انفتح باب المكتب، فانتفض كل منهما متراجعًا عما كان يفعله. تمتم أسر بخفوت: "ماهر." اندفع الرجل للداخل بصدمة وغضب جعله لا يرى أمامه إلا تلك الفتاة الجالسة على ساق صديقه، التي ظنها فتاة من هؤلاء الذين يعرضون أجسادهم للبيع. اقترب منهم، ثم دفعها من فوقه على الأرض صارخًا بها: "قومي يا زبالة، اخفي من هنا. إنتِ لسه قاعدة؟ اطلعي بره يا سافلة."
أطلقت صرخة عالية من آلامها وصدمتها من ما فعله ذلك الرجل الدخيل بينها وبين زوجها. وبلمح البصر كان زوجها ينقض على الآخر، يقبض على تلابيب قميصه، يلكمه بقوة على جانبي وجهه حتى ارتخت قدماه. صاح بصديقه بقوته التي أهدرت على يد الآخر: "إنت بتضربني عشان واحدة زبالة زي دي؟ إنت اتغيرت أوي يا أسر." أهدر الآخر صارخًا، ملقيًا جسده الهامد بعيدًا عنه: "اخرس يا حيوان. إنت عارف مين دي؟ انفعل ماهر ثانيةً وأخذ
يلقي عليهم كلماته السامة: "عادي، واحدة زبالة جات تعرض نفسها عليك وأنت استسلمت زي الأبلة." لكمة أخرى أصابت وجهه، وكانت ستطيح به أرضًا، لكن منعه أسر من الوقوع، وأمسكه بقسوة متحدثًا بغضب حارق: "مش أنا اللي أعمل كدا، وأنت عارف كدا كويس." لكمة مرة أخرى تأوه بألم شديد من بعدها. تمتم أسر بكلمات وهو يوجه نظره لتلك الجالسة أرضًا تتابع صراعهم وعيناها لا تتوقف عن البكاء: "اللي إنت بتشتمها دي مراتي يا حيوان."
ابتلع لعابه الوهمي الذي جف بحلقه، ووجهه الذي شحب وعلامات الفزع الظاهرة على وجهه. تمتم بتلعثم من فرط توتره من ذلك الموقف الذي تمنى لو الأرض انشقت وابتلعته: "اهدي بس، أنا مش فاهم إنت بتقول إيه." صرخ به هادرًا بقوة: "اللي إنت سمعته يا متخلف. دي مليكة مراتي. محتاجة فهم؟ هزفر الآخر بضيق من نفسه متمتمًا: "طب مقولتليش ليه يا عم؟ نظر إليه شزرًا متمتمًا بضيق: "هو إنت اديتني فرصة يا متخلف؟ دفعه على المكتب الخشبي بقوة صارخًا
به: "اطلع بره دلوقتي." قام بتثاقل للخارج. بينما الآخر اتجه للجالسة أرضًا، حملها ووضعها برفق على الأريكة، ملس على وجنتيها بلطف مزيحًا تلك الدموع التي تؤلمه. *** بالخارج. كان يعرج سيره وحالته الرثة والمشعثّة تلك تجعل كل من يراه يظن بأنه شخص سارق همجي أو ما شابه. أخذ يهمس لنفسه: "يا أما يخربيت معرفتك يا أسر. معرفة سودة. ثم أنا مالي؟ ما ينحرق بجاز. هو أنا لازم الشهامة تاكلني أوي؟ آآآه." انتفض واقفًا عندما صرخت
هالة السكرتيرة به بغضب: "مين اللي دخل الشيء دا هنا؟ وإيه اللي جابه هنا؟ وسمحولك إزاي تدخل أصلًا؟ أكمل سيره إلى الأريكة لا يبالي بصرخات تلك التي سببت له من صوتها ألمًا برأسه. تمتم بكلمات جعلتها تصمت عن صرخاتها تلك: "أنا صاحب أستاذ أسر اللي مشغلاك. اسكتي بقى صدعتيني." تساءلت بشك: "وإيه اللي عمل في حضرتك كدا؟ أخذ ينوح مثل الأطفال ويمسح على وجهه الذي امتلأ بالكدمات: "هو الأستاذ أسر اللي عمل فيا كدا. آه يا نني."
