تحميل رواية «قلوب تائهة» PDF
بقلم سهام صادق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في منزل يبدو عليه البساطة الشديدة، عندما تدخله ترى مدى بساطة أهله وطيبتهم، ولكن تجد الحزن يخيم على أهله، فقد فقدوا من كان مصدر أمانهم وحمايتهم، نعم الأب والزوج. كانت تجلس سيدة في الخمسين من عمرها، مازالت ملامح جمال الصبا ظاهرة على وجهها، بالرغم من ظهور التجعدات البسيطة والحزن الشديد الذي يملأ قلبها قبل وجهها على زوجها الغالي الذي تركها وحيدة في تلك الحياة هي وابنتها. مريم بحزن واشفاق على حال والدتها، وبرغم من حزنها الشديد والفراق الذي لم تتقبله، ولكن تجاهد أن تبقى قوية من أجل والدتها المريضة. جل...
رواية قلوب تائهة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سهام صادق
الــــــــفـــــصــــل الـــحــادي والـــــعـــــشـــرون
لحظات قد أدرك فيهاا مدي غبائه وضعفه &;أدرك فيها عقم عقله &; أدرك فيها الزمن ليقف ينظر الي نفسه بأعين تائه &; لا تعلم اين الطريق الذي سيسير عليه &; وكأن الزمن اراد ان يجعله ولاول مره يدرك بأن جميعناا بقلوب تائهه ولكن هو بقلب ضائع &;فالتائه يعود لرشدهه بعد وقتا قصيرا&; اما الضائع فيظل سنين يبحث عن نفسه ......
جلس قابعاا في مكانه وهو يتذكر صوت اخاهه &; ولاول مره يشعر بأن اخاهه حقا قد اصبح رجلا عاقلاا &; لم يبحث عن سعادته فقط بل كان يبحث عن سعادته هو ايضا &; ليتذكر قوله وهو يقول : انا كنت زعلان منك عشان انا اخر من يعلم &; بس دلوقتي انا فرحان اوي ياأدهم
لينطق ادهم بخوف : يعني انت يا أياد مش زعلان بجد
اياد بحب : هزعل ليه &; وانا اخيرا فرحت بأخويا الكبير وأطمنت عليه مع انسانه يستاهلها &; بس اوعي تزعلها يا أدهم انت فاهم
ادهم بدموع: انا اسف يا أياد
أياد : صدقني يا ادهم مريم مكنتش حب في حياتي &; مريم كانت مجرد طيف جميل مر عليا &; خلاني اشوف ناس جديده وجميله &; انا فعلا كنت مشدود ليها بس مش بمعني الحب &; يعني زي ما تقول زي ما بتعجب بصوره حلوه في تابلوه وتفضل تتأملها &; بس بعد ما العرض بيخلص وتبعد عينيك عن الصوره بتنسي اعجابك بس بعد طبعا ماحسيت بالأنبهار وهو ده الي حسيته مع مريم ...
ليتحدث مداعبا مع اخاهه ليقول : عايزك تستعد عشان خلاص قربت تبقي عمو
ليبتسم ادهم ليقول : واستعد انت كمان عشان هتبقي احن واجمل عمو &; زي ما انت احن واجمل اخ
اياد بحب : ربنا مايحرمنا من بعض
ليغلق كل منهم هاتفه بنفوس راضيه &; لاتبحث عن شئ سوا السعاده والحب ليست عابئه بأي شئ &; نفوس بعيده عن الكرهه والظلم &; تريد ان تحيا حياة ابسط ما يقال عنها حياة مطمئنه
بقلوب هادئه ..
.................................................. ...........
جلست بجانبه &; وهي تتفحص معالم وجهه الخاليه من اي شئ &; وكأنه يبحث عن شيئا بعيداا &;لتضع الكأس امام نصب اعينه وهي تقول : مالك سرحان كده ليه يازيزو &;ده حتي انت لسا عامل حاجه بجد جامده &; بكره اياد وادهم يكرهه بعض ويبقي اياد في صفك &; انا مش عارفه ادهم ده ليه سيبله كل حاجه يديرها ومخليه اعلي منك &; وسيبه يطيح فيك &; ده حتي اتجوز بنت اكتر حد بتكرهه
ليتتطلع اليهاا بأعين مشمئزه وهو يقول : هو انا ليه وحش اووي كده يانانسي &; هو في اب يوقع بين ولاده لدرجادي انا وحش اوووي كده
نانسي بخبث : ليه بتقول كده يازيزو &; ماهو الي خرج عن طوعك &; ولازم تعاقبه
عزت بحزن : انا السبب في كل حاجه &; ابني عمرهه ما خليته يحس بالحنان ولا السعاده &; طول عمره شايفني مش اب &; عمرهه مابصلي من غير ماحس اد ايه هو بيكرهني ويحتقرني &; عارفه ازاي لما اشوفه بيتخلي عن حلمه انه يبقي اشهر طبيب عشان يساعدني لما كل شركتنا ابتدت تخسر &; وينقذ سمعت ابوه الي عمره ماكان اب ليه ....... وانا في النهايه شايفه بعمل ايه
نانسي : يعني هتكون فرحان لما بنت عبدالله تاخد كل حاجه
عزت بضيق : بنت عبدالله لاء &; انا مش احرم ابوهاا من العز &; وتيجي هي ترجعه &; مش هسمح بكده ادهم لازم يكرها ويبعد عنهاا ........
نانسي بأنتصار: طيب خد اشرب ياحبيبي &; وبلاش نتكلم في السيره ديه .... لتقترب منه بدلع وتعبث في خصلات شعرهه لتقول : انا عايزه افتح حساب ليا في البنك ياحبيبي ويكون بأسمي
ليتأمل وجهها قليلا وهو يقول : طلباتك كترت اووي يانانسي
نانسي بدلع : يعني لو مطلبتش منك انت ياحبيبي هطلب من مين &; وبعدين يرضيك ان مرات عزت باشا &; لحد دلوقتي ميكونش عندها حساب في البنك ... لتبتعد عنه قليلا وهي تقول : ده انت حتي لحد دلوقتي مكتبتش ليا اسهم في شركاتك يازيزو &; بكره مرات ادهم تكون هي الكل في الكل وانا اكون ولا حاجه ...
ليتطلع اليهاا بحب : خلاص ياحببتي &; هعملك الي انتي عايزه .. ليقترب منها ليقول : تعرفي يانانسي انتي الست الوحيده الي كان ليها تأثير عليا ومش بقدر اقولهاا لاء
لتبتسم هي بخبث وبصوت هادئ : ربنا يخليكي ليا يازيزو ياحبيبي ...
.................................................. .........
وقفت امامه بغضب &; وهي تقول : انت ليه حرجتني قدام زمايلي &; بالشكل ده
ادهم بحده : الاستاذ ياهانم كان بيتغزل فيكي وانتي ولا كأنك واحده متجوزه .. وعايزاني اقف اسقفلك &; احمدي ربنا اني متصرفتش تصرف تاني
مريم بأستخفاف : انا بعرف اوقف اي حد عن حدهه &; غير ان انا موظفه عندك وملكش حق تدخل في حياتي
ادهم بحده : مريم فوقي وبلاش الدور ده الي بقيتي عايشه فيه &; انا زهقت فاهمه وصبري ليه حدود .. مش كفايه انك لحد دلوقتي مش معرفه حد انك مراتي .. ده حتي دبله جوازنا ياهانم مابقتيش تلبسيهاا .. ولما بطنك تبتدي تظهر ان شاء الله هتقلولها ايه انتفاخ
مريم بحده : لاء هما عارفين اني متجوزه بس ميعرفوش من مين &; وياريت تبطل اهتمامك بيا بقي انا مش عايزه منك اهتمام &; وكمان محدش يعرف اني مراتك وبالطريقه ديه هيشكوا فياا .. هما لحد دلوقتي فاكرين بنا قرابه وبس ..
أدهم بهدوء : وليه هانم لحد دلوقتي مقلتيش انك تبقي مرات مين &; خايفه من ايه يا مدام ... ليقترب منهاا وبصوت هامس : بكره الشركه هتعرف انك مراتي &; عشان امنع عنك الاحراج يا مدام &; وحسك عينك يبقي ليكي اختلاط مع اي موظف راجل فاهمه &; بدل ما انتي عارفاني ممكن اتصرف ازاي &; ولعاشر مره بلاش يامريم تعصبيني انا صبري ليه حدود
وقبل ان تغادر وتتركه &; لينفث دخان سيجارته بعصبيه
بطل تشرب سجاير عشان صحتك .. لتذهب سريعا من امامه وهي تعاتب قلبها علي الأهتمام به &; لكن مهما حدث بينهم فالقلب لا يكره من احبه يوما ...الا ان اراد الله ذلك
وتبقي القلوب مستوطنه .... بحب اول من تلقت منهم صفعات الخذلان
ليبتسم هو وبصوت حاني : لو تعرفي انا بحبك قد ايه يامريم &; كنتي مهما عملت فيكي استحملتيني &; انا بقيت محتاجك اووي .. عايز ارجع ادهم بتاع زمان من تاني ... ليتنهد بأسي وهو يبلغ سيكرتيرته بأمر الحفله التي سوف تقيمهاا مجموعه شريكاتهم بسبب اتمام اكبر صفقاتهم &; وعليها ان تبلغ الموظفين بدعوة الحضور .....
.................................................. .............
كان يعلم بأنهاا ليست نائمه &; ليقترب منهاا بحب ويحاوطها بذراعيه ليقول : متزعليش مني ياشاهي مكنش قصدي اتعصب عليكي &; بس انتي الي اضطرتيني لكده &; ازي تشكي في حبي ليكي .... وانتي عارفه انا بحبك قد ايه
شاهي بدموع : يعني ادهم هو الي غصب عليك تتجوزني يا اياد &; انا كنت فاكره غير كده ... بس مجاش في بالي ان ادهم يفرض عليك جوازك مني .. انا لجئت لادهم لاني ملقتش حد غيرهه اقدر احكيله .. بس لو كنت اعرف انه هيجبرك علي جوازك مني مكنتش عاملت كده
اياد بحب : انا كنت عبيط صدقيني &; حد يتجوز اطيب واحلي زوجه في الدنيا ويقول لاء &; ليضحك بحب وهو يقول : كنت بتدلل عليكي ياشاهي ايه مستهلش
لتبتسم هي من بين دموعهاا لتقول : لاء تستاهل &; لتشيح بوجهها بعيدا عنه : طيب دلوقتي انت مبسوط واحنا مع بعض
ليقترب هو منها بحب : ده انا اسعد انسان في الدنيا يا ام ادهم
شاهي بضحك : ايه ده انت قررت تسميه ادهم
اياد : عندك اعتراض يا ام ادهم
شاهي بحب : لاء طبعا ياحبيبي
ليضمهاا الي صدرهه بحب &; ويقترب من شفتاها بأصابعه ليتحسسهاا &; وبعد لحظات كان يضع قبله طويله علي شفتيها ليذوبوا معا في عالمهم الخاص
.................................................. ..............
لتبتسم بحب وهي تسمع صوته الحاني وهو يقول : وحشتيني
لتسرح قليلاا بقلبهاا وهي تعيد أحد كلماته ..ولاول مره تشعر بقربه
ليأتيه صوته وهو يقول : هبه انتي روحتي فين
هبه بخجل : انا معاك اه
أحمد : طيب انا كنت بقول ايه
هبه بأرتباك : كنت بتسألني عن بابا وماما
احمد بضحك : مش قصدي ديه &; انا قصدي اخر حاجه قولتهاا وانتي سرحتي مني
هبه : مش فاكره
احمد بضحك : طيب اقول تاني &; وحشتيني
هبه بخجل : انا قولت لبابا قراري علي فكره
احمد بهدوء: اه ما انا عرفت من عمي &; يلاا بقي جهزي نفسك يا عروستي &; كلهاا شهر وهتبقي مراتي وبتاعتي انا وبس .. واشوف خجلك ده الي هيموتني
هبه : كلمت نيره صحيح
احمد : اه كلمتهاا &; ونفسها تشوفك اووي &; هتنزل مصر بعد 15 يوم هي والاولاد
هبه : تيجي بالسلامه ان شاء الله
احمد : يلا بقي مش هتقوليلي وحشتني ولا ايه ياهبه &; عايز اسمعهاا بقي وبلاش شغل تغير المواضيع ده ماشي
هبه بخجل : وانت كمان &; وحشتني يا احمد .. لتغلق الهاتف سريعاا وهي تبتسم
لتدخل عليهاا والدتهاا وتقول : الجميل بيضحك ليه &; اكيد احمد قالك ان كتب الكتاب بكره
لتنهض هبه سريعا من مكانها وهي تقول : كتب كتاب مين الي&; بكره ياماما
كريمه بحب : انتي ياحبيبة ماما &; احمد اتفق مع بابا وبكره ان شاء الله هتتحقق اكتر حاجه اتمنيتها من ساعة ما جيتي دنيتي ياحبيبة ماما
اما هو جلس يبتسم علي ردت فعلهاا ليقول : ماشي ياهبه تقفلي التليفون في وشي ... لتعود ابتسامته ثانية ليتنهد بأرتياح ليحدث قلبه ويقول: هبه مش زي ندي صدقني !!
.................................................. .............
وبعد اخر كشف قد انتهي منه &; جلس علي كرسي مكتبه بعد أن امر ممرضته الخاصه بالأنصراف &; ليضع وجهه بين كفيه وهو يتذكر!!
بس انا عايزه ولد بقي يامازن واسميه علي
مازن بحب : لاء بقي انا عايز بنت &; وتكون شبهك كده عشان يبقي انا الوحيد الي عندي القمر ومش قمر واحد بس لاء اتنين
صافي بحب : لاء بقي ولد ويكون شبهك &; عشان كل ما تغيب عني &; يبقي هو موجود وافضل اشوفه فيك وبكده متبعدش عن عيني ابداا
ليضحك هو لها بحب ويمسك احد ايديها وبصوت هامس : طب لو بنت نفسك نسميهاا ايه
صافي بتفكير : أمممممممم &; رهف .. اسم حلو صح
مازن بحب : حلو طبعاا ياحببتي &; عشان هيكون اسم بنتنا ان شاء الله
ليتنهد بحزن بعد ان عاد بذكرياته الماضيه لينظر لصورة الطفله التي امامه ليقول : مقدرتش مسمهاش رهف يا صافي
ليبتسم بحزن بعد ان طال النظر علي أبنته التي تبلغ من عمرهاا 4 سنوات ... لينهض من علي كرسيه ويرحل بحنين قد هرب منه منذ زمان&; زمن قد فرق احلامهم سويا ... ليحقق كل منهما احلام قد فرضهاا عليهم القدر حتي تعيش قلوبهم ثانية
.................................................. ................
ولاول مره تكتشف بأن في بيتهاا الجميل هذا &; اسطبل من الخيل &; لتقف امام احد الخيول ذات اللون البني الجميل وتقرب احد ايديهاا منه &; ليبتعد برأسه عنها قليلاا ولكن بعد لحظات كان يستسلم الخيل الي لمسات ايديهاا الحانيه لتبتسم هي وتقول : عارف انا هسميك بندق ماشي .. بس اوعي تقول لحد ان ده اسم الدلع بتاعك ماشي يابندق عشان انا الوحيده الي هندهك بيه بس بينا وبين بعض ..... لتتأمله بحزن وهي تقول : كان نفسي اركبك بس مش بعرف اركب خيل .. بس هفضل اتفرج عليك بقي يابندق .. لتلهو معه مثل الاطفال
وتظل ت&;داعب وجهه بأناملهاا الصغيره ..
اما هو كان يتابعهاا بنظره حانيه من بعيد &; ظل واقفاا للحظات يتأمل هدوئهاا وطفولتهاا &; ليتنهد بأسي علي طفلته الصغيره التي حولهاا لأمرأه تحمل بداخلهاا حزن جعلهاا تبلغ عمراا اخر علي عمرهاا .... وبخطوات بطيئه بدء يقترب منهاا
لتلتف هي بعد ان سمعت خطوات أقدام خلفها .. لتتطلع اليه قليلاا وبعد لحظات كانت تشيح بوجهها &; لتظل تداعب ذلك الفرس بشرود
ادهم بحب : عجبك !
مريم بتنهد : اه
ليقترب منه قليلاا ليقول : تحبي تركبيه
مريم : مبعرفش اركب خيول
ادهم بحنان : انا ممكن خليكي تركبي بس معاياا
مريم : لاء شكرا &; انا هفضل اتفرج عليه
ليمسك احد ايديهاا ويقربهاا منه وهو ينده علي السايس ليقول : خرج فرحان يا سعد
ليلبي السايس امرهه &; وبعد ان اخرجه &;بدء ادهم بمداعبته امام اعينهاا ليقترب منه الفرس بحب وكأن بينهم صداقه طويله
أدهم بحب : يلا هاتي ايدك &; ومتخافيش هنمشي براحه عشان عارف انه غلط عليكي
لتبتعد عنه بعينيها &; ولكن بعد لحظات كانت تركب امامه وهو يحاوطها من الخلف .. ليسيروا بخطوات بطيئه خوفا عليهاا .. لتضحك هي مثل الاطفال : كان نفسي اركب حصان من زمان .. وقبل ان تكمل جملتها وتخبرهه انها كانت تتمني ان يتحقق لها هذا الحلم وتركبه مع من يختارهه قلبها ... مثلما كانت تقرء في روايات الفرسان والامراء الخياليه..
ليحتضنهاا هو بشده بعد ان فهم مقصدهاا &; ويظل صامتاا حتي لا يفسد علي قلبه قربه منها فقد أشتاق اليها كثيرا .. ليظل سارحا بعالم لا يوجد فيه سواهاا . ليقترب من أحد أ&;ذنيهاا ليقول : فرحانه !
مريم بطفوله : اه &; فرحانه اووي ...
وبعض لحظات قضتهاا بين ذراعيه .... بدأت تشعر بالألم لتقول : ادهم &; بطني بتوجعني اووي
لينتفض بذعر بعد ان هبط من علي جوادهه &; ليحملهاا بين يديه : هتصل بالدكتور حالا متخافش
لحظات قد قضاهاا في فزع عليهاا &; وهو يري الطبيب يفصحهاا ... ليقترب منه الطبيب بأطمئنان : مالك قلقان كده ليه يا أدهم &; لينظر الي مريم ليقول : المدام كانت بتدلع عليك شويه بس ..
ادهم بقلق : يعني الجنين محصلوش حاجه
الدكتور بأطمئنان : هي بس عملت مجهود بسيط تعبهاا شويه &; بس انا هكتلبهاا علي شوية فتامينات عشان بس هي ضعيفه
ليضحك الطبيب بدعابه ويقول : جوزك يامدام &; خلاني اخد مخلفات أد كده &; شكله بيحبك اوووي .. &; شكلك غاليه عليه اووي .. اوووي
ليبتسم ادهم لصديق مهنته السابقه : طبعاا ومخافش عليهاا ازاي
وبعد دقائق كانت تجلس الهام بجانبهاا بعد ان غادر الطبيب &; لتقول لها بعتاب : كده يامريم تقلقيني عليكي &; وتركبي كمان خيل... ليأتي اليهم ادهم بعد ان ودع صديقه وشكرهه : الدكتور قال لازم ترتاحي سامعه
الهام : طيب هي لسا مش فاهمه حاجه &; انت بقي يادكتور مش عارف ان ده خطر عليها ولا البيزنس نساك &; لتعاتبهم وتقول : لما تولدي ابقي اركبي براحتك ياستي &; والخيل مش هيطير ..
لتبتسم لها مريم بحب : حاضر ..
لتظل نظراته متسلطه عليهاا وهو يتأملهاا &; وبعد ان انصرفت الهام &; اقترب منهاا ليجلس بجوارهاا : انتي كويسه دلوقتي
مريم : الحمد لله
ادهم بتنهد : هيجي يوم وتسامحيني يامريم
لتتطلع الي معالم وجهه بشرود وهي تتذكر يوم ان القي عليهاا صاعقة أنتقامه &; لتشيح بوجهها سريعاا لتقول : لاء
لتسقط كلمتهاا كالخنجر علي مسمعيه .. ليتنهد بأسي ويرحل
.................................................. .............
وبعد لحظات قضاهاا &; يقلب في مذكرات والداته .. تنهد بأسي وهو يتذكر يوم أن علم بأمر هذه المذكرات&; ليشرد قليلا بعقله ..
وبمناسبة التخرج يادكتور &; انا هعمل حفله علي شرفك
ليقترب منه ويحتضنه .. ليقول : مبرووك يادكتور ادهم
ادهم : الله يبارك فيك يا بابا &; بس مش لازم حفله يعني
عزت بفخر : ما الحفله هتكون بمناسبة افتتاح المستشفي بتاعتك &; وكمان انا لازم احتفل بتخرجك
ليعود بذاكرته .. يوم ذلك الحفل !!
عندما دخل مكتب والدهه &; ليبحث عن شئ &; حتي وقع بنظرهه علي احد الأجندات القديمه &; ليجبرهه فضوله للنظر فيهاا ... ليري أسم والدته قد سطر بداخله ... ليفر اول ورقه ويري كل شئ .... عن حياة امه السابقه ....
ليدخل عزت بذعر عليه ليمسكها منه بخوف &; وهو يلعن حظه بأنه قد أنساهه ان يخفيها ثانية ......
ليتتطلع هو اليه بألم ....ويقف عزت منكسا برأسه ليبدء بالحديث عن ماضي قد صنعه هو .... ليقول !!
********
&;
رواية قلوب تائهة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سهام صادق
ذكريات قد عاد بها الزمن، وكأن الذكريات دائمًا لا تأبى النسيان، لتعود بحاضر لو علم ما يحمله الماضي من طيات ذكريات ماضيه، لكان تمنى أن يزيلها الماضي بمحوٍ قد سطره قلمٌ زائل. ولكن هيهات، لا أحد يدرك بأن الماضي أحيانًا يظل مرتبطًا بالحاضر والمستقبل، ليجبرنا على حياةٍ إما أن تحيا فيها بقلبٍ خالٍ، أو تحيا فيها بين الذكريات، وعلينا نحن الاختيار.
عاد بذكريات ماضيه وهو يتذكر كل شيء، وكأن لم يمر على هذا زمنًا، زمنًا قد تجاوز الـ 8 سنوات.
عزت بفتور: صدقني يا ابني، أنا كنت بحب أمك. عارف إني ظلمتها، بس صدقني من حبي ليها، مقدرتش أتخيل أنها تكون لحد غيري. ويا ريت الحد ده كان بيحبها، ده كان بيستغل حبها ليه عشان يتحداني ويقدر يساومني بيها.
جلس على أحد الأرائك بأعين دامعة ليقول: أنا مش قادر أنسى يوم ما جه قالي أنا اتجوزتها، وأخدتها منك وبإرادتها كمان. عشان تعرف إني كنت أشطر منك والرهان أنا اللي كسبته.
صمت قليلاً ليقول: قالي، إن دلوقتي اللعبة انتهت والمفروض أنفذ وعدي وأديله المزرعة بتاعة والدها.
صمت قليلاً، لعله يكمل ما صنعه خياله من فيلمٍ مُعد بمهارة.
أدهم بضيق: مزرعة إيه؟
عزت: مزرعة جدك. ده مكنش رهانه في الأول، كان الرهان مجرد فسحة هتبقى على حساب اللي يكسب. بس جدك في يوم شاف عبد الله مع أمك، اتجنن إزاي بنته تقف مع واحد ابن راجل شغال عنده. طبعًا هزأ والدتك وبهدلها وطرد أبوه عبد الله من المزرعة لما عرف إن أمك بتحبه. عبد الله ساعتها... أنا فاكر اليوم ده كويس.
عبد الله: أنا لازم أدفعه التمن غالي، وهيكون في بنته.
عزت: قلتلك إن الناس مستويات، أنت مصدقتنيش.
عبد الله: بكرة هتشوف مين اللي هيكسب. بس دلوقتي رهاني مش هيكون مجرد فسحة، لا، أنا لازم أذل أبوها زي ما ذلني أنا وأبويا. والمزرعة اللي طردنا منها بكرة هتبقى بتاعتي وأنا اللي هطرده.
عزت: أنت اتجننت؟ مزرعة إيه؟ وده هتعمله إزاي بقى؟
عبد الله بشرود: بكرة هتشوف. وقبل ما يغادر: آه نسيت أقولك، كلها أيام وحبيبة القلب هتبقى بتاعتي. ويومها بقى يبقى نشوف هيعمل إيه الراجل ده لما يشوف بنته الوحيدة متجوزة ابن العامل اللي عنده.
ليفيق عزت من شروده وهو يقول: وجيه اليوم اللي أمك اتجوزته عشان تهرب مني بعد ما جدك أجبرها على الجوازة. بس صدقني أنا كنت بحبها. صحيح كان في الأول لعبة، بس بعدين اتحول لحب، ونسيت الرهان وكل حاجة. حتى عبد الله قطعت صداقتي بيه، وحاولت كتير أفهم أمك حقيقته، بس كانت عمياء بحبه المزيف.
أدهم: وبعدين؟
عزت بشرود: بعد يومين من جوازهم، لقيته جايلي أنا وجدك، بعد ما جدك عرف مكانه، وطلب منه يطلقها. بس هو...
لينظر لأبنه في صمت.
ليقوم أدهم من مجلسه ويطرق بقبضة يديه على المكتب وبصوت حاد: وبعدين؟
عزت: قاله إنه اتجوز بنته عشان يصلح غلطته معاها، وعمل كده عشان يداري فضحتها وسط الناس. وبعد طبعًا ما هي جات تترجاه قبل ما تتفضح، وإنه مستعد يطلقها وميفضحهاش، طبعًا لو أخد فلوس من جدك. بس جدك في الوقت ده بدأ يخسر أملاكه، حتى المزرعة أنا اشتريتها منه. ومعظم الأملاك أنا بعد كده اشتريتها عشان يسد ديونه وميدخلش السجن. وعمري في حياتي ما قلت لأمي صدقني إن عملت كده عشانها ولا حتى عيرتها. كان ساعات بيبقى غصب عني لما بتستفزني وتعصبني. وصدقني كل أملاك جدك مكتوبة باسم أمك. إلا...
أدهم: إلا إيه؟
عزت: إلا المزرعة، لأنها باسم عبد الله، لأن عبد الله حط ده شرط الطلاق وإنه ميفضحش أمك. عبد الله ده حقير، محدش يعرفه قد إيه، مبتفرقش معاه حاجة غير الفلوس ومصلحته وبس.
ليقول وهو يعود بذاكرته: كويس إنك سمعت الكلام وجيت تقابلني يا عزت، وتخلص حبيبة القلب. تصدق أنا مش قادر أتخيل إن اللعبة اتحولت لحب، لاء بجد يا عزت طلع عندك قلب وبتحب. المهم، ده مش موضوعنا، أنا عايز المزرعة يا عزت، وده هيكون الشرط اللي هطلق بيه. ها؟
عزت: تصدق إنك حقير وواطي. أنا مش عارف ليلى كانت مخدوعة فيك إزاي.
عبد الله بغرور: الحب يا عزت. هههههه وهي حبتني أنا مش أنت. ها بقي ورقة الطلاق بعقد المزرعة.
ليصمت عزت قليلاً، ليتطلع إلى معالم وجه ابنه ليقول: هي دي الحكاية اللي أمك متعرفهاش، ولا تعرف السبب اللي عبد الله حط حياتها عليه.
أدهم بدموع: طيب هي فعلًا أمي غلطت معاه؟
عزت: كداب. أمك كانت أشرف ست عرفتها وقابلتها، بس هو اللي كان حقير وكان عايز يسوء سمعتها. وطبعًا أهل البلد ما هيصدقوه عشان إزاي عروسة تهرب ليلة فرحها وتروح لواحد ويتجوزها.
أدهم بحده: أنت كمان زيه، متفرقش عنه حاجة. متحاولش تبرر خطأك.
ليصمت قليلاً ليقول: ليه هي محكتش في المذكرات عن الكلام ده؟
عزت: لأنها مكنتش تعرف سبب طلاقها إزاي، ولا اللي عمله. أنا اتجوزتها ورجعت أعيش هنا في القاهرة مع جدك، وبعدت خالص عن كفر الشيخ، وقفلت الصفحة دي من حياتنا.
ليخرج صافعًا الباب، بعد أن أصبح عقله وقلبه في صراع وهو يتذكر، كيف كانت والدته مجرد لعبة لرهان سخيف، قد قضى على حياتها.
أدهم بتنهد وهو يمسح دموعه: اتفضل أدخل!
لتتأمل إلهام عيونه وهي تقول بحنان: أنت كنت بتعيط يا أدهم. مالك يا حبيبي؟
أدهم بقوة: ومين قال إني كنت بعيط.
ويغير مجرى الحديث ليقول: بكرة هنعمل حفلة كبيرة في القصر التاني، جهزي انتي ومريم وأنا هبعت السواق عشان ياخدكم.
لتبتسم هي له بحب لتقول: هتعمل اللي في دماغك صح؟
.................................................. .........
