الفصل 39 | من 65 فصل

رواية كن لي أبا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روميساء نصر

المشاهدات
22
كلمة
2,555
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

كان يقف أمام تلك البناية التي كانت بها زوجته. أعاق خطواته حارس الأمن الذي حدثه: "حضرتك إيه اللي رجعك تاني؟ طالع لمين؟ مد يده ببعض المال يضعهم بجيبه وهو يحدثه: "طالع لدكتور وائل، هو لسه موجود؟ ابتسم بجشع له وفتح له الطريق حتى يدلف للداخل: "أه لسه موجود، في الدور السادس." وصل أمام سكرتيرة الطبيب يحدثها: "حضرتك أنا عاوز أقابل دكتور وائل." تمتمت بكلمات جامدة وهي تبعث بالأوراق التي بيدها: "كشف ولا إعادة؟ تابع بنفي:

"لا، أنا عاوزة في استشارة." وضعت تلك الأوراق على سطح المكتب اللي تجلس عليه متنهدة وهي تشير بذراعها على إحدى المقاعد: "تقدر تتفضل، ولما يجي دورك هقولك تتفضل." زفر بضيق من تلك الروتينيات البحتة وخاب أمله عندما وجد الكثير من المرضى ينتظرون دورهم، وبما إنه استشارة فسيجلس حتى ينتهي الطبيب من كل هذا، فتراجع بحديثه وتابع: "أنا عايز كشف مستعجل لو سمحتِ." تحدثت بتبرم وهي تلوي شفتاها: "أنت عاوز استشارة ولا كشف؟

نظر لها بإشمئزاز على طريقتها متمتماً: "أنا عاوز أدخل دلوقتي، اتصرفي بأي طريقة واللي أنتِ عاوزاه خديه." تابعت بهمس وابتسامة جشعة على صفحة وجهها: "طب اتفضل اقعد هنا، وخمس دقايق وأدخل، بس كل بحسابه." وضع أمامها ما يكفيها من المال وذهب بعيداً بعدما وجه لها نظرات استحقارية وجلس ينتظر دوره، حتى نادت عليه بعد مرور القليل من الوقت: "اتفضل يا أستاذ، دورك."

دلف مالك إليه ثم جلس أمامه على المقعد بعدما ألقى عليه السلام ورده الآخر، ثم تحدث: "أنا جاي مش علشان أكشف، أنا جاي أسأل حضرتك على واحدة جاتلك هنا النهاردة، اسمها سهيلة." عقد جبينه بضيق من ذلك القابع أمامه يريده أن يفضح أسرار مرضاه فصاح به متسائلاً: "أنت مين وبأي حق جاي تسأل عن واحدة من المرضى بتوعي؟ إنفعل الآخر من طريقته التي توحي بأنه متطفل يريد آذيتها فصاح به:

"أنا جوزها، وعايز أعرف مراتي فيها إيه، وعلى ما أظن إني ليا كامل الحق أعرف مراتي إيه اللي بيجيبها هنا." تحدث بأسف متفهماً لإنفعاله هذا بعدما اتهمه: "وأنا مينفعش أخرج أسرار المرضى بتوعي." "طب أنا عايز أعرف هي عندها إيه... إيه السر في كده؟ تحدث بأسف: "هي مش عايزة حد يعرف." إنعقصت ملامح وجهه بالحيرة متمتماً: "ليه يعني؟ هي عندها إيه وإيه اللي يستدعي إنها تخبيه؟ تابع برجاء للطبيب حتى يريح قلبه وعقله الذي سيشتعل من أفعالها:

"لو سمحت أنا هتجنن، أنا عاوز أعرف هي فيها إيه، اتغيرت جداً ومعرفش مالها." "مراتك للأسف عندها ورم في المخ." قال تلك الكلمات التي لم يستعبها عقله فصاح به بوجوم: "هي مين دي اللي عندها ورم..... لا يستحيل، أنا أقصد سهيلة أحمد الدالي، أكيد دي واحدة تانية، لا لا يستحيل دي تكون سهيلة." حاول الآخر أن يهدئه مكملاً: "اهدي يا أستاذ، هي أه سهيلة مراتك، ودا الملف بتاعها."

