كانت تجلس أمام البحر الثائر تشكو له همومها، ترى تلاطم أمواجه الثائرة بقوة وعنف غضبًا على حالتها وحزنًا عليها وعلى أحوالها. كانت هناك أعين مسلطة عليها تتابعها وتنظر إليها بعدة نظرات، أغلبها حب وإعجاب وشفقة على حالتها المزرية التي وصلت إليها. فهو لا يعلم ما الذي أصابها، لكنه يوقن أنها عانت ورأت الكثير في حياتها من شدة انكسارها وخيبة أملها الظاهرة على وجهها.
تحرك من مكانه مقتربًا منها، جالسًا بجوارها، ينظر هو الآخر أمامه ويستمتع بالبحر وأمواجه الهائجة. شعرت بالقلق والخوف يتسربان إلى قلبها من وجوده بجوارها، لكنها لم تلتفت له وظلت على حالتها تدعي بأنها غير عابئة بجلوسه بجوارها. لكنه قطع ذلك الصمت، ينصحها بترك المكان:
"مش هسألك إيه اللي مضايقك، بس انتِ مينفعش بحالتك دي تفضلي قاعدة كدا. الجو هوا أوي وجسمك مش هيستحمل، لازم تحافظي على صحتك وتقومي معايا نرجع المستشفى، لأن أهلك زمانهم قالبين عليكِ الدنيا." نطقت بكلمات مقتضبة بهم بعض الحدة اللاذعة، وعيناها وجسدها باتجاه البحر، لم يطرف لها جفن: "أنا مش هقوم من مكاني ومش راجعة في حتة، اتفضل روح انت." تعارضها متحدثًا: "مينفعش، لازم ترجعي معايا لإني أنا المسئول عنك وأنا اللي خرجتك."
صرخت به بغضب من تدخله بأمرها وجلوسه معها، فانتبهت له بجسدها بعدما كان مركزًا أمام البحر: "قولتلك مش هقوم أرجع، ويا ريت تمشي وتسيبني في حالي." زفر بإحباط منها مكملاً: "طيب بيتك فين أوديكِ عشان مش هتعرفي تروحي في حالتك دي." تحولت علامات وجهها الحانقة الغاضبة إلى ملامح متهدلة من الحزن، وهي تنطق بكلمات حاولت بها الهرب من هويتها: "معنديش بيت." يتساءل مستفهمًا بعدما انعقدت ملامح وجهه بالحيرة من أمرها: "إزاي؟
أومال مين اللي كان معاكي في الأوضة؟ "ثراب ملوش وجود." نطقت بها وهي تائهة بمكان آخر، تريد الهرب من ذلك الواقع المؤلم. نظر لها بحيرة ثم أكمل: "أنا مش فاهم حاجة. تحبي أوديكي فين دلوقتي؟ "مش عارفة." "طب إزاي أقدر أفيدك وأطمن عليكي؟ "سيبني وامشي." "إزاي أسيبك؟ مينفعش. طب تعالي معايا بيتي." نظرت له بابتسامة متهكمة مليئة بالسخرية، ثم نظرت أمامها مرة أخرى. فهم نظرتها تلك وردة فعلها، فهتف مبررًا ما قد فهمته من سوء:
"أنا مقصدش أي حاجة من اللي جات في دماغك، أنا ساكن مع والدتي، تقدري حضرتك تشرفيني وتباتي معاها وأنا هبات في شقتنا التانية. وعشان تطمني هخليها هي اللي تنزلك تستقبلك كمان." أحست صدق حديثه، لكنها خشيت من أن تسبب له أذى فيما بعد، فتفوهت: "شكرًا، بس أنا مش عاوزة أتقل على حضرتك، أنا هجيب لك مشاكل كتير أوي انت مش هتقدر عليها، فبلاش أحسن." "طب تعالي على الأقل انهارده، ومن بكرة امشي. الوقت اتأخر ومينفعش أسيبك لوحدك هنا."
اقتنعت بكلامه، فمن الصعب قضاء تلك الليلة بمفردها في ذلك الوقت المتأخر من الليل وبحالتها تلك، فما زالت تتألم من جسدها وروحها، ولن تصمد بمفردها في ذلك البرد. "حاضر. بس هتقول لوالدتك إيه؟ "متقلقيش، أمي ست طيبة وهتحبيها جدًا." قالها وهو يضع عليها سترته الجلد الخاصة به حتى تتنعم بالدفء قليلًا وتمنع عنها رعشتها الذي لاحظها من شدة البرد. ابتسمت له بامتنان. عندها شعر بأن الدنيا ترقص له فرحًا وقلبه يطرب من شدة الفرحة.
