انتبه أسر إلى ذلك الصوت المألوف بالنسبة له، ولم يكن سوى جلال: "في إيه يا أسر يا ابني؟ انت بتعمل إيه هنا؟ استدار له بجسد متخشب من صدمته، لكن قاطع وقفتهم رجال الصيانة متحدثين بعملية نحو أسر حتى يبتعد عن باب المصعد: "لو سمحت يا أسر بيه، ممكن تسمح." انتبه أسر لهم وصاح آمراً بهم: "يلا افتحوا الباب بسرعة." تسائل جلال بقلق عندما رأى انفعال أسر وغضبه الشديد: "هو في إيه يا أسر ومين اللي في الأسانسير؟ هتف
بقلق وعيناه تتابع العمال: "مليكة اللي في الأسانسير." تصلب جسده واندفع قلبه يدق مثل الطبول رعباً عليها. وقف متأهباً للدخول إلى المصعد فور انتهائهم حتى يضمها إليه. لأول مرة. انتهى العمال وفتحوا باب المصعد، فوجدوها تجلس تضم ساقيها إلى جسدها حيث ركبتاها تكون بمحاذاة صدرها، تنظر للأمام برعب وجسدها ينتفض من الرعب.
أسرع كلاهما إليها، فاستطاع جلال أن يتخطى أسر الذي أعاقته معدات الصيانة. فمن ذلك الذي يقدر أن يأخذه من ابنته في حالتها تلك. ركع على ركبتيه أرضاً يضمها نحوه بشدة، مربتاً على ظهرها بحنان أبوي افتقده هما الاثنان. انتشلها من صدمتها تلك عندما اشتمت رائحة أخرى غير رائحة زوجها، وشعور آخر جعلها تحلق فوق السحاب من فرحتها به. هي الآن تعانق والدها الذي يغمرها بالدفء والحنان والحب. الآن تحققت معجزتها حتى لو بعد ألم وشقاء. قررت
ضرب كل مشاكلهم بعرض الحائط، عندما فرحت بحضنه التي لم تشعر بأمانه من قبل، حتى مع أسر الذي يختلف تماماً عن أبيها، بل لا يوجد مقارنة. أسر هو أول من شعرت معه بمعنى الأمان والدفء والحب. كلاهما يختلفان عن بعضهما ولا يصح مقارنتهم ولا فقدانهم. الاثنين أشعر بأني الآن وفي تلك اللحظة امتلك الدنيا ومن عليها.
اقترب أسر منهم محاولاً أن يتفحصها حتى يرى لو تعرضت لأذى، لكنه لم يعرف بسبب جسدها المدفون بأحضان أبيها. شعر بضيق وحريق بداخله. هو حقاً أبوها، لكنه لا يريدها إلا لنفسه فقط. تمنى لو اكتسحه بعيداً عنها وأخذها مبتعداً بها عن جميع أعين العالم. هدأت من روعها وهدأت تماماً رعشة جسدها واستكانت تماماً، ثم انفجرت باكية على جميع ذلك الوقت الذي مضى من حياتها بدونه. ضمها إليه أكثر هامساً بحنان إليها: "اهدي يا بنتي، متعيطيش، اهدي."
