كفيه وكأنه يريد أن يوقف تلك الأفكار التي باتت ترهقه حتى لو قليلا، ليسمع صوت بكاء أحدهم.
ليلتفت إلى ذلك الصوت. فقد كان رجلاً يبدو من هيئته بأنه من تلك الطبقة التي ينتمي لها.
أياد بأرتباك: "لو محتاج حاجة ممكن أقدر أساعدك."
ليتطلع له الرجل بين دموعه، ويشيح بوجهه بعيدًا عنه.
كاد أن يتركه ويذهب، فمن المؤكد أن يكون قد خسر أحد صفقاته، أو خانه أحد أصدقائه، أو مات أحد عزيز عليه، فأراد أن يتركه ويرحل، بعد أن راودته هذه الأفكار.
ليسمع صوته بين الدموع وهو يقول:
"ليه؟ هما؟ ليه؟ ياريتني أنا؟"
ويصرخ بصوت عالٍ وهو يقول:
"لــــــــــيــــــــــه؟"
أياد بخوف: "شكلك تعبان تعال أروحك."
لينفر منه الرجل الذي يبدو أنه في منتصف الثلاثين:
"أنا بكره الريحة دي. أنا بكره نفسي عشان السبب. ابعد عني."
ليعود بنظره له ثانية وبين دموعه:
"كانت كل حياتي شرب وسهر، وفسح، وستات. نسيت نفسي وابني ومراتي في عالم فاني. متعلمتش من الدرس ولا سمعت نصيحة مراتي قبل ما تموت."
ومن بين دموعه تذكر جملتها الأخيرة وهي تقول:
"اتقي الله في أهل بيتك، وفي صحتك وفي ابنك عشان ربنا يحفظ لك عليهم."
ليضحك بأسى:
"بس تقول لمين؟ دي كانت بتقول لشيطان..."
كان ينظر له بأعين تائهة، وهو يجمع كلمات هذا الرجل في عقله. ليقترب منه الرجل ويمسكه من أحد ذراعيه ليهزه في عنف:
"ألحق نفسك قبل ما ييجي يوم اللي تندم فيه، بس بعد ما تخسر كل حاجة في حياتك."
أياد بشرود: "أنا مش فاهم حاجة."
الرجل بحزن وكأنه يريد أن يخرج كل ما بداخله لشخص غريب لن يراه ثانية:
"قضيت حياتي كلها وأنا شايف نفسي، إني لازم أستمتع بكل حاجة. باسمي ومركز أهلي. عشت حياتي زي ما بيقوله بالطول والعرض. ومع إن أبويا كان راجل تقي، بس أنا طلعت فاسد. حب أنه يجوزني يمكن حالي يتعدل، بس للأسف كان شيطاني خلاص بقى مسيطر عليا. جوزني إنسانة كانت أطهر وأحلى حاجة مرت في حياتي. كانت كل ما تيجي تنصحني، كأنها بتشتمني. كنت أعاندها. ليتطلع له باكيًا: ربنا رحمها من عذابي وريحها مني. وسبتلي أمانة للأسف فضلت تقولي وهي بتموت: حافظ على ابننا... وكأنها كانت حاسة إن الأمانة هترجع لها تاني بس كانت بتكلم صنم للأسف..."
ليصرخ باكيًا:
"بس أنا ما حفظتش عليه."
ليتذكر يوم عاد من إحدى سهراته شاربًا. وعندما سمع صوت بكاء طفله في حجرة. من ذاك الألم الذي كلما جاء إليه ندهه إلى مربيته لتسكته ولم يفكر يومًا بأنه مريض يتألم. فهو لا يفكر سوى بسهراته وحياته فقط... لينصدم من الخبر الذي وقع عليه من أباه وهو يقول:
"ابنك عنده سرطان في المخ، ولازم يعمل العملية في أسرع وقت ولازم يسافر يعملها بره البلد."
ليعود بذاكرته وهو يتذكر الطبيب وهو يقول له:
"للأسف العملية منجحتش."
ليزيح الطبيب كمامته الطبية ويذهب ليتركه هو بقلب وأعين تائهة قد أفاقت ولكن بعد...
أفاق من شروده، وهو ما يزال يتحسس بطن زوجته، ليبتسم لها ويضمها إلى صدره بحنان.
شاهي بفرح:
"قول لابنك يبطل لعب بقى."
أياد بضحك:
"بطل يا حبيبي تتعب ماما. لتاكلنا."
لتضحك هي، وتقف أمام مرآتها وهي تتطلع إلى جسدها الذي زاد بسبب الحمل:
"ده أنا بقيت شبه الفيل. يعني شاهي اللي كانت ديما محافظة على رشاقتها بقت كده."
أياد بضحك وهو يحتضنها من الخلف:
"كله عشان خاطر المفعوص الصغير."
لتتطلع هي بسعادة على منظرها هذا وهو يحتضنها، وكأن جميع الذكريات السيئة قد مسحتها الأيام لتمنحها تلك السعادة وذلك الرجل وتلك الإنسانة بتلك الوجهة الجميلة.
***
وبعد صمت طويل، تطلعت إلى عينيه، التي كادت أن تفتك بها.
أدهم بهدوء وهو يعتدل من جلسته:
"وياترى فكرتي كويس قبل ما تعرضي عليا فكرتك دي؟ إن أنا كنت هأوافق؟ طلبك مرفوض يا هانم، واتفضلي على أوضتك."
مريم بحدة:
"يبقى خلاص أنا همشي من البيت ده."
أدهم بعصبية:
"قلت لك قبل كده أنا كنت ممكن أرميكي زي ما أبوكي رمى أمي، بس للأسف الطفل اللي جواكي هو اللي مانعني من كده."
مريم:
"ما انت كده كده كنت هتموته، ومكنتش عايزة. إشمعنى دلوقتي بقيت عايز؟"
أدهم ببرود:
"معلشي أصل أنا شخص عندي انقسام في الشخصية."
مريم بغيظ:
"أنا بكرة هخرج أدور على شغل..."
وكادت أن تنهض ولكن أوقفها بيديه التي أحاطت ذراعيها، وبصوت حاد:
"ومين قال لك إنك هتخرجي، أو حد هيسمح لك إنك تخرجي."
مريم بألم، وهي تدفعه بعيدًا عنها:
"سيب إيدي. حرام عليك. انت أكيد مش إنسان ولا عندك رحمة. أنا مش جارية عندك اشتريتها وملكته. أنا إنسانة. حرام عليك. ولو فعلاً بابا ظلم مامتك، فأنت بتكرر نفس اللي عمله. متفتكرش إني في يوم هقدر أسامحك لما تكتشف الحقيقة وتعرف إن بابا مظلوم، لأني واثقة في الراجل الطيب اللي رباني، وتعب وشقي عشان يربيني ويعلمني."
أدهم بسخرية وهو يخرج تلك المذكرة وبصوت عالٍ:
"تحبي أقرأ لك والدك عمل إيه ها؟"
لتلتقط هي منه تلك المذكرة وتجلس تقرأ تلك السطور التي توقفت عندها. ومن بين دموعها تقول:
"هو بابا كان متجوز مامتك؟"
أدهم بتنهد:
"أيوة. كان جوزها الأولاني. جواز مادامش غير يومين وبعدين رماها."
