الفصل 14 | من 65 فصل

رواية كن لي أبا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم روميساء نصر

المشاهدات
23
كلمة
4,767
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

وقف بوجهه جامد، علامات الصدمة تسيطر عليه من أثر ما قصته عليه من أحداث مؤلمة تذكرتها. شعر بغصة بقلبه جعلته يضرب الأرض بقدمه من شدة ضيقه وإرتكابه هذا الذنب بحقها، وغيرته العمياء التي جعلته يظن أن ابن خالها يريدها له، لذلك كان يريد فصل زواجهم. تنهد بألم وتأنيب بينه وبين نفسه: "غبي، غبي، غبي! إيه اللي أنا عملته دا؟ أنا ظلمتها وجرحتها بكلامي."

ظل يعاتب حاله على ما ارتكبه في حق تلك المسكينة، بينما هي كانت تجلس بغرفتها على الأريكة تضم قدمها إليها، حيث كانت ركبتيها تستند على صدرها، وتدفن وجهها بين الفراغ الذي بين ركبتيها. تأوهت مثل الأطفال، تبكي بحرقة كلما تذكرت ما حدث مع أخت مالك وأنها السبب فيه. برغم عدم إلقاء أي أحد من عائلتها اللوم عليها، إلا أنها تحمل الذنب كله عليها. ظل أنين بكاءها يعلو بالغرفة حتى صمتت، وكلمات أسر اللاذعة تتردد على مسامعها، فانفجرت في البكاء أكثر وأكثر.

حتى انقطع التيار الكهربي، واسودت الغرفة من حولها. انتفضت بمكانها عندما أحست بالظلام حولها. أصطكت أسنانها معا من حالة الزعر التي تسيطر عليها. خرج صوت مهتز منها وهي تهتف باسم سهيلة، ثم تحولت نبرتها المرتعشة إلى صراخ وهي تنادي على أحد ينجدها من ذلك الظلام الدامس. ارتجف جسدها، أحست بضيق صدرها، وقدماها مثل الهلام، غير قادرة على حملها، ورأسها تلف بها بالظلام. سقطت أرضًا وهي ما زالت تصرخ، لكن بنبرة منهكة على أثر ما تعرضت له من ضيق في التنفس.

صدحت الأنوار من حولها، وأخذت تتنفس بصعوبة، عملية شهيق وزفير حتى انتظمت أنفاسها. لكن لم تهدأ رجفة جسدها وخوفها. دلف إليها أسر مسرعًا، الذي انصدم من هيئتها المزرية وجلستها أرضًا، وانتفاضة جسدها، وعيونها المنتفخة، وشحوبة وجهها. اقترب منها بحذر حتى لا تنفجر به. جلس على عقبيه، رافعًا إحدى خصلاتها من على وجهها، متحدثًا بقلق: "مليكة، انتي كويسة؟

رمت بأحضانه وهي تشد عليه كثيرًا، كالغريق الذي وجد قشاية تنجده. ضمها الآخر إليه بقوة، كأنها تقول له: "اغمرني بدفئك وأمانك". وهو يقول لها: "أمرك يا تاج يزين رأسي." شعر بارتعاشة جسدها بين ضلوعه وانتفاضتها، فتساءل بنبرة ضعيفة: "مليكة، أنا آسف على كل اللي قولته، سامحيني." انفجرت بالبكاء، أخذت تنتحب بين يديه، ثم ابتعدت عنه وظلت تضربه بقبضتها الصغيرة على صدره، وهي تصيح وتصرخ من بين بكاءها بانهيار: "انت سبتني لي!

أنا كنت خايفة النور قطع ونديت عليك وعلي سهيلة ومحدش رد علي." أملس على خصلات شعرها، هابطًا بباطن يده على صدغها الملطخ بدموعها، وشفتاها المرتعشة التي صمتت عندما ملس بإبهامه عليها، متحدثًا بهدوء: "اهدي، أنا آسف، مش هزعلك تاني ومش هسيبك أبدًا يا حياتي. اهدي بقا خلاص وبطلي عياط. والنور قطع عشان كانوا بيركبوا أجهزة، متقلقيش. النور مش بيقطع هنا خالص، اهدي واطمني." كفت دموعها وابتعدت عنه، متحدثة بوجه عابث:

