لم تقدر على منعه من ما يفعله. الذي زاد ألم رأسها وشعورها بالدوران. فأهملها أخيراً ووضعها أرضاً تترنح بوقفتها. انتبه على عدم اتزانها ووجهها الذي شحب. فتسائل بقلق وذراعيه تحاوطها بحماية: سهيلة انتِ كويسة؟ نظرت له بعينين زائغتين غير واعية لما يقوله. فهمهمت بقلة وعي: ها!! تابع حديثه القلق على حالتها غير الواعية وإرخاء جسدها بين يده: في حاجة وجعاكي؟ تمتمت بضعف ويداها تقبض على ذراعيه بقوة، تمتد القوة منهم
حتى تقدر على صلب طولها: أنا عاوزه أروح. أومأ لها بتحريك رأسه بخفة وما زالت علامات القلق والخوف على صفحة وجهه. انحنى يحمل جسدها الهزيل. فهتفت بنبرة خائفة عندما لم تقدر على التشبث به حتى لا تقع: نزلني يا مالك هقع. أمسكها بعناية وهو يهدئ من خطواته حتى لا يثير خوفها: متقلقيش امسكي فيا على أما نخرج. لم تساعدها أوتارها على التمسك بشيء. تشعر بأن عظامها كالهلام. رمت بثقل رأسها بعنقه وألقت ذراعها خلف ظهره.
أحكم هو قبضه عليها كأنها أحد الجواهر النادرة. يسير ببطء وحذر يتمنى أن لا تنتهي المسافة حتى يتنعم بقربها المهلك الذي أهلك حصون قلبه. وضعها بالسيارة برفق من الأمام وانحنى بجزعه يؤمن جلستها بربط حزام الأمان. انتهى بقبلة طبعها على جبهتها بينما عيناها شبه مغلقة من شدة الألم تتابعه وتتابع كل حركاته التي تغفر له عن ما فعله مسبقاً.
أسندت رأسها على الزجاج وعقلها يفكر بما يربطها به وماذا سيفعل إذا علم بأن موتها قريب وأنها لن تحيا إلا فترة قليلة. لم تبالي بتلك العبارات التي سقطت من عيونها. أخذ يختلس بعينيه نظرات نحوها وقلبه يتألم على آلامها. التقط كفها الممتد بجانبها، خلل أنامله به فانتبهت له ونظرت إليه وآثار الدموع ما زالت متعلقة بأهدابها. قبل ظهر كفها بحنان ثم ترك يدها وأخذ يعبث بحزام الأمان حتى فك قيدها منه وقربها برفق منه حتى لامست رأسها صدره.
حاوطها بحماية مقبلاً رأسها ثم تابع قيادته حتى وصلا للمنزل. أعدل جسدها ثم ترجل من السيارة وتوجه إليها يساندها ممسكاً بخصرها. فأسندت رأسها على صدره تحاوطه بتملك حتى وصلا إلى فراشها. وضعها به. فمدت يدها نحو الكومود وأخذت أحد الشرائط الموضوعة وكوب الماء الذي بجوارها وتناولتها ثم أسندت رأسها للخلف تغمض عيناها حتى تريح جسدها قليلاً. فتسائل مالك: حبوب إيه دي يا سهيلة؟ تابعت بوهن دون أن تتحرك أهدابها: فيتامينات.
التقط تلك الشرائط التي جميعها مستعملة وقرأ الكلام المدون عليها. فانعقدت ملامحه متمتماً: ده مسكن يا سهيلة وقوي كمان مش فيتامين. أجابت بتلعثم بعدما انتبهت لما قاله وظهر ارتباكها: هاه ما ما هو ده اللي كان الدكتور كاتبهولي. أجاب بمكر حتى يدفعها للاعتراف له: بس أنا اللي كنت جايب العلاج ومكتبلكيش على الأنواع دي أنا فاكر كويس. صمتت قليلاً حتى تفكر كيف تخرج نفسها من ذلك المأزق. فهتفت بنفي:
لا أنا أقصد الدكتور اللي أنا كنت عنده النهاردة. تابع هو حتى يحاصر تفكيرها الذي يحاول الهروب: طب إزاي كنتِ عنده النهاردة وجايبه الكمية دي كلها ومخلصاها؟ صمتت ولم تتحدث بعدما نفذت أفكارها واكتفت بطأطأة رأسها للأسف. لفهتف هو يحفزها على التحدث: ردي عليا يا سهيلة انتِ فيكِ إيه؟ صاحت به من شدة الضغط عليها. تحتمي ببكاؤها الذي لم يتبق إلا هو حتى تهرب من أسئلته:
أنا مش قادرة أتكلم ومش طايقة صوت حد جنبي وعاوزه أنام عشان دماغي بتوجعني. تراجع عن فكرته عندما رأى حالتها. يتابع بهمس حتى يهدئها: خلاص إهدي ونتكلم بكرة تكوني هديتي شوية. قبل رأسها وغادر الغرفة وتركها ببحر أفكارها تأني وتصرخ وتتألم وتصيح بداخلها:
إيه اللي غيرك بقيت ليه عامل كدا مش قادرة استحمل خلاص ومش قادرة أعيش معاك أنا بحبك بس مش عايزة أوجعك لما أسيبك مش عايزة أعيشك في وهم… يا رب خدني يا رب خدني أنا كرهت الدنيا دي كرهتها مبقتش عايزة أعيش فيها مش عايزة أحس بالذنب تجاه حد مش عايزة أحب حد ولا حد يحبني ومش قادرة أقوله إني مريضة كانسر واحتمال أموت ولا قادرة أشوف نظراته ليا وهو خايف عليا أموت أو أروح منه في أي لحظة بس وأنا معاه ببقى خلاص عايزة أقوله على كل حاجة وأشيل الحمل من على قلبي بس مبقدرش….. يا رب ارحمني بقى ارحمني.