مريم:
"ومرمتنيش ليه؟ بعد ما تجوزتني بيومين."
أدهم بجمود:
"للأسف الحقيقة اللي متعرفيهاش، إني مكنتش أعرف أصلاً إنك بنته."
مريم:
"طب اتجوزتني ليه؟ ليه مادام انت مكنتش تعرف إني بنت الراجل اللي كنت ناوي تنتقم مني؟ كنت عايز تقضي معايا وقت لطيف؟"
لتعود بذاكرتها:
"طيب معاملتك ليه في الأول كنت ليه بترمييني زي الحشرة؟ لغاية لما تفتكر إنك رامييني في بيتك وتيجي تطمن عليا دقيقة وتمشي ليه؟ أنا مبقتش فاهمة حاجة."
أدهم بتنهد:
"مش عارف."
مريم بسخرية:
"بقي أدهم باشا مش عارف؟"
لتتطلع له بسخرية:
"ياريتني كنت مت قبل ما أحبك. بس للأسف لسه لحد دلوقتي عايشة ومتجوزاك."
لتضع يدها على جنينها، وتنظر إلى عينيه... وبعد لحظات كانت تخرج من غرفة مكتبه وهي تائه وكأن وجودها بقربه لا يزيدها سوى شعورها بأنها في عالم أصبحت لا تفهم فيه شيئًا حتى البشر.
جلست تلعب بأصابعها وهي تنظر إلى خاتم خطبتها الذي ترتديه. تذكرت اللحظات البسيطة التي جمعتهم سويا بعد خطبتهم التي لم تصدق حتى الآن كيف ومتى حدثت. إلى أن رن هاتفها ليخرجها من شرودها هذا.
وكما اعتادت منه منذ خطبتهم، أن يسألها عن صحتها وصحة والديها، ليغلق معها بعد أن اطمئن عليها.
لتغلق هاتفها بتنهيدة وتدخل عليها والدتها.
كريمة: سرحانة في إيه يا هبة؟
هبة: ابدا يا ماما، بس زهقت أوى عايزة أرجع الشغل تاني.
كريمة: ياحبيبتي، حد يلاقي الراحة وميرتحش؟ وكمان ده مش قرارك انتي وخطيبك.
هبة: أيوه.
كريمة: طيب خلاص إيه بقى اللي مخليكي مضايقة وسرحانة؟ هو أحمد مكلمكيش ولا إيه؟
هبة: لأ كلمني، وبيسلم عليكوا.
كريمة: يسلم من كل شر، وأفرح بيكم قريب يارب.
لتبتسم هبة بشرود وهي لا تعلم لماذا يعاملها وكأنه مغصوب على خطبتها.
***
وبعد أن قصت له كل شيء حدث، كانت صوت ضحكاته هي فقط من تزداد. ليتنهد بتعب وهو يقول: "بقي أدهم عمل فيكي كده؟" ليتحول وجهه إلى كتلة من الغضب وهو يقول: "أنا ما صدقت خلصت من أبوها زمان، تيجي هي وتبقي مرات ابني وكمان بيحبها."
نانسي: بيحبها بس، أنا تقريبا كنت فاقدة الأمل إن أدهم ابنك يحب زينا عادي، بس دلوقتي هههههه خلاص.
عزت: مجرد وقت واكيد هيمل منها، أنا عارف ابني.
نانسي: مفتكرش، شكلك بتقنع نفسك يازيزو.
عزت: بس أنا هعرف أقتل الحب اللي جواه ده إزاي.
لتضحك هي بسخرية وتعتدل من جلستها لتقترب منه: "فين بقى الأسهم اللي قولتلي هتكتبهم باسمي؟"
ليتطلع إليها قليلا وهو يتأمل قربها هذا، ليجذبها إليه ويهم في تقبيلها، لتضحك هي وينتهضا سويا لغرفتهما.
***
وبعد وقت طويل، قضته في البحث عن عمل، جلست على أحد الأرائك وبدأت تشعر بالتعب. تذكرت منذ أكثر من سنة جلست في نفس المكان بعد أن فقدت الأمل لتحصل على وظيفة، إلى أن عملت في ذلك المطعم، وياليتها قد بقيت فيه، لم يكن حدث لها ما حدث وتذهب إلى تلك الشركة التي ألقت بمصيرها هذا. وما من لحظات قضتها بين ذكرياتها حتى نهضت بتعب وذهبت لتكمل بحثها عن عمل.
أما هو، كان ينهر الحارس وسائقه بصوت عال.
لتأتي إلهام من خلفه: "يا أدهم طب هما ذنبهم إيه؟"
أدهم: الهانم خرجت من الصبح ولحد دلوقتي مرجعتش، والأساتذة كانوا قاعدين محدش ليه فيهم. اتصل أول ماشافها خارجة.
ليأتي الحارس إليه وبصوت هادئ: "يا فندم، صدقني أنا حاولت كتير أمنعها بس الهانم مردتش عليا وهددتني بطردي."
إلهام: خلاص يا أدهم هي زمانها جاية متقلقش.
وما من دقائق، حتى ظهرت أمامه بوجه متعب، ليتطلع إليها بضيق وهو يحاول أن يهدئ من غضبه حتى لا يصبه عليها.
إلهام: كنتي فين يامريم؟ قلقتينا عليكي وتليفونك كمان كان مقفول.
مريم: كنت بدور على شغل.
لم يفكر لحظة بأنها ستنفذ ما قالته له أمس، ليتنهد هو بضيق ويسحبها من يدها إلى أن قذفها برفق على أحد الأرائك.
وبصوت عال: "بتتصرفي من دماغك ولا كأنك متجوزة؟ أنا هعديلك اللي عملتيه ده بس صدقيني يامريم لو اتكرر تاني، هحبسك وانتي عارفاني."
مريم: على فكرة أنا اتقبلت في الوظيفة وبكرة أول يوم، آه وعلي فكرة هشتغل جرسونة.
لتنهض من مكانها سريعا قبل أن ترى رد فعله، ولكنه كان الأسرع منها ليمسكها من أحد ذراعيها بقوة:
"بلاش يامريم أوريكي أدهم تاني."
لتضحك هي ساخرة وتقول: "مبقتش فارقة، يعني أدهم التاني ممكن يموتني."
لتأتي إليهم إلهام بذعر: "خلاص يامريم ياحبيبتي، اطلعي انتي أوضتك دلوقتي عشان ترتاحي."
وتتطلع إليه بتحذير كي يهدأ.
كان يتابع خطواتها وهي تصعد درجات السلم بشرود، ليلتف إلى إلهام وبصوت مخنوق: "شكلي حولت مريم الطفلة الصغيرة... قطة بتخرش."
إلهام: هو انت لسه شفت حاجة؟ ده أبسط شيء تعمله عشان ترد جزء صغير بس من كرامتها. انت وجعتها أوي يا أدهم... عشان كده أول حد هتعلن عليه العصيان هو انت ولازم تستحمل. القطة ممكن تفضل هادية طول عمرها بس لما حد بيضايقها بتقلب مرة واحدة ومن غير ما تحس.
أدهم: انتي مش شايفة منظرها عامل إزاي؟ لأ وكمان الهانم عايزة تشتغل جرسونة.....