استأذنت منه، وابتسامتها الساخرة منه تملأ وجهها، ثم توجهت لمكتب أسر ودقت على الباب، فأتاها صوته الذي أمرها بالدخول. دَلفت إليهم بوجه مقتضب، ثم ناولته كيس الثلج. أخذه منها ثم تحدث بنبرة صارمة: "اخرجي بره." شدت على أسنانها حتى كانت ستكسرهم من شدة غيظها، ثم اتجهت للخارج. وضع أسر كيس الثلج على قدمها متمتمًا بلطف: "معلش يا قلبي على اللي حصل، بس هو عيل متخلف." تحدثت من بين دموعها بصرامة لا
تليق على وجهها الملائكي: "بقولك إيه، إنت تبعد عني خالص. متقربليش. أنا مش ناقصة ضرب وبهدلة أكتر من كدا. كله فوق دماغي. أنا وإنت محدش بيجي ناحيتك. دي إيه الجوازة اللي مشوفتش منها غير ضرب دي؟ ابتسم لها مقبلاً رأسها بحنان متمتمًا بدلال كأنها طفلته: "خلاص، متزعليش. أنا جبتلك حقك منه أهو." تحولت سريعًا وتحدثت بهجومية: "والله حرام عليك. دا إنت مفتري. الواد يا عيني كان هيفرفر في إيدك." رفع حاجبه متعجبًا
منها: "إنتِ هبلة يا بنتِ. إنتِ واقفة في صفه؟ هو أنا بضربه عشانك إنتِ؟ ضحكت بمرح متمتمة: "الصراحة أنا بقيت مطمنة بعد اللي حصل جدًا. بعد كدا لو عرفت واحدة عليا، هلاقي اللي يبوظ عليك الليلة. دا إنت طلعت حبايبك كتير أوي ومبيستأذنش، بيتصرفوا على طول." عقص فمه متمتمًا بسخرية: "يا شيخة اتنيلى. هو أنا عارف أتعرف عليكِ؟ لما أعرف غيرك." تحدثت بدلال وهي تقترب منه بمراوغة: "وأنا مالي؟ حد ماسكك؟ ما تتعرف." رفع نصف شفته
العلوية يطالعها بسخرية: "دلوقتي؟ صرخت به بضيق وغضب: "اطلع بره يا أسر. أنا غلطانة إني جيت معاك أصلًا. الواحد اتبهدل آخر بهدلة. …" لتشير بإصبعها اتجاهه: "كله منك إنت وبسببك." انتقم من مكانه ببرود أعصاب متمتمًا: "طب لما تخلصي واصلة النكد دي، هخرج أشوف الواد اللي أنا ضربته دا." أوقفته متسائلة: "استني. صحيح، هو دا مين؟ تنهد متمتمًا: "دا صاحب عمري دكتور ماهر. كان مسافر بره ومعرفش جه إمتى. وهتقوليلي إزاي دكتور وتعرفه منين؟
مش وقته خالص. هحكيلك بعدين." أومأت له. أضاف قبل خروجه: "أنا خارج. ارتاحي إنتِ. ومحدش هيدخل عليكِ." أومأت له، ثم اعتدلت على الأريكة تريح جسدها. *** خرج أسر من الغرفة وتوجه خارجًا إلى الجالس على الأريكة يئن ألمًا. بعث إليه نظرة متهجمة، فصاح مدافعًا عن نفسه وقد حمل إحدى الوسائد أمامه صدره يدافع عن نفسه من أي هجوم: "أقسم بالله العظيم ما كنت أقصد. أنا غلطان وحقك عليا. عيل وغلط."