وكأن تلك الليلة، هي ليلة ذكريات الماضي، لتأتي بها الرياح لأصحابها، وتذكرهم بماضٍ قد أغلقت صفحاته، ما بين انتقام وخداع، ليصنع الكاذب سيناريو من تأليفه، لينسي الحقيقة، التي هدمها منذ سنين طويلة، طويلة لدرجة أن الزمن أغلقها، ليعود بعد أعوام ليفتحه، ويلعب لعبة إغلاقه لها ثانية، ليعود بفتحها مجددًا، وكأن الزمن يلعب بهم كما لعبوا به سابقًا، ليأتي الدور عليهم ويلعب لعبته، التي حتمًا ستأتي بعدها الحقيقة.
شعرت بتقلبه بجانبها، لتفتح عيناها، وتنظر إليه بشك: مالك يا زيزو؟
عزت بشرود: ها، انتي بتقولي حاجة يا نانسي؟
لتقترب منه حتى يصبح جسدها ملاصقًا له: بقولك مالك، لاء أنت شكلك بتفكر في حاجة، وحاجة مهمة قوي.
لينهض هو من على الفراش: أنا نازل تحت أشرب كاس، نامي انتي يا حبيبتي.
لتتأمل هي معالم وجهه بشك، لتقول: ده أنت داهية، ومحدش يعرف بتفكر في إيه. وقال أنا اللي فاكرة ممكن أضحك عليك، ده أنا طلعت عبيطة على الآخر.
لتبتسم بخبث وهي تفكر في لعبة جديدة ستلعبها مع أدهم.
.................................................. ...........
ليظل يلقي عليها، كلام الغزل لتترك له قلبها قبل أذنيها، لتستمع إلى كلماته، التي أصبح يغمرها بها، لتشعر بالحب الذي طالما تمنته، وأصبح الآن بين يديها، ومع من أحبته بل وعشقته، فكيف لا تعشقه وهو فارسها وحبيبها وكل شيء. لينطق قلبها ويقول: يلا بقي قولي حاجة!
ليقف لسانها عاجزًا، وكأنه قد فقد النطق، حتى نطق: وأنا كمان بحبك قوي يا أحمد.
ليقفز القلب فرحًا وهو يقول: أخيرًا، فعلتها!
ليقترب منها هامسًا وبصوت واطئ: قولي أحمد كده تاني.
هبه بخجل: يلا بقي عشان منتأخرش، والحق أجهز وأنت كمان عشان شغلك.
أحمد مبتسمًا: ماشي ياستي، وهانت خلاص، مش فاضل كتير وتبقي في بيتي، يا زوجتي العزيزة.
ليضغط على تلك الكلمة، ليرى معالم وجهها.
ليضحك بشدة ويقول: أنا قولت حاجة غلط؟ ده حتى أنا لسه كاتب كتب كتابي عليكي من يومين. أظهر إنك بتنسي بسرعة يا حبيبتي.
لتبتسم هي بخجل، لتقول: شكراً على الفستان يا أحمد، مع إن بابا كان مديني الفلوس صدقني عشان أشتريه اللي يعجبني.
لينظر إليها بضيق ويقول: هبه، انتي دلوقتي مراتي، وأي حاجة عايزاها ملزومة مني أنا وبس، فاهمة؟ ويلا عشان أروحك.
لتأتي خلفه سريعًا، بعد أن ابتعد عنها بخطوات قليلة لتقول: أنت زعلت؟ والله ما كنت أقصد.
ليتطلع إليها بحدة ويقول: اركبي يلا عشان أوصلك، وبليل هبعتلك السواق.
لتجلس بجانبه في السيارة وتقول: طب قولي إنك مش زعلان.
احمد بهدوء: خلاص يا هبه مش زعلان صدقيني، بس متتكررش تاني.
ليتطلع إليها ويقول: مفيش ميك أب كتير يتحط، والأحسن ميتحطيش خالص، فاهمة!
لتنظر إليه بابتسامتها المعهودة، ليعاود النظر إليها ويبتسم.
.................................................. ..........
لينهض من فراشه سريعًا بعد لحظات قد قضاها مع إحداهن، ويرتدي ملابسه على عجلة، ليقف على باب شقته ليقول: نانسي!
لتظل تنظر إليه في غضب شديد وبصوت عالٍ: أنت ليه حاطط المفتاح في باب الشقة من جوه؟
لتأتي إليه إحدى الفتيات بملابس عارية: مين دي يا شادي؟
لتتفحصها نانسي باحتقار لتقول: بقي أنا عمالة أتصل بيك، وحضرتك مع البتاعة دي. 5 دقايق والأقيك طردتها بدل ما أنا اللي أطردها وأفرج عليها الناس.
ليقترب هو من إحدى أذنيها ليقول: وتفضحى نفسك يا حياتي، لاء اعقلي كده. وثواني وهتكون مشيت ولا تزعلي نفسك يا روحي.
لتتطلع إليهم بغضب، وتبدأ في إخراج إحدى سيجارتها، ل تظل تدخن بغضب شديد، لتقول: ماشي يا شادي، ماشي.
وبعض دقائق، كان يجلس بجانبها وهو يقول: مالك يا نانسي، أوعي تكوني غيرانة؟
لتضحك هي بسخرية وتقول: أنا أغير من البتاعة دي؟ أكيد أنت مش في وعيك.
شادي باستفزاز: طبعًا يا حياتي، إيش جاب لجاب. نانسي مرات أكبر رجل أعمال، تغير من بنت زي دي. مش معقول. بس إيه اللي جابك فجأة كده، إيه جوزك مسافر؟
ليقترب منها ويقول: ولا وحشتك يا حياتي.
لتنظر إليه قليلاً وهي تقول: اتغيرت قوي يا شادي.
ليضحك هو بشدة ليقول: زيك تمام يا حياتي. مش الزمن بيغير برضوه، مش ده كلامك.
ليتذكر يوم أن...
بتفسخي خطوبتك مني يا نانسي، عشان مين صاحب الشركة. نسيتي حبنا؟
نانسي ببرود: الحب مش بياكل عيش يا شادي، ولا هيخليني أركب عربية ولا أعيش في فيلا. فاهمة أنا عايزة أعيش.
شادي بغضب: مكنتش فاكر إن لما هتشتغلي وتخرجي من حارتنا البسيطة، نظرتك هتتغير يا نانسي، وهتنسي حياتك. مش معقول انتي نانسي.
فرحت بدبلة خطوبتنا وحست إنها ملكت الدنيا كلها.
لِتُشِح بوجهها بعيدًا عنه وتقول: الزمن بيغير يا شادي.
لِيعود بذاكرته ويقول: ما قولتليش سبب الزيارة المفاجئة دي يا حياتي.
ويقف أمام عينيها برسميته التي تخلق منه شخصًا آخر، شخص يختلف تمامًا عن أدهم حبيبها. لتظل تتابع حركاته، وعندما تلاقت أعينهما، أشاحت بوجهها سريعًا.
لتبتسم إلهام بحب وهي تقول: بتعذبوا نفسكم على ماضي انتهى ومش هيرجع تاني، وهتضيعوا سنين عمركم بسبب الكبر والعند.
مريم بحزن: الماضي ده أنا ما كنتش أعرف عنه حاجة، ولحد دلوقتي مش قادرة أصدق. بس أدهم هو...
ليأتي من خلفها: السبب صح؟ ويقترب من إحدى أذنيها ليقول: الفستان ضيق شوية على فكرة.
لتتطلع إليهما إلهام وتقول: مبروك يا حبيبي على نجاح الصفقة الجديدة، ربنا يبارك لك في شغلك يا رب.
ليبتسم لها بحب ويقول: الله يبارك فيكِ يا أحلى لولو في الدنيا. ليمسك أحد أيدي مريم ويجذبها إليه، بعد أن غمز لإلهام. لتبتسم هي وتقول: روحي اقفي مع جوزك، انتي مرات صاحب الحفلة والمفروض تبقي معاه.
وقبل أن تعترض وتبدي رأيها، كان يقف كم هائل من الصحفيين ليلتقطوا لهم الصور. ليعرفهم على زوجته وأم طفله القادم.
لتشعر هي بالاندهاش من فعلته، ولكن رغمًا عنها وجدت نفسها تبتسم له وتضغط على إحدى يديه. ليهمس في إحدى أذنيها بحب: عايز أخبيكي عن العالم كله، مش عايز حد يشوفك غيري.
وبعد دقائق، كانت تجلس بجوار إلهام.
إلهام: سرحانة في إيه يا حبيبتي؟
مريم بشرود: خايف أسامح وأنسى، يكون بيعمل كده مجرد هدنة. وبعدين... لتصمت قليلاً وتبكي.
إلهام بحب: أدهم مش وحش يا مريم، بس أبوه الله يسامحه هو اللي زرع فيه ماضي محدش يعرف حقيقته غير (أبوكي وليلى وعزت). بس للأسف اللي فاضل هو عزت. وانسي إن الحقيقة تبان دلوقتي، بس أكيد هتنكشف في يوم. بس اللي أنا واثقة فيه، إن مش معقول واحد يربي بنته كده ويكون بالشكل ده. لتصمت فجأة إلهام عندما رأت!
عزت: أهلا يا إلهام، يعني ابني يعزمك وأنا أبوه لأ. شكلك بتأسي عليا ابني.
لتلتف مريم لهذا الصوت وقبل أن تتركهم وتنصرف:
عزت باحتكار: بقيتي انتي مريم؟ آه تصدقي افتكرتك، كنتي بتشتغلي حتة موظفة عندنا. ليتابع حديثه ليقول: أوعي تفتكري إنك بقيتي فرد من عيلتنا، إحنا عيلتنا كلها أسياد، مش جرابيع وشحاتين يا حلوة. مش عارف ابني شكله اتجنن عشان يخليكي تظهري في حفلة، آخرك تشوفيها في التلفزيون.
لتبتعد عنه بعينين باكيتين. لتنظر لها نانسي باشمئزاز وتقول: خلاص بقى يا زيزو متعصبش نفسك يا حبيبي عشان صحتك، وكمان متخليش واحدة زي دي توقع بينك وبين ابنك يا حبيبي.
لتتطلع إليهما إلهام باشمئزاز، وهي تتنقل بعينيها بين أوجه الموجودين. ولكن قد عادت عيناها خائبة بعد أن بحثت عنه.
لتقول: تعالي يا مريم يا حبيبتي، الحفلة دي حفلة جوزك، والمفروض اللي يحضرها يحضرها باحترامه.
ليرحلوا من أمام أعين عزت. لتقول نانسي: بيتمتعوا في خيرك يا حبيبي شايف.
لم تصدق عيناه بأنه بعد أن بحث عنها طيلة هذه المدة، قد وجدها الآن بعد أن فقد الأمل بأن يلتقي بها ثانية، وأين في ذلك الحفل. ليظل شارداً بها وفي ملامحها. ليقترب منها وبصوت هادئ: أزيك يا مريم؟
لتتطلع إليه بشرود وهي تتذكره: أستاذ جلال، إزيك حضرتك وأخبار مروان إيه؟
لتلتف إلى إلهام التي تتطلع إليهما وتقول: ماما إلهام، وده أستاذ جلال يا ماما.
جلال: اتشرفت بمعرفتك يا هانم.
وقبل أن يسألها عن سبب اختفائها، كان أدهم يقف خلفهم بحده ليقول: أهلا أستاذ جلال نورت الحفلة.
جلال بحبور: أهلا مستر أدهم. وتظل عيناه مسلطة على مريم. وقبل أن يقول شيئًا، كانت مريم تبتعد عن أعينهما بعد أن رأت أعين أدهم مصوبة عليها. لتنتبه لصوت أحدهما، وهي تعيد ذلك الصوت لمسمعها. لتلتف خلفها وهي تبتسم لصاحب ذلك الصوت.
رواية قلوب تائهة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سهام صادق
وكأن للقدر مفاجأت تائهه لا تخطر على أذهاننا، ليجمع ويفرق كما يشاء، وما علينا نحن سوى الوقوف أمام تلك المفاجآت لنرى هل ستسعدنا أم سيكون شعور آخر لا نتوقعه.
وقفت متأملة في صوت كانت تعرفه كثيراً، لتلتف بأعينها لترى صاحب ذلك الصوت.
هبه بحب: ياااا يامريم آخر مكان ما توقعتش للحظة إني أقابلك فيه، وحشتيني بجد.
مريم بحب: وإنتي وحشتيني أكتر ياهبه، مبروك على خطوبتك ببشمهندس أحمد.
هبه بخجل: الله يبارك فيكي. نظرت إليها بتساؤل لتقول: إنتي كنتي فين المدة دي كلها؟ أنا سألت عنك كتير لدرجة إني فقدت الأمل إني ألاقيكي.
لتشيح بوجهها سريعاً، لتقع عينيها عليه وهو يتحدث مع ضيوفه بابتسامته وجاذبيته المعهودة، لتتنهد قليلاً: اتجوزت!
هبه فرح: مبروك ياحبيبتي، وأنا كلها مدة قصيرة وأحصلك. تذكرت شيئاً قد جاء ببالها: إنتي عرفتي منين صح إن أنا وأحمد اتخطبنا؟
لتعود بنظرها على أدهم وهي شارده، لتنظر إليها هبه بدهشة: إنتي ودكتور أدهم اتجوزتوا!
لتبتسم مريم بحزن وهي تهرب بأعينها إليه، لتتذكر لحظة زواجهم لتبتسم بألم، وهي تحرك لها رأسها بالإيجاب.
.................................................. ...............
كانت جميع نظراتها توحي بالعتاب والألم، لم يكن كما يقولون فارس الأحلام المنتظر، ولكن كان فارس الأحلام المرسوم، فارس الأحلام الذي يصنعه هو كي يصبح في نظر إحداهن الشخص المناسب. تذكرت يوم رأتْه وبدأ يلعب معها لعبته.
عزت: أهلاً، أهلاً بشمهندسة إلهام، نورتي الشركة.
إلهام بجديتها المعهودة: أهلاً يا فندم.
ليظل هو يتفحصها بعقله قبل قلبه، ليصبح قلبه تائهاً بين رغبات عقله. وما إن انتهى حوار العمل، حتى بدأت اللعبة الجديدة، التي لم ينكر يوماً أنه لم يحبها، فقد كانت لها بريق لامع يخطف الأنظار، ولكن لم يكن عليه ومعه، هو عزت شوكت أشهر رجال الأعمال. وفي النهاية أصبحت زوجته التي فرض عليها الزمن أن يكون قدرها.
ابتسمت بسخرية وهي تتذكر أيامها معه، لتشرد في يوم أن طلقها، لتبتسم براحة كما يبتسم العصفور الحر عندما يطلقه سجانه لينعم بحريته. كما كانت كثيراً تظن أن كلمة طلاق بالنسبة للمرأة أصعب شيء، ولكن عندما نطق هو بها إليها، كانت مثل الطفلة الصغيرة التي يكافئها والديها بالعروسة الكريستال. ليقف الزمن ثوانٍ وتتلاقى أعينهما.
عزت مقترباً منها بغروره وثقته المعتادة: بلاش تعصي أدهم عليا يا إلهام، أدهم ابني أنا.
إلهام ضاحكة بسخرية: ابنك؟ غريبة يا عزت، أنت تعرف إيه عن الأبوة عشان تقول ابني؟ ضحكت ثانية لتقول: تقريباً متعرفش غير بس متعتك والستات، أما ولادك الفلوس ممكن تربيهم، ممكن تجيب مربية أو عشرة مش هتفرق وتربي ولادك. نظرت إليه باحتكار وهي تقول: أو واحدة تتجوزها وتكون ليهم داده مش صح. أما أنت بقى لازم تفضل في العالم بتاعك ومزاجك ومش فارقة، تصدق أنا بستغرب أنت بقيت أب إزاي؟ والغرابة إن أدهم مش زيك ولا حتى إياد اللي كان ممكن يبقى زيك مبقاش نسختك، أظاهر أنت نسخة شاذة يا عزت.
ليتطلع إليها بحدة، وقبل أن ينطق بأي كلمة، كان أدهم يقف أمامهما: السواق وصل يالولو، يلا عشان يوصلك إنتي ومريم، لأن مريم شكلها تعبانة.
لتتطلع إليه إلهام بحب: ربنا يخليك ليا يا حبيبي. ثم عادت بالنظر للعزت الذي كان يشتعل غضباً من كلامها الذي لم تتفوه بشيء خطأ منه.
ليقف أمامه أدهم وبصوت هادئ: كرامة مراتي من كرامتي. وكاد أن ينطقها لأول مرة منذ زمن، ولكنه أدرك سريعاً غلطته وقال: يا عزت باشا، وأظن لما تهينها كأنك بتهيني تماماً، عن إذنك سهره سعيدة.
ليتركه بمفرده، وهو يلعن كل شيء وأولهم هي (مريم).
.................................................. ........
جلست بجانبه في سيارته، ليتطلع إليها من حين لآخر وهو يرى عينيها الشاردة وكأنها تفكر في شيء هارب منها، لتحرك بيديها يميناً ويساراً وكأن المسألة أصبحت معقدة بالنسبة لها.
أحمد ضاحكاً بصوت عالٍ: مالك ياهبه؟ إنتي اتجننتي ولا إيه ياحبيبتي.
هبه بغيظ: يعني أنت كنت عارف مكان مريم فين؟ ومرضتش تقولي لما جيت سألتك.
أحمد ينظر أمامه ليتابع طريقه: مش بالظبط كده.
هبه: يعني إيه مش فاهمة.
أحمد بتنهد: يعني عارف أه الموضوع من بدري، بس يوم سألتيني كنت لسه معرفش. التفت بوجهه إليها: إنتي ليه شغلة بالك بالموضوع؟
هبه بتفكير: أمممم، أصل غريبة دكتور أدهم ومريم يتجوزوا، شيء غريب. طب إزاي ده تقريباً دكتور أدهم مشافش مريم غير في المرتين اللي خبطها فيهم؟ يعني حب من أول نظرة، طب لو فعلاً حب من أول نظرة ليه محدش عرف بجوازهم؟
أحمد بهدوء: مفيش حاجة غريبة ياحبيبتي، مع الحب متستعجبيش. طب ما أنا حبيتك من غير ما أعرف. ضحك قليلاً وهو ينظر إلى وجهها.
هبه بدعابة: طب ما أنا حبيتك من غير ما أعرف حبيتك إزاي.
أحمد مبتسماً: بس إنتي كنتي بتحبيني من زمان. غمز لها وهو يضحك.
هبه بعبوس: لأ إنت بقى اللي كنت بتحبني الأول.
ليقف بسيارته أمام بيتها ويتطلع إليها: مش مهم مين فينا اللي حب التاني الأول، المهم إننا دلوقتي مع بعض. ويقف بهما الزمن للحظات، ليذوبا معاً في نظرات أعينهما، ليقترب منها قليلاً ويكاد أن يقبلها، ليبتعد عنها سريعاً: يلا عشان متتأخريش، وهبقى أكلمك لما أوصل البيت.
لتنظر إليه بخجل شديد، وتهبط من سيارته وهي تتابعه بأعينها. ليتنهد هو بشرود، ويتذكر حبه الزائف سابقاً لـ ندى، لينهر نفسه على ما كان سيفعله، فحتى لو أصبحت زوجته، فهي الآن أمانة معه حتى تصبح زوجته أمام الناس.
.................................................. ...........
ظلت تتأمل المكان، وكأن الزمن لم يمر عليه يوماً، وكأن الزمن قد مر عليهما فقط. لتتطلع بعينيها على مكان جلوسه، وتسير بخطوات بطيئة لم تعرف لماذا أصابها الخوف الآن ولماذا سوف تخاف؟ فهي لم تصبح المراهقة التي تسرق من الزمن لحظات للقاء حبيبها. ليرفع بوجهه قليلاً، ليرى قدومها، ويبتسم.
صافي: إزيك يا مازن!
لتجلس أمامه وهي شارده في ماضٍ قد انتهى: لسه فاكر مكاننا المفضل.
مازن يتطلع إلى عينيها: وعمري ما نسيته.
وبعد صمت طويلاً دام بينهما.
مازن: أطلقتي من أحمد ليه؟
نظرت إلى عينيه، اللتين تتأملانها بأسى لتقص له كل شيء، كل شيء عن زوج خائن، زوج لا يفرق معه سوى نفسه، زوج قد أعاد إليها ابنها مقابل المال، زوج قد أهانها طيلة سنين زواجهم، ليرمي لها ورقة طلاقها بعد أن تركها في بلد غريب. لتبكي مع كل كلمة كانت تنطق بها تذكرها بجميع لحظاتها معه.
مازن يتطلع إلى وجهها الباكي بألم: على فكرة أنا سميتها رهف.
صافي تبتسم من بين دموعها: وعلى كده طالعة ليك ولا لمامتها؟ لتشيح بوجهها بعيداً عن موضع إصبعه الذي يزينه خاتمها.
مازن بشرود: مي ماتت بعد ما ولدتها على طول، للأسف كان عندها القلب، والدكاترة منعوها إنها متخلفش بس كان نفسها تجيبلي طفل أفضل أفتكرها بيه.
صافي تتطلع إلى معالم وجهه بأسى: أنا آسفة يا مازن، مكنش قصدي أفكرك بيها.
مازن مبتسماً: أنا أصلاً منستهاش، بشوفها ديما في رهف، لأنها نسخة مصغرة منها.
لتشيح بوجهها بعيداً، حتى لا يرى الدمعة التي فرت منها بدون أن تشعر، عندما رأت في عينيه حبه لزوجته. لم تدري لماذا قد غارت، فهو لم يخطئ عندما بدأ حياته من دونها وتزوج، فماذا كانت تنتظر؟ أن تعود له لتجده ما زال ينتظرها.
.................................................. ...............
جلس يتابع أعماله بتركيز تام، إلى أن جاء طيف من ملامحها أمام عينيه، ليزيح بنظارته الطبية، ويظل شارداً بها قليلاً، ليتذكر عين طفله عندما أخبره أنه قد رآها، ليبتسم له ابنه، ويطلب منه أن يلتقي بها، فهو يريد أن يسمع صوتها ويتحدث معها، فقد كانت أول امرأة شعرته بالحنان بعد وفاة والدته ويحبها. لم يعتقد أن الصدفة سوف تجمعه بها في ذلك الحفل، الذي تم إقامته بسبب الصفقة التي حدثت بين شركته ومجموعة شركات أدهم. ليحادثه عقله: أكيد موظفة عندهم. ليشرد قليلاً ويتذكر يوم أن قالت له إنها تعمل في إحدى الشركات التي تخص مجموعة الصفوة (التابعة لأدهم). لينهر عقله بأنه لم يتذكر هذا إلا الآن، فقد بحث عنها كثيراً، ولكنه نسي أمر عملها تماماً. ليمد يده ويلتقط صورة طفله القابعة أمامه ليتأملها وهو يراها أيضاً أمامه، ليبتسم بشرود بعد أن علم كيف سيصل إلى طريقها.
لتدخل سكرتيرته الخاصة: مستر جلال، الاجتماع هيكون بعد يومين مع شركة الصفوة للاستثمار، سكرتيرة مستر أدهم اتصلت وبلغتني بالموعد.
.................................................. ...............
ما زالت الأعين والنظرات تحاوطها، والكل يتحدث عن زوجة صاحب العمل، التي تعمل معهم كمجرد موظفة عادية لا تفرق شيئاً عنهم. ليظل البعض يتأكد من الخبر المعلن أمام أعينه في مجلات مشاهير المجتمع، ويظل البعض الآخر يتأكد ممن شاهد ذلك بعينيه في الحفل التي حضرها. لتظل هي تشاهد العيون المسلطة عليها، وتسمع أحاديثهم الجانبية، وكأنها أصبحت حديثهم جميعاً، لتبتسم بسخرية على حالهم. لتأتي إليها سكرتيرته التي تحولت تماماً من كائن بغيض إلى أحد يود أن يفرش لها الأرض وردًا كما يقولون.
وقفت تنظر حولها، متأملة مكتبه الفارغ، لتسير بخطوات بطيئة نحو مكتبه الوثير لتظل تتفحصه بعناية دقيقة، وبعد لحظات كان فضولها يحاوطها أن تجلس على كرسيه، لتلهو بعض الشيء في متعلقاته، ولكن ليس للاطلاع بل بالعبث قليلاً. شعور طفولي قد سيطر عليها بدون أن تشعر، لتظل تمسك بأحد الأقلام وتجذب أحد أوراقه لتسطر عليها رسمتها. وكادت أن تنهض من مكانها عندما وجدت أنه لم يأتِ حتى الآن، لتري الباب يفتح ويقف هو أمامها.
عزت بحده: لأ وكمان قاعدة على كرسي ابني؟ وكأنك ورثتي الشركة، أو شريكة فيها. لأ فوقي يا بنت عبد الله، إنتي ولا حاجة وعمرك ما هتبقي في المكانة دي، واللي في بطنك اللي ربنا ربطنا بيه ده، بكرة تولدي وأخده وأرميكي في الشارع. ضحك بسخرية وهو يرى دموعها.
لتتطلع إليه بعينين باكيتين: أنت ليه بتكرهني كده؟
عزت ساخراً: عشان إنتي بنته فاهمة؟ حظك إنك بنته.
ليتطلع إليها بحدة: إنتي لسه واقفة قصادي؟ يلا من وشي، مش على آخر الزمن راسك هتبقى براسنا.
ليقف خلف والده، بعدما هز رأسه لها بأن تصمت، ليقول: خلصت كلامك يا عزت باشا، واهنت مراتي براحتك. تنهد بضيق: قولتلك قبل كده كرامة مراتي من كرامتي.
يعني لما بتهنها بتهني أنا. والعموم نورت المكتب ياعزت باشا.
ليصمت عزت قليلاً ويتطلع إليه وهو يعلم بأنه قد خسر ابنه للمرة المليون. ولم يبقَ أحد خاسر في تلك الكرة إلا هو. ليلتف إلى مريم ويتأمل ملامح وجهها الباكية. ليغادر المكتب، بل الشركة بأكملها.
لتقف هي أمامه: "أنا آسفة أني سببت لكم خلافات مع بعض. وصدقني كان غصب عني."
ليقاطع حديثها وهو يضع أنامله على فمها بحنان: "هووس، متتكلميش. مكتبي ده هو مكتبك، والكرسي ده تقعدي عليه براحتك. وأظن لو متمتعتيش بخير جوزك وهو عايش، عايزة تتمتعي بيه امتى؟"
لتنظر له بدموع: "بعد الشر عليك، متقولش كده. أنا مش عايزة حاجة، أنا عايزاك." لتقف آخر كلمة في حلقها.
ليبتسم هو على حبها له الذي ما زالت تحمله: "لسه بتخافي عليا يا مريم؟"
مريم بطيبة: "متزعلش منه يا أدهم، ده مهما كان باباك. صدقني باباك طيب، بس للأسف ساعات من ضعف نفسنا الشيطان بيسيطر علينا ويلعب بينا زي ما هو عايز، لحد ما بنعيش ونموت وإحنا في دنيا غافلة."
ليجلس على أحد الأرائك بتعب: "أنا تعبان أوي يا مريم. بقيت تايه، مش شايف أي حاجة قدامي غير سراب."
لتقترب منه ببطء وهي تتطلع إلى ملامح وجهه المتعبة: "انت كويس يا أدهم؟"
أدهم بشرود: "أنا بقيت محتاجك أوي يا مريم. أوعي في يوم تفكري تسيبي إيدي. خلينا نعاتب بعض، نزعل، نثور، نغضب، بس أوعي في يوم تبعدي وتسبيني، سامعة." ليبتسم بألم: "أنا عارف إني ظلمتك، وجيت عليكي كتير، وهدمت حبك ليا بإيدي. ومهما بتعملي وتثوري عليا مش بزعل، بحسك إنك بنتي اللي لازم أحتويها."
لتبكي أمامه بصمت. ليقف أمامها ويحتضنها: "أخبار حبيبي أو حبيبة بابا إيه؟"
لتتأمل ملامح وجهه بحب: "إحنا كويسين طول ما أنت معانا وجنبنا."
لم يتمالك نفسه، سوى أن يقربها منه ثانية ويحتضنها بشدة. لتبكي هي على كتفيه. لأول مرة تراه بهذا الضعف. الضعف الذي جعلها تعصف بكل شيء، حتى لا تبقى هي أيضاً جلاداً يُنصب عليه. ليرفع وجهها قليلاً: "بتعيطي ليه دلوقتي؟ مش كنتي بطلتي عياط وبقيتي مريم القوية؟"
مريم بدموع: "أوعي تضعف يا أدهم، وتكرهه بابا. والله ما كان راجل وحش. لو كان عايش لحد دلوقتي كنت فعلاً هتصدق كلامي."
أدهم بشرود: "ما هو ده اللي مخليني تايه. مش قادر أصدق إن الراجل اللي عرف يربي بنته كويس، ويربيها أحسن تربية وبرغم كل حاجة قبله، حافظ عليها وعلمها. مش قادر أصدق إن البنت اللي رضيت تشتغل أي حاجة عشان تصرف على والدتها وترعاها. ولا قادر أصدق إنها بتدعيلي حتى لو ظالمها." ليصمت قليلاً ليقول: "شفتي أنا تايه إزاي."
***
كانت عيناه ما زالت تتفحصها وهو يتطلع إلى جسدها برغبة شديدة. ليبتسم لها: "إنتي تأمري يا مدام نانسي."
لتتطلع إليه باشمئزاز، تحاول أن تداريه تحت ابتسامتها المزيفة: "عايزاك تنشرلي الصور دي، ولازم تنشرهالي في أسرع وقت. ويا ريت يكون في العدد اللي جاي."