إلهام: تصدق مريم دي بتطلع فيك كل حاجة عملتها، هههههه.
أدهم: أنا محدش حرق دمي وتعب أعصابي غيرها. أنا ما صدقت خلصت من هم أياد.
ليضحك ساخرا: "شكلي ههرب من تاني."
لتضحك إلهام وهي تقول: "لازم تستحملها يا أدهم، الوجع اللي وجعتهولها مفيش ست تقدر تستحمله. لو واحدة تانية مكنتش فضلت لحد دلوقتي على ذمتك. مريم دلوقتي عايزة تستقل بنفسها وتعمل ليها شخصية اللي انت بنفسك هدمتها. حسستها إن ضعفها ده عار. فمكنش في إيدها غير إنها تبدأ تعصاك. حتى لو على تعبها ونفسها، هتستحمل ومش هتشتكي أبدا عشان متحسسكش بأنها ضعيفة."
أدهم: تفتكري ليه ظهرت في حياتي؟ وليه هي اللي اتجوزها وأحبها؟
إلهام: عشان القدر لازم يصفي لعبة الانتقام، اللي فضلت طول عمرها محوطاك.
أدهم: الانتقام اللي تحول لعشق.....
***
لحظات قضاها يفكر في حياته. كان يعلم بأن قلبه الذي تحطم من أخرى، سيظلمها هي معه بذنب لم تقترفه. فمنذ زمن قد أهدر كل مشاعر الحب والاهتمام، حتى أعطاه الزمن درسا جعله لا يرى الحب أو المشاعر سوى ضعفا وعبئا على أصحابه وليس قوة كما كان يعتقد. ولكن ما ذنبها هي؟ لماذا يعاملها بهذا الجفاف؟ تنهد بأسى وهو يضع أحد الأقلام على الأوراق التي أمامه، ليشرد بعيدا في حياة سيعيشها معها وهو لا يعلم هل سيكون لها زوجا كما تتمنى أم سيهدم حياته ثانية بسبب ماضي قد انتهى. ليضغط على أزرار هاتفه كي يحدثها لعله يشعرها ببعض حنانه حتى لو لم يكن يحبها. لتنفر أصابعه بعيدا وهي تذكره.
"بجد يا أحمد، أنا مبسوطة أوى يا حبيبي. متعرفش ده أحسن عيد ميلاد احتفلت بيه، وأحسن هدية جتلي." لتنظر إلى تلك السلسال وتقترب منه لتحتضنه وتهمس في أذنيه: "أنا بحبك أوى."
ليضمها بشدة إلى صدره وبصوت حان: "وأنا بعشقك يا حبيبتي."
لتبتعد هي قليلا، وتمسك بيده وبصوت هادئ: "قبل ما نطفي الشمع، لازم نتمنى أمنية."
أحمد: أمممممممم، وهتتمني إيه بقى؟
ندي: هتمني نفضل طول العمر مع بعض.
ليفيق هو من شروده ويبتسم بسخرية على ماضي كان يظن بأنه سيظل حاضره ومستقبله.
رواية قلوب تائهة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سهام صادق
وبعد وقت قضاه بين دخان سيجارته، خرج من مكتبه ليصعد لها.
ليراها تجلس على فراشها وبيدها مصحفها تقرأ فيه بخشوع وكأنها في عالم آخر.
أحس أن شفتيه التي كانت ستنكمش من الغضب بدأت تلين لترسم بسمة على وجهه.
وهو يتذكرها، فمنذ لحظات كانت تقف أمامه وهي تعانده، والآن قد تحولت إلى الملاك الذي يعشقه بهدوئه وابتسامته الحانية والدموع التي تتلألأ في عينيها، سواء أكانت سعيدة أو تشعر بالحزن.
ليقترب منها بهدوء وبصوت حانٍ قد تحول تمامًا: "ممكن نتكلم يا مريم؟"
لتغلق مصحفها برفق بعد أن صدقت، وتتطلع إليه بهدوء وبصوت جاف: "أفندم."
ليتطلع هو إلى معالم وجهها التي تحولت بعد أن رأته، ليتنهد بأسى.
ينهض من جوارها ليقف أمام الشرفة ليتأمل هذا الظلام وكأنه يتأمل قلبه التائه تمامًا.
وبصوت هادئ: "أنا موافق إنكِ تشتغلِ."
لتبتسم هي بنصر، وبعد لحظات: "بس في شركتي."
لتتطلع إليه بغضب، فهي لا تريد أن تبقى دائمًا تحت سلطته وكأنها آلة قد اشتراها يحركها كما يشاء في الوقت الذي يريده.
وبصوت صارم: "لأ، معاك أنت لأ."
أدهم بجدية: "ده قراري يا مريم، وأظن أن أنا نفذت لكِ رغبتك، ولكِ مطلق الحرية. وعلى فكرة أنا من السهل أوي زي ما قولتلك أحبسك هنا وأكثف الحراسة عليكي."
لتبتسم هي بسخرية: "وياترى سجنك ده امتى هتخرجيني منه؟ أظن إن المسجون بيكون عارف المدة اللي هيقضيها في سجنه."
أدهم ببرود: "متهيألي قولتهالك قبل كده، لما تولدي هاخد ابني وأنتي ليكي الحرية، عايزه تعيشي معانا معنديش مشاكل، مش عايزه ابني وأنا هربيه."
لصرخ هي فيه: "ده ابني أنا، وأنا اللي هربيه ومش هتخلي عنه سامع."
ليبتسم هو وبصوت هادئ: "من بكرة ممكن تبدأي الشغل."
وقبل أن يغادر: "تصبحين على خير."
لتتطلع هي إليه، وكادت أن تصرخ فيه ولكن... انكمشت بجسدها وهي واضعة يدها على جنبه لتتحسسه بدموعها.
.................................................. .................
وقفت تتأمله وهو جالس بين إحدى الفتيات.
كانت نظراتها تكاد أن تخترقه هو ومن معه.
وبخطوات بطيئة بدأت تقترب منهم حتى أصبحت في وجهتهم.
لتبتسم لهم بسخرية، وبصوت ساخر: "وياترى دفعتلها كام من فلوسي يا شادي؟"
لينهض هو ويقترب من أذنيها: "بلاش الكلام ده هنا يا نانسي."
لتتابعهم الفتاة بنظراتها، وتنهض لكي تغادر المكان دون أن تتحدث.
نانسي بضحك: "وياترى كنت مفهمها إيه؟ إنك غني ومعاك فلوس؟ لأ اصحى، دي فلوسي فاهم؟"
ليضحك هو ساخرًا: "ما بلاش يا نانسي، تبدأي شغل الأسطوانة دي معايا، سامعة؟ بدل ما انتي عارفة ممكن أقلب الترابيزة عليكي. خلينا حبايب أحسن."
بدأت ثورتها تهدأ قليلاً، فهي تعلم بأن شادي عندما سيثور عليها، سيتذكر لها كل شيء فعلته.
لتقترب منه بدلال: "طب تعال نروح شقتنا، عشان أنت وحشتني موت."
ليضحك هو ساخرًا، وبصوت هامس: "اسبقيني أنتِ يا حياتي، عشان محدش يشك."
لتبتسم هي وترحل، إلى مكانهم الذي خصص للقائتهم.