قاطع أفكارها دلول مالك الذي كان يحمل كوب به حليب: جيبتلك بقى كوباية لبن سخنة قبل ما تنامي. انكمش جلد وجهها وأحست برعشة بجسدها من شدة اشمئزازها: لا…. لا…. لا….. مش عاوزة. تابع بإصرار بعدما جلس بجوارها: لا لازم تشربيها هي دي اللي فيها الفايدة كله. تمتمت بهدوء: مالك لو سمحت أنا مبحبوش ومش عايزة أشربه وعايزة أنام دلوقتي ممكن. جحظت عيناه من صدمته بها ومن طريقة حديثها التي تغيرت. يعاتب نفسه بداخله:
يااااه يا سهيلة اتغيرتي أوي مش شايف روحك اللي بتبقى منورة البيت ولا شايف ضحكتك اللي دموعك دفنتها ولا هزارك وشقاوتك وطفولتك معقول أكون أنا عملت فيكِ كدا حولتك بالطريقة البشعة دي من وردة مشرقة لوردة باهتة وعلى حافة الدبلان. وضع تلك الكاسة على الكومود وواجهها بجسده ثم التقط يدها. طبع عليها قبلة طويلة. شعرت هي بملمس سائل رطب على يدها بجانب ملمس شفتيه. فتمتم بعدما رفع عيناه المليئة بالندم والحب نحوها: أنا آسف سامحيني.
اتسعت عيناها عندما رأته عيناها بتلك الحالة. فإنهارت حصونها تبكي مرتمية بين أضلاعه تتشبس به وتتمتم بكلمات من بين انتحابها: متسبنيش متسبنيش يا مالك أنا تعبانة أوي ماتسبنيش مش هقدر أعيش من غيرك محتاجالك جنبي مش قادرة استحمل لوحدي…… حاولت حاولت ومقدرتش مقدرتش استحمل….. كنت محتاجالك أوي أوي ويا خسارة مش لقيتك جنبي في أعز ما كنت بحاجتك…. كسرتني وكسرت قلبي وحطمته. أخذت تضربه بقبضتها على ظهره وهي ما زالت بأحضانه تآني
وتبكي وتخرج كل ما بقلبها:
ليه ليه جرحتني كدا ليه أهملتني ليه كنت محتاجالك ومش قادرة أقولك إني محتاجالك ومحتاجة حضنك اترمي فيه وأستخبى فيه من الدنيا كان نفسي اترمي فيه أحضنك وأشكيلك همي بس مكنتش جنبي في الوقت ده…. كنت عايزة أجي أقولك بس كانت كرامتي بتمنعني إني أجلك وألجألك وكنت بتحمل الوجع….. كنت خايفة لا تجرحني زي ما عملت في أول مرة تعبت فيها من بعدها وأنا بقيت أخاف منك بقيت أخاف أقربلك وأشكيلك همي أو أقولك تعبانة بس العيب مش عليك ولا عليا
العيب على قلبي…… العيب على قلبي اللي حبك ولسه بيحبك ومحتاجك لحد الوقتي العيب عليه لأنه بينبض عشانك وبينبض باسمك…… أنا مكنتش أعرف إن الحب بيوجع وبيتعب كدا مكنتش أعرف إن الحب مزلة بالشكل دا مكنتش أعرف إني أنا أحتاج حضنك هروح وأطلبه كنت مفكرة إنك أنت اللي هتيجي وتاخدني في حضنك لأنك هتحس بيا بس يا خسارة يا خسارة أنا حبيتك لكن أنت لا عمرك ما حسيت بيا.
انفطر قلبه ألماً على كلماتها التي قطعت نياط قلبه ومزقتها ونهشت بقلبه كالطير الجارح الذي ينهش فريسته حية. بكى على حديثها وظل يجرح بنفسه على كبريائه وغروره الذي أعلنهم عليها ولم يتخاذل ولو للحظة وينصت لقلبه. تحدث بنبرة أجشة:
سهيلة أنا عارف إني غلطان في كل حاجة عملتها بس أنا مش هسيبك ومش هتحتاجي إنك تطلبي حضني تاني لأن ده هيكون ملجأك وبيتك خلاص أنا فهمت غلطي خلاص وعمري ما هجرحك تاني أنا كنت غلطان وندمان على ده بس ارجوكي تنسي كل اللي حصل ونبدأ تاني حياتنا من أول وجديد من اللحظة دي نبدأ حياة جديدة مع بعض وننسى كل خلافاتنا أنا بحبك وعمري ما حبيت حد زيك بس أنا حبي ليكي للأسف دمرك بس أوعدك إنك هترجعي تاني زي الأول وأحسن.