اقترب منه بخطوات بطيئة وجمود ملامحه ونظراته المريبة ترعب الآخر، فتحدث بفزع: "إيه؟ في إيه؟ إنت بتبصلي كدا ليه؟ … اهدي يا أسر كدا." لوح أسر بيده، فوضع الآخر يده على وجهه كحركة عفوية للدفاع عن نفسه، لكنه تفاجأ ب أسر الذي احتضنه. فخر الآخر ببكاء مزيف: "الله يحرقك، كنت هعملها على روحي." يضحك أسر متمتمًا: "وحشتني يا صاحبي." أبعده ماهر بحدة متحدثًا بسخرية: "كدا ووحشتك؟ أومال لو كارهني هتعمل فيا إيه يا ظالم؟
دا أنا طلعلي وحمة في وشي. أنا جسمي اتكسر." صاح به أسر بنزق: "تستاهل. ما أنت اللي غبي. إيه اللي إنت عملته دا؟ تمتم بأسف: "أنا آسف والله مقصدش. بس استغربت لما لقيتك في الوضع دا. قولت أكيد البت دي من البنات اللي بتلف على الرجالة وقولت أنقذك قبل ما تعمل ذنب كبير." صاح به أسر بضيق وغيظ: "وإنت مالك؟ ما تسيبني. آخد الذنب منك لله. إنت وسهيلة وسعدية. عالم فصيلة. المهم قولي نزلت إمتى؟
تنهد براحة مكملاً: "إمبارح. وقولت أجي أسلم عليك. ويا ريتني ما جيت." وكزه بكتفه متمتمًا: "معلش. بس إنت اللي غبي برضه. ومسألتش. أنا قولت هتخلي عندك ذرة ذوق وإحساس وتخرج. لكن دا إنت عكيت الدنيا." أكمل بأسف: "حقك عليا والله. بس إنت طلعت واطي ومعزمتنيش على الفرح ولا قولتلي إنك اتجوزت." = "والله كل حاجة جات بسرعة. بقا معلش." _"طب أنا ينفع أدخل أعتذر لها على اللي حصل؟ اهو أحسن." أومأ له. ثم اتجه إلى مكتبه حتى يعدل من حاله.
*** بالداخل. دلف أسر إليها متمتمًا: "حبيبتي، ماهر عايز يجي يعتذر لك." ازدردت لعابها بصدمة متمتمة: "إيه؟ تفاجأ من صدمتها متحدثًا: "إيه؟ عايز يعتذر عن اللي حصل؟ اعتدلت جالسة متمتمة: "يا عم أنا سامحته خلاص. ابعدوا عني بقا. أنا خايفة يحدفني المرة الجاية من الشباك." ضحك أسر متمتمًا من بين ضحكاته: "متقلقيش. هو فهم غلط. كان مفكرك واحدة شمال بتلف عليا." أجابت بضيق ونزق: "ودي شكل واحدة شمال برضه؟ هو أحول؟ خليه يدخل."
ضحك الآخر بداخله، ثم اتجه إلى الباب ينادي الآخر من الخارج. دلف إليهم ماهر وحاول أن يفك الجو من حوله بمرحه: "أنا على ما أعتقد إنك أخدتي حقك مني تالت ومتلت وتلاقيني صعبت عليكِ أصلًا، صح؟ ضحكت عندما تذكرت ما فعله به زوجها، فأومأت له:: "الصراحة آه." = "كدا يبقى صافية لبن. حليب يا قشطة." تمتم بمرح: "طب سلام عليكوا أنا بقى. ونتقابل في ظرف أحسن من كدا. وربنا يقدرك على البلوى اللي معاك. إيده طرشة. الله يخربيته."
انفجر أسر ومليكة ضحكًا عليه. فتمتم بملامح حزينة رسمها على صفحة وجهه ببراعة: "اضحكوا. اضحكوا. ربنا على الظالم والمفترى." تمتمت من بين ضحكاتها بشفقة: "معلش يا أستاذ ماهر." أضاف بغزل مرح: "والله يا قمر أنا مستعد آجي أنضرب كل يوم لو هسمع اسمي منك." صاح به أسر باسمه عاليًا من شدة غيظه: "ماااااهرررر." أضاف وهو خارجًا من المكتب: "أطير أنا بقى بدل ما يطيرني هو." ضحكت مليكة عليهم وهي تلوح له: "سلام." ليتركه ماهر ويغادر.