قبل رأسها وأخذ يربط على ظهرها. تعلقت بملابسه كالغريق الذي وجد أخيراً فرصته للحياة. حاول أسر أن يجذبها إليه ويسحبها من حضن والدها، ظناً بأنها منزعجة من والدها، فاندش عندما وجدها متشبثة به بشدة وتزداد نحيباً وبكاءً. لا تريد أن ينتزعها أحد من أحضانه، فهي حصلت على الأمان في أحضانه. قد وجدته أخيراً، فبكت بتحسر على عمرها متفوهة بكلمات من بين نحيبها: "ليه؟ ليه سبتني؟ مأخدتنيش معاك ليه؟ ليه سبتني؟
كنت محتاجة لحضنك ده من زمان، محتاجة أحس بالأمان معاك، إن في سند يسندني. يا ريتك ما سبتني ومشيت." أدمعت عيناه من حرقة وألم قلبه على فلذة كبده التي تركها كل ذلك العمر بدون أن يعلم ما مقدار الأذى الذي تعرضت له. تفوه بنبرة خرجت متثاقلة من شدة الألم الذي بحوزته: "أنا آسف، آسف على كل اللي عملته. سامحيني، أنا هصلح كل حاجة، بس انتِ سامحيني. أرجوكي يا بنتي، سامحيني." صاح أسر بحدة بجميع الواقفين يشاهدون ذلك العرض الذي لا يفوت:
"يلا، كل واحد على مكتبه. مش عايز حد هنا." توجه الجميع بعيداً عنهم خوفاً من ذلك الذي يلقي عليهم غضبه. تنهنح أسر متمتماً بلطف لمليكة: "مليكة، قومي يلا يا حبيبتي من هنا، تعالي نقوم نروح عشان ترتاحي." تراجع دلال بحب بقلب أب يحترق شوقاً على ابنته: "سيبيها معايا شوية يا ابني." تفهم أسر حالته بالرغم من شعوره بالضيق من كونها بعيدة عنه، فتحدث: "طب قوموا في المكتب عشان هنا مينفعش الناس راحة جاية."
هومأ له ثم قام من مكانه ويداه تحوط جسدها الهزيل وساروا معاً إلى مكتبه. في المكتب دلف كل من أسر ومليكة وجلال. تفوه أسر مغادراً عندما وجد أنه يجب أن يتركهم قليلاً بمفردهم: "أنا هسيبكو براحتكو وهجيبلك يا مليكة حاجة سخنة تهديكي." ثم وجه حديثه لجلال متسائلاً: "وحضرتك اجيبلك قهوة ولا إيه؟ هومأ له جلال: "تمام، قهوة." جلسوا على الأريكة بمقابل بعض. لامس جلال وجنتها بكف يده متحدثاً بنبرة بها كم حنين يكفي العالم كله:
"ممكن بقا نتكلم شوية؟ هزت رأسها ومُقلتاها لا تبعدها عن ملامح وجهه التي كانت تتفحصها جيداً لترى فيما تشبهه. تمتم بأسف وندم شق صدره: "أنا غلطان في كل اللي عملته معاكي انتِ وإيمان، وعايز أعوضك انتِ وهي عن كل حاجة شوفتوها في حياتكو. أنا روحت لها ووعدتها إني أخلصها من اللي هي فيه، وجاتلي سفرية شغل ضروري ولسه راجع منها، وهحاول على قد ما أقدر إني أخلصها من طارق ده وهنتقم منه في اللي عمله فيكِ."
تلألأت فيروزتها التي تشبه والدتها بهم وخارت بالدموع التي قطعت نياط قلبه. حضنته ثم تحدثت بانتحاب وبكاء: "مش عايزة أعرف حاجة، اعمل اللي انت عايزها." سند رأسها على صدره وحاوطها بحماية وانتفض قلبه فرحاً من فعلتها. تحدث بلهفة فرحة: "يعني سامحتيني؟ انهارت باكية بلهيب حارق:
"للأسف سامحتك، بعد أما حسيت بحبك. حسيت ولا أول مرة في حياتي إني عندي أب وضهر وسند. حسيتهم في حضنك انت وبس. ماما وحتى أسر مقدروش يعوضوني عنك، عشان مافيش حد كان هيقدر يعوضني عنك. أنا دلوقتي عاملة زي الطفل اللي ما صدق لقى لعبته اللي كان نفسه فيها وهيتجنن عليها." عدلها ثم حاوط وجهها بيده يزيل دموعها بأصابعه الخشنة على ملمس جلدها الناعم. ثم هتف مهدداً: "مش عايز أشوف دموعك دي تاني."
جذبها إلى أحضانه مرة أخرى حيث مكانها، فبكت بألم تلقي بأحضانه جميع الآلام والأوجاع التي لم تظهرهم أمام والدتها أو أسر، وظلت تخبئهم داخل قلبها حتى ذلك الوقت. أزالت أخيراً عن عاتقها ذلك الألم الذي كان ينهش بقلبها وكابوس طارق الذي لاحقها دائماً. دلف إليهم أسر بالمشروبات، فرأى ذلك الجو المشحون، فتمتم ممازحاً حتى يخرج توأم روحه من غيامة حزنها: "على فكرة انت زودتها أوي وشكلها هتنساني وتسيبني، وأنا الصراحة ابتديت أغار."