"طب اوعي بقا عشان أنا متخانقة معاك ومش هكلمك تاني." اقترب منها مقبلًا مفرق حاجبيها، متحدثًا بأسف: "أنا آسف، أنا غلطان، مش هزعلك تاني أبدًا. بس أنا اتضايقت لما حضنتيه، حسيت بنار جوايا عايزه تاكله عشان لمسك. ثم أنا بشم على ضهر إيدي، يعني أعرف منين إنه أخوكي؟ ثم كمان انتي تحمدي ربنا إني مقتلتوش بإيدي." اتسعت عيناها من صدمة ما قاله، متحدثة بدهشة: "هااار أسود! انت اتجننت؟ هتقتله! إيه هو كان عمل فيك حاجة؟ تحدث بنبرة

صارمة حادة بوجه جامد: "اللي يقرب من مرات أسر الدالي، آكله بسناني. انتي فاهمة؟ استدارت بوجهها العابس، متحدثة بحزن: "بس انت المفروض يكون عندك ثقة فيا، أنا مش هروح أحضن أي حد كده يعني وخلاص." أدار وجهها نحوه، متحدثًا بتفهم: "صدقيني، أنا نار الغيرة كانت عمياني." تحدثت بفرحة كانت نابعة من مقلتيها: "يعني انت بتغير علي؟ نظر إليها بحاجب مرفوع: "نعم يا أختي! أومال هكون عملت ده كله لي، غاوي مشاكل وبلطجة على خلق الله؟

حاولت كتم ضحكتها بشق الأنفس، ثم رفعت يدها التي بها انتفاخ أزرق، موجهة إياها أمامه، متحدثة بمعاتبة وحزن: "بس انت وجعتني أوي وإيدي وجعتني." التقط يدها بحرص، يشعر بتمزق قلبه من ما فعله بيدها، يلعن نفسه مرات عديدة لما فعله. هبط بشفتيه عليها، ملثمًا رسغها محل الألم، متمتمًا بأسف: "أنا آسف، كانت إيدي تنقطع قبل ما أمدها عليكِ." وضعت يدها على ثغره تمنعه من استرسال حديثه، متحدثة: "بعد الشر على إيدك، متقولش كده."

أملس على وجنتيها بحب، متحدثًا: "يعني مش زعلانة مني؟ نفت حديثه وهي تهز رأسها: "تؤ تؤ. بس لو زعلتني تاني هخاصمك ومش هصالحك أبدًا وهبعد عنك." قالت كلماتها العفوية تلك بدون قصد، لا تعلم بما فعلته تلك الكلمات. فهو أصبح متيم بها، يعشقها، لا يقدر على التخلي عنها. هي مثل الأكسجين من حوله. تحدث بتهديد غاضب: "أوعي أسمعك بتقولي الكلام ده. عمرك ما هتبعدي عني أبدًا، لأنك بحر وأنا السمك. لو خرجتيني من حياتي أموت."

احتضنته وهي جالسة، متمتمة بحب ومواساة وهي تربت على ظهره: "بعد الشر عليك يا حبيبي." ضمها إليه، حاملًا جسدها الضئيل بين يديه، متقدمًا بها نحو الفراش، واضعًا بجسدها الغض على الفراش، مقبلًا وجنتيها وجبينها، متمتمًا بحب وهو يغمرها باللحاف وعشقه: "يلا نامي يلا، عشان في سفر بكرة وهنصحى بدر." دفعها على المغادرة، فأمسكت رسغه، متحدثة بخوف وقد ظهرت رعدة بنبرتها: "أنا خايفة." عقد حاجبيه، متمتمًا بتساؤل: "خايفة من إيه؟

كنتي بتترعشي لي زي اللي طلع لها عفريت؟ شهقت بفزع وانتفضت من مكانها، متحدثة بهلع وهيئتها تجعل الذي أمامها يموت ضحكًا: "عفريت! يا لهوي! اسكت بيجو على السيرة." ثم ضمت أنامل يدها، ثم حركتها على رأسها بحركة دائرية، وهي تتحدث بنبرة مرتعشة: "اشتاتا اشتوت، متجوش هنا، روحوا له هو." ضحك أسر عليها، متحدثًا: "نامي يا هبلة." اقتربت منه محيطة عنقه بذراعيها، متحدثة: "طب نام معايا، أنا خايفة."