أعطاه ذلك الملف المدون عليه اسمها بالكامل وأخذ يتفقده ويعيد قراءته حتى يؤكد لعينيه بأنها ليست هي، وربما تشابه أسماء فقط أو عيناه هي التي أخطأت في القراءة، لكن ما قرأه كان صحيحاً وهي بالفعل. فرت منه دمعة هاربة، إختنق من حبس بكائه على تلك الصغيرة محبوبته. تحدث الطبيب برفق عندما رأى حالته:

"أنا عارف إن الموضوع صعب عليك وأصعب عليها، لأن سنها صغير جداً على تحمل حاجة زي دي، ولوحدها بالتأكيد نفسيتها مدمرة وتحت الصفر، دا بالنسبة للتعب النفسي، أما التعب البدني فهي بمعنى أصح بتتعذب. ورم المخ دا من أصعب الأورام، وبيتوجب عليك إنك تقف جانبها، ويا ريت متعرفش إن أنا قولتلك حاجة لأن هي مكانتش عاوزة حد يعرف نهائي، بس دا من رابع المستحيلات إنها تخبي، لأنها هتحتاجك وهتحتاج لأهلها الفترة الجاية جداً. المرض دا هيدمرها

بمعنى أصح لدرجة إنها مش هتبقى قادرة إنها تتحرك من مكانها، وطبعاً هنحدد نوع الورم وازاي هنتعامل معاه من خلال حجمه، بس لازم تعرفها إنك عرفت وتحاول تتقرب منها وتهيئ نفسيتها، لأن العامل الأساسي عشان تخف هو النفسية، ويا ريت تعرف سبب إنها مش عايزة تعرف حد بمرضها وإنها تستحمل دا كله لوحدها من غير ما تعرف حد، أكيد مش واثقة فيك أو خايفة منك أو شايفة إنكم بعيد عنها ومش مهتمين بيها، فعشان كدا مقالش وأحتفظت بمرضها لنفسها."

لم يستطع سماع تلك الكلمات التي توضح ما تعانيه هي، فما بال إذا حدث كل هذا بالفعل أمامه، قام من مكانه متمتماً بضيق وهو يتوجه للخارج: "عن إذنك يا دكتور، مضطر أمشي." كان يجلس بسيارته يبكي كالطفل الصغير الذي أخبروه بموت والدته، ويزداد تألمه عندما يذكره عقله بكل موقف مروا به معاً وكانت تعاني منه ولم يقدر على مساعدتها، بل كان يوبخها ويجرحها بشدة.

أمسك بصدره مكان قلبه الذي شعر بخروجه من مكانه من شدة الألم الذي شعر به وصرخ بعلو صوته حتى ينفث عن ما بداخله: "ليه لييييه يا رب تعمل فيها كدا؟ وليه خليتني أعمل فيها كدا؟ كانت بتتعذب قدامي وأنا كنت بجرحها أكتر وأكتر، ليه مش شوفت وجعها؟ ليه أنا شخص أناني؟

مكانش فارق معايا، هي مكانش فارقلي غير نفسي وشكلي وبس، ومش شوفت وجعها، خليتها بدل ما تحبني وأبقى أنا الحضن اللي تهرب فيه من آلامها بقت تهرب مني، أنا آسف، مش شوفت غير نفسي وبس، مقدرتش وجعك واحتياجك لي." أتذكر عندما ظن بها سوءاً وظلمها، وعندما كانت مريضة بالحفل ووبخها، وبكل مرة كانت تعاني ولم يترك فرصة إلا وسبب لها أذى، صرخ بكل قوته حتى شعر بأن أحباله الصوتية تمزقت: "ليه يا رب بتعاقبني بيها؟

أنا عارف إني ماستهلهاش، بس يا ريت متبعدهاش عني، أنا مش قادر أسامح نفسي على اللي عملته فيها، ازاي هي هتقدر تسامحني؟ يااااا رب ياااااا رب إشفيها يا رب، هي معملتش حاجة في حياتها عشان تجازيها كدا، أنا عارف إني غلطان، في وقت ما كانت محتاجاني أنا مفرقش معايا، وفكرتها بتدلع وهينتها، مفرقش معايا غير نفسي، كنت غبي كنت غبي غبي."

إنهار بمكانه يبكي كالطفل حتى فات الوقت وحل الليل وهو جالس بمكانه يعذب ويجلد حاله على ما فعله بها، حتى عزم على تعويضها عن كل ما رأت منه، وحرك سيارته وتوجه إلى محل تجاري كبير أحضر منه شيء ثم توجه لمنزله. بغرفة سهيلة كانت تتقلب بحرية على الفراش حتى فاقت من نومها، تتفقد حالها بتعجب، ظلت هكذا دقيقة حتى تذكرت بأنها كانت معه في سيارته، فما الذي آتي بها إلى هنا؟ فسرت ذلك بأنها من المؤكد إنها غفت وهو أحضرها إلى هنا.

سمعت تلك الأصوات الخارجة من معدتها تخبرها بمدى جوعها، نهضت من الفراش وتوجهت للأسفل تبحث بكل مكان عن أحد حتى يساعدها بإحضار الطعام، لكنها لم تجد أحد منهم فتوجهت إلى المطبخ حتى تصنع لحالها طعام يسد جوعها.

فتحت البراد تبحث به عن شيء فوجدت الطعام به، أخرجته بحذر ووضعته على رخام المطبخ، وأحضرت بعض الأطباق لتسكب لها طعام وتسخنه، وضعت الأطباق أمامها وجاءت لتضع من الطعام وتنقله، شعرت برعشة بيدها وتشوش في النظر فسقطت منها الأطباق على الأرض مخرجة ضجة تتناثر بكل مكان.