ابتعدت مليكة عن والدتها بعدما افترشت البسمة وجهها. هتف جلال باسم أسر الذي سرعان ما انتبه إليه: "أسر، أنا هاخد مليكة معايا يومين تعيش عندي." وقف متخشباً من صدمته لما يقوله ذلك الرجل الذي يريد إبعاد روحه عنه، فتحدث بهجوم: "ناااااعم." تحدث جلال بحدة قليلاً: "هاخدها تعيش معايا يومين. في إيه يا بنتي وهاخدها معايا؟ أخرج أسر كلمات صوتية معترضة على ما قاله حماه متمتماً بسخرية:
"تؤ تؤ تؤ، أنا قولت تحضنها قولنا ماشي، مسامحين أبوها برضه، لكن تاخدها وتبعد عني؟ انسى." ضحك جلال بسخرية ثم تحدث بحدة: "عندك حق فعلاً، أنا غلطان إني بستأذنك. يلا يا مليكة من هنا." قام من مكانه ثم شد تلك الجالسة مرتبكة من ما يدور بين والدها وزوجها، ثم هتف بأمر: "يلا يا مليكة، ودعي أسر، يلا عشان تيجي معايا." اتسعت حدقتاه زهولاً ثم تسائل على ما يدور حوله: "أحقيقي ولا هو يحلم؟ ذهل الآخر من الواقف أمامه لا
يقدر على استيعاب ما يحدث: "أومال بهزر؟ بنتي، ومشتاق، وعايزها تعيش معايا يومين، فوسع وخد لك سكة بدل ما أحرمك منها على طول." هدر بضيق من ذلك الأمر الذي لا يرفضه وبشدة، فهتف ببعض الضيق ممزوجة بالغضب: "انتوا بتهزروا صح؟ مليكة، أنا عارف إنك متضايقة مني عشان اتعصبت عليكِ، ده ميدكيش الحق إنك تسيبيني وتمشي." تحدثت بهدوء حتى تهدئ من روعه:
"عادي يا أسر، هروح أقضي يومين اتنين وهرجعلك تاني. أنا لسه متفاجئة زيك بالظبط، مكنتش أعرف حاجة." صاح بهياج وغضب: "لأ بقا ما أنا ماليش في، مش كل شوية يطلع لي حاجة تبعدني عنك. بلاش يا عمي حكاية إنها تبعد عني دي. سيبها، وأنا هجيبهالك بكرة تقضي معاك النهار، وترجع تاخدها. حل حلو أهو يرضي كله." هز رأسه باعتراض، ثم تمتم ببرود: "لأ، أنا عايزها تيجي تعيش معايا يومين، بنتي وعايز أشبع منها." تحدثت بملامح حزينة عليه:
"خلاص بقا يا أسر، هما يومين بس." تحدث أسر بغيظ وعيناه تبعث سهام نارية تجاه جلال تريد حرقه: "روحي يا شيخة انتِ وابوكي. حرام عليكوا." تمتم جلال بشماتة نحو أسر وهو مغادر بابنته: "سلام بقا يا أسر، مش عايزين نشوفك تاني."