فهمي: "صور إيه دي يا مدام نانسي؟"
لتعتدل هي من جلستها: "هيبقى سبق صحفي لمجلتكم هايل."
ليتطلع هو إلى الصور. لتبدأ شفتاه في التبسم: "تحبي تشربي إيه يا مدام؟ لمون صح؟"
نانسي بضحك: "طبعاً، محدش هيعرف إن أنا اللي ورا الصور دي، مفهوم؟"
فهمي، بتأمل للصور: "طبعاً يا هانم!"
***
كان يحتضنها بين ذراعيه، لتصبح أنفاسه تحاوطها. لتغمض عينيها قليلاً، وهي خائفة لا تعلم لماذا أصبحت تخاف من حياتها، وكأن كل شيء معه أصبح مهدد. ليشعر هو بهدوئها ويقول بدعابة: "بطنك بدأت تظهر يا حبيبتي، قربتي تبقي شبه الكورة."
لتضحك وهي تبتعد عن حضنه. ليجذبها له ثانية ليهمس بصوت حانٍ: "بس عجباني برضه في كل الحالات يا طفلتي."
لتبتسم هي، وتمسك بأحد يديه وتضعها على بطنها التي بدأت بالفعل في الظهور: "سامع بابا بيقول إيه؟ ماما هتبقى شبه الكورة."
ليضمها إليه بشدة. ليشرد قليلاً في يوم قد فكر للحظة أن يتخلص منه ويحرم نفسه من أجمل شعور يتمناه المرء: "كنت خايف مكنش أب كويس. كنت خايف أكون زيه، وابني يكرهني."
لتتطلع إلى وجهه الذي أشاحه بعيداً عن عينيها: "كتير كنت بحتاجه يبقى جنبي. عارفة كنت بعوض نقص احتياجي ليه في إياد. كنت كل ما أحس إني محتاج حضنه، وإيده تطبطب عليا وتوجهني، كنت ألاقي نفسي مع إياد. أفضل أزعقله وأعاقبه. كنت عايش معاه تقريباً دور الأب قبل الأخ."
ليتأمل وجهها بحب: "خفت أوي يا مريم، أكون أب ولا حاجة بالنسبة لولادي، وكأن وجودي زي عدمه."
ليقول بشرود: "نظرتها عمرى ما أنساها، وهي بتبصلي أنا وإياد. كان إياد لسه طفل بيتعلم المشي. قالتها آخر جملة في حياتها. يا ترى مين فيكم يا ولادي هيكون زيه؟ فضلت تبصلنا إحنا الاتنين وكأنها كانت بتدور على عزت تاني. مكنتش عارف ليه نظرتها كانت فيها ألم كده، بس بعدين فهمت هي كانت خايفة ليه. تصدقي لو قولتلك إني مش بكرهه؟ عمري ما كرهته."
لتتطلع إلى نظرات عينيه قليلاً: "أنت مش زي باباك ولا هو زيك. إحنا اللي بنقرر هنعيش بأي دور وبأي وش. في اللي بيكون عايز يعيش زي الصنم مبيسمعش غير شيطانه، وفي اللي بيكون عايز يعيش إنسان زي ما ربنا خلقه. وكلنا بنحدد دورنا وكل واحد هو اللي بيحكم على نفسه الدور اللي هيعيشه. وفي الآخر الرسالة بتنتهي، وقلوبنا التايهة بترجع مطمئنة من تاني، وعقلنا بيقف عن البحث في عالم فاني. وبكده كل واحد بيوصل لرسالته."
ليتأملها بحب شديد، ويلمس وجهها بحنان: "إنتي أحلى حاجة ربنا بعتها لي بجد يا مريم. ده أنا حتى ساعات بستغرب إن ربنا بعتك ليا." ليبعد بوجهه قليلاً ليقول بندم: "مع إني كنت بعصيه أحياناً." ليصمت قليلاً: "وكثير كمان، وبنسى إنه مطلع عليا وشايفني."
لتتطلع هي إلى الفراغ الذي أمامها بشرود: "ساعات ربنا بيمد إيده لينا، عشان يساعدنا والشاطر هو اللي يقدر يجري على فرصته قبل ما تضيع. لأن الفرصة ما بتجيش غير مرة واحدة. وكل واحد حسب فرصته في اللي ممكن ربنا يبتليه بمرض عشان يختبر صبره ورضاه، ودي بتكون فرصته في الدنيا. وفي اللي بتمر عليه الدنيا بمواقف للعبرة، عشان تنبهه ويفوق. وفي اللي ربنا بيقابله بالناس اللي روحهم شبهه عشان يقدروا يمدوا إيديهم لبعض ويكملوا مع بعض. وفي اللي بتتوفر ليه كل الفرص دي، وللأسف بيكون الأوان فات، والفرص بتكون خلاص راحت، والحياة انتهت."
ليظل يتأملها طويلاً. ليقول بحب: "يوم جوازنا ما صليناش مع بعض، تيجي نقوم نصلي وأكون أنا إمامك."
رواية قلوب تائهة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سهام صادق
وكأن الزمن يصارعنا لنصبح بين طيات ماضيه وحاضره، ليقف لحظة بنا في عالم لا نرى فيه سوى نسمات أرواحنا. لنسير معه بخطى بطيئة وكأننا لا نريد أن نترك عالماً أصبحت أهواءنا بين عصافات رياحه. لنلتف خلفنا فإذا بنا نرجع للسراب ثانية، ونخرج من عالم قد رسمته قلوبنا ورفضه العقل بأحلامه الوهمية. لتقف أقدامنا بين ذاك وذاك، لتبحث عن مكان.. ما يقال عنه عالمنا الحقيقي. لتهرب القلوب التائه منه لعلها تجد ما تبحث عنه. وتظل القلوب الضائعة في ظلامها القاتم. لتبصر العين كما أراد القلب، وتصبح الأرواح في الملكوت سابحة. بين ذكريات وماضي وقلوب أشبه ما يقال عنها قد فقدها أصحابها منذ زمن في رحلة قد كان العقل هو سيدها.
لم يكن لغفران شيء سهل أن تقدمه له، فالجرح لا يطيب إلا بعد وقت يمهله الزمن لنا. لا نعلم هل سيطول أم سنطيب سريعاً. ولكن قد نسينا أن الاهتمام قد يجعله يشفي سريعاً ليطيب. ولنقل هذا ما جعل الغفران سمة لقلوبنا التائه.
فكم كان صوته جميلاً وهو يؤمها في الصلاة. لم تتمالك أعينها من أن لا تفيض دمعاً، وهي تسمع صوت بكائه وهو مازال يردد قول الله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكَ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يَحْسَنُونَ صُنْعًا).
لينهوا صلاتهم سوياً. ويزال هو شارداً في عالم بعيد وكأن الزمن قد أطال بينهم فأصبحت المسافات لا تحسب من طول بعدها. لتقترب هي منه. وبعد لحظات طويلة قد قضاها بمفرده هائماً في عالمه. التف إليها ليقول بصوت تائه:
ساعات من غبائنا بنفتكر أننا ماشيين صح في الدنيا. ونكمل طريقنا عادي. وكأن التايه بيكون عارف أن طريقه صح وانه خلاص قرب يوصل. لحد ما بيلاقي نفسه في نهاية مطاف مسدود. بين الضياع والسراب.
ليبتسم بمرارة:
كنت طول عمري بفتكر أني ماشي في طريقي اللي رسمته صح. بس للأسف اكتشفت أن أكبر غلط إنك تظن لحظة إنك فعلاً صح. في العالم اللي خلقت نفسك فيه. ونسيت في الآخر إنك أنت الوحيد اللي ضايع في دنيا محدش عارف فيها إذا كان كسبان ولا خسران. إذا كان تايه ولا عارف طريقه كويس. إذا كان ماشي صح ولا ماشي غلط. ولسا بيكابر مع نفسه لحد ما يكتشف إنه كان ضايع.
لتمد يدها بحنان وتضعه على أحد يديه وكأنها تريد أن تشعره بأنها مازالت معه، وسيسيران معاً في طريق واحد.
ليلتف إليها بعينيه الحانية ليحتضنها بهما. وكأن للعين حضناً خاصاً لا يفهمه أحد سوى المحبين.
***
وكم كانت لحظة لا تُنسى من العمر. لحظة ستظل ذكرى خالدة في ذهنه يتذكرها كلما رأى طفلاً يكبر أمامه. كلما رآه يخطو أول خطوة له. ليصبح رجلاً يافعاً يتكئ عليه في كبره بعد أن يحسن تربيته في صباه. ليقف به الزمن لحظات وهو يدرك سعادته وهو يحمل طفله بين يديه. لتتأملهم هي بعينيها، وهي ترى صورة لأسرتها الجميلة. فها هو زوجها وطفلها أمامها. لترسم العين صورة أخرى من صور الحب. ليلتف هو إليها وبصوت حاني:
حمدلله على سلامتك يا شاهي. قصدي يا أم أدهم.
لتبتسم هي بتعب:
الله يسلمك يا حبيبي. طالع حلو.
أيهم بفرحة الأب:
وهيكون وحش لمين. باباه ومامته حلوين.
لتبتسم له لتقول:
طب هاتوا أشوفه بقى. عشان نفسي ألمسه.
ليقترب منها وهو مازال يتأمله. لتمد يدها بحنان لتقول بصوت باكي:
مكنتش فاكرة لما هتيجي هتلاقينا في السعادة دي وهتلاقينا منتظرينك بفارغ الصبر. كنت خايفة عليك تعيش حياة في أب وأم مجبرين على بعض. فكرت كتير أن أتخلص منك وأرمي كل حاجة ورايا وأضعف لشيطاني.
لتبتسم من بين دموعها لتقول:
كنت أظن. ولكن قد خاب الظن. وبقي الظن بربنا أعظم وأكبر من كل شيء.
ليبتسم هو من بين دموع فرحته المختلطة بدموع ندمه:
الحمدلله إن ربنا أنعم علينا بيه وجعله سبب في رجوعنا لبعض.
لتقرب يديها بحنان إلى أنامله الصغيرة وتظل تتحسسها بحب وهي تشعر بمشاعر أخرى قد بدأت تزرع في قلبها. مشاعر لا يمثلها شيء سوى الحب الأبدي.
لتقف الأعين لحظات. وتتلاقى أعينهم على فرد واحد فقط وهو الضيف الجديد.
***
لحظات قد قضاها يصرخ بها وهو يلعن ويسب في خيانتها.
لتقف أمامه بدموعها الوهمية لتقول:
صدقني يا عزت أنا معرفش حاجة عن الصور دي. متظلمنيش يا عزت.
ليمسك أحد يديها بعنف ليقربها منه وهو يقول:
والصور دي يا هانم. ها فهميني انتوا كنتوا بتستغفلوني انتي والبيه ابني.
نانسي بدموع:
لما كنت بشتغل في الشركة. قبل ما أتعرف عليك. كان أدهم بدأ يلفت نظري ويقرب مني. وبدأ يوهمني بحبه. بس في الآخر طلع كداب.
لينهرها بشدة وهو يقول:
والصور دي.
نانسي:
كنا في صفقة لازم نمضي عقودها في شرم الشيخ. والشركة رشحتني أني أسافر مع مستر أدهم. ومعرفش بقى أكتر من كده. حرام عليك بقى يا عزت. والله أنا مظلومة ومحبتش حد غيرك.
عزت بشك:
عشان كده كنتي عايزة ترجعي تشتغلي معاه في نفس المكان.
نانسي بهستيرية مصطنعة:
لا يا عزت متظلمنيش. أنا عملت كده عشان بس أثبت له إن عمري ما فكرت فيه للحظة. وإن هو دلوقتي بس ابن زوجي. والله.
لتقترب منه بخبث:
أوعى يا عزت تصدق الكلام الفارغ ده. أنت لو صدقته أنا ممكن أموت.
لتنهض بتثاقل أمام عينيه. وهي واضعة بيدها على رأسها. لتسقط مغشية عليها.
***
وكأنها أصبحت محور حديثهم كل يوم. ليسلطوا عليها أعينهم. ويظلوا يتحدثون بهمسات جانبية. ولكن اليوم كان مختلف تمام عن سابقه. فالنظرات قد اختلفت تماماً. وأصبحت أما شفقة أو شماتة لا تعرف سببها. لتظل تتابعهم بنظراتها الحائرة بينهم وكأنها تبحث عن مجيب لها ليخبرها لماذا كل هذه النظرات. لتقترب منها إحدى زميلاتها وتلقي أمامها تلك المجلة. والبسمة تملأ وجهها وكأنها في معركة سباق معها.
لتتطلع إلى نظرات أعينها التي تحدثها بأن ما تريد معرفته في هذه المجلة وأمام عينيها. لتسقط بنظراتها على خبر. ظلت تتابعه بنظراته وكأنها ترى أمامها شخصاً آخر ليس بزوجها. لتتوالى الأسئلة على ذهنها. أيعقل أن يكون على علاقة بزوجة أبيه؟ وكيف؟ لتعاود بالنظر إلى تلك الصورة وهي تراهم أشبه ما يقال عنهم بالعشاق. وكأنها كانت حبيبته أو بالأصح عشيقته.
لتقف على قدميها التي أصبحت في تثاقل. لتسير بخطوات بطيئة وهي هائمة بين ما رأت. لتقف على صدمة أخرى وهي تسمع:
أنت لازم يا أدهم تقول لمريم عن نانسي. أكيد اللعبة دي هي اللي وراها.
ليتنهد قليلاً ليقول:
وياريت كمان تصارحها بسبب جوازك منها في البداية يا أدهم. قبل ما تلاقي كل الماضي بيتفتح من تاني. وتكون الصدمة أكبر ليها.
أدهم بحدة:
الحقيرة بتحاول تهدم حياتي. بعد ما هددتها بأني أفضحها وأكشفها. وكمان انت إزاي يا أحمد عايزني أقول لمريم إني فكرت للحظة إني بعدها عن أخويا بجوازي منها عشان متبقاش عقبة ليا. وتأثر عليه. إزاي أقول لمراتي: كنت شاكك في علاقة بينك وبين أخويا.
أحمد:
طب الصور دي فعلاً حقيقية.
أدهم بحدة:
ما أنت كنت معانا يا أحمد أنت وندي ولا إنت ناسي. وكنت بتشوف نانسي قد إيه كانت بتحاول تقربلي وتفرض نفسها عليا. مش هنكر إني في أوقات كنت بسمح ليها بكده. بس مش هتوصل للمناظر اللي في الصور دي.
ليدقق أحمد في هذه الصور قليلاً ليعود بذاكرته للوراء:
دي صوري أنا وندي. أظاهر إنها استغلت تقاربنا في الجسم والطول وعرفت تلعب كويس على الصور بس باحتراف.
لتتساقط دموعها وهي تتذكر اللحظات الأولى من زواجهم. لتكتشف حقيقة أخرى. فمن تزوجته منه كان يراها مجرد عاهرة تبحث عن رجل توقعها في شباكها.
لتلتف بخطوات بطيئة للهروب من ذلك المكان. لتصطدم بسكرتيرته وتقع مغشية عليها. لا تدري بشيء سوى بشريط ذكرياتها الذي يمر أمام عينيها.
***
لحظات من الصمت دامت بينهم. وهو يتأملها بتنهد ويفرك بشدة بين أصابعه. ليقول بصوت جامد:
الصور دي وقعت في إيد الصحافة إزاي.
لتتطلع إليه بأعين باكية:
مش عارفة صدقني يا زيزو.
لتبدأ في البكاء ثانية لتقول:
انت مش مصدقني صح.
عزت بضيق:
يعني أشوف صور ليكي انتي وابني. وفي الآخر أطلع مغفل ما بينكم.
نانسي:
والله يا زيزو أنا عمري ما استغفلتك. أنا محبتش حد غيرك وسيبت كل الناس وبقيت معاك انت وبس.
عزت بحده وهو ينهض من جانبها:
المهزلة دي لازم تتحل. احنا مش ناقصين فضايح.
ليتركها وهي تمسح دموعها التي صنعتها بمهارة لكي تتقن الدور. ليتحقق لها ما تريد.
***
بدأت تفتح عينيها برفق. لتغمضها ثانية وكأنها تريد أن تظل بين ظلام الذكريات. لتعود بفتحها من جديد لتتلاقى أعينهم سوياً. لتشيح بوجهها بعيداً عنه وهي تقول بصوت باكي:
أنا عايزة أمشي من هنا. مش عايزة أعيش معاك. مش عايزة حاجة تفكرني بيك.
لتظل تصرخ في وجهها.
لتنهض بثقل، لتظل تدور بأعينها في أرجاء الغرفة وهي تقول: مش هعيش تاني معاك، مش هعيش في سجنك من تاني.
ليقف أمامها بوجه صارم: ممكن تسكتي شوية؟ اديني فرصة أفهمك.
مريم بحده: مش عايزة أفهم حاجة ولا عايزة أسمع صوتك. لتضع بيديها الاثنتين على أذنيها وكأنها تريد أن تمنعهما من سماع صوته.
أدهم: مريم اسمعيني بقى، حياتنا مش هتفضل بالطريقة دي، أنا اتخنقت.
لتبكي أمامه وهي تقول: وأنا مش عايزة الحياة دي معاك، مش عايزة أكمل عمري مع شخص كان أكبر كدبة في حياتي، سيبني بقى حرام عليك أنا مش أسيرة عندك، ولا لعبة امتلكتها.
لتجلس على الفراش بتعب وهي تقول: مش قادرة أستحمل خلاص. لتتنهد بشرود لتقول: أو "عي تفتكر أنه فارق معايا موضوع الصور لأن دي حياتك وأنت حر فيها، بس حياتي أنا بقى سيبها واخرج منها، أنت أكتر حد أذاني وجرحني. لتبكي بدموع لتقول: كنت فاكرة إن الوحدة اللي كانت محوطاني في بيت أهلي بعد ما سابوني قاسية عليا، كنت فاكرة ظلم عمي ليا وأنه يرميني ليك قهر، بس دلوقتي عرفت يعني إيه قهر بجد. عارف يعني إيه؟ يعني تكتشف فجأة إن أقرب حد ليك هو أكتر حد خدعك وعرفك يعني إيه ألم. أنا عايزة أرجع لوحدتي تاني مش عايزة الحياة دي. لتصرخ في وجهه لتقول: انتوا ليه فاكرين إن حياتكم دي نعمة وخايفين عليها مننا لنسرقها ونستولي عليها؟ ليه فاكرين إنكم لوحدكم عايشين وإحنا بالنسبالكم هامش بس؟ ليه فاكر بفلوسك قدرت تشتري وتُقنع عمي إنه يبيعني ليك عشان خاطر الفلوس اللي قدمتها له على السلعة اللي اشتريتها منه؟
لتتنهد بتعب: خفت على أخوك مني، فحبيت إنك تبعدني عنه. لتضحك بدموع وهي تقول: اتجوزتني ورمتني زي أي حاجة ممكن ترميها مادام لسا مجتش على هواك، خلتني أسأل نفسي مية سؤال ليه أنا. بس دلوقتي عرفت السبب. لتبكي قليلا وبصوت باكي: وبعدين اكتشفت إني بنت الراجل اللي كنت عايز تنتقم منه.
لتقف أمام عينيه لتقول بصراخ: حياتي لعبة في إيدك!
لتضع يدها على بطنها بتعب لتقول: ياريت ماكان في رابط بينا، ياريت حياتي كانت انتهت مع أهلي. أنا دلوقتي عرفت يعني إيه يتم بجد.
ليتطلع إليها بعينين دامعتين ليقول: سامحيني يا مريم، لو كنت أعرف إن حياتك جنبي هتعذبك كده ماكنتش فكرت للحظة إني أقربك مني. اللي أنتِ عايزاه أنا موافق إني أعملهولك.
وبعد نظرات طويلة دامت بينهم: أنا عايزة أطلق يا أدهم!
ليقف يتأملها للحظات. وبعد صمت طويل: حاضر يا مريم.
لتتساقط دموعها أكثر لتقول: دلوقتي.
أدهم بتنهد: هطلقك بس بعد ما أطمن عليكي وتولدي.
مريم بدموع: عايز تاخده مني؟ حتى الحاجة الحلوة الوحيدة ليا عايزها.
أدهم بألم: لأ يا مريم محدش هيربي ابننا غيرك، مش عايز أظلمه وأدمر له حياته هو كمان.
ليقف القلب للحظات وهو ضائع بين آلام وأوجاع أصحابه. ليصرخ بالجسد وكأنه يريد أن يساعده أحد بالإنعاش حتى لا يموت.
لتتلاقي الأعين وتهرب الأنفاس بعيداً. ليعود النبض ثانية ولكن بعد أن هرب أحدهما معلناً عن قرب لحظة الفراق.
ليخرج هو هائماً بين قواه وضعفه، بين دموع لا يشعر بها وبين روح أصبحت تفارق جسده.
خرج ليجد من تحتويه دائماً واقفة أمامه بعينين دامعتين لا تعرف ماذا ستقول هل تعاتبه أم تقف مساندة له أم تبعث له أحد نصائحها.
ليخرجها هو من أفكارها ليقول: خليكي جنبها عشان شكلها تعبان، خلي بالك منها.
ليهرب بعيداً بخطوات لا يشعر بها، وكأن كل جسده قد فارق الحياة ليبقي سرابه ليحركه.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يبتسم بعد ما رأى ما أمامه ليلقي المجلة من أمامه وهو لا يعلم لماذا قد تحول العبوس من وجهه بعد أن علم بأنها متزوجة ومن من؟ من أكبر شريك له. فبعد أن وجدها أصبحت لغيره، ولكن الآن قد تحول كل شيء. وأصبح كل شيء أمام عينيه. لينهره ضميره عن حلم لا بد أن ينساه حتى لا يصبح أحد مخدوعاً سواه. ليقف هائماً بين أفكاره التي تراوده وكأن كل فكرة أصبحت تنقد الأخرى. ليتنهد بضيق وهو لا يفكر بشيء سوى برغبات عقله.
فالعقل يرسم له صورة الزوجة التي تستحق أن تكون أماً لابنه.
والقلب يصمت على خذلان صاحبه له، ليصرخ به ويقول: لا تظلمني معك وتصبح بقلب تائه وعاقل ضال.
ليقف العقل للحظات ليقول: ولكن أنت ترغب بها، لماذا الرفض إذا؟
ليخفض القلب رأسه هارباً وبصوت ضائع: أنا أرغب في كل شيء يشعرني بالدفء، يشعرني بأنني وجدت ما أريد. فلتعاتب العين إذا.
لتتأملهم العين قليلاً لتقول: لقد جعلتموني الآن أنا المخطئة.
ليصمتوا الاثنان. ليتحدثوا سوياً ليقولوا: أنتِ من تبصرين بكل شيء جميل، فتجعلين أحدهما يضيع معكِ والآخر يرغب.
ليقول القلب: إذا أنا الضائع.
أما العقل يصمت قليلاً ليقول: وأنا من أرغب.
ليضع هو بيديه على رأسه التي تكاد أن تنفجر منهم. ليتنهد بضيق وهو يخرج من حجرة مكتبه هائماً.
ليقع بنظره على ابنه المنهمك بين ألعابه. ليأتي إليه سريعاً ليقول: هو أنا امتى هشوفها يا بابا؟ أصلها وحشتني أوي.
ليصمت جلال قليلاً وهو يعبث بشعر طفله كي يداعبه وهو شارد.
رواية قلوب تائهة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سهام صادق
لحظات وقف فيها ليصرخ في وجهه ليقول بصوت حاد:
أنا يا أدهم، أنا أبوك، تخون ومع مراتي!
ليسير أدهم بخطوات بطيئة، ليظل يتأمل والده ليقول:
لو هي قدرت تخليك تصدق إني خاين، فبجد هي نجحت وقدرت تكسر الشرخ اللي بينا وتهدمه، أما لو أنت جاي تسمع مني الحقيقة، فلسه فيه أمل إن الشرخ يتصلح.
ليقترب منه عزت قليلاً ليقول:
مكنتش فاكر إن طعنة الغدر هتكون منك أنت يا أدهم، وإنك تستغفلني.
ليصمت أدهم قليلاً ليقول:
يبقى هي فعلاً قدرت تكسر الشرخ اللي بينا، وتقريباً أنت مش جاي تسمعني، أنت جاي ومصدق اللعبة.
ليصرخ عزت بحدة ليقول:
وهي هتعمل كده ليه، فاهمني؟ هتعرض صور ليك وليها ليه عشان تفضح نفسها قدامي؟ دي أكيد الضربة اللي كنت عايز تضربهالي وتشككني في أقرب حد ليا.
ليضحك أدهم:
أقرب حد ليك، وبشكك فيها... فعلاً مفيش أمل إن أي حاجة تتصلح بينا.
عزت بحدة:
أنت اللي بتهدم كل حاجة بينا يا أدهم، من ساعة ما اتجوزت البنت دي، وحياتنا بقت للأسوأ.
أدهم ببرود:
ههههه، ضحكتني يا عزت باشا، حياة إيه اللي اتحولت للأسوأ، ومن امتى حياتنا كانت حياة؟ ها، قولي حياة إزاي؟ كل واحد في عالم لوحده... وكأننا أغراب عن بعض.
ليتنهد عزت قليلاً ليقول:
أنت السبب، أنت اللي بعدت عني أنت وأخوك، وفضلتوا تعيشوا بعيد عني.
أدهم بسخرية:
عايزني أعيش إزاي مع أب، كان السبب في عذاب أقرب حد ليا، سامع أمي.
عزت بصراخ:
أمي، أمي، أمي! إيه هو أنا مش أبوك؟ وكمان أمك اللي بتتكلم عنها دي، أنت اتجوزت أكتر حد برضه إذاها... وحبيتها؟ ولا أنا اللي لازم بس أكون غلطان.
ليصمت أدهم قليلاً ليقول:
مع إن موضوع مراتي مش موضوعنا دلوقتي، بس أحب أفرحك... أنا ومريم هنسيب بعض عشان تقدر تستريح.
ليتنهد عزت قليلاً ليقول:
أنت ونانسي إيه اللي بينكم؟
ليصمت قليلاً ليقول:
أنت اللي قربتها مني عشان تقدر تاخد كل حاجة، وأفضل أنا ولا حاجة وتحت رحمتك. أنا مكنتش قادر أصدق، لما سمعت منها إن ابني بيحاول يخدعني... بس هي طلعت أشرف منك واعترفتلي بكل حاجة، ومن حقها إني أغفر لها.
ليظل أدهم يتأمله بريبة ليقول:
وصدقتها طبعاً، صدقتها عشان عايز تصدق كده.
عزت بغضب:
ومصدقهاش ليه؟ أنت كرهك ليا بقى عميك، أما هي عمرها ما تمنت غير سعادتي.
أدهم بهدوء:
أنا مبسوط أوي، عارف ليه؟ عشان صدقتها وكدبتني، نانسي كسبت آخر جولة بينا... وأظن إن الجولات خلاص خلصت.
جلست أمامه بقهقهتها المعتادة، وهي تضع ساقاً على ساق، لتظل تنفث بدخان سيجارتها وهي تقول:
ميرسي خالص يا فهمي، بجد أنت عرفت تظبط الصور جداً ولعبت اللعبة صح.
ليبتسم فهمي برغبة:
أنتي تأمري يا نانسي وأنا عليا أنفذ، والمجلة ورئيسها تحت أمرك.
لتنهض هي من مكانها وتقترب من أحد أذنيه لتقول:
ده العشم برضو يا فهمي.
وتبتعد عنه سريعاً وهي تقول:
أنا همشي بقى.
فهمي برغبة:
إيه ده هتمشي على طول كده؟ ده أنا حتى عاملك سهرة تجنن يا حياتي في البيت عندي، ولا انتي عايزة تكشفي.
نانسي:
معلش بقى يا فهمي، الأيام دي لازم أفضل في البيت ومتأخرش عشان عزت، ممكن يشك بس أوعدك قريب أوي هنكون مع بعض.
ليقترب منها فهمي:
وأنا هستنى اليوم ده بفارغ الصبر.
نانسي بدلع:
مش أكتر مني يا حياتي.
لتذهب هي تحت أعين فهمي التي تتفحصها.
ليقف شادي أمام مديره ليقول:
هي مدام نانسي، كانت هنا؟
فهمي بحدة:
وأنت مالك يا أستاذ أنت، يلا اتفضل على شغلك... ويا ريت تنتبه لشغلك عشان مش عاجبني اليومين دول، وغلطة بسيطة منك هتسيب المجلة فوراً، مفهوم؟
نظر إليه شادي بحنق، وهو لا يدري لماذا قد تغير معه فهمي هكذا، وكيف لا يتغير والافعى قد دخلت هنا أيضاً.
لحظات من القلق قضاها، وهو ينتظر أمام غرفة العمليات، وهو ينتظر أن يطمئن عليها. ظلت الساعات تمر ولكن بدون جدوى.
لتقف إلهام بجواره وهي تقول:
متخافش يا أدهم إن شاء الله خير.
ليخرج الطبيب يأسي ليقول:
ربنا يعوض عليكم.
ويذهب ويتركهم تحت مسمع تلك الكلمة.
لتتأمل إلهام وجهه بحزن وهي تربط على أحد كتفيه:
ربنا يعوضك عليك يا حبيبي، لسه العمر قدامكم طويل.