أومأ لها بعدما فك حصار عنقه، وتوجه بجوارها نحو الفراش، لكنها صاحت بنفور، متحدثة: "انت رايح فين؟ رفع حاجبيه بذهول من صياحها: "هنام." أشارت بيدها نحو الكنبة، متمتمة: "لا، انت هتنام على الكنبة وأنا هنام على السرير." قوس فمه، متحدثًا بضيق: "وأنا مبعرفش أنام على الكنبة، وهنام على السرير." عقدت يديها أمام صدرها، متحدثة بعناد: "وأنا مش هنام جنبك وهنام لوحدي." قام من مكانه، متوجهًا للخارج، متحدثًا بمكر:

"خلاص، أنا رايح أوضتي لحد يقولي نام على الكنبة ولا نام على السرير." تحركت من مكانها بعدما خرج، وأضاءت جميع أضواء الغرفة، حتى المرحاض الملحق بالغرفة، وذهبت إلى الفراش سريعًا، تدس جسدها بين اللحاف، مغمضة عينيها بقوة، تحاول النوم.

انتظر هو بالخارج قليلًا، خلف الباب الذي كان يتسلل الضوء من الفجوة الموجودة به بالأسفل. نقر على الباب، مخرجًا زجيجًا بآلة حادة عدة مرات، جعلت الأخرى تنتفض من مكانها، تجلس نصف جلسة، تستند بجذعها على الفراش. تمتمت بتوجس وهي تنظر إلى الغرفة حولها: "هااار أبيض! هما جوم ولا إيه؟ روحوا له هو، متجوش هنا، هو اللي جاب سيرتكو، والله مش أنا."

تكرر صوت أسر ذلك الصوت مرة أخرى، واتجه إلى غرفته. أما الأخرى فدب الرعب بقلبها، وانتفضت خارج السرير تمامًا، تركض إلى الخارج، متوجهة لغرفة أسر، التي اقتحمتها بسرعة خاطفة، تغلق الباب وتقف خلفه، تستند عليه، وعلامات الزعر ظاهرة عليها، وعيناها متسعتان من الخوف، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الرعب.

كان أسر في تلك اللحظة جالسًا على الفراش، يستند بظهره على حافته، مستندًا عليه، يضع اللاب توب على ساقيه ويعمل عليه، لكنه انتبه إلى تلك الواقفة تواجهه، وعلامات الزعر تبدو عليها. طالعها بعدم فهم، كأنه لا يدري عن سبب ما هي عليه. تحدث بتساؤل: "في إيه؟ مال وشك مخطوف كده ليه؟ تحدثت بتلعثم من شدة خوفها: "ف..ف..في ع..ف..اريت في أوضتي، أنا عاوزة أنام هنا." حاول كتم ضحكته ورسم علامات الجدية، متحدثًا:

"بس أنا مش هنام غير هنا، وأوضتي مفيهاش كنبة. والا أقولك، لا، روحي نامي في أوضتك." اقتربت منه بخطوات بطيئة، وهي تتحدث ببراءة: "ليه دا أنا نسمة، نايمة مش بشخر والا برفص والا بعمل أي حاجة." أخرج همهمة تدل على تفكيره في الأمر وعدم موافقته، ثم تحدث: "اممم، سيبيني أفكر." لم تنتظر هي، وركضت نحوه، تلقي بجسدها على الفراش، ثم أخذت الغطاء وسحبته تجاهها، حيث أزاحته عنه. تحدث أسر بحزم وهو يجذب طرف الغطاء نحوه، يأخذه منها:

"أنا لسه مفكرتش." أخرجت همهمة بفمها تخبره بها بأن يصمت: "شششش، أنا عايزة أنام." ثم أخرجت بعض الأصوات المزعجة من حلقها، تدل على استغراقها بالنوم (شخير) . جلس هو على الفراش مشدود الوتر، متحدثًا بدهشة، محاولًا مجاراتها في الحديث معه: "انتي مش قولتي مش بتشخري؟ ضحكت ومن ثم تحدثت بنبرة مرحة: "لا، كنت بجر رجليك عشان تخليني أنام. وعلي فكرة، بلعب مصارعة حرة وأنا نايمة، يعني أحسن لك تنام على الأرض." ضحك على حديثها، متحدثًا:

"لا، أنا بقا بلعب كونغ فو." أومأت له، متحدثة بنفس نبرتها السابقة: "براحتك بقا، أنا نبهت، يعني لو صحيت لقيت نفسك في الجنينة، أنا ماليش." سحب أحد الوسائد من خلفه، يلقيها بها، متحدثًا: "طب نامي بقا."