بينما أسر الذي يشعر بنار بداخله من الحديث الذي كان أمامه. فردف ساخرًا: "بسطك أوي صح؟ أكملت ضاحكة دون أن تنتبه لنبرته الساخرة: "دمه خفيف صاحبك أوي." أكمل بحده ممزوجة بالسخرية: "لا والله. طب تحبي أناديه لكِ تتسلي شوية؟ تساءلت بضيق من طريقته الغريبة عليها: "إيه فيه يا أسر؟ صرخ بها غاضبًا عندما لم يقدر على كتم انفعاله: "هو إيه اللي فيه؟ إنتِ بتهزري معاه ليه؟ أجابت بعدم فهم
لطريقته الغريبة بالحديث: "عادي يعني. أنا كنت بتكلم على طبيعتي." صاح بصرامة: "مليكة. متحصلش تاني." صاحت بإنفعال من طريقته تلك: "هي إيه اللي متحصلش؟ أنا مش فاهمة حاجة." صاح بغضب أعمى عيناه عن الحقيقة: "متتكلميش مع حد وتاخدي معاه في الكلام. يبقى الجواب على قد السؤال بس. مفهوم؟ مش تقعدي تضحكي معاه وتهزري كأني راجل واقف مش عامل احترام لجوزك اللي واقف."
انصدمت وشعرت بانسحاب الدماء من جسدها، واكتفت بالتحديق به بصدمة ووجه جامد. تركها أسر وذهب للمرحاض حتى يهدئ من ثورته قليلاً. وقف أمام المرآة يعنف نفسه متمتمًا بغضب مكتوم: "ما كانش لازم أزعقلها. هي معملتش حاجة. إيه ذنبها في إني بغير عليها من الهوا. والغبي التاني دا. بس لما أشوفك تاني يا ماهر الكلب هنفخك عشان تبقى تعرف تسبل لها حلو أوي." *** بالخارج.
عندما غادر، شعرت بدموعها تنهال على وجنتيها. شعرت بروحها تنسحب عندما تذكرت طريقته تلك. قامت من مكانها وتوجهت للخارج لا تعلم إلى أين، لكنها تريد أن تبعد عن ذلك المكان الذي يتردد به حديثه. أخذت المصعد وضربت الأزرار بعنف وغضب، وجلست تبكي على الأرض الباردة بالمصعد. لكن توقف المصعد فجأة وأغلقت الأنوار. ففزعت وقامت من جلستها مسرعة تنظر حولها برعب وقد انسحبت الدماء من أوصالها. أخذت تصرخ عاليًا
وتضرب على باب المصعد بقوة: "الحقوني. الحقوني. يا أسر. يا أسسسسرر. الحقووووووني." ظلت على تلك الحالة وعقلها يأخذها إلى الماضي وإلى ما كان يفعله بها طارق وحبسه لها بغرفة مظلمة، فازداد خوفها وظلت تصرخ بهيسترية. ***
خرج أسر من المرحاض يبحث عنها بعينيه بالغرفة، فانصدم من عدم وجودها. فانطلق سريعا للخارج يبحث عنها. ذهب للمصعد الذي لم يجده يعمل، فاتجه نحو الدرج مسرعًا. فانتبه بالدور الثاني بهرج شديد وصراخ وتجمع الموظفين أمام المصعد. ذهب حيث تجمعهم مستفسرًا بحدة عن تجمعهم وهذا الصراخ، لكن صوت الصراخ ومحاولة الواقفين بفتح باب المصعد واسمه الذي يتردد، فامتلك الرعب قلبه واندفع وسط الزحام. لا يعلم ما الذي يقوله ليهدئها، لكنه تحدث أخيرًا
بلهفة بصوته: "مليكة. اهدي يا حبيبتي. أنا جنبك. متقلقيش." انهارت جالسة تجهش بالبكاء تتمتم بكلمات خافتة: "الحمد لله." أحست براحة نسبيًا عندما سمعت صوته، لكن ما زال ذلك الظلام الذي يرعبها يحاوطها وتخيلاتها لا تتوقف. لكن أصابتها غصة كتمت صراخها من شدة رعبها. صرخ أسر بمن حوله: "حد ينادي لعمال الصيانة بسرعة." أورد أحدهم بعملية: "هما جاين دلوقتي يا فندم. إحنا طلبناهم."