ليتنهد هو، وبصوت هامس: "أكيد ليكي يوم يا نانسي."
.................................................. .....
وقفت تتابع المكان حولها بنظرات متفحصة، ليأتي السائق خلفها وهو يقول: "أنا هفضل مستني حضرتك لغاية ميعاد الانصراف، ولو احتجتيني في أي وقت ده الرقم بتاعي."
لتتطلع هي إليه وبصوت هادئ: "متشكرة يا عم حسن، بس أنا هروح لوحدي في تاكسي. قول لأدهم باشا كده."
لتتركه وتنصرف من أمامه، لتدخل إلى مقر إحدى شركاتهم، وهي تحمد الله بأنه لن يكون قريبًا منها وستبتعد عن المكان الذي أحبته فيه.
لتقف أمام أحد الموظفين وتسأله عن قسم الحسابات.
وبعد أن أخبرتهم عن اسمها، بدأوا يهتمون بها وكأنهم كانوا ينتظرونها.
لتأخذها إحدى الموظفات إلى مكان عملها، ثم تردف بها إلى غرفة منفصلة يبدو أنها أُعدت لها خصيصًا.
لتتطلع إلى الموظفة بضيق وتقول: "أظن أن مفيش موظف جديد أول ما بيتعين بيقعد على مكتب، ولا إيه؟"
نظرت لها الموظفة وهي تقول: "بس دي أوامر أدهم بيه يا فندم."
لتقترب منها وبصوت هامس: "هو حضرتك تقربيله؟"
ليأتي شخص خلف الموظفة وهو يقول: "أهلاً أستاذة مريم."
لتلتف هي بعد سماع صوته وبصوت هادئ: "إزيك يا بشمهندس."
أحمد بابتسامة: "المكتب مش عاجبك ولا إيه؟"
لتتطلع إلى الموظفة بجانبها وتقول: "بس أنا مش عايزة أشتغل هنا، أنا عايزة أكون بين الموظفين، وأظن يا بشمهندس إن أنا لسه موظفة جديدة."
ليبتسم هو بدوره: "بس مش جديدة أوي يا مريم، انتي ناسيه إنك كنتي بتشتغلي في الشركة الأساسية، وإنتي تستاهلي المكان ده."
لتبتسم هي ساخرة، بعد أن رحلت الموظفة عندما علمت بأن وجودها ليس له داعي، وتقول: "حتى المدة اللي اشتغلت فيها هناك مش كافية إني أكون برضه هنا. لو سمحت يا بشمهندس أنا عايزة أكون زي أي موظفة."
أحمد بتنهد: "بس انتي عارفة دي أوامر أدهم."
مريم بضيق: "خلاص أنا مستقيلة قبل ما أبدأ."
أحمد بهدوء: "خلاص يا مدام مريم، اتفضلي معايا."
وبعد أن نفذ لها ما أرادت، أمسك بهاتفه لكي يبلغه بذلك القرار، ليقذف بهاتفه وهو يقول: "تعبتيني معاكي يا مريم."
ويأخذ مفاتيح سيارته، ليذهب إلى مقر الشركة التي أصبحت تعمل بها.
.................................................. ...........
وبعد نظرات طويلة دامت بينهم، اقترب منه وهو يقول: "مش معقول عزت باشا هنا."
ليتطلع له عزت بسخرية: "إيه لحقت تنساني يا منصور؟"
منصور: "حد يقدر ينساك برضه يا عزت باشا."
ليتطلع له منصور بشك: "خير يا باشا!"
عزت بغضب: "متصرفتش لحد دلوقتي ليه؟"
منصور بارتباك: "أصل ابن والدي كان بيعمل عملية، ومكنتش فاضي أنزل القاهرة."
عزت: "ماشي يا منصور، أما أشوف آخرتها معاك إيه أنت وبنت أخوك."
ليضحك منصور: "ما هي بنت أخوك برضه يا باشا، ولا أنت نسيت؟ شوكت باشا كان متجوز مين."
عزت ببرود: "لأ منستش يا منصور، بس الماضي انتهى خلاص، ومتنساش إن عبد الله كان عايش في خير أبويا."
ليتطلع له منصور بتهكم: "ماشي يا بن الباشا."
ليقترب عزت منه وبصوت هامس: "أنا ممكن أقدر مخليكش في البلد دي ولا ثانية، وأطردك منها. فاكر زي زمان."
لينظر له منصور بشرود وهو يتذكر:
"إحنا هنسيب البلد ليه يا منصور؟ ونروح لبلد منعرفهاش."
منصور: "خلصي يا صفية صحي العيال ويلا."
صفية بخوف: "طب وبيتنا وشغلنا؟ والأرض بتاعتنا؟"
منصور بضيق: "أنا قولت إيه يا صفية؟ خلصي لازم نمشي من هنا قبل الفجر."
ليطرق الباب عدة طرقات، وبعد أن نظر لزوجته نظرة قد فهمت معناها، أغلق الباب خلفه، ليقف أمامه.
"أنت كده شاطر يا منصور وبتسمع الكلام، وأنا اللي بيسمع كلامي بعوضه، ومتزعلش أوي كده. الصعيد مش بعيدة أوي عن كفر الشيخ."
منصور: "يا عزت باشا، إحنا هنضرك في إيه؟ عبد الله خلاص ساب البلد ومشي وأنا معرفش أراضيه فين، ويمكن مشوفهوش تاني."
عزت بغضب: "عايز الصبح يصبح، ومشوفش أثرك هنا، وانسي البلد دي خالص. أنت فاهم يا منصور."
ليتطلع له منصور بنظرة ضعف، ويتجه ناحية باب داره وهو يتمتم: "لله الأمر من قبل ومن بعد."
عزت: "ومتخافش، البلد اللي هتروحها هتلاقي فيها أرض ليك وبيت، عشان متفتكرش إني بظلمك."
ليتنهد قليلاً: "وياريت تختفي خالص أنت وأخوك. سامع يا منصور."
عزت بتهكم وهو يتأمل الأرض والمكان: "رجعتلك الأرض تاني يا منصور ورجعت كفر الشيخ كمان."
منصور بشرود: "أرضنا يا باشا وبلدنا اللي طردتينا منها زمان. فاكر؟ بس سبحان الله ابنك بنفسه اللي رجعلنا ده."
ليعوض بذاكرته لذلك اليوم وهو يتذكر:
"يا بكر يلا يا ولدي أنت وأخوك خلصوا سقيان الأرض عشان الشمس قربت تغرب."
ليلفت إلى ذلك الصوت وهو يقول: "الحاج منصور!"
منصور بارتباك: "خير يا بيه؟ في حاجة."
أدهم: "مافيش حاجة متقلقش، بس كنت عايزك في موضوع كده بخصوص الآنسة مريم بنت أخوك."
منصور: "مريم مين؟"
ليتذكر قليلاً: "آه بنت أخوي عبد الله اللي في القاهرة."
أدهم بهمس: "هو حتى ناسي إن ليه بنت أخ. ما علينا."
"ممكن بس نقعد في مكان كده عشان نتكلم يا حج."
منصور: "اتفضل على الدار بتاعتنا، هي مش بعيد يا بيه."
ليتطلع له متفحصًا: "بس أنت شكلك مش من هنا يا بيه."