ظل جالسًا، يباشر أعماله من الحاسوب حتى وقت متأخر من الليل. انتهى أخيرًا، ونظر إلى تلك التي استغرقت في نومها. جذب جسدها نحوه، يحتضنه، دافنًا بوجهها أسفل ذقنه، بين حنايات عنقه، مشتمًا عبيرها الخلاب، قبل أعلى رأسها، فتململت هي بين يديه التي تحاوطه. فقلق من حركتها تلك، وحاول الابتعاد، لكنه وجدها تحاوطه بشدة وتتمسح به مثل القطة الصغيرة التي تتمسح بصاحبها. ابتسم على حركتها العفوية تلك، وأخذ يتأمل ملامحها، ويتذكرها عندما

تغضب أو تضحك، أو عندما تكون مذعورة. شعر بروحه ترفرف من حبها. كان النعاس يغلبه، لكنه أراد مواصلة النظر إليها، وتخيلها عندما كانت صغيرة. أحس بعشقها، وبعشق أدق تفاصيلها. أخذ يفكر بها، وكيف يجعلها تألفه دائمًا، وأن يجعلها تخرج من خجلها تلك. وغلبة النعاس وعقله منشردًا بها تمامًا، يريدها حتى في أحلامه، إذا أغمض جفنيه.

شق صوت المنبه ذلك الصمت، قبل أن تشق الشمس الليل بنورها. قلقت مليكة على صوت ذلك المنبه، تشعر بشيء صلب يحاوطها، مطبقًا عليها، وهي أيضًا تحاوطه. فاستيقظت من نومتها، تنظر لحالها، وجدت حالها بين أضلعه، يحاوطها بجسده، مطبقًا عليها، كأنها ستغادره، ولم يراها مرة أخرى. ابتسمت وفرحت بداخلها، وظلت تتأمل ملامحه بعشق، حتى خانتها يدها، وملست على تقاسيم وجهه ولحيته الخفيفة التي زادته وسامة. فتح عينيه أخيرًا، فلم يستطع أن يمثل أكثر من ذلك أنه نائم. ابتسم لها، فانفزعت هي، وتخضبت وجنتاها بحمرة خجلها من ما كانت تفعله. تحدث هو

بصوت متحشرج من أثر النوم: "صباح الخير." تحدثت بنبرة جاهدت في إخراجها من شدة خجلها: "صباح النور." حاولت إزاحة ذراعه التي تحاوطها بعيدًا عنها، لكنه أطبق عليها أكثر، فتحدثت بنفور: "عاوزة أقوم أجهز، ممكن؟ قرب وجهه من وجهها أكثر من قربهم، حتى لامس أنفه بأنفها، متمتمًا بنبرة ساحرة: "تدفعي كام؟

شعرت بأنها على الحافة، ولن تسقط، لا مفر لها، فعيناه تتأمل عيناها، وبهم بريق مشع أصاب عينيها. لم تقو على الحديث، فقربه مهلكة لها بالفعل. أغمضت عينيها بشدة، حتى انكمش جلدها من أثر ضغط جفنيها على عينيها. أحب الآخر هيئتها تلك، فلم يشعر بحاله إلا وهو يعتليها، يحاصر جسدها الغض أسفله. التهم شفتاها بنهم شديد، كأن قبلتها إكسير الحياة بالنسبة له. ظل يعمق بقبلته، حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيها، فابتعد عنها حتى تأخذ من الهواء

ما يكفيها. أسند جبهته على جبهتها، يتأمل وجهها المحمر بشدة، وشفتاها المنتفخة من أثر ما فعله بها، وتنفسها السريع. وضعت يدها، راحتها على صدره، تزيحه عنها بقوتها المتناهية. ابتعد عنها وهو يتابع ارتباكها وخجلها، وما تفعله من حركات عفوية، مثل الالتهاء في بعض الملابس الملقاة بإهمال، التي التقطتهم ووضعتهم بالخزانة لتلهي نفسها عن الآخر. لكنه ظل يحدق بها، يراقب أقل وأصغر تفصيلة تفعلها.