لينظر لها أدهم بألم:
الرابط الوحيد اللي كان بيربطنا ببعض، خلاص راح، الطفل ده هو الأمل الوحيد اللي كان ممكن حياتنا تستمر عشانه.
لينكس برأسه أرضاً:
إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكأن لحظات قربهم ثانية.. لم تأتي لمجرد إحياء الماضي فقط، بل لصنع حاضر ومستقبل ليجمعهم معاً بعد أن فرقهم الزمن في ظل ماضي قد سحق بقلوبهم.
جلس أمامها يتأملها، ليشيح بوجهه بعيداً على الطفلان وهما يمرحان معاً.
لتتطلع صافي إلى نظرة عينيه بحب لتقول:
اتعودوا على بعض أوي.
ليضحك مازن:
مبقاش في حد على لسانها غير مازن، كل ما أقولها "ما أنا معاكي أه يا رهف"، تقولي "أنا مش عايزك أنت، أنا عايزة مازن تاني"، شكلها باعتني خلاص.
لتتبسم صافي بحب:
ومازن برضو بقى كده، مبيقدرش يعدي يوم من غير ما يفضل يقولي "أنا عايز ألعب مع رهف".
لينظر مازن إلى عينيها ليقول:
طيب وأنتي يا صافي، مازن مبقاش يوّحشك؟
لتصمت صافي قليلاً وهي تعلم ما يرمي إليه، ولكن:
مازن ده كل حياتي، لو بعد عني ثانية ممكن أموت.
ليبتسم مازن إليها:
مش قصدي مازن الصغير، قصدي مازن الكبير يا صافي، وبلاش تهربي بعينك بعيد عني.
ليتنهد قليلاً ليقول بعد لحظات من الصمت:
أنتي لسه بتحبيني يا صافي؟
لتتطلع هي إلى عينيه، وتظل تتأملهما.. وكأنها تترك لعينيه المهمة لتقول له كل شيء.. لا يستطيع لسانها أن ينطق به.
ليقطع هو صمتها:
أنا عمري ما نسيتك يا صافي!!
لم تكن تظن أنها قد أحبته هكذا، وكيف لا تحبه وهو كان جزء منها، جزء من نبضها وجسدها، وجزء منه هو أيضاً. ظلت تتطلع إلى الفراغ الذي أمام عينيها وهي تتحسس مكانه السابق، لتذرف دموعاً قد أرهقتها كثيراً.
ليدخل هو عليها ولأول مرة تراه ضعيفاً، حائراً هكذا.
ليقف أمامها بألم ليقول:
الدكتور طمني عليكي، وقال ممكن تخرجي على بليل إن شاء الله.
مريم بتعب:
عايزة أطلب منك طلب واحد يا أدهم، ممكن تنفذهولي؟
ليتأملها بحب ليقول:
اطلبي يا مريم، وتأكدي إني هنفذهولك.
مريم بألم:
أنا عايزة أرجع لحياتي القديمة، ممكن؟
أدهم بوجع:
حاضر يا مريم.
مريم بهدوء:
هو ينفع أخرج دلوقتي؟
أدهم بعتاب:
لدرجة دي مش طايقة وجودي جنبك؟
ليقول كلمته الأخيرة، ويذهب تاركاً إياها بمفردها.
لتسقط دموعها بغزارة بدون أن تشعر بها.
جلس أمامه بارتياب، ليقول بصوت حاد:
آه نانسي مشيت وسابتنا، اتفضل اتكلم يا أحمد.
أحمد:
مش معقول يا خالي، عايز تصفي كل الشراكة اللي بينا، وتنفصل عنا؟ طب ليه؟
عزت بضيق:
عشان أسيب الأستاذ يتمتع براحته، وأريحه مني.. ومادام هينفصل عن البنت دي فمبقاش خلاص حاجة تخصه تهمني، وكويس أوي إن الطفل اللي كانت رابطانا بيه مات.
أحمد بأسى:
لدرجة دي يا خالي، هان عليك أدهم؟
عزت:
أنا اللي خليت أدهم يبقى أقوى مين، بس دلوقتي خلاص لازم أعلمه الأدب.
أحمد بعتاب:
قبل ما أمشي يا خالي أحب أوريك صورة، وأحب أفهمك حاجة كويس.
ليخرج أحد الصور ليقول:
بص الصور اللي في المجلة وبص على الصور دي وقولي.... فيه اختلاف بينهم؟ مش هتلاقي لأن الصورة الحقيقة هي اللي معايا. دي صوري أنا وندي، للأسف نانسي عرفت تستغل الموضوع ده كويس، كانت فاكرة إن محدش هيقدر يكشفها ونسيت إن الصور كانت معايا نسخة منها، وزي ما ندي ادتهالها، كان معايا أنا النسخة التانية.
أوعى تقولي يا خالي إنك نسيت ندي.
ليصمت قليلاً ليقول:
بس ندي بالنسبة لنانسي ولا حاجة. أنا هسيبلك الصور وأنت اتأكد بنفسك. وتقريباً الحقيقة بقت واضحة قدامك، عشان تعرف أنت متجوز مين كويس.
لحظات طويلة من الصمت دامت بينهم، لتقف تائهة بعينيها وهي تعيد ذكرياتها في بيتها القديم، لتظل تتذكر كل شيء، قد مرت به هنا، حتى أتى بها المطاف.. إلى الحب الذي نبت في قلبها هنا.
هنا كانت تعود إلى بيتها لتظل تتذكر اللحظات البسيطة التي تراه فيها.
لتجلس على فراشها وهي شارده في حلماً، لعنت نفسها أنها تمنت يوماً أن يتحقق.
ليضع حقيبتها جانباً ليقول:
هبعتلك حد من الخدم يفضل معاكي.
مريم:
يا ريت يا أستاذ أدهم، تخرج من حياتي، زي ما أنا خرجت منها، وأظن إن اللي مكنتش عايزه من الأول خلاص راح، والرابط اللي بينا انقطع. ومتشغلش نفسك بيا، أنا هبقى كويسة طول ما أنت بعيد عن حياتي.
لينظر لها بألم شديد. ويتركها مودعاً بقلبه قبل عينيه.
ليلفت إلى قبل أن يغلق آخر باب بينهم ليقول:
لو احتاجتي حاجة هفضل دايماً جنبك ومعاكي، وهبقى أطمئن عليكي من بعيد عشان مضايقكيش.
لتسقط دمعة من عينيه، ويذهب ليتركها بين ماضي قاسٍ وحاضر أليم ومستقبل غامض.
لتجلس على الأرض بانهيار وهي تبكي بين جدران بيتها القديم. الذي عادت إليه ثانية. لتظل وحيدة فيها.
لحظات من الصمت دامت بينهم، وهي تسمع صوت أنفاسه.
ليتنهد قليلاً ويقول:
أنتي معايا يا هبة؟
هبة بحزن:
ليه هنأجل الفرح يا أحمد؟
أحمد بشرود:
غصب عني صدقيني، أوعدك إني هعملك أجمل فرح لأحلى عروسة.
هبة بابتسامة حزينة:
اللي تشوفه يا أحمد، المهم إننا نفضل مع بعض.
أحمد بحنان:
أوعي تزعلي مني يا حبيبتي، صدقيني أنا نفسي النهاردة قبل بكرة يكون بيجمعنا بيت واحد.
هبة بحب:
أنا مش زعلانة يا أحمد صدقني.
أحمد بدعابة:
طب فكري تزعلي كده، عارفة هعمل فيكي إيه؟
هبة:
هتعمل إيه؟
أحمد بهيام:
هاجي أحضنك وأخبيكي بين إيديا.
ليضحك قليلاً ليقول:
بس في الآخر هشدك من ودنك عشان بتزعلي.
لتضحك هي قليلاً، وقد نسيت كل شيء، لتبقى الابتسامة على وجهها بعد أن بدأ الحزن يسيطر عليها.
لتتنهد قليلاً لتقول:
ربنا يخليك ليا!
ليغلق معها الهاتف.
لتظل أنفاس صدره تتصارع وهو يمسك ذلك الخطاب القديم.
ليظل يتطلع إليه وهو يتذكر!!
بتقولي إيه يا نيرة؟
نيرة: صندوق ماما الله يرحمها افتحه، هتلاقي فيه المجوهرات بتاعتها، عشان تديها هدية لهبه، هي كانت موصية بكده يا أحمد.
أحمد: يااا أنتِ لسه فاكرة الموضوع ده؟ ده أنا نسيته، حتى نسيت مكان الصندوق.
نيرة بضحك: شكل هبة نسيتك كل حاجة، كان نفسي أجي قبل الفرح بمدة عشان أبقى جنبك بس غصب عني، إن شاء الله هنوصل أنا وحازم والأولاد قبل الفرح بيومين.
لينهي حديثه مع أخته.
ويظل يتذكر مكان الصندوق، ليدخل إلى غرفة والدته التي كانت دائماً مغلقة، تحمل بين جدرانها كل ذكرياتها.
ليبحث عن الصندوق. وبعد وقتاً طويلاً كان يجلس على سرير أمه وهو يتفحص الصندوق.
ليظل يتطلع بعينيه داخل الصندوق.
ليمُسك بعد الأوراق والصور.
لتقع عيناه على خطاب قديم.
واسم المرسل.
ليظل يتفحص كل كلمة قد سطرت فيه.
"اخت زوجي الغالية مها، لقد أصبحت أشتاق إليكِ كثيراً، أنتِ والأولاد، أنتظر قدومك بفارغ الصبر بعد تلك الغربة الطويلة عائدة إلى الوطن بسلام.
ليلي: أنا عارفة إنك الوحيدة اللي ممكن تجاوبيني على أسئلتي، وتريحيني من الضياع اللي بقيت عايشة فيه، وطول حياتي مع عزت حاسة إنه مخبي عني حاجة، حتى عمي من ساعة جوازي أنا وعزت وبقى مقاطعنا. مش هنكر إنه حنين معايا أوي أنا وولادي، وديماً بيسأل علينا، بس النهاردة اكتشفت حقيقة مش قادرة أصدقها. عبد الله فعلاً أخو عزت. أنا مش قادرة أصدق، وفكرت كتير إن أواجه عزت بالحقيقة دي، بس أنا واثقة إنه هينكرها ومش هعرف حاجة وهفضل مش فاهمة حاجة. أرجوكي يا مها فهميني بجد. أنا عارفة إنك مش زي عزت ومش هتهوني عليا إن أفضّل مخدوعة. أكيد أنتِ حاسة بيا عشان ست زي... وعارفة قد إيه صعب تبقي عايشة حياة مخدوعة فيها. أنا مش قادرة أصدق إزاي عبد الله أخو عزت وهو مخبي عليا، وليه بيكرهه كده وبيحاول يكرهني فيه لحد ما فعلاً بقيت أكرهه بعد اللي حصل. أكيد عزت حكالك وإنتي عارفة كل حاجة حصلت.
لتترك توقيعها في النهاية.
ليلي.
ليظل يبحث بعينيه عن شيء آخر، يثبت صحة تلك الكلام.
ولكن بالتأكيد لا يوجد.
وحتى لو وجد شيئاً آخر، بالتأكيد قد وقع بين يدي خاله.
لتظل الحقيقة مخفية عنهم جميعاً.
فهو يعلم أن خاله وأمه أخوات من الأب فقط ولكن الأم مختلفة.
فأم والدته قد توفت بعد ولادة أمه سريعاً، ليتزوج والدها بأم خالها.
لتتوفي هي أيضاً بعد أن كان عمر خاله 20 عاماً.
نظر إلى الخطاب قليلاً، وكأنه يبحث عن شيئاً بعيد جداً.
ولكن كيف ولماذا كل هذه الأسرار.
ظلت شارداً بذهنه، لا يشعر بشيء سوى صوت أنفاسه المضطربة.
ليحرك يديه على وجهه بألم.
لتقترب هي منه لتقول:
انت لسه زعلان مني يا عزيزو؟ زعلان من نانسي حبيبتك؟
عزت بشك:
ليه أدهم رد فعله كانت عادية؟ ليه مأثرش عليا عشان يثبت إن كلامك ده كذب؟
ليتطلع إليها بشرود:
مفيش حد بيرتكب حاجة غير لما بيفضل يحاول يثبت للي قدامه إنه مظلوم، حتى لو مكنش كده بس لازم يثور عشان يبعد الشك عنه، بس ابني قابلني بهدوء، وفضل ساكت.
نانسي بدموع:
أنت مش مصدقني يا عزت؟ طب أنا كنت هعرفك إزاي؟ أنا معرفتكش غير لما ابتديت أحضر الاجتماعات عشان أسجل الملاحظات، لو كنت فضلت في العلاقات العامة، عمرك ما كنت هتشوفني. أدهم ده طماع وعايز كل حاجة، بس صدقني أنا حبيتك واتجوزتك عشان بحبك مش عشان الفلوس.
لتتطلع إليه بأعين متفحصة لتقول:
أنت فعلاً هتستقيل عن شركاتك؟
عزت بهدوء:
وإنتي شغالة نفسك ليه بالموضوع ده؟
لتتنهد هي بضيق، وتحادث نفسها لتقول:
شكلي قلبت الطربيزة عليا، وأنا اللي هطلع في الآخر خسرانة.
عادت إلى وحدتها ثانية، عادت إلى جنتها الصغيرة، جنتها التي خرجت منها بقلب لا يملؤه سوى الحب، لتعود بقلب ضائع قد فقدته معه، ولكن ما زال قلبها يبحث عنه.
قد مر عليها أسبوع وهي لا تراه، لا يطمئن عليها سوى إلهام، وكأنها قد صدقت كذبتها بأنها تريد أن يتركها في حياتها وحيدة.
ولكن ما زالت تحتاجه.
والآن أصبحت تحتاجه بشدة.
لتمسك أحد صوره، وتظل شارده في تلك العينان، لتسبح بداخلهما وهي تبحث عن ما أحبت في خلف تلك القوة التي أصبحت تعلم تماماً أنها ساتر لضعفه.
لا أحد أصبح يرى ضعفه سواها.
لتتنهد بألم وهي تخبر قلبها بأن قرارها هذا هو الصائب، حتى لا يموت ثانية.
لتسمع صوت جرس بابها يدق، لتقوم بفزع، فمن سيأتي إليها؟ نعم، إن الوقت ما زال مبكراً، ولكن قد ارتابها شيء من الخوف.
نهضت سريعاً من على فراشها عندما أخبرها قلبها بأنه هو، لتسير بخطوات سريعة حتى تهدأ من شوق قلبها وحنين عينيها لرؤيته.
لتتطلع إلى الشخص الماثل أمامها لتقول:
أستاذ جلال، حضرتك عرفت عنوان بيتي إزاي؟ خير!
جلال بابتسامة عذبة:
طب ممكن أدخل، ولا هفضل واقف على الباب كده؟
مريم:
آسفة مقدرش أدخل حضرتك، لأني لوحدي اعذرني.
جلال بابتسامة:
وأنا متفهم موقفك.
ليتطلع إليها قليلاً ليقول:
بأختصار، أنا عارف إنك سبتي الشغل مع أدهم، وكمان هتنفصلوا. فبصراحة.
لينظر إليها بارتباك:
أنا مش عارف أكمل كلامي دلوقتي. ده الكارت بتاعي فيه عنوان الشركة وتليفوناتي. هنتظرك إن شاء الله في الشركة.
ليتطلع إليها قليلاً. ويذهب بعد أن أخجله لسانه من ذلك الارتباك.
كانت تحادثه بحذر شديد، وهي تلتف حولها يميناً ويساراً، لتقول بصوت هامس:
أنا لازم أقابلك يا شادي، في أسرع وقت.
شادي بخبث:
فين؟ في شقتنا؟
نانسي:
لأ يا شادي، بلاش شقتنا عشان عزت دلوقتي بقى يشك فيا.
شادي بسخرية:
ما أنتِ اللي قلبتي كل حاجة عليكي، وافتكرتي إنك نصحة، ونسيتي إن جوزك مش حتة عيل ممكن تضحكي عليه، زي كده تمام.
نانسي:
مش وقت عتاب يا شادي، أنت إيه عمرك ما هتنسى؟ أنا دلوقتي محتاجالك أوي. نسيت نانسي حبيبتك يا شادي؟
شادي بألم:
للأسف لأ.
لينتهي حديثهم، ويغلق معها الهاتف وهو يشعر بأنه فعلاً لعبتها فقط، تستخدمها متى أرادت.
فهو من سمح لها بذلك وجعلها تستغل حبه لها.
لحظات من الألم قضاه وهو يتطلع إليه بوجه حزين على حاله.
ليتأمل ملامح وجهه ليقول:
أنت إيه اللي بتعمله في نفسك ده يا أدهم؟ مش شايف نفسك بقيت إزاي؟ هتموت نفسك من الشغل.
أدهم بتعب:
أنت شايف قد إيه مجموعتنا بدأت يهتز اسمها في السوق، غير الأسهم اللي ساحبها عزت باشا، يعني لازم نوقف على رجلينا من تاني.
أحمد بأسى:
بتزور مريم، وبتسأل عنها؟
أدهم بألم:
إلهام حاولت معاها كتير، تخلي معاها واحدة من الخدم، للأسف رفضت، حتى حسابها في البنك مسحبتش منه حاجة، مبقتش عايزة مني حاجة. إلهام بتقولي عايزة تشتغل.
ليتنهد بضيق:
الهانم لسه تعبانة وعايزة تشتغل.
ليتطلع له أحمد بأشفاق:
رغم ضعفها، لسه قوية من بره.
أدهم:
أنا السبب في إن حياتها تبقى كده، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت رابطة بينا راحت.
ليتأمله أحمد بأشفاق، ثم يغادر، ليتركه في عالم قد أجبره أن يظل يحارب فيه بمفرده.
ليتذكر أمر المحامي.
ليرفع هاتفه وهو يقول:
عايزك تجمعلي كل المعلومات عنه مفهوم؟ وفي أسرع وقت.
ليتحدث بهمس:
ياريت شكي يطلع صح.
بدأ يفيق من المخدر، لينظر حوله وهو يتفحص المكان بعينيه، ليجد زوجته وأولاده حوله، وهم يتأملونه بأسى.
ليتأملهم قليلاً. ليخرج صوته حتى يخرجهم من هذا الصمت ليقول:
أنا مش حاسس برجلي ليه؟ يا بكر هو إيه اللي حصلي؟
لينظر له ابنه بدموع:
أصل!
ليدخل عليهم الطبيب:
سلامتك يا حج، أنت راجل مؤمن ولازم ترضى بقضاء ربنا.
ليهبط بأحد يديه بدموع، وهو يتحسس ذلك الفراغ ليقول:
يعني بقيت عاجز في آخر أيام عمري.
لتقترب منه زوجته باكية:
متعملش في نفسك كده يا منصور، ده أمر ربك.
ليتأمل منصور وجههم بحزن:
كان لازم ربنا ياخد حق اليتيمة مني، ربنا مبينساش حق حد.
لتنظر إليه زوجته بألم:
قولتلك يا منصور، بلاش سكة الشيطان.
لينظر لها منصور بألم:
يُمهل ولا يُهمل، يُمهل ولا يُهمل!
رواية قلوب تائهة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سهام صادق
لم يكن يتوقع أنه عندما يقربها منه، سيشعر بمدى حقارته أمام برائتها. فهي قد وافقت على عرضه عندما أخبرها بأنها لابد أن تبدأ صفحة جديدة من حياتها، وألا تترك نفسها لماضي قد أوشك على الانتهاء. فكان عرضه لها كمنقذ، أما هو فكان لشوقه إلى قربها. لتقابله هي بحسن نيتها ولا تظن شيئًا سوى كمجرد شخص يساعدها.
ظل ينظر بعينيه للأوراق التي أمامه قليلًا، وعندما وجدها تردف إلى داخل مكتبه لتقول:
"حضرتك طلبتني يا أستاذ جلال؟"
جلال بنظرة عاشقة:
"تعالي يا مريم، اتفضلي اقعدي."
مريم برهبة:
"خير يا أستاذ جلال؟"
جلال بابتسامة عذبة:
"مبسوطة في الشغل معانا يا مريم؟"
مريم:
"أنا مش عارفة أشكرك بجد إزاي، بجد حضرتك مديت إيدك ليا في الوقت اللي كنت محتاجة حد يقف جنبي."
ينهض جلال من على كرسي مكتبه، ويجلس مقابل لها ليقول:
"متشكرنيش يا مريم، انتي متعرفيش انتي غالية عندي قد إيه."
ليبتسم ويقول بعد أن أحس بارتباكها منه:
"أنا ومروان يعني."
ليصمت قليلاً ليتابع بحديثه:
"عيد ميلاد مروان بعد يومين، وهو عزمك يا ستي."
مريم بابتسامة:
"كل سنة وهو طيب."
جلال:
"أكيد هتيجي يا مريم، واوعي ترفضي عزومة مروان."
لتبتسم له بألم وتشيح بوجهها سريعًا، وهي تتذكر من افتقدته كثيراً.
***
لم يكن عليه كرجل أن يتحمل تلك الحقيقة التي سقطت على مسمعه، ليغفر لها لحظة ضعف قد عصفت بها، لحظة احتياج قد جعلتها تلغي جميع حواسها ليبقي قلبها هو فقط من يرشدها. كانت كل كلمة تقصها عليه لا تزيده سوى ألم، لم يشعر بنفسه سوى وهو يزيح بوجهه بعيدًا عنها.
تتطلع إليه بأعين باكية:
"كان لازم أحكيلك عن الفترة دي اللي مرت عليا في حياتي، عشان متفضلش طول عمرك فاكر إن صافي اللي حبيتها فضلت زي ما هي."
ليصمت مازن بألم، وهو يشعر بأن كل كلمة قد نطقت بها تخنقه.
ليقول بمرارة:
"يعني حبتيه؟"
صافي بألم:
"أنا محبتش راجل غيرك أنت يامازن صدقني، بس للحظة حسيت إن محتاجة حد فعلاً جنبي، حسيت إن بنت مراهقة بتفكر بقلبها مش بعقلها، نسيت نفسي ومشيت ورا قلبي اللي بقى ضايع في حياة أنا مش عارفة أنا مين فيها."
لينظر لها بمرارة ليقول:
"أنا مش مصدق اللي سمعته ياصافي، قولي إنك كنتي بتكذبي عليا."
صافي بألم:
"لسه عايز تتجوزني، ولا غيرت رأيك؟"
لينظر لها مازن طويلاً وهو يتأمل ملامح وجهها.
ليقول:
"للأسف ياصافي انتي خيبتي ظني فيكي، وهدمتي الحلم الوحيد اللي كان باقي ليا. الحقيقة طلعت مؤلمة أوي، أحسن من الخداع."
صافي بحزن:
"مكنش ينفع إني آخدك، وأحسسك إن صافي اللي لسه بتحبها، لما قبلتها من تاني كانت زي ما هي."
ليتأملها مازن قليلاً، وينهض ليلتف بوجهه بعيدًا ليرحل.
ليتوقف على صوت كلماتها وهي تقول:
"هتسبني يامازن؟"
ليذهب هو، وتستسلم هي لضعف دموعها، لينهرها العقل على غبائها، أما القلب فيظل يمد يده ليمسح برفق على جرح، من الأفضل أن ينزف الآن، حتى لا تعيش به طيلة حياتها كمرض سقيم.
***
ظل يسمعها، وكأن حديثها أصبح متوقعاً بالنسبة له، ليحادث قلبه ليقول:
"كنت بتدافع عنها، وشايفني أنا الخاين، تفتكر هي تستاهل إنها تعيش، وتفضل زي الأفعى."
ليتأمل معالم وجهها باحتقار، وهو يشمئز من قلبه بأنه قد أحبها يوماً، حتى جسده أصبح يكرهه، لأنها امتلكته أيضاً، وجعلت الأفعى للحظات في حضنه. لينعم بها، لينعم بنعيم زائف بغيض، نعيم قد صوره له الشيطان بأنه حقاً نعيم، وليس جهنم.
ليتنهد قليلاً بعد أن رآها تبتسم له وهي تقول:
"ها ياشادي، هتساعدني يا حبيبي؟"
لينظر لها شادي بريبة:
"انتي اتجننتي يانانسي، عايزة تموتي جوزك، انتي اتجننتي أكيد."
لتنظر له باحتقار لتقول:
"متعيش الدور ده ياشادي عليا، وتعمل نفسك عندك أخلاق، ما انت عايش برضوه في خيره، ولا انت ناسي الشقة اللي من فلوسه اللي بنتقابل فيها؟"
لينظر لها شادي باحتقار:
"الشقة دي ياهانم انتي اللي جبتيها، عشان تقدري تاخدي كل حاجة، تاخدي الفلوس من راجل قد أبوكي، وتاخدي المتعة من عشيقك اللي كان في يوم حبيبك وخطيبك، وتنتقمي من اللي كنتي عايزاه ليكي بس كان ذكي وعارف معدنك ومأثرتيش فيه لحظة وفي الآخر اتجوزتي أبوه."
نانسي بغضب:
"انت بتقول إيه ياشادي؟"
لتهدأ من روعها قليلاً لتقول:
"أنا نانسي حبيبتك تهون عليك، تسيبها لوحدها في محنة زي دي؟ وأنا اللي بعمل كده عشان خلاص مبقتش قادرة أستحمل بُعدك ونتجوز بقى."
شادي:
"نتجوز يا نانسي؟ فاكره يانانسي ده فعلاً كان حلمنا اللي هدمتيه بجملة واحدة. أفكرك بيها ولا نسيتيها زي ما نسيتي نفسك؟"
"كل واحد يشوف نصيبه ياشادي بعيد عن التاني، أنا مش هقدر أكون الزوجة اللي انت عايزها، ولا انت هتقدر تكونلي الزوج اللي أنا عايزاه. أنا مش عايزة أفضل طول عمري في الفقر ده."
ليضحك شادي بسخرية:
"نسيتي يانانسي، ولا الماضي بيتمسح على طول؟"
نانسي بضيق:
"يعني مش هتساعدني ياشادي؟ بس افتكر إني جيتلك في يوم وطلبت منك إنك تساعدني."
شادي بألم:
"فوقي بقى يانانسي من الشر اللي انتي فيه، أنا بقيت بشفق عليكي من نفسك. على فكرة أنا مسافر."
نانسي بغضب:
"في ستين داهية."
لتذهب من أمامه وتغادر المكان سريعاً وهي تسب وتلعن فيه.
ليتأملها شادي لآخر مرة وهو يقول:
"لازم تفوقي يانانسي."
لينظر إلى هاتفه، بعد أن نظر إلى مدة التسجيل التي دامت بينهم.
ليقول:
"لازم الأفعى تظهر على حقيقتها، كفاية عليكي كده."
***
لحظات من الصمت دامت بينهم، ليتوقف بها الزمن قليلاً، ل تمر حياته أمام أعينه، وهو لا يرى شيئًا فيها سوى السراب، سراب قد أضاع بأجمل شيء قد أهدته له الحياة، لتهدمها كذبة لم يعرف لماذا كل هذا.
ليعود بعينيه الهاربة وهو يتأمل كل شيء حوله، وكأنه يبحث عن نفسه الضائعة في وسط حياة كاذبة، لم يرى فيها غير الظلام القاتم.
ليقترب أحمد منه بألم وهو يقول:
"هي دي الحقيقة، اللي مكنتش عارف أقولهالك إزاي يا أدهم، بس لازم كنت أقولك."
أدهم بألم:
"يعني إيه مريم تبقى بنت عمي، يعني أبوها عمي؟ طب إزاي؟ أنا مش قادر أفهم يا أحمد."
أحمد:
"والد مريم يبقى ابن جدتك بس من أب تاني اللي هو يبقى أبو عبدالله ومنصور، اللي عرفته إن سمية هانم، كانت مجرد مربية في القصر. اتجوزها شوكت باشا عشان حبها. طبعاً هي كانت هاربة من أهلها وأهل جوزها، لأنها مقدرتش تتحمل الحياة اللي كانت عايشاها معاه، ولا قدرت تتحمل الضرب والإهانة من مراته الأولى اللي هي تبقى أم منصور عم مريم، فهي هربت وسابت عبدالله لسه طفل صغير. وطبعاً أبوه سجله باسم مراته الأولى اللي هي صفية. وبقى عبدالله في الأوراق مش منسوب ليها، وكأنه مات. في الفترة دي جدنا حب سمية، واتعاطف معاها جداً، واتجوزها وطبعاً كانت أمي لسه صغيرة، فلقى فيها الزوجة والأم لبنته. برغم إن العيلة رفضت جامد، بس هو أصر واتجوزها وخلفت منه والدك اللي هو خالي."
ليصمت أحمد قليلاً ليقول:
"الكلام ده اللي حكاهولي محامي الشركة القديم، لأن والده كان صديق جدك ومحاميه وكان عارف كل حاجة جدك مر بيها."
أدهم بشرود:
"وإزاي إحنا مكناش نعرف بكده؟"
أحمد:
"كنا هنعرف إزاي ومن مين؟ الموضوع اتقفل من زمان أوي ومحدش يعرف حقيقته غير جدك وأمي. وأمي قضت معظم حياتها بره، مع خالتها ولما كبرت بعدين اتجوزت وسافرت بلجيكا. بس جواب مامتك لامي، هو اللي فتح الموضوع. ليعطي له الخطاب ليقول: أمك بعتته تقريباً قبل ما تموت بسنة. وطبعاً إحنا الفترة دي منزلناش مصر خالص."