"انت بتشتغل إيه صحيح؟"
ليقترب منه أحد أبنائه: "مين ده يا بوي؟"
منصور: "مش عارف يا ولدي. اتفضل يا بيه نورت، معلش الدار مش قد كده."
أدهم بهدوء وهو يجلس على إحدى الأرائك البالية: "أنا زي ما قولتلك يا حج، أنا جاي بخصوص بنت أخوك مريم. أنا طالب إيديها منك، وياريت يكون في أسرع وقت."
منصور بفرحة: "هو أنا أقدر أقول حاجة يا بيه؟ بس يا بيه ليكون أنت متلخبط بين مريم بنت أخوي أو واحدة تانية."
أدهم: "لأ متقلقش يا حج، أنا طالب إيد مريم عبد الله حسن."
"وحضرتك منصور حسن."
ليقف عقله قليلاً عند هذا الاسم، ولكن سرعان ما ينسى ما يدور في عقله لينفض تلك الأفكار من رأسه.
منصور بسعادة: "متشرفتش بمعرفتك يا ولدي."
أدهم: "أنا أدهم عزت شوكت."
لينتفض منصور من مجلسه، وهو يقول: "مين؟"
أدهم بشك: "مالك يا حج؟"
منصور بهدوء: "مافيش يا ابني، بس اسمك كده فيه هيبة."
أدهم: "هو انت من الصعيد؟"
منصور بخوف: "أيوه يا ولدي، ده أصلنا."
ليقف من مجلسه: "تحب تشرب إيه؟"
أدهم: "ولا حاجة يا حج منصور، معلش بس إحنا لازم نتفق على كل حاجة وتنزل معايا مصر عشان إجراءات الجواز وأنا تحت أمرك."
ليعتدل منصور في جلسته وبصوت هامس: "ياااا يا ولد عزت، ياااا على الزمن."
ليتطلع إليه وهو يقول:
"أنت طبعًا هتأخذ بنت أخي اللي زي بناتي، وطبعًا لازم أضمن حقها، وبما إني عمها وولي أمرها، نبقى نتفق، وأنت طبعًا باين عليك ما يفرقش معاك الفلوس أصلًا."
أدهم بسخرية:
"اتفضل يا حج، قول اللي أنت عايزه."
ليفيق من شروده على صوت عزت وهو يقول:
"ادي عقد مزرعة كفر الشيخ، بكرة عايزك تروح بيت مريم وتحط العقد فيه."
ليتطلع إليه منصور وبنبرة طامعة:
"والمقابل يا عزت باشا؟ أظن أنا واقف معاك قصاد بنت أخوي اليتيمة، اللي المفروض انت كمان تحميها وتفرح بجوازتها من والدك."
عزت بسخرية:
"بلاش يا منصور، تقف قصادي وتكلمني باللي يصح وميصحش. وأظن إنك يوم ما جيت لي عشان تبلغني خبر جواز بنت أخوك وابني، أنا رجعت لك الأرض وبيتك، مع إنك جيت بعد ما خلاص بنت عبد الله بقت مرات ابني."
منصور:
"فرصة جت لي لحد عندي أسيبها، وسبحان الله ابنك لآخر لحظة ما كانش عارف، وكأن ربنا وقف عقله عن كل الكلام الغلط اللي اتهمت بيه أخوي، عشان الخير اللي حرمت عبد الله يعيش فيه. بنته جت وعاشت فيه، لأ وكمان تتجوز أدهم ابنك اللي كل حاجة تحت إيده، حتى أنت."
عزت بحده:
"حق إيه اللي أخوك له عندي؟ أنت ناسي إن كل الأملاك دي بتاعتي أنا وبس."
منصور بتهكم:
"بس شوكت باشا، كان مخليه وريث زيك، في حق أمه ولا أنت ناسي سمية هانم مرات أبويا وأبوك الله يرحمهم."
عزت بحده:
"منصور، كل الدفاتر القديمة اتمسحت وعبد الله مات، ودلوقتي بنت أخوك لازم تبعد عن ابني، فاهم."
"ومش هعيدها تاني، أوعى تفكر في يوم تقف قدامي."
منصور بضحك:
"متخافش يا عزت باشا، أنا المهم عندي مصلحتي... وزي ما اتفقنا تسفر والدي يشتغل في شركة من شركاتك بره."
عزت:
"تعجبني يا منصور."
ليتبادلوا النظرات بينهم، وكل منهم يبحث بعقله عن حياة يعيشها بقلب تائه، قد أصابه الفتور.
***
وبعد أن أردف إلى مكتبه، تتابعته سكرتيرته الخاصة بعينيها، لتنهض خلفه وهي تقول:
"دي الملفات اللي حضرتك طلبتها من يومين يا فندم."
أدهم بأسترخاء:
"سيبيهم دلوقتي يا سارة، واطلبي لي الأستاذة مريم من قسم الحسابات."
ساره:
"حاضر يا فندم."
وبعد أن تأملتها قليلاً، وقفت أمامها وهي تقول:
"حضرتك أستاذة مريم؟"
مريم:
"أيوه."
ساره:
"مستر أدهم طالبك في مكتبه."
لتقترب من إحدى أذنيها وتقول:
"أنتي لحقتي بدأتي شغل عشان رئيس مجلس الإدارة يستدعيكي بنفسه."
وبعد دقائق كانت تقف أمامه بعد أن غادرت السكرتيرة، ليهم هو بالوقوف ويقفل الباب.
لتتنهد هي بضيق وتتطلع إليه وبصوت هادئ:
"خير."
أدهم:
"ممكن أعرف إيه اللي عملتيه ده."
مريم:
"عملت إيه."
أدهم بحده:
"مريم، بلاش تستفزيني، وترجعي حالا على مكتبك. أنا وافقت أخليكي تشتغلي، بس بشروطي أنا، في إنك تسمعي كلامي."
مريم ببرود:
"ومين قالك يا أدهم باشا إني وافقت على شروطك؟ شروطك دي كانت ممكن تحطها زمان وأنا أقولك حاضر ونعم، بس دلوقتي لأ. عارف ليه؟ عشان مريم بتاعت زمان خلاص مبقتش موجودة."
ليقف أمامها بحب ويقربها منه وهو يقول:
"وحشتيني أوي على فكرة."
لتتأمل ملامحه قليلاً وبصوت جامد قبل أن يضعف له قلبها:
"عن إذنك يا أدهم باشا، عشان عندي شغل."
لتذهب وتتركه وهو يفرك في يده بضيق، حتى ضم يديه بغضب وبقبضة يده كان يضرب على مكتبه بحدة، لعله يفرغ تلك الغضب الذي تجمع في عروقه. ليتنهد قليلاً وهو يقول:
"غبي يا أدهم، غبي."
***
وبعد وقت طويل قضوه سوياً، وقفت أمام المرآة لتهندم من ملابسها، ليأتي إليها من الخلف وبصوت هادئ:
"هشوفك امتى تاني يا حبيبتي."
ألتفتت إليه لكي تكون أمام عينيه وبصوت هامس:
"لما عزت يسافر تاني، أكيد."
لينظر في عينيها قليلاً ويقترب منها ليقبلها بشدة، حتى ابتعدت هي عنه وتقول:
"أنا لازم أمشي يا شادي."