قام من مكانه، وهي تضع ملابسه بالخزانة. وقف خلفها، مستندًا بذراعيه على حافة الخزانة، يحاصرها بحيث لا يوجد مفر لها للهروب. تخشبت مكانها عندما أحست بقربه. استدارت له، حيث وجهها أصبح مقابلًا لوجهه. حاولت الخروج، لكن حصاره أغلق أحد الضرف المفتوحة، فاستندت هي بظهرها عليها. ازدردت لعابها، تشعر بدقات قلبها ستخترق صدرها من قوة دقاتها. أحست بأنفاسه تلهف وجهها، فسرت قشعريرة بجسدها من ملامسة أنفاسه لها. طبع قبلة على عنقها برفق،

جعلتها تقع بدوامة عشقه، تتلاطم مع الأمواج الشاهقة. أحست بعدم قدرتها على الفرار منه، وضربات قلبها السريعة التي أحست بآلامها من شدة ارتباكها وقلقها، وحرارة وجهها التي تعتليها. أدمعت عيناها، وارتجفت شفتاها، وأخرجت شهقة مكتومة، جعلت الآخر ينتفض ويتوقف عن تقبيلها.

أمسك بكتفيها، متسائلًا بصدمة من ما هي عليه: "مالك؟ فيكي إيه؟ انفجرت بالبكاء، وازدادت شهقاتها. فقلق الآخر من بكاءها غير المنطقي. أملس على وجنتيها، متسائلًا مرة أخرى: "بتعيطي ليه؟ أنا ضايقتك في حاجة؟ أومأت له وهي تهز رأسها بإيجاب، وما زالت دموعها منساب. انصدم من إجابتها بما هو أخطأ معها حتى تنفجر بالبكاء هكذا. تحدث متسائلًا: "طب أنا عملتلك إيه خلاكي تعيطي؟ أخذت أنفاسها بتقطع، محاولة التحدث من بين شهقاتها:

"ا..ن..ان..ت بت..خو..فني." وقف مكانه منصدماً من ما قالته. فما فعله هو الذي يخيفها، لكن بما يخيفها، فلم يتصرف بوحشية معها حتى تخاف. حاول تفهم أمرها، فجذبها من رسغها نحو الفراش. جلس وأجلسها جواره، قرب جسدها نحوه، ثم أسند رأسها على صدره، ثم تحدث: "إيه اللي مخوفك بقا؟ مش أنا جوزك؟ وطبيعي حاجة زي دي تحصل بينكم." لم ترد عليه، وظلت تستند برأسها على صدره. فتابع هو: "طب مش انتي بتحبيني؟

واكيد عشان تعبري عن حبك ده، المفروض تديني بوسة. بس انت شكلك مبتحبنيش عشان كده خايفة." شهقت وابتعدت عنه، متحدثة بنفور وضيق: "هو يعني عشان أحبك لازم قلة الأدب دي وأديك بوسة؟ ما أنا عادي بحبك من غير بوسه ولا قلة أدب ومسخرة." ردد كلماتها الأخيرة بصوت خافت: "قلة أدب ومسخرة؟ لا، أنا دا انتي هتتعبيني معاكي شكلك كده." تنهد بعمق، ثم تحدث:

"مليكة يا حبيبتي، لازم تعرفي إن أي اتنين متجوزين لازم يحصل بينهم كدا عشان يحبوا بعض أكتر ويجيبوا أطفال صغيره." زفرت بحنق، ثم لوّت شفتاها العلوية، متحدثة: "طب ما أنا عارفة." زفر براحة مكملاً: "الحمد لله إنك عارفة، وفرتي عليا كلام كتير." قاطعته هي: "بس برضه مش هيحصل قلة الأدب دي، أنا محترمة ومتربية كويس، ويستحيل المسخرة دي تحصل." أخرج تأوهًا عاليًا وهو يتكئ على رأسه، من بوادر الصداع التي هاجمته:

"أبوس إيدك، ارحميني، مسخرة إيه وقلة أدب إيه، إحنا متجوزين يا حبيبتي، متجوزين." تحدثت ببرود وهي تتلاعب بأظافرها وتنظر إليهم باهتمام: "إثبت." صاح عاليًا بها ومن برودها: "مليكة مصر كلها شافت الفرح وكتب كتابنا، أجيب لك الشهود عشان تتأكدي، والا إيه؟ والا تحبي كل ما أبوسك أطلع لك عقد الجواز تشوفيه؟ كوّمت شفتاها للأمام، يتحرك بؤبؤ عيناها حولها، تحاول الهرب من النظر إليه، لكنها تحدثت أخيرًا:

"بص يا أسر، انت لما بتقرب مني بحس بولعة في وشي وقلبي بيدق جامد أوي، بحسه هيخرج من مكانه، فاحسن ابعد عني لاني شكلي عندي حساسية منك." وقف كالابله يناظرها بصدمة، كأن ترابيس عقله توقفت، أو أن عقله من الصدمة لم يستقبل الكلام. انفجر ضاحكًا أخيرًا بعدما استوعب، وظل دقيقة جامدًا بمكانه، ظنته الأخرى أنه أصاب بشلل من حديثها معه. انتهى من نوبة ضحكه، وضمه إليه، ثم قبل رأسه، متمتمًا بتفهم:

"يا حبيبتي، اللي انتي بتحسيه دا عادي جدًا، وشك بيجيب ولعة عشان مكسوفة، وقلبك بيدق لقربى منه، وفرحانة بقربى منه." لوّت فمها، متحدثة بسخرية: "يا سلام! إيه اللي عرفك؟ كنت دكتور؟ قهقه ضاحكًا، ثم تحدث وهو ينظر لوجهها: "أومال إيه، أنا معايا دكتوراه في حبك وعشقك لدرجة إني قربت أدمنك." ابتسمت له بعفوية على ما قاله، ووقفت على طراطيف أصابع قدمها، قبلت وجنته، متحدثة بهمس قد وصل إليه فقط: "بحبك."

ثم ركضت مسرعة للخارج. وقف يتابع اختفاء أسرها، ثم توجه للمرحاض حتى يجهز حاله. انتهوا من الاستعداد، وصلوا صلاة الصبح، ثم توجهوا للأسفل، فقابلتهم سهيلة. أخذوا بعضهم وتوجهوا للأسفل، وجدوا مالك يركن سيارته ومتوجهًا إليه. متحدثًا مالك: "أنا كنت فاكر نفسي متأخر، مطلعتش أنا لوحدي." تحدث أسر وهو يشير بعينيه نحو سهيلة ومليكة: "نعمل إيه، الستات بقا، على ما يجهزوا." اندفعت سهيلة بالحديث نحوه: "انت هتستعبط؟

ما إحنا خارجين مع بعض. ثم انتوا تحمدوا ربنا وتبوسوا إيديكم ضهر وقفا إن أنا صحيت بدري أصلا." تحدث أسر بسخرية: "وايه اللي مش هيصحيكي؟ هو مدرسة والا درس؟ مش هتصحي لهم ده شرم يعني، هتصحي من الفجر؟ هو أنا هتوه عنك؟ تحنحت بحرج، وهي تبعده عن طريقها، خائفة تعتنق السيارة: "طب كفاية إحراج بقا ووسعلي أركب." أخذها على جنب، متحدثًا بهمس: "سوسو." لوّت فمها وهي تكرر كلمته بسخرية: "سوسو! يبقى عايز حاجة، ها؟ عايز إيه؟

أكمل برجاء: "ارركبي مع مالك وسبيني مع البت لوحدنا." همهمت وهي تضيق عينيها عليه: "اممممم، مش عايز عزول يعني." تنهد متحدثًا برجاء: "يا ريت." تحدثت بإشفاق عليه: "والله صعبت عليا، ماشي يا عم." ذهب أسر لمالك، متحدثًا: "انت خد سهيلة معاك وأنا هاخد مليكة." أشار مالك بإصبعه وهو يبتلع لعابه خوفًا: "هاخد ديا." أومأ له أسر، وشفتاه السفلية منحنية بأسف: "معلش، واوعى تخاف."