ذهبا إلى الخارج ويتركا أسر بمفرده غير قادر على فعل شيء، فهو سوف يشتاق لها كثيراً، لكن رؤية السعادة بعينيها منعته أن يمنعها. فلأول مرة يرى الفرحة على محياها، فهي دائماً تظهر ابتسامتها لكنها تكون خارجة مليئة بالوجع، ليست ابتسامة من القلب. فهو يعشقها ويريد سعادتها. فالحب ليس أن تبحث عن سعادتك وراحتك، بل أن تبحث عن راحة وسعادة من تحبه حتى لو على حساب سعادتك وقلة راحتك. توقفت مليكة تستأذن من والدها:
"معلش هرجع تاني، نسيت حاجة جوه، استناني هنا ومش هتأخر." توجهت إلى مكتبه فوجدته واقفاً بمكانه، فتوجهت إليه مسرعة تحتضنه بحب وامتنان. تمتمت بأسف: "آسفة عشان هسيبك، بس هتوحشني أوي. كلها يومين اتنين وهرجعلك تاني." طبعت قبلة رقيقة على وجنته ثم تمتمت بحب: "بحبك." ابتعدت عنه وجاءت لتتوجه للخارج، فجذبها إليه مرة أخرى يضمها بإشتياق شديد. تفت به بإعتراض: "أسر، خلاص بقا عشان قولت مش هتأخر." أسكتها بحدة ونبرة مشتاقة:
"هششش، اسكتي بقا خليني أشبع منك. هتوحشيني أوي ومش هقدر أعيش من غيرك، وشكلي هاجي أضرب أبوكي وآخدك غصب عنه." لم تقدر على كتم ضحكاتها، فحدثت برقتها الساحرة: "معلش يا حبيبي بقا." وسرعان ما تبدلت نبرتها إلى الغضب: "ثم كمان تستاهل عشان متتعصبش عليا تاني." أبعدها عنه مقبلاً بين مفرق عينيها متأسفاً: "متزعليش خلاص مني، أنا اتعصبت من طريقة المتخلف التاني وطلع عليكي انتِ." زمت شفتاها بإعتراض طفولي حزين: "وأنا كنت عملت إيه يعني؟
ثم تبدلت ملامحها متهجمة، فصاحت بحنق: "عارف انت تستاهل إني هبعد عنك عشان تتعلم بعد كده متزعلنيش." ثم ابتعدت عنه تودعه: "يلا سلام، هتوحشني أوي." هتف باسمها ملقياً عليها بعض الإرشادات بلهجة مهددة: "مليكة، هرن عليكي تردي على طول، لا إما انتِ عارفة أنا ممكن أعمل إيه." هومأت له ثم بعثت له قبلة بالهواء وتوجهت للخارج إلى أبيها الذي أخذها وتوجه بها إلى منزله. بمنزل جلال
أخذها وتوجه بها إلى غرفة مغلقة بعناية، فتحها ثم دخلا إليها. أضاء الأنوار فظهرت لوحاتها التي تملأ المكان وهي صغيرة، ولعب الأطفال الكثيرة التي تغطي الأرض. اندهشت من روعتها وجمال ألوانها التي عشقتها. انتبهت لتلك الصورة الكبيرة التي بعرض الحائط تضم صورة لها ولأبيها ووالدتها، لكن كل صورة بمفردها واندماجوا سوياً. سارت نحوها وأخذت تتأملها بشغف، ولم تشعر بأصابعها التي ملسّت عليها ودموعها التي سقطت عندما خُيّل لها بأنها معهم منذ صغرها وتحظى بطفولة رائعة وسط أبويها المحببين إليها.
التفتت له متسائلة: "جبت صورتي منين؟ ابتسم لها بحنان متمتماً بحب: "أمك هي اللي ادتهالي زمان وأنا كبرتها وحطيتها في كل ركن هنا في الأوضة. الألعاب دي هدايا عيد ميلادك بتاعة كل سنة، كنت بجيب الهدية وأحطها هنا على أمل إني هشوفك في يوم من الأيام وأدهوملك." ركضت نحوه تحتضنه بشوق متمتمة بشغف: "بحبك أوي يا بابا." تذوق حلاوة كلمتها متمتماً بإشتياق قد امتلأ من كلمتها تلك: "الله!