لترحل، وتتركه شارداً في أيام فقط كان كل ما يهمه هو كيف أن يسعدها، حتى لو اضطر أن يعمل ليلاً ونهاراً. ليبتسم بسخرية ويمسك بهاتفه وبصوت هادئ:
"وحشتيني على فكرة."
***
وقفت للحظات تتطلع إلى تلك اليافطة أمام إحدى العيادات الكبرى وهي تنظر للاسم بتتمعن، ولكن عقلها أبى أن يوهم نفسه بأنه هو.
أردفت إلى داخل العيادة وهي تمسك بيد طفلها ذات السبع أعوام، وبصوت هادئ:
"أنا اتصلت امبارح عشان أحجز كشف."
الممرضة:
"اسم الطفل إيه يا مدام."
صافي:
"مازن أحمد."
الممرضة وهي تت
رواية قلوب تائهة الفصل العشرون 20 - بقلم سهام صادق
وكأن الزمن أراد أن يعيد ماضيًا قد مضى، ليحيي قلوبًا قد فُرض عليها الفراق وأتعبها الحنين، وأجبرها الزمن على نسيان ذكريات تاهت كما تاه أصحابها. أغمضت عينيها قليلاً وهي تضم ابنها بشدة، وكأنها تريد أن تحكي له كل ما حدث معها وتشاركه ألمًا قد داوى نفسه بدموع قد جفت. وتخبره بأن هذا الرجل من تمنته أن يكون أباه. لتتوقف لحظات بالزمن قد عاد بحنينه، وتفر دمعة من عينيها وهي تتذكر:
"جوازك من بنتي مرفوض يا أستاذ، واتفضل أطلع بره. بنتي مخطوبة وبكرة كتب كتابها."
لينظر هو إلى وجهها وكأنه يقول لها: ماذا أفعل؟ لن أسمح بأن الفراق يحكم علينا. لتتأمله بعينين دامعتين وهي تطيل النظر إلى أباها وحبيبها. لتفتح عينيها بعد أن بللتها الدموع، وتتأمل ملامح طفلها. وبصوت هامس: "يا بعد السنين دي كلها يا مازن، القدر جمعنا تاني."
.................................................. ............
وكأن عقله أراد أن يسرح قليلاً في عالم تائه يبحث فيه عن نفسه، يبحث عن شخص لا يعلم أين هو، وكأنه ضائع في عالم ليس له نهاية. ليستريح بظهره قليلاً وهو يشعر بالاختناق، ليس من أحد بل من نفسه التي دائمًا تبحث عن المتاعب وتفر إليها، وكأنها تريد أن تنهكه طيلة العمر. ليصبح تائهًا بقلبه وعقله. لتدخل عليه سكرتيرته وتبلغه بأن الاجتماع سيبدأ بعد دقائق. لينهض من على كرسيه ويسير بخطوات بطيئة، ليلقي نظرة على الحضور وأولهم أباه، وزوجته تلك التي أصبحت شوكة في ظهره.
ليجلس على كرسيه وهو يتأمل الأوراق التي بيده، ويبدأ اجتماعهم. وبعد ساعة قد استغرقها اجتماعهم انتهى وبدأوا بالانصراف جميعًا، ويظل هو قابعًا في مكانه بصمت. ليقترب منه أباه وهو يقول:
"ممكن أفهم يا أستاذ، لسه البنت دي ليه على ذمتك؟ مطلقتهاش ليه؟"
لينظر إليه ببرود وهو يقول: "أولاً ده قراري أنا، ومراتي عمري ما هطلقها وأحرم نفسي منها ومن ابني اللي في بطنها."
ليتطلع إليه عزت بصدمة: "إيه؟ بنت عبدالله حامل؟ وهيبقى لي حفيد منها؟" ليهدئ قليلاً ليعيد توازن عقله ليقول: "يبقى خلاص بعد ما تولد أرميها من الشارع اللي أنت جبتها منه، وناخد ابننا."
لينظر له بشمئزاز وهو يقول: "على فكرة يا عزت باشا، أنا مراتي مجبتهاش من الشارع." ويقترب منه قليلاً وبصوت هادئ: "عن إذنك عشان عندي شغل." ثم يعاود الاقتراب منه ثانية ليقول: "على فكرة أنا عديت موضوع الخبر اللي أنت والهوانم مراتك كنتوا ناوين تنزلوه، بس يا ريت حياتي محدش يدخل فيها."
ليتركه ويذهب، تحت نظراته التي تكاد أن تحرق كل شيء أمامها. ليقول بغضب: "مكنتش عامل حساب لليوم ده."
.................................................. ............
وقف ليضمها إليه بشدة، وبعد لحظات كان يخرجها من بين أحضانه ليعاود النظر إليها ثانية وهو يتأملها بعينين لم تستطع تفسيرها، ولكن كل ما أدركته بأنها بين يديه ودفئ حبه يحاوطها.
لينظر إليها مبتسمًا وهو يدخل بعض خصلات شعرها داخل حجابها وبصوت هامس: "أول مرة أعرف أن عينيكي حلوة يا شاهي."
لتبتسم له بحب وهي تتأمله لتقول: "تصدق أول مرة تقولهالي." لتضحك بسعادة وتقول: "أنا قولت إن كل الناس بتجاملني لما بتقولي عينيكي حلوة."
ليقربها إليه ليقول: "بس النهارده، أنا شايف كل حاجة فيكي حلوة. شايفك جميلة قوي وكأني أول مرة أشوفك."
لتبتسم له بسعادة: "بجد يا أياد؟ شكلي حلو في الحجاب؟"
ليمسك يدها ويقربها من أحد المرايا وهو يحتضنها: "لو أنا بكذب المراية هتكدب."
شاهي بفرحة: "أنا بجد بقيت جميلة قوي." لتلتف إليه وتقول: "عارف يا أياد أنا فرحانة قوي دلوقتي." لتتطلع إلى ملابسها وتنظر إليه ثانية وتقول: "حاسة إني مرتاحة قوي، ومحفوظة زي الجوهرة الغالية بالظبط."
ليقربها منه، ليقبل جبينها، ويضع يده على بطنها ليتحسس طفلهم، وبصوت حانٍ: "ربنا يخليكم ليا."
.................................................. ......
كانت تتأمل ملامحها وهي تحدثها عن حياتها، لتتنهد بأسى وهي تقول: "وأطلقت منه ياستي، عشان مقدرتش استحمل خيانته ليا كل يوم."
لتنظر إليها باشفاق: "كنتي بتحبيه؟"
إلهام بشرود: "اممم، تصدقي لو قولتلك إني مش عارفة أصلًا إذا كنت في يوم حبيت. بس عارفة يا مريم أحلى حاجة حصلتلي في جوازي من عزت: هو أدهم، كأنه ابني اللي أنا مخلفتهوش، وأياد برضوه بس أدهم فعلاً ابني وكل حاجة في حياتي. عارفة أنا لو كنت خلفت مكنتش حبيت ابني زي ما بحبه."
لتتطلع إليها باستغراب، لتتأمل هي معالم وجهها وبصوت هادئ: "عارفة بعد انفصالي بوالده، كان ديما يجي يسأل عني، مفتكرش إنه في يوم نساني. كانت والدتي الله يرحمها تقولي: ربنا ديما بيعوضنا، وكان أدهم هو الحاجة اللي ربنا عوضني بيها."