همس بأذنه وهو يميل عليه: "دي بتاكل كلاب، بس مش بتاكل بني آدمين." ابتلع لعابه، متحدثًا بخوف مصطنع وعلامات الهلع المصطنعة: "تصدق، طمنتني، كلاب بس؟ أومأ له أسر بهمس: "بس." صدح صوتها من الخلف الذي أفزعهم: "انتوا بتقولوا إيه؟ تحدث أسر بمرح: "لا مفيش يا قلبي، ده أنا بقوله يخلي باله منك وفي أي بحر يقابله ويرميك." أومأت له بتفهم، ثم بعدما أدركت ما قاله صاحت بهم: "إيه بحر ويرميني! اللهي أنت يا بعيد ويرموك في البحر الميت."

انفجر الجميع ضحكًا على ما قالته سهيلة، ثم توجهوا لسياراتهم. تحدث مالك مع سهيلة بحده: "يلا اتفضلي اركبي." تحدثت بضيق من حديثه الصارم: "طب بالراحة طيب، ويكون في علمك أنا وافقت عشان خاطر أسر، بس لولاه ما كنتش ركبت عربيتك المعفنة دي." تحدث مالك بفخر وعنجهية: "إنتي أصلاً عمرك ركبتي زيها قبل كده؟ ضحكت بسخرية، متحدثة: "يا ابني ما أنا عمري ما ركبتها عشان معفنة." زم شفتيه مؤكدًا من بين أسنانه حتى لا يحن

عليها وتفلت أعصابه أمامها: "طب اتفضلي اركبي العربية المعفنة بتاعتك." أومأت له وهي تتحدث بترفع: "أوكي، هركب، مش لازم تتحايل يعني." تحدث مالك مع نفسه: "لا دي أكيد عندها خال أهبل، يا خال أهبل! إيه البت دي؟ اعتنق السيارة، وتوجهوا بها إلى مخل وجهتهم. كان الصمت يحتل السيارة. تحدثت هي بتأفف تقتل ذلك الملل والصمت: "هوووف، ما تشغل أي حاجة نسمعها بدل الملل ده." تساءل هو بعدما تنفس بعمق، منفاسًا

عن غضبه من طريقتها: "عايزة تسمعي إيه؟ تحدثت بتساؤل: "عندك حاجة لـ حسن شكوش أو الليث؟ عقد حاجبيه، متسائلًا باستغراب: "مين يا اختي؟ رددت تلك الأسماء مرة أخرى، لكن بصوت أعلى: "حسن شكوش أو الليث." تحدث مالك: "هو معلش يعني في السؤال وبعتذر عن جهلي، هم مين دول؟ اتسعت عيناها وهي تناظره، متحدثة معه بمعاتبة كأنه أخطأ بأمر فادح: "هاااااااار أبيض! حد ما يعرفش شاكوش والليث؟

تحدث بسخرية: "معلش، ما اتشرفت، واشتغلت مع نجار قبل كده." تحدثت سهيلة بزهول من عدم معرفته بأسماء المغنين: "لا، انت شكلك أبيض خالص." تحدث مالك: "نعم." تحدثت بتساؤل: "هو انت من هنا؟ أومأ لها: "اه، بس طول عمري عايش بره." أومأت له وهي تلوي فمها، متحدثة: "أتاريت." تحدث مالك بمرح: "والا بلايستيشن؟ تحدثت سهيلة بتعجب من ما قاله: "سبحان الله، مع إنك طول عمرك بره، بس الألش المصري بيجري في دمك."

ضحك على حديثها، ومن ثم قام بتشغيل أغنية رومانسية. تحدثت بين نفسها وهي تتأمل كلمات الأغنية: "الله، مزز ورومانسي كمان! لا كده كتير، سهيلة انشفي كده يلا، جعفر يطلع حالات." تحدثت بوجه نافر وأسلوب ساخر: "إيه المحن ده يا عم! اقفل، أنا نفسي موعت." عقص ملامح وجهه بتعجب، متمتمًا بآخر كلمة قالها: "موعت؟ ثم أكمل بتساؤل: "هو انتي متأكدة إنك بنت؟ اعتدلت بجلستها، حيث أصبحت تواجهه بجسدها، متحدثة بضيق