أول مرة تقوليلي يا بابا، طالعة منك جميلة أوي. ربنا يحفظك يا قلب أبوكي. يلا تعالي معايا عشان أعملك تاكلي ونأكل." هومأت له ثم تحدثت بمزاح: "أوك، يلا بينا، بس لعلمك أنا مبعرفش أحمر بطاطسية حتى، يعني لو هتعتمد عليا هنروح المستشفى." ابتسم على ابنته الشقية متمتماً: "لأ، أنا اللي هعملك يا ستي وهعملك بيتزا كمان." صاحت بحماس: "وااااو! قول والله." تمتم من بين ضحكاته: "والله." رفعت إحدى حاجبيها متحدثة بجدية مصطنعة:
"تصدق أنا غلطانة إني مسيبتش أسر من الأول وجيت معاك؟ مقولتليش ليه إن فيها بيتزا وأنا كنت جيت جري." ضمها إليه بحب: "أنا على كده هاكلك كل يوم بيتزا عشان تفضلي معايا وتسيبي أسر." همهمت قليلاً بتفكير ثم تحدثت: "هو الصراحة أنا مقدرش أقاوِم البيتزا، بس أسر برضه مقدرش أسيبه ده كله." همهم الآخر بمكر: "اممممم، ده انتِ بتحبيه أوي بقا." احمرت وجنتاها خجلاً ثم أخفضت رأسها حتى تهرب من نظرات والدها. قهقه ضاحكاً من
خجلها الذي يذكره بوالدتها: "إيه الكسوف ده كله؟ بس هو باين عليه بيحبك أوي." نظرت لهم ببريق لامع عندما قال كلماته تلك على زوجها، ولكنها تمتمت بخجل حتى تغير الحديث: "مش يلا ناكل بقا." ابتسم ثم فرك رأسها بمشاكسة: "عارف إنك بتهربي مني، بس يلا." ذهبا للمطبخ وارتدى جلال مريلة المطبخ والتقط إحدى معالق الطبخ الكبيرة يقربها من فمه ثم تحدث بمزاح وهو يقلد أحد الأشخاص:
"معاكم انهاردة الشيف الشربيني بتكاته وحركاته، ومعانا طريقة عمل البيتزا لأحلى وأجمل بنوتة في العالم." ضحكت مليكة بخجل ثم تسائلت: "انت اتعلمت الطبخ فين بقا يا شيف شربيني؟ همهم وهو يزم بشفتيه متمتماً: "سؤال حلو برضه، بس بالعقل يعني راجل عازب طول العمر ده كله مش عايزاه يتعلم الطبخ." انخفضت نبرتها متسائلة: "طب ليه متجوزتش؟ كان يعد عجينة البيتزا بمهارة وهو يحدثها محاولاً إخفاء آلام قلبه:
"للأسف لو كنت اتجوزت كنت هظلم اللي اتجوزتها دي أوي، لأن تفكيري وقلبي مشغول بغيرها، ومافيش أي ست تقبل تعيش مع راجل في قلبه واحدة غيرها. كانت هتتعذب أوي معايا، فقلت بلاش أحسن." أدركت إحساسه من نبرته التي لم يقدر على إخفاء آلامه، فتحدثت بمزاح: "ولا يهمك يا بابا، السنجلة جننتله، أعم، محدش هينكد عليك وتخرج وتيجي على مزاجك، بلا وجع راس يعني، اللي اتجوز خد إيه؟ همهم بمكر: "امممم، تحبي أسجل الكلام ده وأسمعه لـ أسر؟
هتفت بصدمة من أبيها: "إيه دا؟ هو إحنا فينا من كده؟ ضحك بمرح: "وأبو كده كمان." ثم تبادلا الضحك. تسائل جلال: "هو انتِ عرفتي أسر منين يا مليكة؟ واتعرفتوا إزاي؟ تنهدت ثم تحدثت: "ياااااه، قصة طويلة أوي." ضحك متحدثاً بسخرية: "على أساس إننا مشغولين، ما تحكي يا بنتي." قصت مليكة له على كل شيء من أول لقاء لهم حتى الآن.
"بس دي الحاجة الوحيدة اللي طارق عملها فيا وفرحانة من قلبي إنه عمل كده، لأن بجد أسر عوضني عن أي حاجة وحشة في حياتي. بيعاملني زي بنته مش مراته، بيهتم بأقل تفصيلة، لما بتعب بيسهر جنبي طول الليل، حتى صحتي أنا ممكن أهمل فيها هو يزعقلي ويزعل مني عشان أخاف على صحتي ويزعقلي لما مش آكل. حسيته زي أبويا مش جوزي، بس برضه عمره ما كان هيقدر إنه يعوضني أو يحسسني باللي حسيته معاك. الأب ده عمره ما هيتعوض أبداً."