أدهم:
"أمي فعلاً آخر تاريخ لمذاكرتها قبل ما تخلف أياد، يعني لما عرفت الحقيقة كانت بطلت تكتب مذكرتها، عشان كده خالك عرف يلعب الدور كويس من غير ما نحس. طب ليه بيكره أخوه كده؟ مش معقول في حد بالجبروت ده، أكيد هو اللي عمل الفيلم اللي مكنش حد البطل ولا المخرج غيره، عشان يبرر لنفسه كل اللي عمله. وأكيد أبو مريم مأذاش أمي ولا ظلمها، بس إزاي يتجوز مرات أخوه؟ إزاي وليه؟"
أحمد:
"مافيش غير اتنين هما اللي يعرفوا الحقيقة، عم مريم اللي أكيد كان عارف إنت ابن مين لما اتجوزتها، وأكيد خالي."
أدهم بشرود:
"أنا فهمت دلوقتي سبب نظرات خوفه مني لما عرف إن أنا ابن مين. حتى أنا مركزتش في الاسم اللي كنت بدور عليه، بس عارف يا أحمد كأن ربنا كان ع'م'يني اللحظة دي، ومحستش بنفسي غير وأنا بمضي على قسيمة جوازي من مريم، وعشت معاها أحلى دنيا كنت بتمنها، بس الدنيا كأنها كانت ناوية تكشف كل الماضي."
ليبتسم بسخرية ليقول:
"بعد ما رجعت من سفرية ألمانيا، رحتله على طول عشان أعرفه إني اتجوزت وهعلن جوازي. لقيته عارف إني متجوز. مش قادر أنسى ضحكته وهو بيقول:"
عزت:
"ات'ج'وزت بنت الراجل اللي كان السبب في عذاب وظلم أمك، من بنت الراجل اللي هدم حياتنا."
ليعود أدهم من شروده ليقول:
"كنت مصدوم أوي."
ليربط أحمد على كتف صديقه بألم:
"محدش مظلوم في كل اللي حصل ده، غير مريم وبس."
أدهم بشوق:
"وحشتني أوي يا أحمد، بقيت أحب شقتي القديمة عشان هي المكان الوحيد اللي جمعنا ببعض، جمعنا بأحلى ذكريات عمرنا."
***
لحظات قد دام الصمت بينهم، ليعلن الزمن صفارته، بأن الوقت قد حان لتصفية الحسابات، واليوم قد جاء الزمن ليصفي حسابه معه، ليعطيه أكبر درس، وألد طعنة، ممن أحبها واستسلم لها وعصف بجبروته وقوته واستكان بين يديها.
ليتطلع إليه شادي.
ليقول:
"لو مش مصدقني، دي كل الفيديوهات اللي تقدر تشوف مراتك وهي في حضني.. وتقدر تسمع آخر حاجة طلبتها مني."
ليبدأ بتشغيل أحد مقاطع الفيديو أمام مرأى عينيه، ليحدق عزت بكل شيء، ليتوقف به الزمن للحظات وهو يرى زوجته في حضن رجل آخر، ليسمع صوتها وكلماتها البذيئة. وكأن السكين قد بدأت تقطع في جسده.
ليتوقف الفيديو.
ليسمع حديثها وهي تخطط لموته كي ترثه وتصبح وريثه شرعية لأملاكه، لأملاكه التي قد حرم منها أخاه وجعله يتذوق الفقر، ويعمل كمجرد عامل كي يحصل على قوت يومه، على الرغم بأن والده قد كتب له بعض الأملاك لكي يورث في أمواله بعد أن اعتبره ابن له أيضاً. لتأتي هي وتتمتع بكل هذا بعد أن تقتله.
لينهض شادي من أمامه وهو يقول:
"كده الحقيقة كلها بقت واضحة قدامك."
ليضع عزت يديه على قلبه ليقول:
"وإشمعنى جاي دلوقتي تفضح عشيقتك؟"
شادي بألم:
"عايز أنضف بجد، وأبعد عن الوساخة دي بقى. الوساخة اللي خلت أقرب حد ليا تموت بقهرتها بعد ما شافت ابنها اللي ربته، بقى أحقر مخلوق. للأسف كل واحد بيفوق بعد ما بيدفع التمن وبيدفعه غالي أوي."
عزت بألم:
"اخرج بره مكتبي يا حقير."
شادي بسخرية:
"افتكرت إنها حبيتك، دي كانت بتحب فلوسك وبس، كنت بتوهم نفسك بكذبة انت نفسك مش مصدقها."
لينظر إليه شادي قليلاً.
ويتركه وهو يقول:
"سلام يا عزت باشا."
***
لحظات من الألم قضاها وهو يتطلع إليه بشفقة، وهو يرى ذلك الرجل الطامع نائمًا على الفراش بانكسار، وهو يغطي رجله التي فقدها حتى لا يشعر بعجزه. نظرة قد شرّدت فيه بكل شيء. فنعم لكل شيء نهاية. مهما طالت بنا الحياة. للظلم نهاية، وللباطل نهاية، وللكذب نهاية، وللإنتقام أيضاً نهاية، ولقوتك أنت أيها الإنسان أيضا نهاية. حتى الحياة مجرد نهاية لنا جميعاً.
منصور بألم:
"كنت هبعتلك بكر ابني يا والدي عشان أعترفلك بكل الحقيقة، أعترفلك إن عبدالله أخويا مكنش فيه أجدع ولا أحن ولا أشرف منه."
ليصمت منصور قليلاً ليقول:
"أبوك كان بيكرهه عشان عبدالله مكنش حد بيشوفه من غير ما يحبه. كانت كل الخلق بتحبه. حتى جدك وأمك. جدك مع إنه مش ابنه وابن مرته بس حبه وكان عايزه يعطيه من ماله ويرفعه، بس أبوك للأسف كان بيكرهه متعرفش ليه وكأنهم مش إخوات من بطن واحدة. أمك كانت بنت أكبر أعيان بلادنا، كانت زينة البنات. في يوم قرر جدك بعد ما يأس من عبدالله إنه يجي يعيش معاه في القاهرة بعد ما سمية هانم ماتت، عشان يقدر يخلي باله منه ويساعده ويمتعه في خيره. بس للأسف هو رفض لأنه قاله ده مش من حقي. جه جدك بلدنا واشترى مزرعة كبيرة وخلى عبدالله هو المسؤول عنها وإحنا كمان معاه ونعيش في خيرها، وتبقى مكان ليه لما يجي يزور عبدالله يلاقي مكان يقعد فيه. كان معتبر عبدالله والده التاني، كان بيحبه زي ما أحب أمه وحب يعوضه سنين الحرمان اللي عاشها بعد ما أمه سابته لسه بيرضع و هربت من أبوي بسبب ظلمه و ضربه ليها. ولما رجعت عشان ترجعه ليها أبويا رفض لما عرف إنها اتجوزت وحرمها منه لما رفضت ترجعله تاني بعد ما جدك كان طلقها منه واتجوزها."
ليصمت منصور قليلاً وهو يتنهد:
"كان عبدالله بيحب أمك أوي، كان بيحبها من بعيد من غير ما تعرف إنه بيحبها. أنا الوحيد اللي كنت عارف. كان دايماً يجي يقولي: تفتكر يامنصور ممكن يجي يوم وأقدر أصرحها وتعرف حبي ليها؟ أنا خايف لتضيع مني."
"لغاية لما جه أبوك، وأول بنت وقع بنظره عليها في بلدنا هي أمك وحلف إنها مش هتكون لحد غيره مهما كلفه الأمر حتى لو هيقتل عبدالله."
ليشرد منصور قليلاً وهو يتذكر!
"أوعى تفتكر يا عبدالله إن كل حاجة هتاخدها مني، إنت بتحلم، يا ابن الفلاح. وأوعى تعمل نفسك راجل ولا شريف قدام أبويا عشان تضحك عليه وتكرهه فيا عشان تبقى إنت ابنه، فاهم يا عبدالله."
ليتطلع إليه عبدالله بألم ليقول:
"ليه يا عزت الكره ده؟ ده انت أخويا الصغير اللي بحس إني مسؤول عنه، ومستعد إني أسيبلك الدنيا كلها، ولو ليلى فعلاً عايز'ا'ك هسيبهالك صدقني وهتمنالكم السعادة."
ليأتي منصور إليهم:
"أنت هتسيب الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها ليه؟"
لينظر إلى عزت باحتقار:
"ابعد عنا يا ابن الباشا، أوعى تفتكر إن الخير اللي معيشينا فيه، ممكن يخلينا نسيبكم تبيعوا وتشتروا فينا. إلا أخويا سامع."
ليعود منصور بذاكرته ليقول:
"وصممت أمك تتجوز عبدالله عشان حبته، وده زاد الكره أكتر بس من ناحية أبوك. لحد ما جه اليوم اللي هدد'ه' فيه أبوك بأبويا وبيا. وقاله لو مطلقتهاش هشرد أهلك وهسجن أبويا بعد طبعاً ما كان عايز يتهم أبويا إنه سرق. وطبعاً عبدالله مقدرش يشوف أبوه في آخر أيامه مسجون ولا أخوه. كان جدك الفترة دي مسافر بره البلد يتعالج، ومكنش حد قادر يقف لأبوك لأننا كنا غلابة يا والدي، وطردنا من البلد كلها. وسبنا بلدنا، ورحنا بلد بقينا أغراب فيها. وعبدالله مبقتش عارف فين أراضيه. لغير بعد سنين طويلة كانت مراتك عندها 4 سنين لقيته في يوم جيه ليا ومسكها في إيده."
"بس للأسف النفوس اتغيرت، والطمع بقى خلاص ع'م'اني هو والكره، بقيت كارهه أخويا ومحملاه ذنب مش ذنبه لما طردنا بسبب جوازته من أمك. لحد ما جيه ليا في آخر أيام عمره الله يرحمه بيطلب مني إني أساعده وأسلفه فلوس عشان العملية اللي مفروض يعملها في أسرع وقت. كان ربنا الحمد بدأ يفتح عليا وبقى معايا فلوس. وبدل ما أساعده، خليته يتنازلي عن بيته، مقابل الفلوس."
ليتنهد منصور بألم ليتابع حديثه:
"ويوم ما جيت تطلب مني إيد بنت أخويا، وعرفت إنت مين، عرفت إن الزمن جيه يصفي حساباته مع أبوك، كنت خايف لتشك في الاسم، بس ربك كان مدبر كل حاجة. واتجوزت بنت عمك عبدالله."
"وأنا استغليتك وبعتلك بنت أخويا، ونسيت إنها عرضي، ولازم أحافظ عليها. وروحت لأبوك عشان أشمت فيه وأخد منه فلوس، وأعرفه إننا خلاص بقينا عايشين في خيره، اللي حرم منه أخويا."
ليصمت منصور بألم:
"وكانت آخر خطة ليا مع أبوك، إني أثبتلك إنه كلامه صح وإن عبدالله هو اللي رمى أمك وأذاها عشان تنتقم منه في بنته وأحط ورق مزرعة أمك في بيت أخويا عشان تعرف إن كلام أبوك صح وإني عبدالله أخد المزرعة مقابل حرية أمك. مع إن جدك هو اللي كتب المزرعة باسم عبدالله لما عرف اللي حصل وفضل يدور على عبدالله. بس للأسف محدش كان عارف فين أراضيه."
ليظل أدهم شاردًا، في عالم لا يرى فيه شيء سوى الظلام.
منصور بألم:
"الكره يا ولدي يعمل أكتر من كده، والشيطان. ربنا يسامحني."
ليتأمل رجله المبتورة بألم:
"وزي ما أنا خطيت في الحرام ونسيت المنتقم الجبار، ربنا انتقم مني."
ليتنهد أدهم بصعوبة.
ويسير بخطوات بطيئة كي يغادر هذا المكان.
ليقول منصور:
"خلي مريم تسامحني يا أولادي."
***
والآن قد أصبح كل شيء واضح أمامه، ليمر ماضيه أمام عينيه وهو يتذكر كل شيء مر بحياته، حياته التي لم تكن غير مليئة بالكره، بالكره الذي كان يعشق جنايته وكأنه ورد.
ليأتي الزمن ويوقعه تحت يد تلك الأفعى، التي أحبها على كبر، وكأن الزمن يعاقب كل أحد بما يحب. ليتذكر زوجته الأولى وحبها لأخيه الذي كان يقتله كل يوم كلما شعر بأنها مازالت تحبه بعد أن هدم صورته أمام عينيها.
ليأتي به المطافي أن يزرع الكره في قلب ابنه كي يخفي حقيقته المخذية، ليأتي صورة زوجته وهي بين أحضان آخر، وهي تحادثه بأن تقتله.
ليشعر بأنه قد فقد السيطرة على موقد سيارته، ليحاول أن يتحكم بها ولكن...
يظل فقط صوت صراخه، وهو لا يرى شيئًا أمام عينيه غير النهاية المقتربة.
رواية قلوب تائهة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سهام صادق
لحظة قد تجمع فيها الخوف، ليعلن عن انتهاء حياة في عالم قد نسي المرء تماماً أنه فاني. حياة تمر سريعاً أمام أعيننا في شريط واحد، وكأنها تقول بصوت عالٍ: انظر أيها الإنسان، هل حصدت ما جنيته؟ هل رأيت لحظة ضعفك وأنت ترجو من الله أن يقف هذا الشريط للحظات، لتبدأ صفحة جديدة بشريط جديد؟ هل نفعك غرورك؟ هل حصد كرهك شيئاً؟ لتنظر النفس بحسرة وهي لا ترى شيئاً غير الخوف... لتقول برهبة: لقد أصبحت خائفة من حياة تنتظرني!
لتضحك الحياة بصوت عالٍ: الآن قد خفت، بعد أن انتهى كل شيء... فيالك من أحمق! تذكرت خوفك في لحظة ضعفك.
ليقف كل هذا على صوت واحد:
النبض ضعيف أوي يا دكتور.
لينظر الطبيب بخوف وهو يقول:
اعملوا صدمات الكهرباء بسرعة!
كان لا يرى شيئاً أمامه، ولا يفكر في شيء سوى بمن أنجبه، وليس بمن ربّاه. فمهما حدث سيظل هو أباه، وسيظل هو الابن. لم يكن يتوقع أنه عندما عزم على المواجهة، سبقه القدر وأنهى كل شيء. كل شيء أصبح الآن في عداد النهاية المنتظرة.
وقف أدهم أمام أحمد بغضب وهو يقول:
محدش خرج لحد دلوقتي يطمنا، أنا هقوله من المستشفى دي.
لينظر له أحمد بألم وهو يقول:
اهدي شوية يا أدهم، ادعيله، هو مش محتاج دلوقتي غير دعائنا.
ليجلس أدهم على أحد المقاعد بدموع مثل الأطفال وهو يقول:
أهدي إزاي؟ قولي يا أحمد... أنا مش عايز حاجة غيره، قول له يجي يتخانق معايا، يضربني، يعمل أي حاجة بس يفضل وسطنا.
ليُبكي بحرقة ليقول:
أنا ليه بعدت عنه سنين عمري ونسيته، مع أنه هو ليه حق عليا.
ليتنهد بضيق:
بقاله قد إيه جوه.
لينظر أحمد في ساعته ليقول بأسف:
5 ساعات.
وقبل أن يتحدث أدهم بشيء، كان الطبيب يخرج وهو ينظر أمامه بتعب ليقول:
إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا.
ليقف أمامه أدهم بغضب وهو يقول:
اتصرفوا، فاهم؟ اتصرف يا أمجد، اعمل أي حاجة.
أمجد بتفهم:
صدقني يا أدهم، كل حاجة بين إيد ربنا، ومش بأدينا غير إننا ندعيله. ادعيله يا أدهم.
ويرحل الطبيب وعلي وجهه علامات الأسى، وهو يرى صديق عمره أمامه بهذا الانهيار.
***
لحظات من الصمت بدأت تدوم، لتترك سماعة الهاتف من يديها، وهي لا تتذكر له سوى الأشياء الجميلة التي أسعدها بها حتى لو كانت قليلة. لتهبط دموعها هاربة عليه، حتى لو كانوا تفرقوا منذ زمن، فمهما حصل فهو كان زوجها في يوم من الأيام. لتنهض بألم من على الأريكة وهي تأمر خادمتها أن تبلغ السائق بالاستعداد للذهاب إلى المشفى.
أما هي، فأين من كل ذلك؟ وكيف ستكون الحال؟ يسأل على من لديه آدميته، أما هي فمجرد آلة، فقط آلة تخزن وتُصرف منها الأموال.
لتنتبه على صوت صديقتها في ذلك المكان الصاخب وهي تقول:
انتي ولا على بالك يا نانسي، وجوزك بين الحياة والموت.
لتقول نانسي بصدمة:
عزت مات!
سمر صديقتها:
ههههه، لسا يا حبيبتي، بس بيودع أه.
لتجلس نانسي على أقرب مقعد وهي تتمتم ببعض الكلمات وتقول:
مكنتش فاكرة خططتي هتتنفذ ومن غير ما يكون ليا يد في حاجة، والقدر لعب لعبته وريحني من الخوف اللي أنا فيه قبل ما يرميني. ياااا يا عزت أخيراً هتمتع في خيرك، واقف قدام ابنك زي الشوكة في ضهره.
لتهتف سمر بصوت عالٍ على صديقتها:
انتي هتفضلي هنا؟ إحنا لازم نرجع القاهرة حالاً. انتي عايز اِيه يقولوا مراته بتتفسح في العين السخنة ولا على بالها؟
لتنظر إليها نانسي بشرود، وهي غائبة بين أفكارها الطامعة، بدون أن تفكر للحظة في زوجها، وكأن الأمر لا يفرق معاها، فمماته سيحقق لها كل ما تريد.
***
لحظات كان الصمت هو سيدها، ولكن العين كانت تتحدث بكل شيء، ولكن بأعين المخاطب وليس من تخاطبه. لتنفر الأعين هاربة، من أمل بدأت تفقده، من أمل باتت تحلم به، ولكن كيف الأمل يحدث وهي مازالت تعشقه، ولن تحب أحد غيره.
ليأتي بجانبها جلال بابتسامة عذبة ليقول:
أنا مش عارف أشكرك إزاي يا مريم إنك جيتي الحفلة، شايفه مروان بقى مبسوط إزاي أول ما شافك.
لتُبتسم مريم بأعين متسلطة على مروان:
ربنا يخليهولك وميحرمكش منه.
لتتذكر ما كان في رحمها. ليتأمل هو معالم وجهها ليقول:
متعرفيش الخير فين يا مريم.
لتنظر له مريم بتساؤل:
مش فاهمة حضرتك، يعني إيه؟
ليبتسم لها جلال ليقول:
إيه حضرتك دي، على فكرة إحنا مش في الشركة، وأنا عمال أقولك يا مريم عادي. وانتي برضه عادي لما تقولي يا جلال.
لتنظر له مريم بشرود من تصرفاته التي أصبحت غريبة:
يبقى هقول يا أستاذ جلال.
جلال بتنهيدة:
إيه أستاذ جلال دي، على فكرة أنا مش كبير أوي.
ليضحك وهو يقول:
يعني أكبر منك بحوالي 15 سنة وبس.
لتبتسم مريم ابتسامة بسيطة، وهي تُشيح بوجهها بعيداً عنه، لتتأمل في أعين الأطفال... وتستأذن منه كي تعطي هديتها ل مروان وترحل.
ليتطلع هو إليها وهو يراها تحضن ابنه ليتنهد بأسى، وهو ينهَر نفسه: لما لم يخبرها اليوم بطلبه؟ فهو كان قد أوشك على مصارحتها، ولكن... لم يرَ في أعينها التشجيع لكي يعرض طلبه. وكيف ستشجعه وفي قلبها رجل آخر قد امتلكه من أول يوم قد رآته فيه.
***
دموعاً قد تحجرت في عينيه، وضعفاً قد عصف بقوته، وصرخة قوية أراد أن يصرخ بها لكي يخرج كل ما يشعر به، لعله يستريح قليلاً. ودعاءً قد أطلق به لسانه، وسجدة خاشعة بدموع قد ارتوت بها الأرض. ليرفع يده إلى السماء وهو يقول بصوت باكي: يااااااارب.
اقتربت منه إلهام بألم وهي تقول:
صليت ودعيتله يا حبيبي، أيوه كده خليك قوي، ومافيش أقوى من المؤمن مهما ربنا بيبتليه بيفضل، يحمده ويصبر وهو عارف رحمة ربنا بيه، وأنه عمره ما هيديله حاجة أزيد من طاقته عشان يتحملها.
لينظر إلى إلهام بتعب وهو يقول:
هو أحمد فين؟
إلهام وهي تتطلع إلى من أمامها، ليلتف هو بوجهه ليرى من تتطلع عليه، ليشيح بوجهه سريعاً وهو يشعر بالاختناق عند رؤيتها.
لتأتي هي إليهم بأعين باكية مخادعة، لتمثل دور الزوجة الحزينة التي سيقتلها الحزن إذا فارق زوجها الحياة. لتقترب من أدهم بأعين باكية:
عزت ماله يا أدهم؟ قولي. أوْعَ تقول لي إنه حصله حاجة.
لتجلس على الأرض بدموعها الكاذبة، وهي تتنهد بألم.
لتقترب منها إلهام بإشفاق، وقد ظنت حقاً أنها حزينة بالفعل، لتربط على كتفيها وتنهضها لتقول:
ادعيله يا حبيبتي.
ليظل يتطلع إليها أدهم بأعين كالصقر، وكأنه يتهمها بكل شيء. فمنذ أن دخلت حياتهم وتعقد كل شيء بينهم بالأكثر.
لتخرج الممرضة سريعاً من أمام أعينهم، وبعد ثوانٍ معدودة كان خلفها الطبيب الذي خرج بعد دقائق ليربط على أحد كتفيه ليقول:
عزت باشا عايزك يا أدهم.
لحظة قد توقف فيها الزمن لثوانٍ، ليسمع ضحكة والده ويشعر بأنفاس حضنه عندما كان يلاعبه أحياناً وهو طفل صغير. لتسير كل اللحظات الجميلة أمام عينيه. ليتمنى أمنية واحدة فقط لو أن تلك اللحظات قد ظلت هكذا وظل والدهم أباً يعيشون في كنفِه طيلة شبابهم.
ليدخل على والده وهو يراه بوجه متألم ليقول عزت:
الحمد لله إن ربنا زود في عمري دقايق عشان أقدر أقولك سامحني يا ابني. أنا عارف إني مكنتش أب كويس ليك لا أنت ولا أخوك، ولا حتى زوج وأخ، ولا ابن بار بأبوه. أبويا كان عنده حق لما حب عبدالله أكتر مني، حتى أمك، لأن أنا كنت مجرد شيطان ماشي على الأرض، أهم حاجة نفسي وبس. حتى الخير القليل اللي كان جوايا ضاع مع شري وبقيت مجرد إنسان من غير قلب ولا روح.
ليتطلع عليه أدهم بتعب ليقول:
أوعى تزعل أنت مني، والله أنا بحبك زي ما بحبها. انتوا الاتنين أغلى من روحي، أوعى تسبني كمان. أنا محتاجك جنبي أنا وإياد، أوعى تتخلى عني. طب مش عايز تشوف أدهم الصغير ده؟ إياد بيقول إنه شبهك.
ليتطلع إليه عزت بتعب:
يااا يا أدهم، مكنتش أعرف إنك بتحبني للدرجة دي، كنت فاكر إنك بتحبها هي وبس.
ليبتسم بحزن وهو يقول:
أمك فعلاً إنسانة كانت تستاهل الحب، كانت إنسانة طيبة وبريئة.
ليتطلع إلى ملامح وجهه بألم ليقول:
عشان كده انتوا مطلعتوش زي. نبتة الخير برضه بتفضل، وليلى كانت البذرة الوحيدة اللي صح زرعتها عشان تجيبكم للدنيا يا ولادي.
ليتطلع إلى كل شيء حوله وهو يقول:
ابقى سلم لي على أخوك، واقوله يسامحني هو كمان. أنا مكنتش ليه فعلاً الأب اللي أي ابن بيتمناه.
ليبتسم بألم:
ومريم خليها تسامحني. كان نفسي عبدالله هو اللي يسامحني بس خلاص أنا رايحله. والسماح اللي في الدنيا خلاص انتهى. اقول لمريم يا أدهم: إن عبدالله عرف يربي كويس، واوعى تفرط في مريم. اوعى يا أدهم تخسرها. وأول ابن ليكم سموه عبدالله عشان عايز عبدالله يشاركني باسمي، زي ما كان مشاركني في دمي. بس للأسف عمري ما حسيت ولا حسّيته إنه أخويا. كنت طفل أناني لما كنت أشوف أمي ماسكة صورته وبتعيط، أكرهه أكتر عشان مشاركني في حبها، مع إن أنا اللي كنت متمتع بحنانها واهتمامها وهو بس مجرد حنين ولحظات قليلة بتجمعهم لما بتزوره. ولما كانت بتفارق الحياة فضلت تطلب من جدك إنه يخلي باله منه، بس للأسف كرهته برضه أكتر بأنانتي وأنا شايف أمي حتى في لحظة موتها بتفكر فيه. ومفكرتش لحظة إنها بتطلب كده عشان عارفة إن أنا معايا أب هياخد باله مني وعايش حياة محدش عايشها. أما هو كان فين في كل ده؟ وحتى لما جدك حبه وفضله عليا مع إنه قالهالي قبل ما يموت. الكره اللي جواك يا عزت من أخوك هو اللي مخليك غبي. حد يكره ابنه اللي من صلبه يا ابني؟ أنا كنت بس بحاول أقربكم من بعض عشان تفضلوا إخوات طول العمر في إيد بعض.
لينظر عزت لابنه بتعب:
كان عنده حق جدك. الكره اللي سيطر عليا من الغيرة والأنانية خلوني إنسان غبي معندوش قلب ولا رحمة.
أدهم بدموع:
كفاية يا بابا!
عزت بفرحة:
يااا أخيراً نطقتها!
ليقول بصوت مُجهد:
كل حاجة أملكها مكتوبة باسمك أنت. عارف إنك مش هتظلم أخوك للحظة ولا مريم بنت عمك، يا أدهم، بنت أخويا عبدالله.
وقبل أن يلتقط أنفاسه الأخيرة:
نانسي... لاء، لاء يا أدهم.
ليتنهد لحظات باقتضاب وهو يقول:
يارب ارحمني!
ليتوقف كل شيء، ولا يبقى سوى هذا الصوت الذي يعلن عن رحيله، ودموع تتساقط بغزارة على فراق قد كسر ظهره. ليتأمل معالم وجه أباه بألم وهو يقول:
والله كنت بحبك أوي يا بابا، بسبب حبي ليك كنت بعاقبك وبأسي قلبي عليك قدامك. بس كنت بحبك صدقني، ولو كنت طلبت عمري ما كنت هتأخر لحظة وهدهولك.
***
لحظات من الهدوء بدأت تسري، وكأن العاصفة تأتي أولاً وبعدها يعم هدوؤها، ولكن بعد أن أدت مهمتها. جلست بجانبه وهي تحمل طفلها لتقول بصوت مضطرب:
أياد في إيه؟ طمني، في حاجة حصلت لي.
ليتأملها طويلاً، وهو لا يرى شيئاً أمامه وكأنه يبحث عن أحد. ليضع وجهه بين كفيه ليقول:
بابا مات يا شاهي، عزت باشا مات.
لترتفع صوت شهقات شاهي وهي تقول:
إن لله وإن إليه راجعون.
أياد:
جهزي نفسك بسرعة عشان مسافرين في أول طيارة دلوقتي وحالاً.
لتنظر له شاهي بصمت، وهي ترى دموعه التي تحجرت أمامها. لتقول بصوت هادئ:
حاضر.
لترحل هي، وتبدأ دموعه بالتساقط وكأنها تحجرت قليلاً قبل أن تنفجر العينان باكية.
***
لحظات من الصدمة قد تجمعت أمام عينيها وهي ترى ذلك الخبر في إحدى الجرائد، وكأنها أصبحت غريبة عنهم. ولكن لماذا لا تشعر بالألم؟ هل لأنها كانت آخر من يعلم بكل شيء حتى ترى هذا الخبر الماثل أمامها وتصبح على علم بكل ما حدث معه؟ ولماذا تحزن وهو قد أخبرها بأنه قد طلقها وأن قليلاً من الوقت وسترى ورقة طلاقها أمام عينيها كما قال آخر مرة قد أتى إليها فيها.
لتنهض من على كرسي مكتبها وتأخذ حقيبتها، وتغادر الشركة بدون أن تفكر أين سيكون مقر العزاء. وما من لحظات قليلة كانت تقف أمام القصر الذي أتت إليه باكية، ورحلت منه بقلب لا يُقال عنه سوى بالجبل الذي ما زال صامداً.
علمت من الحارس بعد أن رحب بها بأن العزاء سيكون في قصرهم الآخر. لتذهب إلى هناك وهي لا تفكر في شيء سوى أن تراه، سوى أن تمسح بيديها دموعه، سوى أن تقول له: اصمد يا حبيبي.