توجهوا معًا بالسيارة إلى محل إقامته. ***
خرج من القصر كالثور الهائج، شياطين الدنيا والآخرة الآن أمامه ترقص بوجهه حتى يكون بهذا الشكل المخيف. اعتنق سيارته وقد عادت له تلك الأحداث المؤلمة مرة أخرى. تذكر كيف أهانها وكيف قام بتسديد الضربات المؤلمة ولم يرحمها، وكيف كانت تنزف أمامه ولم يرق قلبه لها، وكان يقتل كل شعور بحنين ناحيتها ينبع في قلبه. كيف كان يفكر بأن يقتلها، وكيف كان سيقع بهم الحال إن لم تهرب. وماذا عن ابنه الذي كان السبب في قتله. تذكر كيف كانت تدافع عن حالها وتتوسل له بأن يتركها.
اللمعت عيناه بالدموع، يريد أن يبكي ويبكي، يشعر بأن نارًا تشتعل في قلبه لا تريد أن تنطفئ، فهو قد أذى روحًا بريئة لم تفعل شيئًا، وقتل قطعة منه، قتل ابنه. انهار باكيًا وقد ازداد نحيبه ونشيجه العالي على هذا الحال الذي وصل نفسه إليه. تذكر هذه الذي كان السبب في تدميرها، ما حالها الآن؟ فهي الآن بالتأكيد تعاني وجعًا وألمًا على ما حدث لها على يده. صرخ بكل قوته قهرًا على حاله: "ليه يا رب الاختبار الصعب ده؟
أنا مش قده. أنا مش عارف إزاي غضبي عماني وخلاني أعمل كدا وأفضل أشك وأكبر الشك وأخليه يقين، وهي ملهاش أي ذنب. ذنبها الوحيد إنها حبيبتني، ذنبها إنها حبت واحد قلبه قاسي حجر. موت ابني وموتها هي كمان بالبطيء. ليه بس يا رب؟ يا رب ارحمني من الاختبار ده، أنا مش هقدر أواجهها بعد اللي عملته فيها. زمانها بتكرهني ومش طيقاني. يا رب حنن قلبها عليا يا رب وخليها ترجعلي تاني."
ظل على حالته هكذا يدعو أن تسامحه وأن يحن قلبها عليه، ثم توجه إلى المستشفى حتى يطلب منها السماح والعفو. نزل أسر من سيارته أمام المستشفى، ثم دلف إليها متوجهًا إلى الدور الذي به جلال ووالدتها. دلف إلى الغرفة فوجد كل من جلال وأيمن وإيمان في الغرفة، ينظرون إليه وإلى حالته الغريبة المشعشعة من ما كان يفعله مع طارق. تساءل بألم بعدما أخفض عيناه التي لم يقدر على رفعها أمامهم، فكيف له أن يرفعها أمامها أو يواجهها وجهًا لوجه:
"مليكة فين؟ أجاب مستهزئًا على حديثه السابق: "عايزها ليه؟ عشان تقتلها الخاينة المجرمة؟ والا عشان تسألها ابن مين اللي كان في بطنها ده؟ والا تكون عاوز تعرف عشيقها؟ كانت كل كلمة تنزل على قلب أسر كجمرة من النار تحرق قلبه وتجعله يشتعل. تحدث بألم بعدما ابتلع كل تلك الكلمات التي أحرقته وزادت من تأنيبه لنفسه:
"أنا عارف إني أذنبت، مش غلطت، وجاي أعترف بغلطي. وأنا كمان ماليش الحق إني أجي وأعتذر ومستحقهاش، بس مقدرش أسيبها وأنا السبب في كل اللي هي بتعانيه." قاطعه جلال ببرود: "بنتي هربت من المستشفى وسابتها، هربت مننا خلاص، مبقتش طايقة حد مننا حتى إحنا، هربت وسابتنا كلنا."
أخرج من جيبه الهاتف الذي ضغط على شاشتها وأدارها له ليريها له وهي تخرج من المستشفى بحالتها تلك. لانت ملامحه بشوق عندما رآها على شاشة الهاتف، ولكن اعتصر قلبه وجعًا على حالتها الذي كان هو السبب بها. ازدادت نار قلبه توهجًا واشتعالًا لا تنطفئ بعد رؤية حالتها هذه. انفعل وشعر بأنه يريد أن ينفث عن هذه النيران الذي في قلبه الذي على قدر أن تشعل بلده بحالها: "إزاي خرجت وازاي سيبتوها تخرج؟ وراحت فين بحالتها دي؟
يرد عليه جلال بغضب: "أنا بعت رجالي يدوروا عليها... ومش عاوز أشوف وشك يا أسر، وانسي بنتي نهائي، لأن لو حصل إيه مش هرجعها لك تاني، بنتي انساها أحسن، أنا مش هسمح إنها تتعذب تاني في حياتها." نظر له بعناد وكلمات واثقة، أراد أن يثبت لهم ولنفسه قبلهم بأنها ستعود له: "اللي انت بتتكلم عنها دي تبقى مراتي، ومحدش هيقدر يبعدني عنها أبدًا، وهرجعها لحضني تاني."