صدح صوت الهاتف الذي قطع حديثها، فهتفت هي عندما رأت شاشة الهاتف: "ده أسر." تمتم جلال بعدم مبالاة: "جيه على السيرة، سيبك منه." تحدثت بإعتراض: "لأ، ده قالي لازم أرد. أنا هروح أرد عليه." هتف جلال بأمر: "هاتي التليفون ده كده." انكمشت ملامحها بإنزعاج: "إيه دا؟ إحنا فينا من كده؟ عاد كلماته تلك بإلحاح: "هاتي بس التليفون كده." أعطته له فرد مسرعاً بصرامة: "الواجب بوجه منعقد عندما آتاه صوته: إيه دا؟ فين مليكة؟ صاح به جلال بحدة:
"انت متصل ليه؟ اقفل وانسى الرقم ده خالص، وانسى مليكة هي كمان." ثم أغلق بوجهه. *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! *!! تهالكت نبرتها متحدثة: "عاوزة أرو... ولم تكمل كلمتها وشعرت بغيامة سوداء تحيطها، فسقطت مصدمة بالأرض. انتفض مالك صارخاً بهياج وهو يتجه نحوها ينتشل جسدها الهزيل ويضعها على المقعد وقلبه ينتفض ألماً عليها. صاح عالياً بإنفعال وهو غير قادر على أن يسيطر على أعصابه التي فلّت: "حد يجيب حاجة أفوقها بيها."
أناولته مايا إحدى الزجاجات متمتمة بقلق: "هايدي برفان، راح يفوقها." التقطه منها ثم وضع منه على يده وقربه من أنفها حتى تفوق، متمتماً بكلمات هستيرية خائفة وقلقة: "سهيلة، سهيلة، فوقي، سهيلة." صاحت مايا بالنادل الواقف على بعد مسافة: "ليك، أعطيني كوب ماء بسرعة."
بدأت في استعادة وعيها تدريجياً، بدأ بتحرك رأسها ثم عيناها التي رمشت وأغلقت عيناها من كم الضوء الذي يمنعها من فتح عيناها. بدأت تفتح عيناها تدريجياً حتى تتعود على ذلك الضوء. تحدث مالك بنبرة قلقة: "انتِ كويسة؟
نظرت إليه بضياع وإلى تلك العيون التي تحدق بها، فشكت من نظراتهم تلك وشعرت بالضيق والاشمئزاز. شعرت برعشة تسير بداخل أوصالها من شدة البرودة التي استحوذت على جسدها. عاد الألم ثانية وبشدة أكثر، شعرت أن عيناها ستخرج من رأسها. تسائل مالك ثانيةً بقلق: "سهيلة، انتِ سمعاني؟ تذكرت كل ما حدث قبل إغمائها، فشعرت بالمذلة من قبلهم وشعرت بأن كرامتها قد صحقت. قامت من مكانها مغادرة المكان برغم آلامها التي لا تقدر على استيعابها.