لتدخل القصر بخوف شديد، فهي قد أصبحت تخشى من تلك الحياة، من حياة القصور التي لا تكون سوى سجن يدخله المرء ليفنى في حياة لا يبصر فيها سوى الألم، كما أصبحت تظن.
لتقترب منها إلهام بدموع وهي تحتضنها:
يا حبيبتي يا مريم، وحشتيني. معلش معرفتش أتصل بيكي وأقولك، غصب عني.
لتحتضنها مريم بحب وهي تقول:
ربنا يصبركم ويصبر أدهم.
إلهام بألم:
أدهم لحد دلوقتي منهار، ربنا معاه ويصبره.
مريم بأسى:
إحساس الفقد صعب أوي، وبالذات الأهل. ربنا يصبره.
إلهام:
يارب يا مريم.
مريم تسأل:
هو فين دلوقتي؟
إلهام:
بيشوف الحادثة كانت من فعل فاعل ولا لأ، لأن البوليس شاكك في الموضوع. ومستنيين أياد عشان طلب إن محدش يدفن أبوه غير لما يكون موجود.
لتتطلع مريم بألم إليها، وهي تتنهد بحزن. لتمسك إلهام يدها وتجلسها على أحد الأرائك وهي تقول:
تعالي اقعدي يا بنتي، أنتي شكلك تعبانة.
***
وتري القبور أمام عينيك، لتتأملها وأنت ترى أين نهايتك، نهايتك التي تصبح غافل عنها، حتى يأتي الدور، لتفيق على أصواتهم وهم يودعونك، ويتركونك بمفردك، ولا يبقى لك شيء، لا مال ولا بنون ولا قصور ولا أي شيء غير عملك الذي قضيت طيلة حياتك تجنيه. ليأتي يوم الحصاد لتفارق الروح الجسد ولا يبقى شيء حولك غير التراب والظلام.
لحظات من الحزن قد اعتلت قلوبهم، وهم يودعونه بألم، وهم لا يظنون للحظة أنه قد فارقهم.
ليقترب أياد بدموع من أخيه الأكبر ليحتضنه وهو يقول:
خلاص يا أدهم، راح أبوك راح وسابنا، أنا حاسس إنكم بتضحكوا عليا.
ليحتضنه أخاه بشدة وبصوت ضعيف:
أياد خليك قوي، ادعيله يا أياد.
أياد بألم:
كنا ديماً بُعاد عنه، بس هو اللي اختار كده، وقرر إنه يسيبنا نعيش حياتنا بالفلوس، الفلوس اللي مكنتش غير نقمة ومش نعمة على حياتنا، الفلوس اللي مش بتعمل الحنان ولا بتعمل الأسرة. طول عمرنا كنا أسرة مشتتة كل واحد في حياته، مبنجمعش لغير في الحفلات والمناسبات أو في المشاكل وبس.
ليتمالك أدهم دموعه التي قد أوشكت على أن تخونه ليصرخ ويقول:
خلاص يا أياد، أرجوك.
ليقترب أحمد منهم بألم:
أياد يلا، وسيب أدهم شوية لوحده.
هلينظر لهم أياد بألم، ويغادر أحمد وأياد المدفن ليبقي أدهم فقط. ليظل يتأمل ذلك المكان بدموع قد خانته الآن وبدأت تسقط ليقول بصوت باكي:
مبقتش قوي خلاص، فاكر لما كنت بتقولي إن بفكرك بشبابك وقوتك، وإن محدش كان يقدر يقف قدامك مهما كان. خلاص القوة اتهدمت اللي كنت بأخدها منك.
ليُبكي بحرقة ليقول:
عزت باشا، قصدي يا بابا، كنت ببقى كاره نفسي وأنا مش بنطقها، مهما كبرت وبقيت حاجة كنت بشتاق أوي لنطقها. فاكر وأنا صغير لما قولتلي إن أول كلمة نطقتها هي ديه، بقيت تقولي مكنتش فاكر إن أول كلمة هتنطقها هتبقى أول كلمة هتكره إنك تقولها. سامحني.
ليذهب ويتركه، وهو يجفف دموعه، ليرتدي نظارته وهو يخفي عينيه، ليصبح القلب وحده من يشعر بضعف صاحبه.
***
يوماً طويلاً قد قضوه من الألم، ألم سوف يطيب مع الوقت، وينسى مع الزمن. ليرحل آخر ونودعه بنفس الطريقة ليعود إلينا النسيان محملاً لنا حتى تستمر الحياة. ولو نظرنا سنجد أن كل منا يرحل بعمله فقط وطيبته التي يزرعها في دنياه، ليبقي أثر خيره هو فقط الموجود.
بدأ الناس بالانصراف، وبدأت لحظات الصمت تعم المكان لتبدأ دموع نانسي المزيفة بالهبوط باحترافية لتقول:
محدش حاسس بيا، ولا حد حاسس بالوجع اللي جوايا.
لتتطلع إلى أعين شاهي ومريم وهي تقول:
كل واحدة فيكم مع جوزها، إلا أنا، اترملت في عز شبابي.
لتظل تبكي بألم مخادع.
لتظل نظرات مريم وشاهي لبعض، لتنهض شاهي لكي تطمئن على طفلها النائم، وتنهض مريم لتقترب منها وهي تقول:
ربنا يصبرك يا مدام نانسي.
وتلتفت بوجهها بعيداً كي ترحل.
لتقترب منها إلهام:
رايحة فين يا مريم؟
مريم:
هروح، وهبقى أجي بكرة إن شاء الله عشان أعزي أدهم وأطمن عليه.
لتقترب منها إلهام بإشفاق:
على فكرة هو في مكتبه، تعالي أدخلي له.
لتتابعها مريم، وأعين نانسي مسلطة عليهم. ل تنهض من مكانها وهي تنفث دخان غضبها لتغادر المكان بأكمله، فهي لن تتحمل أكثر من ذلك في تمثيل دور الزوجة المخلصة.
وما من دقائق كانت تخرج فيها صوتها بصعوبة وهي تقف خلفه وهو يدخن سيجارة تلو الأخرى. لتقترب منه بخطوات بطيئة وبصوت هادئ:
البقاء لله يا أدهم.
ليلتف إليها بهدوء وهو يتطلع إلى معالم وجهها:
ونعم بالله.
مريم بحب:
أنا حبيت أطمن عليك قبل ما أمشي وأعزيك.
أدهم بجمود:
تمشي تروحي فين؟
مريم:
هروح بيتي.
أدهم بصرامة:
وعلى أساس إن ده بيت مين؟ مش عايز أسمع موضوع بيتي وبيتك ده تاني، فاهمه؟ أنا مش هسيبك عايشة لوحدك أكتر من كده. قولتي تبعدي شوية قولت مش مهم، قولتي أعيش لوحدي قولت هنفذلك رغبتك. منعتيني إن أكون جنبك استحملت وقولت مادام هي حابة كده أنا هنفذلها رغبتها. بس بعد كده هتسمعي الكلام، سامعة؟
مريم بألم:
أنت ناسي إننا خلاص اتطلقنا.
أدهم:
ومين قالك إني طلقتك؟ أنا قولتلك كده عشان أريحك من وجودي اللي بقيتي خلاص رافضاه في حياتك.
مريم:
يعني إيه؟ إحنا مطلقناش؟
أدهم بشرود:
لأ، وإنتي لسه مراتي يا مريم.
ليظل يتأملها قليلاً وكأنه يخاطب كل جزء فيها بأنه قد اشتاق إليها كثيراً، ليشيح بوجهه سريعاً وهو ينده على أحد الخدم بعد أن غادر مكتبه ليقول:
طلعوا الهانم أوضتي، عشان ترتاح.
ويتركها ويغادر القصر بأكمله وأعين إلهام ومريم عليه. ليصطدم به أحمد ويخرج خلفه منادياً.
لتقف الكلمات عاجزة، وتتوالى نظرات الأعين باحثة عما تفقده. ويبقى صوت واحد يئن بين الدموع وهو صوت القلب. ليخبرنا بضعفه وأنينه.
رواية قلوب تائهة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سهام صادق
لحظات أستكان بها الزمن بعد أن بدء بتصفية حساباته ليعلن بداخل كل صفحات الماضي حياة قد حيت في قلوبنا بعدما أصبح القلب يبحث عن نفسه من جديد ليتأمل حاله بعد زمن طويلا قد طال.
ليجد أنه قد كان ضائع وسط سراب أهوائه، ليفيق على ذكريات الشوق والحنين ليصبح نادمًا على لحظات قد أهدرها بين طيات الزمن وسط الآمال الزائفة.
لحظات من الشرود قضاها وهو يطيل النظر إلى الفراغ الذي أمامه وكأنه يبحث وسط الظلام على شعاع نور يضيء بداخله، ليتنهد طويلاً وهو يستنشق بعض نسمات الهواء العليلة، وهو سارح في عالمه هو فقط.
أحمد بألم: أول مرة أشوفك ضعيف كده يا أدهم!
ليلتف إليه بأعين هاربة وهو يقول: ومين فينا مش ضعيف من جواه؟ عارف يا أحمد أنا دلوقتي اكتشفت أني عامل زي القشاية أو الريشة اللي الهوا ممكن يطيرها في أي مكان، من غير أي مقاومة. قوتي كانت أداري بيها ضعفي.
أحمد بتنهد: بس أنت عمرك ما هتبقى ضعيف يا أدهم، عشان أنت لو ضعفت مش هتبقى أدهم اللي كلنا عارفينه.
ليضحك أدهم بسخرية: ماهو عشان كلكم عارفينني بأدهم القوي والصارم، عمر ما حد تخيل إن جواه أدهم ده حد ضعيف قوي، عامل زي الطفل ممكن يفرح بأي حاجة حتى لو لمسة إيد.
ليبتسم بأسى: مريم الوحيدة اللي قدرت تخرجه ببرائتها وطيبتها وضعفها قصادي.
أحمد بحنان: طيب مادام أنت محتاج لمريم دلوقتي، ليه ما تروحش ليها وترمي نفسك في حضنها؟ ولا أدهم الضعيف مش عايز يظهر دلوقتي ويظهر احتياجه؟
ليظل يجول بنظره في كل أرجاء المكان وهو شارد بخفقان قلبه.
.................................................. ............
لم يكن خفقان قلبها بكاذب، ولا حنينها الذي أصبح يسيطر عليها مجرد فقط لشيء مضى لا أكثر، حتى ذلك الصوت الذي أصبح يتردد في أذنيها لم تستطع يوماً إخماده.
فكلما تردد لم تجد شيئاً تجادله به حتى لا تصبح حجتها مجرد حنين وشوق لا أكثر.
ليتردد ذلك الصوت في أذنيها ليقول: لماذا ما زلتِ تحبينه، وتخشين عليه حتى من حزنه؟ لما كل هذا؟
ليخمده قلبها ليقول: لا أعلم وكفى وجعًا بي، فأتركني وشأني.
لتخمد هي كل شيء بداخلها، وهي تسمع صوت طرقات الباب، وتنهض من مكانها لترى من الطارق.
لتقف إلهام أمامها مبتسمة لتقول: جيت أطمن عليكي يا حبيبتي، وأجيب لك حاجة تلبسيها بدل ما أنتِ قاعدة بهدومك كده.
لتنظر لها مريم بحب: تعبتي نفسك ليه؟ أنا كنت هروح الصبح بيتي.
إلهام بحب: وده يعني مش بيتك يا مريم؟ ده بيتك وبيت جوزك، ولازم تقفي جنبه وتفضلي معاه في الفترة دي.
لتقترب منها إلهام وتربط على أحد كتفيها وهي تقول: أدهم بقى محتاج لك قوي يا مريم، محتاج لك أنتِ أكتر واحدة. عارفة إنه ظلمك وعذبك بس صدقيني كان بيعذب نفسه الأول.
لتجلس إلهام على أحد المقاعد وتقربها منها وهي تقول: أدهم عمره ما كان كده، كان زي أي شاب في عمره ليه طموح وبيتمنى يلاقي إنسانة يحبها وتحبه ويعملوا أسرة صغيرة وجميلة. كان نفسه يؤسس حياته زي ما كان بيتمنى يلاقيها هو ويعيشها. يمكن أنا الوحيدة اللي كنت ديمًا بحسسه بالدفء والحنان اللي محتاجه عشان كده فضلت أنا الوحيدة اللي بيقدر يشكي لها حتى من ضعفه. أدهم اتغير أوي.
لتصمت إلهام قليلاً لتقول: من ساعة ما عزت الله يرحمه كشف له الحقيقة المخادعة اللي كانت السبب في جواز أمه وعيشه في وهم ظلم أبوكي لأمه. طبعًا كان صعب عليه أوي إنه يستحمل كده وأترسخت جواه فكرة الانتقام من باباكِ اللي فضل يدور عليه. وبالصدفة اكتشف إن اللي حبها واتجوزها هي بنته. وكأن القدر كان عايز يزرع الحب بفكرة الانتقام. أنتوا الاتنين يا مريم عيشتوا لعبة الكره والانتقام اللي زرعها عزت بسبب كرهه لأبوكي.
لتصمت إلهام، وتظل نظرات مريم مسلطة عليها.
لتضمها إليها إلهام بحب وهي تقول: هو محتاجك دلوقتي خليكي جنبه. وبعدين وقت العتاب هيجي. بس هو دلوقتي محتاج مراته مش مريم اللي بقيت عنيدة.
لتضحك مريم بدون أن تشعر لتقول: هو اللي خلاني أبقى عنيدة. أنا عمري ما كنت كده.
إلهام بحب: ربنا يهديكم يا ولادي!
.................................................. ...........
لحظات من الشرود قد قضاها، ليظل يفكر في كل شيء لم يستطع عقله أن يصدقه، وكيف يصدقه وكل شيء قد قُص إليه لا يعتبر سوى حكايا من قصص الأساطير.
ليمسك بهاتفه وبعد ثوانٍ معدودة: أنت فين يا أحمد؟
وما من لحظات ظلت فيها نظرات أعينهم تجول بينهم، ليظل كل منهما شارد في عالمه.
ليتحدث إياد وهو يقول بصوت مضطرب: يعني مريم تبقى بنت عمي؟ يعني بعد السنين دي كلها يبقى لي عم أول مرة أسمع عنه.
ليتابع بنظراته وهو يتطلع إلى وجه أدهم الشارد وهو يقول: أنا دلوقتي عرفت ليه كان جوايا حاجة بتشدني ناحيتها.
ليصمت قليلاً ليقول: فعلاً الدم بيحن.
ليقترب إياد من أخاه: أكيد مريم لسه معرفتش الحقيقة صح؟
أحمد بأسف: للأسف كلنا كنا آخر من يعلم بحقيقة عمرها ما كانت تخطر على بالنا. بس الحقيقة لسه فاضل واحد بس معرفهاش.
لتتابعهم نظرات أدهم بشرود، ليتركهم ويرحل وتظل نظراتهم مصوبة عليه.
أياد بأسى: أول مرة أشوف أدهم كده يا أحمد. أنا خايف عليه قوي.
أحمد: متخافش على أدهم، الصدمات ديما بتقوي فيه وبتخليه أقوى.
أياد بحزن: وتفتكر هيفضل طول عمره كده؟ يقدر يتحمل ويواجه أي حاجة لوحده؟ ده لو جبل كان زمانه اتهد من زمان.
ليصمت بشرود وهو يقول: حتى الإنسانة الوحيدة اللي كنت فاكر هتكون مصدر لسعادته طلعت للأسف الحاجة اللي ديما بتعذبه بسبب حبه ليه.
ليربط أحمد على كتفه وهو يقول: متظلمش مريم يا أياد. حتى مريم كانت لعبة دخلها القدر وسطكم عشان تنكشف كل حاجة. بس للأسف هي أكتر واحدة اتظلمت من غير ما تعرف ليه وعشان إيه. مريم كانت بتحب أدهم ولحد دلوقتي بتحبه بس للأسف الماضي لسه سايب وهيسيب وجع فيهم. بس أنا واثق إن حبهم أقوى. وحاسس إن زي ما كل حاجة انكشفت مرة واحدة، كل حاجة برضه هتتغير مرة واحدة.
لينظر له أياد بشرود: ياريت يا أحمد ياريت!
.................................................. ...........
لحظات من السكون كانت تعم المكان، وهو يراها نائمة ليظل شارد ببسمة حزينة ظهرت على شفتيه وهو يتذكر لحظات قربهم القليلة التي جمعتهم.
ليتذكر تلك الوجه البريء الذي عشقه وتلك البسمة الصافية التي لا تحمل عبء شيء.
وتلك الملامح التي دومًا كانت يملأها الحزن بسبب آلام وأوجاع صاحبتها.
لتمتد يديه برفق على وجهها ليتحسسه برفق، ويجلس على مقربة منها ليظل يتأملها وهو يتحسس وجهها بحنان حتى نام بجانبها بدون أن يشعر بذلك النعاس الذي داعب جفونه بدون أن يشعر.
لتظل هي مستمتعة بدفء أنفاسه ولمساته، ليأنبها عقلها بذلك الغفران الذي تمنحه له.
ليتألم القلب بصمت بعد أن علم بأن غباءه هو السبب في تلك الأوجاع.
ليصدر أنينه بصمت وكأنه يريد أن يسمعه هو فقط بأوجاعه حتى يعيد له حجته بسبب حب أصبح تحت بند الانتقام.
الانتقام وفقط.
لتنهض من جواره وتظل شاردة في ملامح وجهه الحزينة وهي تتأمله بحزن.
لتشيح بوجهها سريعًا وهي تبتعد عنه.
لتسبقها لمسات يديه وهو يجذبها إليه وبصوت حانٍ.
أدهم: خليكي يا مريم. أنا هخرج من الأوضة.
لتظل نظراته مصوبة نحوها، لتبتعد بنظراتها عنه وهي تقول: أنت شكلك تعبان. ارتاح شوية. أنا أصلًا مش جالي نوم.
لينهض هو دون أن ينتظر ردها ليقول: بكرة هنروح نجيب حاجتك من بيت أهلك، عشان كفاية عِناد لحد كده. عايزة تعاندي معايا بعِناد هنا وانتي تحت عيني.
ليتركها وتظل هي شاردة في حياتها مع ذلك السجان الذي تعشقه.
.................................................. ........
وما من لحظات كان يقضيها وهو يودع كل شيء حوله.
يودع ماضي قد أنهى الكثير من عمره لينتهي به المطاف إلى الرحيل لكي يهرب من عالم قد صنعه لنفسه بسبب حب قد امتلك قلبه حتى جعله يكرهه ذلك الإنسان الذي أصبح هو عليه الآن.
ليفيق من شروده لينهض كي يتابع بعض إجراءات سفره قبل رحيله ليبدأ رحلته التي لا يعلم متى ستنتهي وهل سيعود ثانية أم سيظل غريبًا طيلة حياته في بلاد غريب.
ليسير بخطوات بطيئة وهو يلقي بنظرة على كل شيء حوله، حتى يسمع صوتها وهي تقول: شادي!
ليلتف إليها بعد أن ترك لأذنيه أن تسمع صوتها الذي أصبح يبغضه.
نانسي: عزت مات يا شادي، وأنا خلاص هورث وهبقى معايا فلوس كتير. ونقدر نتجوز. أوعى تسافر وتسبني يا شادي.
ليظل يتأمل معالم وجهها بسخرية ليقول: مزعلتيش على جوزك مجرد يومين، وجاية لحبيبك عشان تتمتعوا سوا بفلوسه.
ليظل ينظر لها بألم ليقول: تفتكري لو اتجوزنا وجه اليوم اللي هتودعيني فيه لما أموت؟ تفتكري دموعك هتنزل عليا ولا لأ يا نانسي.
ليضحك بسخرية وهو يقول: مظنش أصل أنا معيش فلوس عشان تقدري تمثلي لساعات إنك زعلانة على فراقي. أنتي مريضة قوي يا نانسي.
نانسي: أنا يا شادي. أنا لو مكنتش بحبك مكنتش أنت أول حد أفكر فيه. وجيت لك جري عشان نبدأ حياتنا اللي اتهدمت يا حبيبي وكنت زعلت منك بسبب آخر مرة عاملتني فيها وحش واتهمتني بحاجات أي ست متقدرش تستحملها.
لتقترب منه وهي تقول: احنا دلوقتي هيبقى معانا فلوس كتير ونقدر نعيش واحنا فوق مش تحت.
شادي: تصدقي أنا صعبان عليا فعلاً جوزك اللي مات بسبب واحدة زيك. وإني ندمان إني كشفت له خيانتك وكنت سبب في موته. بس أكيد جوزك يستحق إن حياته تنتهي على إيد واحدة زيك.
نانسي بصدمة: أنت بتقول إيه؟ عزت عرف قبل ما يموت بخيانتي؟
شادي بشرود: للأسف أه. وللأسف طلعتي محظوظة وملحقش يطردك ويرميك في الشارع اللي تستحقيه يا نانسي.
نانسي بغضب: أنت يا شادي تعمل فيا كده.
لتهدأ قليلاً وهي تتطلع إليه لتقول: أنت فعلاً متستحقش إني أفكر فيك للحظة. أنا مش عايزة أشوف وشك تاني.
شادي بضحك: ومين قالك إنك هتشوفيني تاني يا نانسي؟ أنا خلاص سايب البلد كلها ومسافر ولا أنتِ مش واخده بالك إنك في المطار؟ ولا أنتِ خلاص غرورك بقى عاميكي مش عايزة تعترفي إنك نحلة في حياة أي حد. وبقى وجودك غير مرغوب فيه.
لتظل تنظر إليه وهي تبحث عن شادي الذي أحبها بكل ما فيها من عيوب.
ولكن كان لا بد لحبه لها نهاية.
ليبتسم لها وبصوت يخلو من كل شيء: سلام يا نانسي هانم.
ويلتف بظهره مودعًا كل شيء، ليذهب إلى أرض بعيدة يبحث فيها عن شادي آخر، وليس شادي الذي صنعته نانسي ليكون لها فقط.
لتظل هي تتابعه بنظرات أعينها، ليناديها صوت بداخلها ليقول: لستِ أنتِ الخاسرة، فهو وحده الخاسر.
..................................................
لحظات من الصمت قضّوها وهم يجلسون سويا على مائدة الإفطار، ليظل كل منهم يتابع تناول طعامه بصمت.
لتقترب منهم تلك السيدة الطيبة فاطمة لتقول بصوت حانٍ: يااا، من زمان وأنا نفسي أشوفكم متجمعين كده. ما كانش نفسي لما تتحقق أمنيتي دي يكون في وقت حزن.
إلهام بحب: الحمد لله على كل حال. تعالي يلا أفطري معانا عشان نكمل اللمة سوا.
فاطمة: لا ياست إلهام، ميصحش برضوه.
إلهام بطيبة: أنا هسيب أياد هو اللي يتكلم بقى، عشان عارفة إنك بتحبيه قد إيه. لتنظر إلى شاهي بحب وهي تقول: على فكرة فاطمة هي اللي مربية جوزك.
شاهي بطيبة: أياد حكالي عنك يا دادة كتير، وحكالي عن كل المقالب اللي كان بيعملها فيكي. أنا خايفة أدهم يطلع زيه.
ليبتسم أياد بشرود: يلا بقى يا بطوط اقعدي أفطري، ولا أنا موحشتكيش؟
فاطمة بحب: ده أنت وحشتني قوي يا حبيبي. وكان نفسي أشوف ابنك والحمد لله رجعتوا لينا بالسلامة وهربيه زي ما ربيتك.
أياد بحب: ربنا يخليكي لينا يا دادة. ليتابع بالحديث ليقول: أدهم ومريم مش هينزلوا يفطروا معانا.
إلهام: أدهم راح مع مريم عشان تجيب كل حاجتها من بيتها القديم.
لتنظر لهم شاهي وهي تحمل طفلها: مريم شكلها طيبة قوي. أنا مبسوطة قوي إن هيكون ليا أخت زيها، وأنتي برضوه يا طنط إلهام حضرتك طيبة كمان.
لتتابعها نظرات زوجها وإلهام بحب وهم يسمعون حديثها.
***
ظلت تجول بعينيها في كل أرجاء البيت، حتى وقفت بعينيها على أحد الصور وهي تتأملها. ليتابعها هو بعينيه ويقترب منها وبصوت هادئ: ده باباكِ يا مريم؟
مريم بألم: آه، ده بابا واللي جنبه ماما. لتضحك بألم لتقول: وأنا اللي في النص.
أدهم بحب: أنتِ شبه مامتك قوي. ليصمت قليلاً ويلتف إليها بعد أن أمسكها برفق من أحد كتفيها ليقول: سامحيني يا مريم عشان للحظة فكرت أظلمك فيها. بس اللي لازم تتأكدي منه إني عمري ما خدعتك في مشاعري، صدقيني. ليتنهد قليلاً وهو يعاود النظر لتلك الصورة التي أمامه: يا ريت يا عمي عبدالله تسامحني. عشان مقدرتش أحافظ على بنتك ولا أحميها من نفسي. ليلتف بعينيه إلى مريم ليقول بأسى: النهاردة لازم تعرفي الحقيقة كلها. عشان اللعبة خلاص انتهت وخلصت، وأنتي مبقتيش دلوقتي لعبة يا مريم بين عالم أنا اللي دخلت فيه بأيدي. بس للأسف كان لازم تدخليه عشان الحقيقة كلها تبان.
ليصمت أدهم بشرود ليظل يدور بنظره في كل شيء أمامه. ليبدأ يقص لها كل شيء... حتى انتهى على آخر جملة وهي تتابعه بعينين شاردة لتنطق بكلمة واحدة بعد أن جلست على أحد الأرائك وهي تقول: أنا مش فاهمة حاجة!
ليظل هو يسير يميناً ويساراً. حتى جلس بجانبها بتعب: للأسف هي دي الحقيقة يا مريم. اللي كانت غايبة عني سنين وأنا جوايا بس فكرة واحدة إني أنتقم من عمي اللي مكنتش أعرف بوجوده غير إنه شخص غريب. أذي أقرب إنسانة ليا.
لتنظر له مريم بألم: طب فضل يكره بابا ليه؟ حتى لما عرف إنه مات ليه فضل يكرهه؟ وكرهني أنا كمان عشان أنا بنته؟ طب ليه؟ لتصمت قليلاً لتقول: عشان كده بابا عمره ما حكى عنه عشان عارف إنه بيكرهه. وأكتر حد مبيتمناش وجوده في حياته.
ليقترب منها أدهم بحب: الكره كان مسيطر قوي على بابا يا مريم. سامحيه أرجوكي. كان نفسي عمي يكون موجود عشان يسامحه وعشان أعتذر منه كمان عشان محفظتش عليكي.
مريم بشرود: أدهم، إحنا حبنا بقى مليان وجع وكره وحاجات كتير قوي. مش دي الحياة اللي حلمت أعيشها مع الإنسان اللي أتمنته. عارف يا أدهم، كان كل حلمي بيت صغير وجميل وولد وبنت. شبهي أنا وباباهم. نربيهم صح ونحفظهم القرآن ونعلمهم دينهم كويس، وأول حاجة نعلمهلهم التسامح والحب والخير. حاجات كتير كنت بحلم بيها في دنيا بقت متحكمة فينا. ونستنى إنها في وقت هتنتهي بعد ما إحنا هنكون خلاص انتهينا!
عارف يا أدهم. أحياناً كنت بلوم نفسي على طيبتي الزيادة عشان هي سبب غبائي. بس دلوقتي عرفت إن الغباء ساعات بيكون راحة. عن حياة إنت مش شايف فيها حاجة وسط حاجات كتير بتحاول تهدم وتكسر فيك. لتضحك بأسى: أنا كنت ضحية زي والدتك. للأسف إنت كمان عملت نسخة تانية من أمك. بسبب الكره والانتقام اللي للأسف ملهوش مبرر ولا عذر حتى قدام نفسك.
ليقترب منها وهو يمد يديه ليمسح دموعها التي بدأت تنساب. ليكن رد فعلها بأن تشيح بوجهها سريعاً وهي تنهض من جانبه لتقول بصوت هادئ: أنا هروح أجهز حاجتي.
ليبتسم هو. ويظل شارداً في كل شيء أمامه. حتى يقف أمام صورة لوالدها ويظل يتأمل ملامح ذلك الرجل الذي أحبته أمه ولم يفرقهم سوى أباه.
لتقف هي خلفه وهي تتأمله. وبعد لحظات من الصمت قضتها وهي تتابعه بعينيها: أنا خلاص خلصت. ممكن نمشي دلوقتي.
أدهم بشرود: تفتكري ليه محكاش ليكي إنتي ووالدتك عن الحقيقة؟
مريم: مشكلة بابا الله يرحمه كان شخص مسالم جداً وممكن يتخلى عن أي حاجة مادام هيلاقي اللي حواليه سعداء ويقدر يحقق لهم اللي بيتمنوه حتى لو هيتخلى عن سنين حبه وفرحته ويفضل طول عمره وحيد. كان أهم حاجة عنده إنه يعيش حياة ديما كان بيصورها لي بقلبه قبل عقله. حياة تقدر تشوف فيها العين كل حاجة ممكن تتمني وجودها في عالم مزيف. عالم تقريباً مش بنلاقيه غير في الأحلام. وللأسف من كتر ما عشت معاه العالم ده نسيت الحقيقة اللي إحنا عايشين فيها.