مريم: "يا لدرجة دي بتحبي أدهم؟"
إلهام بحب: "بكرة لما تشوفي ابنك بين إيديكي هتعرفي إحساسي. صحيح أنا مخلفتش، بس ربيت وحسيت بالإحساس ده."
مريم بحب: "إنتي طيبة قوي يا طنط إلهام."
إلهام بعتاب: "مش أنا قولتلك اعتبريني زي مامتك الله يرحمها، أنا عارفة إني أكيد مش هكون زيها، بس على الأقل اعتبريني."
مريم: "حاضر يا ماما إلهام."
لتقترب منها إلهام بحب وتحتضنها، وكأنها أمها حقًا، لتبعث بداخلها شعور الدفء الذي أصبحت تحتاج إليه كثيرًا.
.................................................. ........
جلست أمامه وهي تهرب بعينيها بعيدًا عنه، كانت معظم نظراته مصوبة نحوها وهو يتأملها. ليتذكر أول يوم قد رآها فيه، كانت فتاة بسيطة للغاية، بساطتها وهدوؤها أول ما لفت نظره إليها. ليتفاجأ بعد فترة بأنها قد تحولت مثلهم تمامًا، تبحث عن أحدث صيحات الموضة حتى لو أنفقت معظم راتبها. ولكن اليوم قد رآها مثلما رآها أول يوم، بطبيعتها وخجلها. وكأن عيناه كانت تبحث عن الإنسانة التي رآها أول مرة. ليتنهد بأسى وهو يقول: "ممكن أعرف انتي ليه رافضة أننا نكتب كتاب الكتاب ونتجوز بعد شهر؟"
لتتطلع إلى عينيه بعينين هاربتين وهي تقول: "مفيش سبب محدد، بس دي رغبتي."
أحمد: "إنتي خايفة مني يا هبة؟"
هبه: "لأ."
أحمد بضيق: "طيب ليه؟ ممكن أفهم؟ ومتقوليش إن مفيش سبب."
هبه بدموع: "مش عايزة بعد ما تتجوزني تحس إنك ندمان بارتباطك بيا. أنا عارفة إنك مبتحبنيش، ولا عارفة ليه أنا اللي قررت ترتبط بيها، بس كل اللي أنا حاساه إنه هيجي يوم وهتزهق مني عشان ببساطة أنت مش عايزني في حياتك."
أحمد بهدوء: "وأنا إيه اللي يجبرني إني أرتبط بيكي؟"
هبه بدموع: "مش عارفة!"
أحمد: "بصي يا هبة أنا مش هقول إني بحبك، بس في نفس الوقت مقدرش أقول إني مش معجب بيكي." ليتطلع إليها مبتسمًا وبصوت حانٍ: "على فكرة انتي النهارده جميلة."
ليظل يتأمل وجهها الذي أشاحته بعيدًا عنه، وبصوت ضاحك: "عارفة ليه؟"
لتتأمله بعينين متسائلتين وكأنها تريد منه أن يخبرها سبب مديحه لها.
أحمد بحنان: "عشان من بدري أوي مشوفتش هبة، اللي لبساها بسيط وفي نفس الوقت هادي وشيك. هبة اللي حجابها البسيط بيخليها أحلى. هبة اللي وشها مفيهوش غير براءتها، مش مساحيق التجميل اللي مبتبينش جمالها، بالعكس بتخفيه."
لتتطلع إليه باندهاش، ليتأملها قليلاً يتنهد: "عارفة أجمل حاجة في الطفل إيه يا هبة؟ العفوية. ديما بنكون حلوين واحنا أطفال، وضحكتنا ديما على وشوشنا، ولما بنكبر بنفقد كل ده لأننا فقدنا عفويتنا اللي كانت فينا واحنا أطفال، وبقينا نتصنع كل حاجة، بعيد عن شخصيتنا وكأننا كرهنا براءتنا ونقائنا لما كنا أطفال، ونبدأ نعاني من كل حاجة ونفضل ندور على نفسنا القديمة اللي كانت بتفرح بأبسط الأشياء وأقلها. بس دلوقتي للأسف خلاص، بس عمرنا ما دورنا جوانا على عفويتنا اللي أول ما عنينا فتحت وبقيت تشوف الدنيا، اتحولنا تمامًا وبقينا مع عالم كله بيجامل ويغير في نفسه لأما عشان يرضي حد أو عشان يرضي نفسه عشان متحسش بأنها أقل من حد. بس أنا عايز هبة القديمة ترجع تاني، ممكن؟"
كانت تستمع لكل كلامه، وكأنها كانت تبحث حولها عن شخص يعيد لها نفسها من جديد. لم تدرك يومًا أن من أحبته وفعلت ذلك من أجله لتكون أمام عينيه جميلة، هو أول من أرادها أن تبقى كما كانت. لتبتسم له بحزن وكأنها تعاتب نفسها على يوم قد جعلت شيطانها يخدعها بدور كانت تكرهه وتنقم عليه. لتبتعد بوجهها قليلاً عنه لتهرب من نظرات عينيه.
وبعد صمت طويل، قال: "لسه مصممة أننا نأجل الفرح؟"
أخفضت برأسها خجلًا، ليبتسم هو بعد أن علم ردها.
.................................................. .........
وبعد أن أنهكه الاشتياق إليها، لم يشعر بأقدامه سوى وهو أمام غرفتها، حتى أنه نسي أن يطرق عليها باب غرفتها، فاشتياقه إليها أصبح لا يتحمله. فقد منع نفسه من رؤيتها يومين لعله يرتاح قليلاً، ولكن لم يكن بعده عنها سوى عذاب له. ليقف سارحًا أمامها وهو يتذكرها وهي واضعة بيدها بحنان على جنينها لتتحسسه بابتسامة حانية. مشهد رأته عيناه لثوانٍ معدودة لتشيح هي يدها سريعًا وتنظر له بارتباك عما رآه. ليقترب هو منها وبصوت حانٍ: "هو أنا ممكن ألمسه؟" لتبتعد بوجهها عنه ويكاد أن ينهض ويتركها بعد أن علم من نظرة عينيها أنها لا تريد ذلك.
لتهمس بصوت هادئ: "مش عايزة تلمسه؟ ولا غيرت رأيك؟"
ليقترب منها مبتسمًا، ويضع يده بحب، لينظر إليها بشوق. وبعد ثوانٍ كان ينحي برأسه ليضع بأذنه على بطنها التي لم تبدأ حتى في الظهور، وكأنه يريد أن يشعر بوجود طفله حوله. لتتطلع إليه بعينين معاتبتين وكأنها تريد أن تصرخ وتقول: لماذا فعلت بنا هذا؟ فأنا أريدك بجانبي ولكن أنت من هدمت كل شيء.
لينفر عقلها منه، وتبتعد عنه بقلب دامع.
أدهم بأسى: "إلهام قالتلي إن الدكتورة بتقول إنك لازم ترتاحي أكتر من كده." وقبل أن يتحدث في أمر عملها.
مريم: "لو مش عايزني أشتغل عندك، هدّور على شغل تاني."