بدأ يعاودها ذلك التشوش فلم تقدر على التمييز أين تسير، كان جسدها يترنح كانها مغيبة عن الواقع. ذهب خلفها مالك الذي صاح بها حتى تقف: "سهيلة، سهيلة، استني." وصل إليها وأوقفها متمتماً: "استني، هروحك." نظرت إليه شزراً متحدثة بحدة لتزيحه من نفس الكأس الذي أسقاها منه: "أنا مش جايه معاك، فهروح معاك ليه؟ كانت على وشك المغادرة، فأمسك بزراعيها يثبتها بمكانها متمتماً بلطف محاولاً أن يترك خلفاتهم على جانب بذلك الوقت:
"بطلي عناد شوية بقا، ممكن؟ تنهدت بضيق متمتمة: "مالك، ممكن أطلب منك طلب؟ أجابها بملامح مريحة ظناً منه أنها سترجع عن ما برأسها: "اتفضل." أخرجت كلمتها ببرود كالثلج وبملامح جامدة كأن جميع مشاعرها نحوه ذهبت إلى الجحيم: "طلقني." تخشب جسده وذبلت ملامحه وجف حلقه من طلبها، فتمتم بصدمة فهو لم يكن يظن بأن خلافهم سيصل إلى الطلاق: "إيه؟ عادت كلمتها التي شقت قلبه لنصفين لتذيقه قليلاً مما تشعر: "بقولك طلقني." بلل
شفتاه ثم تمتم بنبرة خافتة: "ليه؟ أجابت بمنتهى البرود والجمود وكأنها أصبحت خالية من المشاعر: "سبب بسيط جداً، مش حاسة بالأمان معاك. لما فتحت عيني ولقيت الكل بيبصلي خوفت، وانت كنت جنبي، كنت المفروض تهديني، تحسسني بالأمان، بس ده محصلش. حسيت إني غريبة وخايفة وأنا جنبي جوزي، فإيه لازمته جوازنا وأنا مش حاسة معاك بالأمان." شعر بآلامها، فظن بأنها تشعر بالكبت وتريده بجوارها، فحدثها يدعمها: "عيطي." انعقدت ملامحها بدهشة: "إيه؟
تمتم بنبرة هادئة تختلط بالكثير من المشاعر، قلق، خوف من فقدانها، أشياء كثيرة تجعل الكلمات ثقيلة بحلقه: "عيطي يا سهيلة وارتاحي. أنا عارف إنك موجوعة ونفسك تعيطي. تعالي ننسى خلافاتنا، على الأقل دلوقتي." أجابت بلا مبالاة ودموعها منحبسة: "للأسف مش هقدر أعيط، والا عايزة أعيط تاني. سيب إيدي، عايزة أمشي." هدر بها بغضب من برودها: "هتمشي تروحي فين؟ نظرت له بإشمئزاز متفوهة بكلمات تصيبه بمقتل:
"هروح بيتي، والا انت مفكر إني ماليش بيت وأهل يهتموا بيا ويحبوني ويحسسوني بالأمان، وأسر هايجي يروحني، وشكراً لخدماتك. ورقة طلاقي توصلي سلام." ابتعدت عنه بضيق ثم توجهت للخارج وهو ما زال واقفاً يراها تبتعد عنه كأن روحه تنسحب منه، فأتاه صوت أعاده لرشده ولم يكن سوى مايا التي هتفت بتشجيع: "روح، إلحقها، هي بتحبك كتير."
نظر لها مالك بتردد، فأومأت له بتأكيد، فأسرع إليها ركضاً حتى وصل إليها، وجدها تسير بمفردها، فسار معها بدون حديث. ظلت الأخرى تسير ولم تعطف عليه بنظرة حتى وكأنه ليس هنا. شعرت بأن قوتها نفذت وقدماها ترتعش أسفلها من شدة البرودة. وجدت مقعداً عريضاً حديدياً بالشارع تحت إحدى عواميد الإنارة، فجلست عليه ثم انحنت على نفسها تستند بمرفقها على فخذيها، ثم وضعت رأسها بين راحتها وظلت تفرك بهم حتى تهدأ آلامها. تسائل مالك بقلق:
"انتِ كويسة؟ تعالي نروح." لتستمر سهيلة في تدليك رأسها دون إعطاء كلامه أي اهتمام. زفر بقوة مغتاظاً منها على تجاهلها له، فهتف مرة أخرى بصوت أعلى: "ردي، انتِ ساكتة ليه؟ فيكي حاجة؟ لم يجد منها أي رد، فصاح عالياً عندما نفذ صبره: "يا بنتي ردي. مالك؟ صاحت به بوهن وإعياء وصوت مختنق بالبكاء: "تعرف تسكت؟ بطل كلام، يا إما قوم من هنا وامشي." حاول أن يهدئ من أعصابه التي تفلت منه بغير قصد: "طب قومي عشان نروح عشان الوقت متأخر."
احتضنت نفسها بيدها دون حركة، لتشعر به يضع الجاكيت على كتفها ثم جلس بجانبها وحاوطها من خصرها ليضمها إلى أحضانه مشدداً على احتضانها.