لتصمت قليلاً. حتى تبتسم بعفوية لتقول: بس بابا قدر يلاقي الإنسانة اللي هي شبهه ويكمل معاها باقي عمره ويعمل الأسرة اللي بيتمناها. صحيح حلمه الأولاني مات. بس قدر يعمل حلم تاني ليه ويعيشه ومهما كانت بتقبله من صعوبات كان ديما بيبقى راضي بأي حاجة. لتشرد قليلاً لتقول بصوت شارد وهي تتأمل ملامح والدها في تلك الصورة: كنت طفلة صغيرة نفسها في لعب ولبس كتير وجديد. مكنتش فاهمة حاجة.
وفي يوم فضلت أعيط عشان يجيب لي فستان جديد وجزمة جديدة. ولما قالي هجيب لك يا حبيبتي إن شاء الله وعد بس لما بابا يبقى معاه فلوس.
فضلت أتطنط وأعيط وأقول له: لأ أنا عايزة دلوقتي، هو إنت ليه مش هتجبلي؟ هو عشان إحنا فقراء؟
ضحك لي وخدني في حضني وقالي: الفقر يا بنتي مش في الفلوس. الفقر فقر النفوس.
لتتنهد قليلاً لتقول: مكنتش عارفة يعني إيه فقر النفوس. بس لما كبرت فهمت.
لتضحك بحزن وهي تتذكر أحد لحظاتها مع والديها لتقول: وماما عملتلي الفستان اللي كان نفسي فيه لأنها كانت خياطة شاطرة. وهو اشترالي الجزمة اللي نفسي فيها. بس أنا اللي في الآخر مرضتش البسهم عشان محستش بفرحتهم. عشان نفسي مكنتش فرحانة وحسيتها إنها فعلاً بقت فقيرة. بس عشان بابا يفرحني ويخليني ألبسه خدني يفسحني وقالي مش هفسحك لغير بشرط يا مريم. إنك تلبسي الفستان الجديد.
حياتي كانت بسيطة وجميلة. عمر بساطتها ما حرمتني من جمالها. ولو سألوني تتمني إيه دلوقتي!
هتمني لحظة واحدة بس أرجع فيها وسطهم وأشوف نظرة عينيهم اللي كانت بتمثل لي ديما دنيا جميلة. وناس أجمل.
ليقترب منها أدهم بحب. وبدون أن يشعر وجد نفسه يضمها إليه بشدة ليهمس في إحدى أذنيها ليقول: أنا آسف يا مريم على كل لحظة حرمتك فيها إنك تعيشي الحياة اللي اتمنتيها.
لتبتعد هي من حضنه لتقول: عايز ترتاح يا أدهم وتحس إنك فرحان وراضي عن حياتك. اعمل صدقة لوالدك بجد هي اللي تقدر تنفعه وصدقني هتنسيك حزنك عليه حتى لو بمقدار بسيط. وع فكرة هو كان بيحبك قوي أنا صح مشفتهوش غير مرتين بس. بس حسيت إنه ديما بيشوفك إنت الاب وهو الابن. لتتنهد قليلاً لتقول: عمو عزت كان طيب بس للأسف الطيبة اختفت ورا الكره لأن الكره كان خلاص انتصر عليها. وبقي ضايع وسط دنيا هو رسمها لنفسه. وللأسف تاهه وسطها حتى والدتك اللي كانت ممكن تغيره هي كانت سبب إن يفضل شايف إن كرهه وانتقامه ده صح. لأنها فضلت تحب بابا حتى لما صورلها إنه إنسان وحش فضلت برضوه مش قادرة تصدق. فشاف إن حتى الكره اللي فضل يزرعه في قلبها مأثرش على حبها ليه. وبقي الكره والحب بالنسباله شيء واحد.
أدهم بتنهد: للأسف حاجات كتير ظهرت متأخر.
لتمد هي يدها له بتلك الورقة لتقول: ده عقد بيع مزرعة والدتك لبابا. أنا أول مرة أشوف الورقة دي. بس لقيتها بالصدفة وأنا بحاول أدور على أي حاجة تثبتلي حتى لو جزء من الحقيقة. وديه صورة كانت بتجمع ست ورجل وطفلين. لتشير على أحد الأشخاص. أظن ده بابا. وديه جدتي.
ليبتسم أدهم بحب: ده شوكت باشا. ودي سمية جدتنا. ليبتسم بأسف وهو يقول: وده بابا وده عمي عبدالله.
بس إنتي لقيتي الحاجات دي إمتى؟
مريم: لما رجعت أعيش في مملكتي الصغيرة دي تاني. بعد ما وافقت إنك تطلقني.
ليضع أنامله على فمها ليقول بصوت حانٍ: وإنتي صدقتي للحظة إني ممكن أطلقك يا مريم.
لتبتعد عن نظرات عينيه لتقول بصوت مضطرب: دي مزرعة والدتك وإنت أحق بيها. وصدقني أنا اتفاجأت بالعقد ده لو كنت أعرف كنت من زمان اتنزلتلك عنها.
ليصمت أدهم قليلاً ليقول: دي ملكك إنتي يا مريم. وفي حاجات كتير برضوه هتبقى ملكك. حق والدك إنتي اللي هتاخديه لأن جدي الله يرحمه كان موصي إن والدك يورث مع بابا. وبابا قبل ما يموت وصاني بكده برضوه. زي ما وصاني إن أطلب منك تسامحيه وتدعي له.
مريم بطيبة: صدقني أنا مش عايزة حاجة. وأنا مسامحة من غير أي مقابل مهما كان ده عمي. ومفتكرش إن بابا قبل ما يموت كان لسه زعلان منه ومسمحوش. أنا هرجع أعيش معاكم عشان عايزة يكون لي عيلة وبس يا أدهم وسط ولاد عمي.
أدهم: ولاد عمك. ده على أساس إنك مش متجوزة من واحد فيهم ومراته.
لتطلع إلى ملامح وجهه بشرود: لازم بعد كل اللي حصل ده ندي نفسنا فرصة نراجع فيها كل حاجة عشان لو بدأنا صفحة جديدة نبدأها من غير ماضي ممكن في يوم يفرقنا.
رواية قلوب تائهة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سهام صادق
لحظات باتت فيها جميع أحلامها مجرد رمادا. قد جانته هي في النهاية بعد أن ظنت بأن لكل الأحلام نهاية على أهوائنا، وأن للطمع حياة تنبت لينعم المرء بكل ما يتمنى بعد ما حصد.
جلست أمامه وهي تبتسم، ابتسامتها التي لا توحي سوى بأفعى ماثلة على هيئة بشر. لتضع ساقا على ساق وهي تتمدد في جلستها، لتتأمل كل شيء حولها بأعين رابحة تتمتع بالفوز. لتقول بصوت هادئ:
"أظن أن المفروض الوصية تتفتح يا أدهم، ولا أنت عايز كل حاجة تبقى ليك."
ليظل يتأمل معالم وجهها قليلا، حتى يشيح بوجهه سريعا عنها، ليتطلع إلى الأوراق الماثلة أمامه. ليقول بصوته المعتاد:
"وياترى سهراتك وخروجك الكتير نسيتك إن الراجل اللي جايه تطلبي بحقك منه مكملش شهر على وفاته. تفتكري إن ده يديكي الحق إنك تتمتعي في خيره."
لتنظر له باستهزاء وهي تقول:
"أظن دي حياتي وأنا حرة فيها، ومحدش وصي على حد، والمفروض كمان تلزم حدودك معايا. ولا عشان خلاص اللي كان بيني وبينك مات هتقفلي؟ لا، أوعى تفتكر إنك تقدر تحاسبني يا أدهم."
ليتطلع لها ضاحكا وبصوت هادئ:
"خير يا مدام نانسي!"
نانسي ببرود:
"عايزة حقي يا أدهم، ولا أنت فاكر إن الأملاك دي كلها ملكك أنت وبس."
ليتنهد قليلا وهو يتطلع إلى الأوراق التي أمامه ثانية، ليعاود الحديث معها بصوت جاد:
"طيب لو قولتلك إنك ملقيش حق في الورث يا نانسي، وإن حقك بس هي الفيلة اللي عايشة فيها والفلوس اللي باسمك في البنك."
لتتطلع إليه بصدمة، حتى تتلاشى الصدمة سريعا وتقول بصوت غاضب:
"انت بتقول إيه؟ لا أنت أكيد اتجننت يا أدهم وعايز كل حاجة ليك طول عمرك طماع. بس أنا مش هسكت عن حقي فاهم وحقي هاخده. أنا مفضلش مستحملة العيشة مع راجل عجوز وفي الآخر أطلع بره وأنتم تتمتعوا بكل حاجة."
ليقف أمامها ببرود وهو يقول:
"دلوقتي بقى راجل عجوز؟ طول عمرك إنسانة زبالة. وكان أكبر غلطة عملها أبويا الله يرحمه إنه اتجوزك. بس هقول إيه، كان نصيبه إن حياته تنتهي وهو معاشر أفعى زيك."
لتقترب منه بأعين ثاقبة يمتلكها الغضب لتقول:
"وانت فاكر نفسك بقى الملاك؟"
لتتنهد قليلا وهي تقول:
"بص يا أدهم حقي هاخده فاهم، وده حقي الشرعي ولا هطلعني في الآخر بلا مولد بلا حمص."
ليظل يتأملها قليلا وهو يشعل دخان سيجارته وبصوت جامد:
"ما أنا قولتلك حقك يا نانسي، الفيلة اللي انتي عايشة فيها والفلوس اللي باسمك في البنك، وبتهيألي إن 2 مليون في حسابك في البنك مش قليل غير الفيلة طبعًا. ولا الطمع لسا مشبعش."
لتظل نظرات أعينها تحاوطه، حتى يخرجها من كل هذا. ليقول:
"بصي يا نانسي، كنتي ممكن تورثي فعلا زي ما بتقولي وتاخدي حقك، بس ده لو مكانتش كل الأملاك باسمي أنا بالتوكيل اللي معمول لي، يعني محدش من حقه حاجة غيري. والكلام ده تقدري تعرفيه من المحامي."
لتجلس هي على أقرب مقعد:
"والأسهم اللي ليا في المجموعة؟ ولا أنت كمان هضمها لأملاكك؟"
أدهم:
"ما أنا قولتلك يا نانسي، حقك هي الفيلة اللي باسمك والفلوس اللي في البنك وبس. غير كده مافيش."
لتصمت قليلا وهي ترى أن كل ما عصفت به من أجل تلك الغنيمة لم يبق لها سوى هذه الأشياء، وكأنهم يتصدقون عليها.
أدهم بتنهد:
"أنا مش ظالم يا نانسي ولا هظلمك. وبدل ما يكون في حسابك 2 مليون هيكون 5 مليون، وبكده تقدري تعيشي الحياة اللي انتي عايزاها."
لتنهض أمامه لتقول ساخرة:
"5 مليون في ثروة بمليارات؟ أنت بتتصدق عليا يا أدهم وبترمي لي مليم."
ليتطلع إليها قليلا وهو يتنهد ليقول:
"تقدري تقعدي مع المحامي وهو هيخلص معاكي كل الإجراءات وكل حاجة انتي حابة تتأكدي منها. شرفتي يا مدام نانسي."
منذ زمن بعيد وهي تحبه. كان عشق طفولتها ومراهقتها وشبابها. أحبته بصمت حتى جاء اليوم الذي أعلن فيه عن زواجه بأخرى. لم تستقبل هذا الخبر سوى بدموعها التي أحرقته من كثرة ذلك العشق الذي حرمها من حياة تحياها بدونه. ولكن ظل دائمًا عشقها له سرًا أخفته عن الجميع، حتى زجروها عن حياة قد أضاعتها في العمل فقط، حتى هو كان كثيرًا ما يزجرها على تلك الحياة. فهو ينظر لها دائمًا بابنة العم الصغرى التي لا بد أن يرعاها وفقط. حتى أنه لم يلاحظ يومًا أن ابنة عمه قد كبرت وأصبحت امرأة ناضجة في منتصف العشرون.
جلست أمامه وهي تطلعه على بعض التصميمات الهندسية وبصوت هادئ:
"ده تصميم اللي حضرتك طلبته."
ليتطلع إليها جلال مبتسمًا:
"مش مصدق إنك كبرتي يا إيمان وبقيتي مهندسة شاطرة."
لتبتسم له بخجلها المعتاد، ليقول ضاحكًا:
"وكمان لسه بتتكشفي؟ لسه متغيرتيش."
لتتطلع إليه قليلا وبصوت حزين:
"لسه ديمًا شايفني البنت الصغيرة، مع إن البنت الصغيرة كبرت خلاص وبقى عندها 26 سنة."
ليضحك جلال بشدة:
"خلاص متزعليش يا ستي، كبرتي وبقيتي عروسة والمفروض نخلص منك بقى. أشرف لسا مكلمني من البلد وبيسألني عن رأيك في العريس."
لتصمت بألم وهي لا ترى في عينيه أي شيء جديد سوى تلك النظرة التي اعتادت عليها:
"ممكن منتكلمش في الموضوع ده تاني، أنا جيت من البلد عشان أشتغل وبس. أما فكرة الجواز دي أنا مبفكرش فيها."
لينظر لها جلال مستفهمًا:
"لو في حد في حياتك يا إيمان، تقدري تثقي فيا وتحكيلي، وتأكدي إني هسمعك من غير أي اعتراض. أنا عارف تربية عمي صعبة شوية غير التقاليد اللي لسا متمسكين بيها إن البنت ملهاش رأي ولا ينفع تتكلم عن الحب."
ليضحك قليلا ليقول:
"بس انتي يا بشمهندسة مش زي أي حد، انتي كسرتي القاعدة مع عمي. واه وافق تيجي القاهرة وتشتغلي وتعيشي هنا مع عبد الله ومراته."
لتتطلع إليه قليلا وهي تتأمل معالم وجهه التي طالما عشقتها:
"صحيح عبد الله عزمك أنت ومروان على العشا. هو قالي هيتصل بيك بس أنا قولت أقولك بردوه."
ليضحك جلال قليلا:
"لأ متقلقيش، أخوكي البخيل اتصل وعزمني."
لتبتسم له كالمعتاد وبصوت هادئ:
"هروح أكمل أنا شغلي بدل ما يقولي وسطه بقى وكده. عن إذنك."
ليتطلع إليها مبتسمًا ليقول:
"اتفضلي!"
حتى يعاود الاطلاع إلى التصميمات التي أمامه، ليشرد قليلا بها، ليندفع من على كرسي مكتبه ويخرج لسكرتيرته الخاصة:
"سارة ممكن تناديلي أستاذة مريم؟"
ولأول مرة يشعر بأن الحديث عليه أصبح ضاحكًا. ليظل يتطلع إلى فنجان القهوة الذي أمامه ليقول بجدية:
"خلاص يا أحمد، أنت ما صدقت تستلمني النهاردة وتعمل عليا حفلة."
لينظر له أحمد قليلا وما زالت ضحكاته مستمرة:
"ماهو بصراحة يا أدهم، حاجة تضحك قوي. أنا أعرف فترة الخطوبة قبل الجواز، أما بعد الجواز بصراحة مسمعتش. بس مع أدهم ومريم مفيش حاجة مستحيلة."
لتتابعه نظرات أدهم بضيق وهو يقول:
"أنا غلطان إني حكيتلك. روح لخطيبتك يا أحمد، روح."
أحمد:
"خلاص هتكلم جد شوية. يعني أنتوا الفترة اللي فاتت كلها وأنتم بتعملوا على الأساس ده؟"
أدهم بتنهد:
"أيوة ياسيدي. حتى الشغل صممت تروحه تقولي لما أبقى مراتك أبقى اتحكم فيا. ساعتها كان هاين عليا أشدها من شعرها وأحط وشها جوا قسيمة الجواز وأقولها أومال إيه ده يا هانم. أنا قربت أتجنن. أنا تعبت بجد لولا إن الشركة الفترة دي في مشاكل كان زماني ارتكبت جناية."
لينظر إلى صديقه، الذي وجده يتطلع إليه ضاحكًا.
أدهم بضيق:
"شكلي على آخر الزمن بقيت فرجة قدام اللي يسوى وميسواش. أقول عليكي إيه يا مريم!"
أحمد ضاحكًا:
"حقها والله تعمل فيك كل حاجة. وكمان بقى من حقها بصراحة فترة الخطوبة بردوه هتعرفك على حقيقتك وهتقول أريد خلعًا."
ليتنهد أحمد قليلا، بعدما رأى أن كل هذا لا يزيد على صديقه سوى غضبًا.
ليقول بصوت جاد:
"مش أنت وعدتها إنك هتصبر عليها وهتستحمل؟ وكمان متنساش اللي مريم مرت بيه كان صعب ومن حقها تعيش كل ده وتتدلل عليك كمان ومتقلقش ياسيدي، حاسس إن قريب أوي كل الأمور هترجع لطبيعتها."
لينظر له أدهم بتنهد ليقول:
"نظرات جلال واهتمامه مش مريحني. حاسس إن في حاجة من ناحيته."
أحمد:
"طيب ما تخليها تستقيل وترجع تشتغل معانا تاني."
أدهم:
"وتفتكر أنا معرضتش عليها كده؟ بس الهانم بردوه رفضت. وقالت إنها مرتاحة في شغلها. بس شكلي مش هصبر كتير عليها."
أحمد ضاحكًا:
"فعلا الحب ياما بيبهدل ناس. وأولهم أنت يا بوس."
لينظر له أدهم مشمئزًا وهو ينفث دخان سيجارته بغضب. يكاد يفتك بكل شيء أمامه.
لحظات من الصمت قد قضوها وكلاهما سارح في عالمه الخاص. عالم لا يوجد فيه شيء سوى الطمع والرغبة. لتصبح الرغبة عند أحدهما، والطمع عند الآخر. لتتلاقى الأعين كما تلاقت النوايا.
جلست أمامه، وهي لا تفكر بشيء سوى في كل ما خططت من أجله وفي النهاية أصبح لا شيء.
لتظل نظراته مصوبة نحوها وهو يقول بصوت هادئ:
"وانتي زعلانة ليه يا نانسي؟ ولا انتي كنتي فاكرة إنك في الآخر هتطلعي من الجوازة دي كسبانة؟ تبقي كنتي مغفلة. وكويس أوي إنك طلعتي منهم بـ 5 مليون غير العربية والفيلة."
لتقابله نظرات نانسي الهاربة:
"انت بتقول إيه يا فهمي!"
فهمي بهدوء:
"بصي يا نانسي ما انتي لازم تكوني فاهمة حاجة واحدة. انتي مكنتيش متجوزة عزت بس. متنسيش ولاده وبالأخص أدهم. يعني المفروض تكوني عارفة إنك مش هتاخدي اللي انتي عايزاه."
ليتنهد فهمي قليلا:
"إيه رأيك تشاركيني في المجلة ونعمل بيزنس سوا؟"
لتظل نظرات نانسي تتابعه بتفكير:
"مجلة؟ ما افتكرش هو ده المشروع اللي هيفيدني وهيخليني أنتقم منه وأفضل واقفاله زي الشوكة في كل حاجة."
فهمي بهدوء:
"ومين قالك إنك لما تبقي صاحبة المجلة، مش هتقدري تقفيله بالمرصاد. وكل خبر هيأثر على سمعته في السوق. فكري كويس في عرضي وأنتي حرة."
لتبدأ هي في إشعال سيجارتها بشرود، حتى يقترب هو منها بخبث ليقول:
"أنا عازمك على سهرة هتنسيكي كل حاجة. إيه رأيك تقبلي عزومتي؟ وتأكدي إنك مش هتكوني خسرانة."
لتبتعد هي قليلا عن نظراته:
"انت متعرفش حاجة عن شادي بعد ما سافر يا فهمي."
ليضحك وهو يقترب منها ثانية:
"تصدقي أحلى حاجة عاملها الواد شادي إنه عرفنا على بعض."
لتصبح أنفاسه قريبة جدًا منها، ليقطع عنهم تلك اللحظات دخول سكرتيرته الخاصة بعد أن أذن لها بالدخول.
من يراهم من بعيد يظن بأنها أسرة قد تكونت منذ زمن. حتى جدران المنزل أصبح يظن أنه يضم أشخاص آخرين ليسوا من سكانه. وأن كل هذا ليس سوى حلم سيفيق منه على جدرانه الخالية ثانية.
جلسوا يتسامرون في بعض الأحاديث بينهم. لتقترب منهم إلهام بحب لتقول:
صحيح يا مريم، ليه مفكرتيش أنتِ وشاهي تعملوا مشروع سوا وكل واحدة فيكم بمجالها، وتقريبًا مجالكم واحد؟
لتتابعهم نظرات إياد الذي عاد من الخارج على تلك الجملة ليقول بمرح:
حرام عليكي يا لولو، أنا ما صدقت أقنعها إنها تتفرغ ليا أنا وأدهم وبس.
لتنهض شاهي بطفولة وهي تتحدث:
يا سلام يا سي إياد، أنت عايز تحبسني ولا إيه؟ أنا عايزة أشتغل زي مريم.
لتضحك مريم قليلاً:
بلاش مريم، اتصرفوا بعيد عن مريم.
ليقترب إياد بحب من زوجته:
أنا مش عايز أحبسك ولا أفرض رأيي عليكي، بس أنا بجد عايزك ليا أنا وبس.
ليضحك إياد قليلاً ليقول:
ولأدهم برضه، عشان متقوليش إني أناني.
لتبتسم إلهام ومريم. حتى تتابعهم نظرات شاهي لتقول:
شفتوا، مش قولتلكم؟ أه ده إياد، وأنتي يا طنط إلهام، قولتيلي مش معقول يطلع ده من إياد، وإنه العقلية دي عقلية أدهم.. شكل الاثنين نسخة واحدة وابني هيبقى النسخة التالتة.
لتبتسم مريم بهدوء لتقول بضحك:
مالكيش دعوة بجوزي يا ست شاهي لو سمحتي.
ليأتي هو على تلك الكلمة وكأن أذنيه أبت أن تسمع شيئًا إلا هي. حتى تسقط على مسمعه لتوحي كلمة واحدة بمعاني جميلة.
ليقترب منهم مبتسمًا حتى يقول:
أنا سامع اسمي.
أياد بضحك:
شكلهم هيعملوا علينا عصابة، ولولو شكلها هتنضم ليهم وهتتخلي عننا يا أدهم.
ليقترب هو منها ليميل على أحد أذنيها هامسًا:
شفتي حتى لسانك قال جوزي؟ بس تصدقي أجمل كلمة سمعتها النهارده.
ليتنهد قليلاً وبصوت حانٍ:
بعشقك، ووحشتيني أوي يا طفلتي.
لتظل نظراتها تجول بينهم بخجل.
حتى يخرجها هو من هذا الارتباك ليقول:
إياد عايزك في المكتب.
لتقف تتابعه بأعينها في صمت وهي شارده. حتى تقترب منها إلهام بحب لتقول:
روحتي فين؟ على فكرة دخل من بدري المكتب، ومادام أنتي مش بتقدري على قربه كده، ليه بتعذبيه وبتعذبي نفسك؟
لتهرب هي من نظرات أعين إلهام لتقول:
هي شاهي راحت فين؟
لتضحك إلهام بحب وهي تتأملها:
شاهي راحت تطمن على أدهم الصغير يا ستي.
أما هو، جلس بتعب أمام أخيه. ليظل يحادثه عن كل شيء حدث من زوجة أبيهم. ليتنهد بتعب هو الآخر ليقول:
كويس إنك اتصرفت كده يا أدهم. مهما كان هي كانت ذكرى من أبونا الله يرحمه. صحيح هي ذكرى الواحد مبيحبش يفتكرها، بس نانسي أمر واقع في حياتنا، وتصرفاتها دلوقتي بقت محسوبة علينا أكتر.
ليظل هو شارداً في عالم آخر. في عالمها هي فقط. ليفيق على صوت أخاه وهو يقول:
بقالى ساعة بنادي عليك، روحت فين يا بوس؟
ليبتسم أدهم بعفوية:
في حاجة يا لمض؟
إياد بحب:
ياااه، من زمان أوي مقولتليش الكلمة دي. تصدق كل حاجة وحشتني. المهم أنا طالع أطمن على أدهم وأشوف شاهي اللي عايزة تشتغل زي مريم دي.
ليضحك أدهم بشدة:
عايزة تبقى زي مريم، ربنا يستر.
لم يكن بعده عنها سوى بكبرياء أراد أن لا يعصف به تحت بند العشق، ولكن هذا العشق الذي جعله مازال يحبها حتى الغفران قد أعطاه لها عندما راجع حساباته للحظات. نعم، فقد كان مثلها تمامًا. احتاج إليها كثيرًا بعد وفاة زوجته فسلك مثلها ذلك الطريق. طريق الاحتياج الذي لا يؤدي لشيء غير رغباتنا. رغبات قد أنهكت كل منا، ولكن يبقى الحب أنقى وأطهر من تلك اللحظات التي نسرقها من عمرنا ولا تجلب لنا غير الندم على ذكريات لو عادت إلينا لتمنينا ألا تصبح لنا ذكرى خالدة في أذهاننا.
لتجلس أمام عينيه. لتتابعه بعتاب. حتى رفض كبرياؤها أكثر من ذلك. فرفع صوته عاليًا لتقول هي:
ليه افتكرتيني دلوقتي يا مازن؟ مش ده نفس المكان اللي تخليت عني فيه وسبتني؟ أنا صحيح الأول كنت ضعيفة وتايهة، بس دلوقتي لا. ومتفتكرش إني بقيت محتاجاك أو محتاجة لحد. بالعكس، أنا مبقتش محتاجة لغير صافي القديمة اللي نداوي جروحها وآلامها لوحدها.
ليظل هو قابعًا أمامها يتأملها في صمت. حتى يعلن الصمت عصيانه وبصوت هادئ:
عشان حاسبت نفسي يا صافي. عشان لو كنت حفظت على قلبي ليكي، كنتي انتي برضه حفظتي على كل حاجة ليا. أنا خونتك برضه وضعفت تحت مبررنا القذر اللي بنسميه احتياج. وللأسف ده أسوأ احتياج ممكن الإنسان يرمي نفسه تحته ويقول أصل أنا كنت محتاج لحد جنبي. بس أنا دلوقتي مش جاي أتكلم في اللي راح عشان مش عايز افتكر أي حاجة من الماضي اللي ديما بحاول أهرب منه. أنا عايز نعمل صفحة جديدة يا صافي، مش صفحة بس، كتاب يجمع كل لحظتنا الحلوة مع بعض. بس مش تحت بند الاحتياج، لأ، تحت الرباط الأقوى والأعظم. رباط المودة والرحمة.
لتتطلع إليه صافي بألم:
بس أنت لو سامحتني أنا مش هقدر أسامح نفسي. لأن بسبب ضعفها هي اللي وصلتني لكده.
مازن بحب:
لأ، هننسي يا صافي. هننسي بحبنا بولادنا. هننسي مع كل ذكرى جديدة في حياتنا. هننسي واحنا مع بعض زي ما تمنينا زمان. فاكرة زمان يا صافي؟ فاكرة أمنيتنا؟
لتتطلع إليه صافي بحب لتقول بحنين وهي تتذكر الماضي:
نفسي أقرب من ربنا أوي، وتكون إيدينا سوا عشان نبقى مع بعض في حياتنا التانية وميفرقناش حتى الموت.
لتتنهد بدموع وهي تقول:
أحلام كتير ماتت جوايا. مع أول لحظة كنت بين إيديه وأنا حاسة إني روحي بتتطلع. وأنا في حضن غيرك وبفكر فيك. نسيت كل حاجة وبقاش جوايا غير الذكريات اللي كانت بتموتني مع كل لحظة حنين.
ليبتسم لها بحب وهو يقول:
والزمن رجع بين إيدينا تاني. وصافي ومازن اتغيروا ومبقوش المراهقين بتوع زمان اللي بيحلموا وبس.
ليصمت قليلاً ليقول بحب:
بعد السنين دي كلها، تقبلي تشاركيني حياتي أنا وبنتي يا صافي؟
لتبتسم له بعفوية من بين دموعها. لتبقى نظرة عيناها فقط هي من تنطق بكل شيء. ويصبح اللسان عاجزًا عن النطق.
ليأتي الليل ويأتي الحنين معه. وتبقى همساته ونظرات عينيه الحانية هي فقط التي تراودها. ليصبح الحنين قاسي جدًا على قلب قد أنهكه ذلك الحب الذي حرمت منه نفسها من أجل الصمود أمامه. حتى لا تشعر يومًا بأن حبها هذا هو من قضى على كبريائها. ولكن كيف للكبرياء وجود مع الحب؟ فالحب يلغي معه كل شيء. ولكن أحيانًا يبقى للقلب رغبة أن يشعر بكرامته للحظات أمام توبيخ العقل له.
لتتنهد قليلاً بألم وهي تمسك أحد صوره وتظل تتأمل في ملامح وجهه حتى بكت عيناها من كثرة الحنين والاحتياج لحبه.
لتتوقف عن البكاء عندما سمعت صوته خلف الباب وهو يسألها هل مازالت مستيقظة أم لا.
أدهم بحب:
لسه منمتيش يا مريم؟
لتشيح بوجهها سريعًا حتى لا يعلم من احمرار أعينها أنها قد كانت تبكي على حنين قد أنهكها. لتقول بصوت ضعيف:
هنام بس بعد ما أقرأ الورد بتاعي.