يصرخ به جلال من شدة غيظه من نبرة الثقة التي يتحدث بها من بعد ما فعله بها، فأراد أن يذوقه من نفس الكأس: "ابقا قابلني لو رضيت ترجعلك بعد اللي عملته فيها. ما انت لو شفت حالتها بعد ما فاقت من البنج وعرفت إن ابنها مات كنت هتتأكد بنفسك إنها يستحيل ترجعلك تاني." امتص ذلك الألم الذي اقتنع بأنه لا شيء أمام ما عانته، ثم غادر وبدأ في رحلة بحثه عنها. *** كانت نائمة على الفراش وهو يجلس بجوارها يتحدثان بأمورهما. نطقت سهيلة بتصميم:
"انت لازم تروح شغلك يا مالك، مينفعش كدا." أجاب بغزل وعيناه تغمز لها وتداعبها بنظراته: "يا ستي أنا مبسوط وأنا جنبك هنا، شغل إيه بس اللي أروحه وأسيب القمر دا عشانه؟ ما يولع الشغل." ضحكت بصخب على طريقته في تغيير مجرى الحديث بتدليلها، لكنها أصرت على معرفة أمره: "طب مين اللي هيتابع مكانك؟ اقترب منها، ينحني على وجهها، يداعب أرنبة أنفها بأنفه: "مالكيش دعوة، أنا مظبط أموري يا ستي وقاعدلك زي اللزقة."
ابتسمت بخجل من قربه الشديد لها ونظراته التي توحي بتقبيلها، لكن قطع ذلك دخول الممرضة حتى تعطيها الدواء. ابتعد فجأة عنها، زافرًا بحنق على تلك التي دخلت للتو. انتهت من ما تفعله ثم توجهت للخارج. أزالت سهيلة شرشف الفراش من عليها أثناء ما كان الآخر يقترب منها يتحدث بمغزى ماكر: "كنا بنقول إيه قبل ما... قاطعه اللحظات دي تدخل. ضحكت بمرح تجيب بمشاكسة:
"كنت بقول أقوم أروح الحمام أعدل شعري المنكوش ده بدل ما أنا عاملة شبه سوكة العبيطة كدا." منعها من التحرك متمتمًا: "أنا هعدلهولك، ثم انتِ في كل حالاتك قمر." تورّدت وجنتاها خجلًا، ثم جلس خلفها وظل يعدل خصلات شعرها بحذر، وأنامله تتخلل بخصلاتها الناعمة برقة، حتى أصابها الشلل عندما وقعت خصلاتها الطويلة بيده. ابتلع غصة مؤلمة بحلقه وكتم عيناه التي غرغرت بالدموع، وفاق على صوتها: "وقفت ليه؟ "هاه... مفيش، أصل سرحت شوية."
ردت عليه بمزاح مرح: "اللي واخد عقلك يتهني بيه." أجاب بغزل حتى لا يظهر بصوته نبرة الألم الذي يشعر بها: "انتِ يا قمر اللي واخد عقلي ومجنناني ومطيرة النوم من عيني." ضحكت على كلماته، ومن ثم اعتدلت تدير وجهها له، فأخفى سريعًا خصلاتها وقام بضمها حتى يشتت انتباهها، ويعتصرها بين ضلوعه خوفًا من أن تتركه وتغادر للأبد. أبعدها عنه، ثم وضعها بالفراش وأراح جسدها، مقبلاً وجنتيها بحنين: "نامي يا قمري وأنا جايلك حالا، أوك."
أومأت له بابتسامة، ثم تركها مالك وقام بالخروج، وألقى بخصلاتها في القمامة. فرأى هايدي في آخر الممر، نادى عليها بصوت عالٍ مما أدى إلى وصول الصوت داخل الغرفة. انتبهت على صوته هايدي وذهبت إليه مسرعة: "ممكن يا هايدي أطلب منك طلب؟ "عاوز أجيب متخصص ودكتور في الشعر، وانتِ كنتِ دارسة في الموضوع ده، وعلي ما أعتقد إنك هتفيديني." "آه شور، بس عاوزة ليه؟ "سهيلة شعرها بيقع وعاوز أمنعه." تأففت بضيق تحدثه بعدم تصديق: "انت بتتكلم جد؟
عاوز تجيب لها متخصص مخصوص لعلاج الشعر؟ يا ابني دي استودع ربك فيها بالتاكيد بحالتها دي هتموت، وانت بقا شوفلك واحدة تانية وسيبك منها." كان حديثها ذلك يصل لتلك الواقفة خلف باب الغرفة تنصت لهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!