أخرجت أنيناً متألم جعل جسدها يرتعش. اصطحب بشهقات باكية، شعر بتشنجها وتصلب جسدها أسفل يده، فانتفض جسده بمكانه ينظر إليها، وجد وجهها محمر بشدة وعلاماته متشنجة. ارتعد خوفاً عليها. حاول أن يتمالك جسدها ويضمها إليه بقوة حتى يقلل من تشنجها. لم يبالي بالشارع الذي يجلس به وحملها فوق ساقه ووضع فوقها سترته الخاصة به حتى يمدها بالدفء. حاوطته هي بأيد متراخية وأخرجت من حلقها بعض الصرخات المتشنجة المكتومة من آلامها التي فاقت تحملها.
أحس بالارتباك من ما يحدث لها، أكل ما يحدث لها بسببه حقاً أم ما الذي بها؟ حملها واقفاً وتوجه بها سيراً إلى سيارته وهي مستمرة بتأوهاتها المتألمة ودموعها التي أغرقت وجهها، فمن يرى حالتها يرتعب خوفاً حقاً، فحالتها تجعل الحجر يلين. أدخلها السيارة ووضعها بعناية ثم وضع لها حزام الأمان بإحكام وتأمل وجهها المتألم وعيناها التي أغمضتهم بفعل نومها، فبعد تلك الحالة من التشنج لم تستطع أن تظل مستيقظة، فوجدت نفسها تغط سريعاً بالنوم.
جلس بجوارها وظل يتأمل وجهها الملائكي الذي ما زال آثار الألم يحتويه، وأخذ عقله يجوب بالأسئلة عن ما يحدث معها. انطلق بالسيارة إلى منزله. وضعها بغرفتها ثم دثرها بالغطاء جيداً وطبع قبلة حنونة على جبهتها، ثم اتجه إلى غرفته حتى ينام هو الآخر. بالصباح
استيقظت سهيلة من نومها بمزاج معكر من ذلك الألم التي تنام وتصبح به. وجدت نفسها نائمة في غرفتها وبفستانها، فعقدت حاجبيها قليلاً، ثم سرعان ما حلت عقدتهما عندما تذكرت أنه بالتأكيد من أحضرها إلى هنا. التقطت من جوارها زجاجة الدواء المسكن، أخذت منه كمية وفيرة وأخذتها حتى تهدئ ذلك الألم قليلاً.
ثم دلفت إلى المرحاض لتستحم وتبدل ثيابها إلى هوت شورت من الجزء العلوي بحمالة رفيعة جداً وفتحة صدر واسعة من اللون الأبيض مزينة بدانتيل بنفس اللون من على الصدر، والجزء السفلي يظهر جمال فخذيها وساقها باللون الأزرق الغامق. صففت شعرها وعقصته بهيئة كعكة لتدع بعض الخصلات الانسيابية تزين عنقها الجميل الطويل، ولا يؤثر إذا تركنا بعض الخصلات القصيرة على وجهها. توجهت لأسفل إلى غرفة السفرة فوجدته يجلس بمفرده يتناول إفطاره.
انتبه لمجيئها وانسحر بهيئتها الفاتنة المثيرة التي قد أهلكته. عنف نفسه بداخله: "ده انتِ لو بتنتقمي مني مش هتعملي كده، يخربيت حلاوتك اللي جاية تظهر دلوقتي، ربنا يقدرني وأعرف أمسك نفسي."
جلست سهيلة دون أن تعطيه أي أهمية وأشرعت بتناول طعامها بمنتهى البرود. أحست بآلم شديد كلما مضغت الطعام أو ضغطت بفكيها على بعضهم. شعرت بضيق شديد من نفسها ومن ذلك الألم اللعين الذي منعها حتى من تناول طعامها. تركت السفرة وتوجهت لغرفتها حتى تأخذ من المسكن الذي لا يفعل شيئاً. جلست على الفراش عندما أخذت دواؤها، أمسكت برأسها بإعياء وقد بدأت بالبكاء: "آاااه، مش قادرة، هموت، الوجع ده مش بيروح ليه؟ آآه."
قاطعها صوت طرق على الباب. فأسرعت بمسح دموعها ثم ذهبت لكي تفتح الباب. فانصدمت بمن على الباب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!