ليبتسم لها بحب وهو يقول:
طيب ما تيجي نقرا سوا. ولا انتي مش عايزاني أشاركك في الثواب؟
لتتطلع إليه وهي تبتسم بعفوية وتهز له رأسها بحب.
أدهم بدعابة:
هروح أتوضى وأجيلك. بس أوعي تبدأي قبل ما أجي، سامعة؟
وقبل أن يلتف ويغادر حجرتها، ظل ينظر لها طويلًا وهي تتطلع إلى ملامح وجهها. حتى اقترب منها وضَمَّها بين أحضانه بشوق ليقول:
أوعي تعيطي تاني يا مريم. دموعك دي غالية عليا أوي. وممكن أعاقب نفسي لو أنا سببها.
ليخرجها من بين ضلوعه ويترك الغرفة سريعًا قبل أن يخونه شوقه ويعصف بكل الوعود.
لتظل نظراتها تتابعه بحب. وهي تتنهد بألم:
دموعي بسبب حبك يا أدهم. اللي ساعات كتير بيخليني أسعد ست في الدنيا. وساعات تانية بيجني عليا.
ويظل الحنين بين قلوب قد عصف بها الحب يومًا. ليظن القلب أن الراحة في الحب. ليعاتبه الزمن على سذاجته ويبقى الحب هو ألذ ألم تصب به القلوب.
رواية قلوب تائهة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سهام صادق
مرت الأيام ببطئها المعتاد، ليصبح الغد مثل اليوم، لا يفرقه شيء كما اعتدنا. وبين هذا وذاك، يبقى لكل منا حياة مع أيامه. فمن يحيي الحياة، ومن تحييه الحياة. ليصبح كل شيء بين أيدينا، وما علينا سوى الاختيار. فهل نريد أن نحيا وكأن لا وجود لنا، أم نحيا حياة تسعدنا؟ لتستمر تلك الدوامة بنا، وتصبح للحياة، كما يقولون، يوم لك ويوم عليك.
حالة من الهدوء أصبحت بينهم بعد آخر شيء قد حدث، ليظل القلب يعاتب، ويبقى العقل كدفاع.
جلس كما اعتاد يقرأ في إحدى المجلات التي أصبحت لا تتفرغ لشيء سواه، وكأن المجتمع لا يوجد به أحد غيره. ليظل يتطلع إلى ذلك الخبر حتى يفقد صوابه، ويقذف بالمجلة بعيدًا.
ليتنهد بضيق وهو يهاتف سكرتيرته لكي تردف إليه.
أدهم بعصبية:
إزاي لحد دلوقتي ياهنا؟ معرفتيش مين صاحب المجلة دي؟ عايز أعرف اسم صاحب المجلة دي حالاً، سامعة؟
لتتطلع إليه هي بارتباك، وتتحدث بصوت منخفض:
حاضر يافندم. اتفضل أوراق الصفقة الجديدة.
ليتنهد هو بضيق وبصوت جامد:
اطلبيلي البشمهندس أحمد.
لتخرج سكرتيرته وهي تتمتم ببعض الكلمات، حتى تقف فجأة أمام نظرات أحمد الثاقبة.
هنا:
مالك يا هنا؟ شكل أدهم رجع لعصبيته تاني.
هنا بارتباك:
أظاهر كده يا بشمهندس. أنا قولت خلاص هأرحم من العصبية والشخط، بس للأسف رجعتلي تاني.
أحمد بضحك:
المفروض تكوني اتعودتي خلاص على كده ياهنا. أنا داخل لأدهم.
هنا:
اتفضل يا بشمهندس. هو أصلاً كان طالب حضرتك، وأكيد في انتظارك.
ليدخل عليه أحمد بقلق وهو يقول:
مالك يا أدهم؟ مش طايق حد كده ليه؟
أدهم بتنهد وهو ينفث دخان سيجارته الذي أصبح اعتاد عليه يومياً، بل وكل دقيقة:
هجنن يا أدهم. مين اللي مصمم إنه يشوه صورتنا في السوق؟ حتى أسرار حياتنا بقت معروفة، وكأن مفيش حد في البلد غيرنا.
أحمد بهدوء:
وانت لسه معرفتش مين اللي ورا كل ده؟ ده انت طول عمرك ذكي حتى...
ليتنهد أحمد قليلاً وبصوت هادئ:
أنا لما لقيت الموضوع زاد عن حده، ملقتش حل غير إني أروح لرئيس الجريدة. بس للأسف طلع مجرد صورة، والشريك الأساسي فيها طلع للأسف... هي نانسي!
ليتطلع إليه أدهم بجمود:
مفيش حاجة بعيدة عنها. فعلاً عمرها ما هتتغير. اللي زي دي مبيتغيرش، لأنها مريضة بالكره.
ليظل أحمد صامتاً وبصوت هادئ:
متشغلش بالك. طول ما إحنا ماشيين صح، فمفيش حاجة هضُّرنا. أما بالنسبة للأمور العائلية، فمفيش حد مش معرض لكده.
ليتطلع إليه أدهم بضيق:
بس دي وصلت لمراتي كمان. انت نسيت الصور اللي كان ليها مع جلال؟ كانت مجرد صور عادية، وطلع عليها أقذر كلام ممكن حد يتخيله.
أحمد بتنهد:
انتوا لسه زعلانين بسبب كده؟ ما جلال جه ووضحلك كل حاجة، ونفى صحة الصور دي.
أدهم بجمود:
مش عارف هتفضل لحد امتى شوكة في ضهري. نانسي دي وباء، من ساعة ما دخلت حياتنا وهي مصممة إنها تدمرها، وبالأخص أنا.
ليتنهد أحمد قليلاً وهو يقول:
المهم إننا بقينا عارفين الضربة جايلنا منين ومن مين.
بعد وقت طويل قضوه في البحث عما يريدون، جلسوا ثلاثتهم بتعب حتى يستطيعوا إكمال جولتهم.
مريم بتنهد:
أنا خلاص مبقتش قادرة يا هبة. حرام عليكي.
شاهي بابتسامة تعب:
أنا هقوم أتصل بطنط إلهام عشان أطمن على أدهم.
لتقترب هبة من مريم وبصوت هادئ:
لسه برضه موضوع الصور مضايقك وزعلانين من بعض؟
مريم بألم:
ده كان فاكر إن بيني وبين جلال حاجة. مع إن والله يا هبة، كنا في اجتماع بره الشركة. بس ربنا يسامح اللي صورنا وكأن أنا الوحيدة اللي في البلد دي.
هبة بحب:
أي حد مكان أدهم كان هيضايق يا مريم. يعني لما يلاقي مراته ساندها راجل غيره وقريبين أوي من بعض، تفتكري هيفكر إزاي؟
مريم بشرود وهي تتذكر ذلك اليوم:
مقولتليش إيه رأيك في الاجتماع يا مريم؟
لتسير هي بجانبه وبصوت هادئ:
بس الشرط الجزائي مش كبير يعني على مدة العقد.
جلال مبتسماً:
لأ مش كبير ولا حاجة. ومادام هنفضل ملتزمين بالعقود، يبقى مافيش حاجة هتضرنا ولا هتضرهم. وبالمناسبة دي يا ستي، أنا عازمك على الغدا، ويا ريت متقبليش طلبي بالرفض، ممكن؟
لتصمت هي قليلاً حتى تقول:
مينفعش، لأن أدهم هيرفض.
لتتحول ملامح جلال إلى الجمود وبصوت جامد:
اللي يريحك. يلا عشان أوصلك. وبرضه هتصممي تروحي في تاكسي؟ زي ما جيتي برضه في تاكسي.
لتظل هي شارده في معالم وجهه التي تغيرت فجأة، وصوته الذي أصبح صارمًا. لتتطلع إليه قليلاً وبصوت هادئ:
لأ، هروح زي ما جيت. عن إذنك.
وما هي لحظات حتى كادت أن تسقط أمامه. ليلحق بها سريعاً وبصوت خائف:
انتي كويسة يا مريم؟
مريم بألم:
رجلي بس مش قادرة أحركها.
جلال بخوف وهو يمسك بها:
تعالي أوديكي للدكتور.
لتتطلع إليه بألم وهي تقول:
لأ، أنا كويسة صدقني.
جلال بغضب:
يعني تعبانة ومش عارفة تمشي، وبرضه عنيدة. يلا عشان أوصلك.
ليفتح لها باب سيارته وهو ممسك بها:
يلا اركبي.
مريم بارتباك:
لو سمحت يا مستر جلال، وقفلي تاكسي أرجوك. ومتقلقش، صدقني أنا كويسة.
ليظل يتطلع إليها بغضب. وقبل أن تزداد عصبيته، تنهد بألم وهو يقول:
حاضر يا مريم.
لتتطلع إليها هبة وهي تقول:
مش عارفة ليه حاسة إن جلال ده بيحبك.
مريم بضحك:
هو يعني عشان حد بيعملك بلطف يبقى بيحبك؟
هبة:
صدقيني يا مريم، جلال بيحبك، أو يعني ممكن نقول معجب بيكي. وإلا ما كانش أدهم غار لدرجة دي منه، وهو عارف إن مفيش حاجة بينكم غير إنه مديرك بس في الشركة. الراجل بيفهم نظرات الراجل اللي زيه.
مريم بشرود:
تفتكري يا هبة؟ بس ده عارف إني بحب أدهم وإني لسه على ذمته.
هبة:
بس لسه حياتكم مرجعتش طبيعية من تاني، وده في حد ذاته يديله أمل. خلي بالك يا مريم، لأن ساعة الأمل بيعيشنا في أوهام بنكون فاكرينها حقيقة.
لتظل هي شارده من حقيقة، قد كذبتها حتى لا تظن أن كل ما يفعله من أجلها ليس سوى مجرد اهتمام لا غير.
عالم لا ترى فيه سوى النفوس المريضة، نفوس لا تبحث سوى عن الانتقام، تبحث عن المتعة وهي ترى غيرها يسقط أمام أعينها حتى تتمتع في ذلك المشهد، وكأن العين قد شغفت بهذا، ليصبح كل ما تحب أن تبصر به لا تجده إلا في ذلك المرض البغيض.
جلست بجانبه وهي تتمايل من كثرة السكر، لتضحك بشدة وهي ترى ذلك الخبر الذي نشرته. ليقترب هو منها برغبة ليقول:
مش قولتلك هتتمتعي وأنتي كل يوم بتشوفيه؟ مش وراه حاجة لغير الإعلام والصحافة، والأسهم بتاعته بتهتز في السوق، عشان تعرفي بس إن فهمي الوحيد اللي بيعرف يلعبها صح.
نانسي بسكر:
تعجبني دماغك يا فهمي بجد. طلعت جامد أوي.
ليضحك هو بشدة على طريقتها ويقول بصوت هامس:
هنفضل طول الليل كده؟ مش ورانا غير أدهم.
نانسي بتمايل:
لأ يا فهمي، إحنا أصدقاء وبس يا حبيبي، وإحنا خلاص خلصنا حفلتنا على أدهم واحتفلنا في بيتك زي ما طلبت. أنا همشي بقى.
لتقف هي بسكر وبصوت ضعيف:
تصبح على خير يا فهمي.
ليقف فهمي بجانبها وهو يتلذذ في معالم جسدها، ليقترب منها بخبث، حتى تبتعد هي عنه قليلاً، لتسبقها لمسات يديه حتى يجذبها إليه برغبة، فتقع بين نظرات عينيه، ليتلذذ بها كما كان يرغب منذ البداية.
لم يصبح القرب سوى ألم يتلذذ في تعذيبهم، وكيف لا يكون عذابًا والحنين لا يعرف سوى بالموت البطيء. فنعدما تتلاقى الأعين، يعلن القلب عن هزيمته، وتصبح العين مرسال بكل الأشواق، حتى يفتضح القلب سره، ويصبح السر سرابًا.
جلسوا جميعهم يتناولون وجبة العشاء، فقد أصبح العشاء والإفطار هما وجبة التلاقي بينهم.
ليبتسم إياد ضاحكًا وهو يقول:
فاكرة نفسك العروسة يا شاهي؟ شهر عسل مين؟ انتي هتغيري من أحمد وهبة.
شاهي بضحكة حب:
كده يا إياد؟ طيب مش هديك البدلة اللي أنا اشتريتها لك.
ليصمت إياد قليلاً وبصوت طفولي:
شوفت يا أستاذ أدهم؟ آه، ده آخرة الجواز. ليت الشباب يعود يوماً.
ليضحك أدهم بحب على تصرفات أخيه:
وحشتك السرمحة ولا إيه يا إياد؟ ده انت بالذات استمتعت بالشباب وأخدت حقك كمان.
ليتذكر إياد نفسه منذ عام ليبتسم:
يااا أيام. بس أنا كده الحمد لله.
لينظر إلى وجه زوجته وهو يمسك يدها ليقبلها:
ولا إيه يا حبيبتي؟
لتتلاقي أعينهم، وتنظر إليه شاهي بحب وهي صامتة.
لضحكة إلهام قائلة:
بتحبوا في بعض قدامنا؟ وبالنسبة لأدهم الصغير، خلاص مريم شكلها اللي هتبناه، وناسينه.
لترفع مريم وجهها بعيداً عن أدهم الصغير، لترى نظرات زوجها إليها، حتى تبتعد بأعينها هاربة من حنينها وحبها قائلة:
لأ، أنا مبسوطة كده. وكمان أدهم هادي ومش متعب خالص.
ليضحك إياد:
بلاش يا مريم تقولي كده. شاهي هتستغلك وهتفضل سيبهولك، أنا بقولك أه.
شاهي بطفولة:
أنا يا إياد؟ طب مش هتاكل. وهات الطبق اللي عماله من الصبح أحطلك فيه أكلك.
ليتطلع إليهم أدهم مبتسمًا، حتى ينهض بعد أن أنهى طعامه الذي أصبح لا يزيد إلا وجعًا من وجودها أمامه. فهي مثل البعيد والقريب في ذلك الوقت، بعيدة عنه بعينيها التي تمنعها من النظر إليه، وقريبة من عينيه التي لا تسقط على شيء سواها.
لتتطلع إليهم إلهام بحزن، حتى تلتف إلى مريم الجالسة بجانبها، وتتطلع إلى وجهها وهي ترى عينيها ما زالت عليه. لتربط إلهام على إحدى يديها وبصوت هامس:
بتضيعوا أحلى أيام عمركم في العند، انتوا الاتنين.
لتشرد هي آخر شيء حدث بينهم، وتبتسم بمرارة عندما تتذكر نظرة عينيه لها عندما ظن للحظة بأن يوجد شيء بينها وبين جلال.
لم يستطع أن يخفي عليها أكثر من ذلك، لتبقى الليلة التي تسبق موعد زفافهم، هي ليلة الاعتراف بكل شيء.
ليظل شارداً في ماضيه وهو يتذكره معها، حتى يقول بصوت هادئ:
"وديه حكايتي مع ندي ياستي. وصدقيني الماضي كله انتهى. من أول يوم وعدتك إني هفضل أحبك طول حياتي، وعمري ما هخلي ست تشاركك فيا. وزي ما إنتي وهبتيلي قلبك، قلبي عمره ما هيكون غير ليكي يا هبه."
لتبتسم له بحب قائلة:
"ربنا يقدرني وأقدر أسعدك يا أحمد، عشان إنت بجد تستاهل السعادة."
ليضحك أحمد بحب:
"ياسيدي ياسيدي على الكلام، مبقيناش نتكثف خلاص."
لتصمت هبه قليلاً وبصوت مرتبك:
"سلملي على نيره وقولها الفستان جميل قوي بجد عجبني."
أحمد بخبث:
"والعروسة برضه عاجباها أوي، ونفسها بكرة يجي بسرعة عشان تاخدها في حضنها وتقولها كلام كتير قوي."
لترتبك هبه أكثر قائلة:
"هي مين دي؟"
أحمد بضحك:
"نيره يا حبيبتي، بتموت فيكي... ليقول بصوت هامس: شكلك هتتعبيني قوي معاكي."
هبه بأرتباك:
"مش هتروح تنام وتسيبني أنا كمان أنام؟"
أحمد ضاحكاً:
"زهقتي مني؟ على فكرة دي آخر مكالمة هتكون بينا. أهو بنودع العزوبية، وبعد كده كله هيكون وجهًا لوجه."
لينتهي الاثنان حديثهما وهم يحلمون بليلة عمرهم التي ستجمعهم سوياً، ليبث كل منهما شوقه وحبه للآخر.
***
سنون تمضي، وأحلاماً ترحل، وتبقى القلوب تائه بين طيات الماضي ونسمات الحنين. ليعصف بنا الزمن بعهداً آخر يحيي قلوبنا. لتعود الأحلام ثانية وكأن للأحلام عهداً. فيا لها حقًا من أحلام تتحقق. نعم قد تحققت بعد زمن، ولكن في النهاية قد شاء الله لها بأن تتحقق. لتصبح الأمنيات حقيقة نحيا بها من جديد.
جلست بجانبه، ليضمها هو طويلاً حتى يقول:
"أنا مش مصدق نفسي يا صافي، أنا حلمنا اتحقق بعد سنين طويلة. أنا كنت هبقى غبي لو كنت ضيعتك من إيدي تاني."
لتبتسم صافي بحب قائلة:
"مش إنت قولت هنسي الماضي خلاص؟ خلينا دلوقتي في الحاضر اللي هنعيشه سوا مع ولادنا."
ليبتسم لها مازن ليقول بصوت هامس:
"مازن ورهف ناموا."
لتتطلع إليه بخجل، حتى تشيح بوجهها سريعاً عنه، ليقترب منها ويضمها ثانية وبصوت حانٍ:
"بحبك."
لتسقط الكلمة على القلب فيتراقص فرحاً. ويعلن العقل بأن للحياة أسرار كثيرة لا نعلم متى وأين سيأتي اليوم الذي كنا نتمنى أن نحياه. ولكن تبقى القلوب تنتظر حياة واحدة قد حلمت بها، ليفاجئها القدر بحياة قد رغبت بها ولكن لم يكن الوقت قد حان لتتحقق فيه أمنيتها. ليتركنا الزمن نحيا حياة أخرى حتى يعود ثانية بما تمنينا. ولكل منا حياة سوف يعيشها.
***
وقفت أمامه، وهي لا تعلم كيف ستبدأ بالحديث معه. لينهي أملاً قد وضعته القلوب بسبب ضعف أصحابها. فأحياناً كثيراً يخطئ القلب حتى ينتبه له العقل ويقف أمامه ليواجه بحقيقة قد نسيها تمامًا. نسيها مع قلبه التائه في عالم أصبح يضع نفسه فيه كما صنعه بنفسه.
مريم:
"دي استقالتي يا أستاذ جلال، وأتمنى إنك تقبلها."
ليتطلع إليها جلال بحدة وبصوت حاد:
"استقالة إيه؟ اتفضلي يا أستاذة على شغلك، استقالتك مرفوضة. ولو على موضوع الصور، أظن إني كذبت ده كله. فبلاش الحساسية اللي بقيتي فرضها ما بينا الأيام دي."
لتتنهد مريم قليلاً حتى تقول:
"بس أنا كنت مقررة إني أسيب الشغل من بدري، وموضوع الصور ملوش دخل بحاجة، لأني مش هخاف من حاجة ملهاش وجود."
ليتطلع لها جلال بحيرة:
"ومادام مفيش حاجة، ليه عايزة تستقيلي يا مريم؟ ممكن تفهميني؟"
حتى يصمت قليلاً ليقول:
"أدهم ضغط عليكي في الموضوع؟"
لتبتسم مريم بألم قائلة:
"بالعكس، أدهم بقى سايبني أعمل كل حاجة بمزاجي، وحتى اعتراضه على أي حاجة مبقاش موجود."
ليقف أمامها جلال بحب:
"مريم أنا..."
حتى يعجز اللسان عن نطقها.
لتتطلع إليه بفهم قائلة:
"بتحبني يا أستاذ جلال؟ هو ده سر اهتمامك بيا؟ اللي للأسف اكتشفته متأخر... بس أنا عايزة أقولك حاجة، إنت مبتحبنيش، إنت ممكن تكون لاقي معايا الراحة، لاقي معايا الأسرة اللي نفسك تكونها، بس مش حب صدقني."
ليتطلع إليها جلال بشرود:
"لأ يا مريم، أنا بحبك. بس إنتي اللي بتحبي أدهم. وكل ما الأمل بيتولد قدامي إنك ممكن تكوني ليا، فجأة بلاقيكي بتبعدي وتروحي له هو. عارف إنه جوزك، بس الحياة ما بينكم بقت مش موجودة."
لتبتسم مريم وهي تتطلع إلى معالم وجهه وبصوت هادئ:
"للأسف إنت بتقنع قلبك مش نفسك يا أستاذ جلال. إنت لو فكرت بجد هتلاقي إن مش أنا الحب اللي إنت عايزه. في حب تاني إنت مدورتش عليه وهو قدامك، بس للأسف دايماً القلب بيدور على المستحيل عشان يصور لنفسه الحب دايماً بعيد عننا، مع إنه بيكون قدام عينينا بس إحنا اللي مبندورش عليه. إحنا بس بندور على رغباتنا. ودايماً رغباتنا تايه وسط العقل والقلب."
ليجلس جلال أمامها بشرود:
"مريم إنتي بتقولي إيه؟ مريم إنتي الست الوحيدة اللي فكرت تشاركني حياتي بعد ما كنت مقرر إن حياتي هوقفها على ابني وبس."
لتبتسم له قائلة:
"أنا يمكن تكون لقيت فيا حاجات كنت بدور عليها وسط الحياة، ولما لقيت ده اديت لقلبك فرصة إنه يفتكر إن ده حب مع إنه شيء عادي."
جلال بألم:
"عمري ما فكرت أحب. جوازي من مراتي كان مجرد صفقة وبس لأنها بنت الحسب والنسب وبينا مصالح أنا وأهلها. وبعد سنة جواز كنا خلفنا مروان."
ليتنهد جلال بوجع:
"اكتشفت إنها على العلاقة بأعز أصدقائي ليا."
حتى تفر دمعة من عينيه قائلاً:
"تخيلي لما أشوف مراتي في حضن راجل غيري؟ كان نفسي انتقم منهم هما الاتنين، بس للأسف... القدر انتقملي منهم في اليوم اللي عرفت فيه إني كنت مغفل. كانت أكبر صدمة ممكن أي حد يتحملها. بالبند العريض في المجلات (رجل الأعمال يرى زوجته وهي في حضن آخر وقد توفوا بعد جرعات كبيرة من المخدرات ليلاقي كل منهما مصرعه)."
ليبتسم جلال بمرارة قائلاً:
"وسافرت وسيبت البلد كلها. ولما رجعت شوفت فيكي الصورة اللي خلتني أحس إن مش كل البشر كده. في ناس لسه بتدي للحياة حياة بوجودها فيها."
لتتنهد مريم بألم وبصوت هادئ:
"شوفت؟ آه إنت لوحدك قولت إني كنت النور اللي بدور عليه لنفسك عشان تخرج من السراب اللي كنت عايش فيه. فعلاً لسه في الحياة حياة ممكن نعيشها، وأكيد هنعيشها بحلوها ومرها، بالحب والكره، بالخير والشر، بالناس الطيبين والناس اللي نسيت قلوبهم الرحمة."
ليتطلع إليها جلال مبتسماً:
"إنتي إنسانة جميلة يا مريم. ومش هكون أناني وأحرمك من حياتك. أدهم بيحبك وبيحبك أوي كمان. على فكرة أدهم ألغى الصفقة اللي بينا بسببك إنتي، عشان هددني لو مبعدتش عنك هيلغي كل الاتفاقات اللي بينا اللي اضطرته يدفع الشرط الجزائي من غير ما يتردد. بصراحة أنا مكنتش متخيل إنه ممكن يعمل كده. بس اللي بيحب دايماً بيخاف على اللي بيحبه حتى من نظرة حد ليه. بيكون عايز يخبيه من عيون العالم كله. هو أسلوب أناني."
ليصمت جلال قليلاً وبصوت هادئ:
"بس دي طبيعة الرجل الشرقي. هتفضل حاجة بتتورث. وعمرنا ما هنفهم ولا هنلغي أنانيتنا. استقالتك مقبولة يا مريم. بس هفضل ليكي طول عمري أخ. ولو احتاجتيني هتلاقيني ديما جنبك يا مريم."
لتتطلع إليه هي مبتسمة لتقول:
"دور كويس حواليك هتلاقي اللي إنت عايزه، من غير ما تتعب كمان."
حتى تخرج من أمامه لتتابعها نظرات أعينه، حتى تصطدم هي بشخصاً لتبتسم له وترحل وهي تاركة لعينيه هو شخصاً رغم معرفتها القليلة به، ولكن تعلم بأنه يحمل له أسرار حبه التي لا تصبح سراً أمام نظرات العين.
لتدخل إليه إيمان مبتسمة:
"كانت فسحة حلوة قوي يا جلال ومروان اتبسط قوي."
ليتطلع إليها جلال، ولأول مرة لا ينظر لها بإيمان التي دائماً يراها ابنة عمه وفقط. ولكن اليوم اكتشف شيئاً آخر سيعلنه الزمن، ولكن فلنتمهل ونترك الدور له.
***
حلماً جميلاً قد بات حقيقة. لتأتي إليهم الحياة محملة معها نسمات رياحها الهادئة. لتتطلع عليها عيناه بحب وهو يراها في أبهى صورة بفستانها الأبيض. لتتلاقى قلوبهم قبل عيونهم. ليقترب منها بحب لكي يقبل جبينها وبصوت حنون:
"ما شاء الله. الحمد لله إن ربنا رزقني بيكي يا هبه في النهاية. وبقيتي فرحة قلبي وحياتي كلها."
لتتطلع إليه هبه بحب شديد وبصوت هامس:
"أنا بحبك قوي يا أحمد. إنت الحلم اللي تمنيت إنه يتحقق وفعلاً اتحقق."
ليمسك هو يدها بحب ليقبلها. وتتشبث هي بين ذراعه بحب. لتنزل معه بخطوات بطيئة على درجات السلم، أمام نظرات المدعوين. لتبدأ حفل زفافهم ورحلة دربهم سوياً ليسيروا معاً في حياة تبقى القلوب فيها واحدة.
***
تتلاقى الأعين والقلوب أيضاً. ومع تلك النظرات التي تجمعت على العروسين، التف ينظر إلى نظراتها بألم. فقد حرمها من حبه دائماً حتى يوم أن أعلن عن حبه هذا. كانت الصاعقة الكبرى. أخبرها بأن كل هذا من باب الانتقام ومن شروط لعبته. فكان الجرح أعظم وأكبر. وكيف تداوي القلوب جرحها وما زال الألم موجود.
وهل مع الألم حياة أخرى؟
أقترب منها أدهم بحب وبصوت هامس: "الفستان حلو بس ضيق شوية يا مريم، وبلاش تضحكي تاني، سامعة؟"
لتنظر إليه مريم بعناد طفلة: "أنا كنت بتكلم مع شاهي وإلهام، وكمان إحنا في فرح."
أدهم بغيظ: "عارف إننا في فرح يا حبيبتي، عشان كده بقول نقول حاضر وبس."
لتلتف بوجهها بعيداً عنه وهي تنظر لأحمد وهبة بحب، قائلاً: "حلوين أوي، صح؟"
ليقترب هو منها بحب ويضمها إليه بشوق: "تحبي أعملك فرح ونبقى عريس وعروسة من تاني؟"
لتلتف إلى عينيه بألم، قائلة: "عريس وعروسة؟"
حتى تتذكر بعض اللحظات التي قضتها سوياً في الغردقة. لتأتي ذكرى حملها وهي تتذكر يوم دمرها بدون رحمة. لتبتلع ريقها بصعوبة، قائلة: "إيه رأيك لو عملنا زي أحمد وهبة؟ أحمد هياخد هبة وهيعملوا عمرة الأول وبعدين هيقضوا شهر العسل."
أدهم بحب: "بحبك يا أجمل حاجة في حياتي، يا طفلتي ويا ملاكي ويا بنت عمي."
لتنظر له مريم بحدة، قائلة: "بنت عمك؟"
أدهم ضاحكاً: "ومراتي كمان، بس كنت عايز أوريكي إزاي كنتي بتعملي فيا إيه، وإنتي ناسيه إنك مراتي."
لتتلاقى أعينهم بحب. ويظل أياد يتطلع إليهم باسماً، حتى تقترب منه شاهي وبصوت مداعب: "المكان ده مش بيفكر بحاجة يا أياد؟"
ليتطلع إليها أياد ضاحكاً: "إنتي لسا فاكرة؟ ده إنتي قلبك أسود! ليقترب منها بحب ويضمها إليه وهو ينظر إلى طفله الذي تحمله إلهام، ليقول: "وعشان أصلحك يا ستي هاخد إجازة ونقضي أحلى يومين سوا، وكفاية يومين عشان أدهم ميموتنيش أنا وأحمد!"
لتتأمله شاهي بحب وبصوت حانٍ: "أنا بحبك أوي يا أياد."
ليضمها إليه ثانية: "وأنا أسعد راجل عشان اتجوزت أحن وأجمل وأرق ست في الدنيا، وجبتلي أحلى طفل في الوجود."
لتبقي القلوب بين حنين وذكريات وأشواق أصاحبها.