وهي تلوي شفتاها العلوية: "اه، عندك شك؟ تحدث بنفور وهو يغلق مشغل الموسيقى: "لا، ده مش شك واحد، ده شكوك." نظر لها متحدثًا بحنق: "استريحتي كده؟ أومأت له وهي تبادله ابتسامة سمجة: "أيوه." عاد الصمت مرة أخرى، فتنهدت سهيلة، ومن ثم أخرجت من حقيبتها الكثير من المأكولات الجاهزة، ثم ناولتها لمالك، متمتمة: "تاكل؟ ضحك هو عليها، متحدثًا بتعجب من تلك الفتاة العجيبة: "إنتي عاملة خزينة في الشنطة؟

شهقت هي، ومن ثم تحدثت بصياح وهي توجه يدها وتفرد أناملها الخمس بوجهه: "الله أكبر! انت هتقرض؟ ضحك عليها، ومن ثم أكمل: "لا والله مش أقصد، أصل انتي غريبة أوي." تساءلت باهتمام بعدما وضعت بعض رقاقات الشيبسي بفمها: "غريبة إزاي؟ تحدث هو وعيناه على الطريق: "أصل البنات في العادة شنطتهم بيكون فيها مكياج مش أكل، وبيسمعوا رومانسي مش شاكوش وحاجات غريبة كده." ضحكت، ومن ثم ناولته يدها بترحيب: "عندك حق، معاك الأخ جعفر، أهلاً وسهلاً."

ضحك، ومن ثم بادلها السلام، متمتمًا: "اتشرفت بمعرفتك يا جعفر." انتهت من تناولها الطعام، وأخرجت رواية حتى تقرأها، وغفت وهي تقرأ بها. التقطها الآخر، يقلب بين صفحاتها ليرى ما الذي تقرأه، حتى رأى عنوان الكتاب، وعلم أنها من النوع الرومانسي. تحدث وعلى وجهه ابتسامة جانبية: "أومال شاكوش إيه بقا ومحن وتموع؟ ما انتي بتقرأي رومانسي أهو. لا بجد غريبة. أو بصي، سيارة أسر ومليكة." صدح منها صوت ضحك وتهاليل وزغاريد، وصوت مليكة الفرح:

"لولولولولي! هيه هيه! هنروح شرم! هنروح شرم! ضحك الآخر على جنونها، متحدثًا: "يا مجنونة، بطلي هبل." تحدثت بفرح ينبع من مقلتيها: "أنا فرحانة دلوقتي، فلا تتسأل عن كمية الهبل اللي هتطلع مني."

ابتسم على جنون حبيبته، قام بجذبها من خصرها إليه، فشاهقت من ما فعله، ضم رأسها إليه، فحاوطته هي بذراعيها، واسترخت تمامًا على كتفه. أما الآخر فظل يقود سيارته بزراع، والذراع الآخر يحاوطها، حيث أن الطريق كان هادئًا وليس معجوقًا بالسيارات. غفت وهي على تلك الحالة، فقبل رأسها، متمتعًا بقربها منه. في سيارة مالك. بدأت بالاستيقاظ من نومها، رفرفت برموشها، ومن ثم أغلقتهم سريعًا بسبب الضوء الذي أصاب عينيها. فتحت عينيها ببطء،

ومن ثم تحدثت بتوهان: "هو إحنا فين؟ تحدث مالك وهو ما زال يباشر عمله: "لسه بدري، تقدري تكملي نوم." حركت رأسها بنفي، متمتمة: "لا، خلاص مش هنام تاني، بس أنا عايزة أشرب." ناولها قنينة المياه، فالتقتها منه، وأخذت تروي حلقها، كأنها تسير في صحراء قاحلة لفترة من الوقت. تحدث مالك بنبرة متعجبة وهو يتأمل القنينة الفارغة: "الله أكبر! الإزازة خلصت." تحدثت سهيلة بنبرة ضعيفة: "والله ما أقصد." صمتت سهيلة فجأة، ومن ثم تحدثت باقتضاب:

"وقف العربية." تحدث هو بنزق: "نعم يا أختي؟ تحدثت بصياح، ولكن كان مصاحبًا لبحة ضعف، فلم يظهر صياحًا: "بقولك وقف العربية."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...