وجه أسر نظره لذلك الباب اللعين الذي يمنعه عن روحه التي بالداخل. انتبه لصمتها ودب الرعب بقلبه عندما خيل له أن شيئًا ما أصابها، فهتف باسمها بقلق ولهفة: "مليكة. مليكة. سمعاني؟ ردي عليا. متخافيش يا حبيبتي. هتخرجي حالًا." قابله الصمت من الداخل، فهي تشعر بشلل جسدها وصوتها لا يقوى على الخروج. شعرت ولبرهة بأنها أصيبت بشلل كلي. تستمر في البكاء وجسدها ينتفض وهي غير قادرة على التحرك أو التكلم وإخباره بأنها هنا وبخير.
صعق الآخر من صمتها ذلك، فصاح بصراخ وهياج بالواقفين: "اخلصوا. شوفوا اتأخروا ليه." انتبه أسر إلى ذلك الصوت المألوف بالنسبة له ولم يكن سوى جلال: "إيه ده يا أسر يا ابني؟ *** تركها وذهب للخارج حتى يطمئن قلبه. فرآها من على بعد بفستانها الذي انصدم منه ومن جمالها الذي ازداد. وما جعل قلبه يحرق وينهش من الغيرة تعلقها بيد عبد القادر. لم يرى قدمه من أسفله وهو يتوجه مسرعًا إليها ينتشلها من يده بقوة. فصرخ
به عبد القادر بغضب وضيق: "إنت بتشدها كدا ليه؟ وتعرفها منين أصلًا؟ ابتسم له بسماجة متمتمًا ببرود: "دي تبقى مراتي." أصابه الذهول وأخذ ينقل نظره بينهم بدهشة متمتمًا بذهول: "إيه؟ إزاي مراتك؟ جذبها نحوه من خصرها بتملك وأخذ يقرص على خصرها بقسوة يخرج بها غيرته وغيظه منها. وجه حديثه لها بوجه لطيف على عكس ما بداخله من نيران تتأجج: "أكيد حبيبتي. نسيت تقولي إنها مراتي."
تحدث الآخر بعتاب إليه: "مش معقول. مقولتليش يعني يا مالك إنك اتجوزت؟ لا وكمان اتجوزت القمر دي." أبعد وجهه عن الواقفة تنظر له بغيظ وألم قد ظهر على وجهها: "معلش. تتعوض في الفرح إن شاء الله. أكيد هعزمك." رد عليه بودٍ: "أكيد طبعًا. أنا هكون أول الموجودين. يلا أسيبكم أنا بقى وأروح للمعازيم. سلام." تركهم عبد القادر وغادر. فأبعدته عنها بقوتها الهزيلة متمتمة بضيق: "ابعد عني." أجابها بغضب وكلمات موجعة: "ابعد ليه؟
والا الرجالة الغريبة هي اللي قربها بيكون حل؟ زجرته بحدة وألم من كلماته الجارحة التي أصابت قلبها. تمتمت بغضب وضيق: "إنت مجنون؟ إيه اللي إنت بتقوله دا؟ طبق على معصمها بقوة متمتما بشراسة: "احترمي نفسك ولمي لسانك بدل ما أقسم بالله أكون رازعاك جوز أقلام ومش هيهمني حد." ألقته نظرة مشمئذة حارقة: "لا. دا إنت هربت منك بقا." ثم تركته ودلفت للحفل.