ابتعدت عنه تزيل تلك الدموع تنظر له بتردد ومن ثم أخفضت عيناها تهرب من نظراته التي لا تقدر على البوح أمامهم بهذا الأمر المفجع: ااانا انا عندي ورم في المخ. لم تشعر بشيء سوى بعظامها التي سحقت بين أضلاعه وصوت بكاؤه ونحيبه من شدة الألم النفسي الذي يشعر به ومقارنته بها هي التي عانت لوقت طويل مع آلام مرضها. تحدث بأسف من بين بكائه المنفعل كأنه والدته توفت: أنا آسف سامحيني وبإذن الله هتخفي وترجعي زي الأول وأحسن كمان.
شعر بجسدها الذي تصلب فجأة بين يده فابتعد عنها بقلق وهو ما زال يحاوطها. تشنج جسدها يتبع هذا التشنج رعشات قوية جعلت جسدها ينتفض كمن يعرضها لصاعق كهربائي. تخرج من فمها تآوهات عالية تدل عن مدى وجعها وعدم استحمال جسدها كل هذا الألم. لم يقدر على فعل شيء من ما تفعله جعله ينصعق خوفاً ولكنه فاق يحاصرها يقبض على جسدها ويثبته بقوة حتى تهدأ. فهدأت رويداً رويداً وانتهت من تلك النوبة بإنقطاع أنفاسها. فتح ذلك الظرف المغلق وأخرج
منه ورقة كان محتواها:
مراتك بتخونك ودي صورها مع حبيب قلبها وكمان عشان تتأكد من كلامي روح وهتلاقي في أوضتك وفي دولابك ورق ليها بتاع مدرسة حاول تدور فيه كدا هتلاقي إن الورق ده ورق تنازل كانت عايزة تمضيك عليه وتاخد الورق وتهرب مع عشيقها وأنا فاعل خير كنت متورط معاهم بس باعوني فقولت لنفسي أدام أنا مش هاخد حاجة من المصلحة دي يبقى لا أنا ولا هما بقى معلش يا باشا البت عرفت تلعبها عليك صح وأنت كنت زي العيل الأبله برياله وماشي وراها زي الأبله بس عندك حق الصراحة البت حلوة وتستاهل المبلغ اللي أنت دفعته فيها سلام يا باشا وخلي بالك بعد كدا لا حد يضحك عليك تاني لأن مش كل مرة هاجي أنبهك بقى.
اشتعل غضباً وغيظاً من أسلوب هذا الرجل البغيض الذي يطعن بزوجته. لكنه انتبه لتلك الصور الفاضحة التي بها زوجته مع أحد الرجال الذي لا يعرفهم. توقف عقله لبرهة من الزمن لم يستوعب ما بيده من إثبات عليها. شعر بغليان الدماء بأوردته فهجم على مكتبه يزيل كل ما عليه بغضب مخيف ومن بعدها انطلق كالثور الهائج وكلمات الرجل التي بالورقة تتردد على مسامعه. أخذ يضحك بهستيرية وهو يقود السيارة بسرعة شديدة.
يضحك على غبائه وسذاجته حتى تفعل به هي كل هذا وهو قد عشقها أكثر من حياته. تأتي هي وتفعل به هكذا. تحولت تلك الضحكات إلى بكاء من وجع قلبه الذي سحق من حقيقتها القذرة. فصرخ بألم يضرب رأسه بالمقود الذي أمامه حتى يهدئ من تزاحم أفكاره وقلبه الذي ما زال يحن لها بعد كل ما فعلته. ولكنه أقسم بداخله بأن يقتل قلبه ويقتلها معه. وصل إلى المنزل وتوجه إلى جناحه ومن ثم إلى خزانته يلقي ما أمامه أرضاً بأسلوب هائج.
حتى وقعت يده على تلك الأوراق بالفعل الذي تفحصها جيداً وبالفعل صدق كلام الرجل. وقع أرضاً من شدة صدمته وآلمه وأخذ يضرب كل ما أمامه بقدمه من شدة غيظه وغضبه وقهرته. وصلت إلى الجناح ابتسامة جميلة تزين ثغرها ويدها تحاوط بطنها بحب. وقفت مكانها منصدمة من شكل الغرفة التي انقلبت رأساً على عقب والزجاج المنكسر والمبعثر بكل مكان.
وذلك الجالس أمامها جسده يهتز بعنف من شدة غضبه وغليان دماؤه بداخله وعيناه الذي رفعهم يصوبهم نحوها جعلها تنتفض رعباً من وحشيتهم وسوادهم القاتم. يلقيها بنظرات شرسة كالوحش المتأهب لـ فريسته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!