أدهم بحدة: "مريم اسمعي الكلام بقى، إنتي متعرفيش أنا كل يوم بقلق عليكم قد إيه. حتى السواق أصريتي إنه ميودكيش ولا يجيبك. اضطريت أمشي وراكي السواق يبلغني بكل تحركاتك، وكل ده بسبب عنادك."
مريم بهدوء: "أنا كده مرتاحة، ومبسوطة وياريت متتعبش نفسك ولا تفكيرك تشغله بيا." لتتطلع إليه بجمود وهي تقول: "ابقى شغله إزاي تقدر تنتقم مني."
وللحظات وقف يتطلع إليها بغضب يكاد أن يحرقه قبل أن يفتك بها، ليخرج سريعًا من غرفتها، ويتركها بين دموعها التي تحجرت في عينيها وكأنها امتنعت عن الهبوط ثانية من أجله.
..................................................
وبعد أن علم بأن رباط ابنه بها أصبح الآن أقوى من كل شيء، فهي الآن تحمل في أحشائها طفلًا منه، طفلًا سيصبح حفيده بعد شهور قليلة، ليحمل اسمه واسم ابنه.
ليقذف بكأسه الذي ينهال منه شربًا بغضب وبصوت عالٍ: أنا فعلًا غبي عشان ما توقعتش في يوم إن ده ممكن يحصل.
ليتذكر كلمة أخاه وهو يقول له قبل وفاته بأشهر عندما التقى به بعد سنين طويلة، ليطلب منه مساعدته كي يسد دينه من ورثه الذي سلبه منه: "ربنا يمهل ولا يهمل يا ابن أمي".
ليضحك ضحكته المستفزة وهو يقول: ورث إيه اللي جاي بعد 20 سنة تتكلم عنه؟ الورث ده بتاع أبويا أنا بس، فاهم يا ابن حسن، مالكش حق في أي حاجة.
ليتطلع إليه باحتقار وبصوت عالٍ: خرجوا الراجل ده بره.
ليتنهد بضيق وهو يتأمل الفراغ الذي أمامه، وبصوت عالٍ: إزاي ما عملتش حسابي.
وبعد لحظات من الشرود فيها وفي حياتهم الآتية، تنهد بأسى وهو بالخروج من مكتبه، ولكن استوقفه قدوم صديقه.
أدهم: عاملت إيه يا أحمد في الموضوع؟
أحمد: فعلًا البيت باسم عمها، المحامي بلغني بكده، والدها اتنازل عنه قبل وفاته بشهرين، بس متقلقش أنا طلبت من محامينا إنه يتابع الموضوع عشان ملكية البيت ترجع لنا، بس طبعًا من غير ما يعرف إنه من طرفك.
أدهم بتنهد: أنا عارف يا أحمد إن بتعبك معايا.
أحمد بعتاب: عيب عليك يا أدهم، إحنا قبل ما نكون أصحاب، أنا إخوات يا ابن خالي.
ليعاود الحديث ثانية وهو يقول: على فكرة أنا قررت أتجوز بعد شهر، ماهو مش معقول أنت وأياد خلاص سبقتوني وأنا أفضل كده.
ليضحك أدهم بود: ربنا يسعدك يا أحمد، كان نفسي أياد يبقى موجود معانا، بس أظاهر مش ناوي يرجع هو وشاهي غير بعد ما تولد ويطمن عليها.
جلس بجانبها وهو يتأمل الفرحة التي انطفأت من وجهها بعد أن حادثت عمتها.
ليقترب هو منها وبصوت حانٍ: شاهي أنا مجبرتكيش ولا عمري هجبرك إنك تلبسي الحجاب ده أمر يخصك انتي وبس، ومش معني إني فرحان فأنا ممكن أخليكي تاخدي قرار انتي مش حباه.
شاهي بدموع: دي بتقولي إني هبقى متخلفة وبيئة يا أياد.
أياد بحزن على تفكير تلك المرأة العقيم: وانتي شايفة نفسك بقيتي كده يا شاهي؟
شاهي بدموع: لأ، بس كان نفسي تفرح وتشجعني، دي بتقولي بكرة مش هتبقي شاهي اللي الكل بيحلف بجمالها وشياكتها وإن كله هيتريق عليا.
أياد بحب: أوعي تخلي حد في يوم من الأيام يكون سبب إنه يشدك من طريق الصح لطريقه هو، وكمان بقي ياهانم مين قال إنك مش بقيتي جميلة؟ ده انتي بقيتي أجمل بكتير لدرجة إني عايز أخبيكي من كل الناس ومخليكيش تخرجي من البيت.
شاهي بضحك: بمنظري ده بسبب ابنك، أنا عن نفسي مبقتش أحب أخرج، أنا بقيت شبه الفيل يا أياد. أنا خايفة إن تعجبك واحدة من بنات إيطاليا وتتجوزها، وتسبني بعد ما بقيت شبه الفيل بسببك وسبب ابنك.
لم يتمالك نفسه من الضحك، فمن يراها وهي تتحدث يشعر بأنها طفلة حقًا.
ليقترب منها ويضمها إلى صدره وبصوت هامس: ابقي دوريلي بقى على عروسة يا شاهي عشان فعلًا كده حرام.
لتخرج من بين أحضانه، وتنظر له بعتاب وبصوت حاد: انت السبب.. مش مسامحاك.
ليعاود الضحك ثانية، وقبل أن يكمل حديثه كان هاتفه يبدأ بالرنين.
ليتطلع إلى الاسم، وبعد ثوانٍ: أهلاً عزت باشا.. أخيرًا افتكرتني، إحنا الحمد لله بخير وحفيدك بخير، كلها 3 شهور وتبقي جد يا باشا.
لينتبه لصوت والده وهو يخبره بأمر زواج أخاه، بعد أن قص عليه سبب هذه الزيجة ومن من.
ليتطلع إلى زوجته بحزن، وبعد أن أغلق مع والده، اقتربت هي منه وبصوت حانٍ: مالك يا أياد؟ هو عمو عزت قالك خبر مش كويس؟
أياد بشرود: معلش يا شاهي أنا عايز أبقى لوحدي دلوقتي ممكن.
شاهي بحب: حاضر.
لتتركه هي بمفردها كما طلب منها، بعد أن تأملته بعيونها.
ليجلس على أقرب أريكة بتنهد، وهو شارد في أخاه وما فعله، ولماذا لم يخبره حتى الآن بأمر زيجته؟ هل يخشى منه؟ أما ماذا؟ فكيف يخشى منه وهو لا يتمنى شيئًا في الحياة سوى أن يراه سعيدًا.
ليحدثه عقله وهو يقول: لأنك أحببتها، فقد خشي منك.
أما قلبه: أنت لم تحبها، أنت وجدت فيها فقط شيئًا غريبًا عن الأخريات اللاتي قبلتهن، فشعرت اتجاهها بالغرابة، مثلما نرى أي شيء يعجبنا فيلفت انتباهنا. فأنت الآن تعشق زوجتك وطفلكما.. لا تظن بأنك كنت تحبها.
ليفوق من شروده وهو يمسك بهاتفه وينظر لرقم أخاه بشرود، حتى أتاه صوته وهو يقول: أياد.. وحشتني.
ليخرج صوته بعتاب وهو يقول: ليه يا أدهم!