كور قبضته ثم كتم أنفاسه بصدره، فأطلقها بقوة حارقة تبين مدى غضبه. لكن استكانت ملامحه عندما تذكر هيأتها الجذابة. افترشت شبه ابتسامة على صفحة وجهه. أردف بداخله: "الله يخربيتك. إيه الجمال دا؟ صاروخ أرض جو. كنتِ مخبياها فين الحلاوة دي؟ جاي تظهريها دلوقتي." *** ذهبت سهيلة إلى حيث تجلس مايا، ثم ألْحَقَ بها مالك وجلس معهم محاولًا إظهار غضبه منها. همست مايا وهي تجذب الأخرى من معصمها: "ليك شو اللي حصل خلاه قالب خلقته هيك؟
لوت فمها بضيق عندما حدثتها مايا عنه، ثم وجهت إليه نظرات محتقنة مردفة بضيق: "سيبك منه، وهبقى أحكيلك بعدين. بس عايزة أقولك إنه بدأ يولع من الغيرة." ضحكت هامسة لها: "ليك شو عمل؟ أخفت يدها أسفل الطاولة لتريها للأخرى هامسة بغيظ: "بصي عمل في إيدي إيه الحيوان." ازبهلت عيناها متمتمة بذهول: "يا الله! ليش شو سويت له؟ لوحت برأسها
نحو تجمع بعض الرجال: "عشان عبد القادر دا مسك إيدي واحنا ماشيين. جاك واجعه في إيده. إيدي وجعتني أوي، بس مش مهم. كنت مستمتعة بغيرته أوي." ضحكت مايا بقوة على تلك الفتاة التي تشبه الصغار في عقولهم متمتمة بود: "ربنا يهدي الحال. أنا راح جن منك ومنه." غمزت لها بمرح مجيبة: "دا أقل واجب." *** صدحت موسيقى من النوع الرومانسي بأرجاء المكان. تنهدت سهيلة بملل من جو تلك الحفلات الروتينية التي كانت لا تحبذ حضورها مع عائلتها.
فزفرت بقوة متمتمة بضيق: "أنا زهقانة أوي." وجهت مايا نظراتها المندهشة متحدثة: "ليك من شو؟ لسه الحفلة ما بلشت." زَمَّت شفتاها بضيق هامسة بلوم: "يا ريتني ما سمعت كلامك وجيت." تقاطع حديثهم عبد القادر الذي أردف مشجعًا: "إيه يا جماعة؟ قاعدين ليه؟ الموسيقى دي تجنن. مش هتقوموا ترقصوا وإلا إيه؟ أردفت مايا بحماس: "إيه والله عندك حق. الموسيقى كتير روعة." مد يده نحو مايا مردفًا بلطف: "تسمحي لي بالرقصة دي؟
أومأت له بابتسامة جميلة: "أكيد." وقفت مكانها تحث لوحين الفولاذ على المشاركة بالرقص: "يلا يا سهيلة إنتِ ومالك. ما بدكم ترقصوا؟ قوموا يلا. راح تكونوا كتير كابلز بياخد العقل." تقابلت أعينهم معًا، كلاهما لا يعلما ماذا يفعلان. كبرياؤهم يمنعهم وقلبهم يصرخ بفرصة أخرى. قطعت مايا تلك المشاحنات التي تدور بعقولهم: "ليك يلا. إنتوا لسه راح تطلعوا على بعض؟ سحبت سهيلة من معصمها حتى تقف ووجهت حديثها للآخر: "يلا قوم إنت كمان."
قام مالك متنحنحًا بحرج. قربت مايا سهيلة منه ثم علقت أيديهم معًا. عندما تلامست أيديهم، تصادمت أعينهم معًا صارخة بما في قلوبهم. لكن سرعان ما اخفضتها سهيلة خوفًا من انكشاف ما بداخلها. جذبها معه إلى حلبة الرقص، ثم وقفو أمام بعضهم بدون حركة.
تلتفت حولها لتري كيف يرقصون. فانتبه لها ولما يدور بعقلها. ابتسم بمكر بداخله ثم جذبها إليه من خصرها بلطف. شهقت بخفة من ما يفعله، لكن سرعان ما أدركت أنهم يجب أن يرقصوا، ليس أن يحدقوا بمن يرقص. وقفت متخشبة للحظات، عيناه كالسهام تصيب عيناها مباشرة. لقربهم همس لها بنبرة ساخرة: "مش هاكلك أكيد لو قربتي وحطيتي إيدك على كتفي زي بقيت الناس."
فاقت من كلماته التي جعلتها لا تتأثر بعينيه قليلًا. وضعت راحة يدها على كتفه، ثم اخفضت عينيها هاربة من عينيه. أخذت تضع تركيزها على خطواتهم هاربة منه. همس لها بإنزعاج من هروبها منه ومن عدم النظر نحوه: "بصيلي. وما تركزيش على خطواتنا كدا. ممكن تتلخبطي."
رفعت عينيها به، ولكن ولوهلة شعرت بجسدها يرتفع للأعلى بمكان مخالف لوقفتها وبجسدها الذي اصطدم بالآخر. تشبثت بعنقه من الخوف واهتزت قدمها من أسفلها. أحست ببوادر دوار من تلك الحركة المفاجئة. ربت على ظهرها بحنان وهو يكاد يحتضنها هامسًا بأذنها بنبرة هادئة: "متخافيش. ضهرك كان هيخبط بواحد من اللي بيرقصوا. فما كانش قدامي غير إني أبعدك الناحية التانية."
ظلت متعلقة بعنقه بعدما أحست بعدم اتزانها جسديًا. فتحت عيونها تدريجيًا لترى من حولها، لكن رأت الصورة من حولها مشوشة. دفنت رأسها بين حنايا عنقه هاربة من ذلك التشوش. شعر بأنفاسها الثقيلة على جلده وذراعيها التي تحاوط عنقه بقوة كأنها لا تستند على قدمها بل على عنقه. همس بقلق متسائلًا: "سهيلة. إنتِ كويسة؟ أجابت بوهن وما زالت على حالتها السابقة: "عايزة أقعد."
تحرك بها وهم على نفس حالتهم يحاوطها بحماية، ثم أجلسها على مقعدها برفق. اعتدلت بجلستها وهي تشعر بالقليل من التحسن. مدت يدها حتى تلتقط كوب الماء الذي أمامها. فإلتقطه هو بدلًا منها ثم قربه من فمها حتى ترتشف منه. لكن ترددت بعض الكلمات الذي تحدث بهم بالليلة الماضية جعلتها تأخذ منه الكوب على مضض لترتشف هي بدون أي مساعدة منها.
احتقن وجهه بشدة غاضبًا من تزحلقها ذلك واتجه للجلوس بمقعده. شاركهم على الطاولة كل من عبد القادر ومايا. تحولت جلستهم سريعًا في الحديث عن العمل ومشروعاتهم القادمة. تحول المناخ إلى الملل بالنسبة لتلك التي لا تفقه شيئًا فيما يتحدثون به.
زفرت بضيق ثم اخذت تعبث بهاتفها التي لم تجد به شيئًا يلهيها. تذكرت روايتها التي لم تكملها وأخذت تعبث بالهاتف حتى وصلت لها وأخذت تقرأ. بعد قليل شعرت بألم يزداد شيئًا فشئ برأسها. والكلمات أمامها تتشابك مع بعضها لا تقدر عيناها على استيعاب تلك الكلمات المشوشة. أغلقت الهاتف بضيق من ألم رأسها ومن ذلك التشوش الذي يصاحبها. همست ل مايا بتساؤل: "هي الحفلة دي هتخلص إمتى؟ أنا تعبت."
حدثتها مايا: "ليك لسه الحفلة ما بلشت. اصبري يا حياتي شوي. ما بينفع نقوم هيك." تأففت بضجر هامسة بتذمر: "بس أنا عايزة أروح." تضايقت مايا من أسلوبها الذي جعلها لوهلة تظن بأنها اصطحبت معها طفل صغير، فتحدثت ببعض الحدة: "ليك شو ها الولدنة؟ اهدي. ما تبقي متل ولاد الصغار شوي وبنروح. بس اصبري."
اعتدلت بجلستها على مضض تزفر أحيانًا بسخط وتتأفف بضيق أحيانًا أخرى، وكل ذلك مع ألم رأسها الذي ازداد بجدارة. عندما صدحت الموسيقى الصاخبة بالمكان جعلتها تريد الصراخ حتى يدوي حلقها من شدة الألم. وقفت مكانها متحدثة باقتضاب قبل أن تولي لهم وجهها وتغادر للخارج: "أنا هروح أتمشى شوية." لم تنظر لذلك الذي استشاط من أهمالها له وأمام الغرباء وعدم تقديره كزوج يحق بأن تستأذن منه أمام الجالسين، لكن طفح الكيل حقًا منها.
وقفت بالخارج تنظر بضياع أمامها تحتضن جسدها حتى تمدّه بالدفء. تلك الأجواء مناسبة حقًا للبُكاء، لا بل للصراخ من الألم الذي يعصفها سواء عقلها أو قلبها. الدموع تتعلق بعينيها تأبى الخروج لذلك العالم الموحش. بعض الكلمات الغاضبة أتت من خلفها جعلتها تلتفت له: "هو إنتِ ليه مُصره إنك تنرفزيني؟ إيه اللي إنتِ عملتيه جوا دا؟
ضحكت بسخرية بداخلها من ذلك الرجل الذي يطعنها بكلماته تلك. حاولت رسم الجمود على وجهها حتى لا يظهر إرهاقها ومرضها، فأجابت ببرود وعدم مبالاة: "عملت إيه؟ استشاط منها فجز على أسنانه مخرجًا زئيرًا شرسًا يصاحبه نبرة مهددة: "بطلي البرود اللي إنتِ فيه دا. إنتِ إزاي تقومي وتسبينا قاعدين من غير ما تستني؟
أنا هقولك إيه، خلتيني قاعد مش عارف أودي وشي منهم فين، وجاية تدخلي الحفلة مع واحد متعرفيهوش أصلًا. ولما أجي آخدك منه يقولي إنت تعرفها منين؟ إيه عجبك كدا؟ عجبك قلة القيمة اللي إنتِ عملتهالي وسط الناس؟
إنتِ إنسانة أنانية ومبتحبيش إلا نفسك. مش هامك منظر جوزك قدام الناس. لا دا إنتِ مُصره إنك تطلعيني واحد ملوش لازمة عندك. أنا معرفش أنا إزاي حبيت واحدة زيك. مش هامها شكل جوزها قدام الناس وعايزة تحرجه بأي طريقة وخلاص. بس أنا مش هسمحلك إنك تعملي كدا. أنا كرامتي أهم حاجة عندي ومش هسمح بحد إنه يمسها، وحتى لو كان إنتِ."
برغم كلماتها الباردة التي التقطتها بعد ذلك المرشح المؤلم الذي كان كَنصلٍ لم يغرزه بقلبها، كلما تفوه بكلماته الحمقاء تلك، إلا وإنها شعرت بتأقلمها مع ذلك الألم كأنه أصبح جزء لا يتجزأ من روحها: "خلصت كلامك خلاص؟ تعكرت ملامحه بملامح مشمئزة منها متسائلاً بنفور منها: "إنتِ جايبة البرود دا منين؟ أجابت باقتضاب ضاربة بحديثه ذلك الحائط: "عايزة أروح." أغاظها أكثر فصاح بها غاضبًا: "إنتِ إنسانة مستفزة."
أجابت ببرود كالثلج: "شكرًا. عايزة أروح." عض على شفتيه غيظًا منها ثم صاح بها صارخًا: "غادر المكان." وعاد للحفل مرة أخرى. أحست بإنفرادها أخيرًا حتى تطلق دموعها، لكنها عنفت حالها كثيرًا حتى لا تضعف وتبكي تأثرًا بكلماته. أخذت أنفاسها بهدوء عملية شهيق وزفير حتى تهدئ من حالها ومن الدموع التي تحرق عينيها. فقد فاضت كثيرًا عن حده. توجهت إليهم بالداخل ثم وجهت حديثها ل مايا وهي واقفة: "عايزة أروح. أنا مبقتش قادرة. روحتيني يلا."
تحدثت مايا بضيق منها: "والله أنا ندمت إني جبتك معايا. ليك اصبري شوي. عم نتناقش في الشغل." أغمضت عينيها بألم تريد الصراخ من موجة الألم تلك، فصاحت بصوت عالٍ: "أنا عايزة أروح دلوقتي. يلا مش هستنى." نظر لها مالك بنظرات حارقة لم تنتبه لها، ولم تنتبه لمن يجلس أمامها من المتجمعين بسبب تشوش نظرها. همست لها مايا ووجهها يتقلب بالألوان من الخجل والغضب منها: "ليك راح تفضحينا. اقعدي وراح نروح بس اصبري شوي." ثَكلَت
نبرتها متحدثة: "عاوزة أروح." ولم تكمل كلمتها وشعرت بغيامة سوداء تحيطها، فسقطت مصطدمة بالأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!