كان يراقبها من وراء باب المطبخ عندما رأى خيالها بالمطبخ وهو متوجه للأعلى فسار خلسةً إليها يراقبها من وراء باب المطبخ، وشعر بغصة بحلقه عندما رأى شحوب وجهها وعينيها المنتفخة المحمّرة، ظل يتابعها بحزن شديد عليها حتى لاحظ عدم إتزانها ووقوع الصحون من يدها، سببت ضجة كبيرة جعلتها تصرخ بألم تضع يديها على أذنها بسبب ذلك الصوت الذي لم تتحمله وسبب لها آلام برأسها.

توجه لها بسرعة البرق يقف أمامها وعيناه تنظر ليدها المرتعشة، أما هي فكانت تنظر له بتعجب من وجوده فجأة، ابتعلت لعابها محاولة أن تعيد شتات نفسها، حدثته بتلعثم وارتباك تعتذر له على ما فعلته: "أ أ أنا آس سأسفة..... سببتلك إزعاج..... متزعلش...... أنا مكنتش أقصد...... ب بس كان غصب عني.... وقعت من إيدي، أنا هنضف اللي عملته دا."

قالت كلمتها الأخيرة وهي تجسو أرضاً تلتقط بيدها تلك الشظايا الحادة التي خرقت يدها بدون قصد، أخرجت تآوهات بسبب دخول تلك الشظية الحادة بكفها يخر منها الدماء بغزارة. جلس أمامها مسرعاً حتى أصبح بمستواها يرى تلك الدموع التي تسير على وجنتيها بصمت من الألم تحاول كتمها، أزال من يدها تلك الشظايا الحادة ملتقطاً من أمامه إحدى المناديل السميكة يحيط بها يدها حتى تمنع تلك الدماء.

خرجت منها إرتعاشة ممزوجة بشهقة من شدة اندفاع تلك المشاعر المضطربة من قربه وتردد تلك الكلمات الغاضبة التي كان يوجهها لها بكل وقت قابله. جذبها إليه يحتضنها بقوة كأنها ستغادر حياته، أجهشت بالبكاء من شدة تعطشها لأحد ترتمي بأحضانه تشكو له على ما تمر به من صعوبات أنهكتها، أنزل عبارات مؤلمة على بكائها الذي قطع نياط قلبه وجعل صدره ينقبض بقوة.

أبعدها عنه حتى يرى وجهها عن قرب مملساً على عيونها التي تصرخ بما تشعر بداخلها، تحدث نفسه كأن عينيها تترجم ما تتفوه به بداخلها: "مش قادرة أستحمل وجع قلب أكتر من كدا، أنا خلاص طاقتي نفذت." "أنا هو طاقتك وخلاص طاقتك رجعتلك تاني وأقوى من الأول، وهفضل معاكي دايماً." "للأسف مبقاش ينفع، قلبي اتحطم خلاص لأشلاء ويستحيل يرجع، وأنت السبب، للأسف أنت اللي وصلتني للحالة دي."

"أنا آسف بس مكانش قصدي أعمل فيكِ كدا، مكنتش مدرك إني بوجعك وبحطمك إلى أد إيه، بس أوعدك إني مش هجرحك تاني لأني مش هقدر، أنا كنت غبي لما عملت فيكِ كدا ووصلت حبنا للجفاء دا." قطعت تعلق عينيهم بكلماته الحنونة: "أنتِ كنتِ بتعملي إيه هنا؟ أجابت بصوت مبحوح من كثرة المشاعر التي هاجمتها بعدما أخفضت عينيها: "كنت بجيب أكل عشان جعانة." شكل ابتسامة بشوشة على ثغره وأنامله تزيح تلك الخصلات المتمردة على وجهها تمنعه من التملي

بوجهها ثم تفوه بمرح: "طب بما إنك جعانة بقى وأنا الحمد لله طباخ فاشل وحضرتك زميلة ليا، فلو تكرمتي عليا يا سينيوريتا عشان تتعشي معايا بره." حاولت القيام من مكانها حتى تمنعه عن أفعاله الغريبة التي تؤثر بها مكملة بحدة: "لا شكراً، أنا خلاص مش جعانة." أوقفها برفق يتابع حديثه حتى يستعطفها ويجعلها توافق: "بس أنا جعان بقى وعايز أتعشى معاكِ، ينفع بقى تيجي معايا؟

وخدي الشنطة دي واطلعي يلا، ومش عايز مناقشة، يلا اجهزي بسرعة، هستناكي ربع ساعة بس ولو منزلتيش هطلعلك إنتِ." أعطاها تلك الحقيبة التي أخذتها بيدها السليمة وتوجهت للأعلى دون النظر له. همهمت له بكلمات رقيقة وهي تضع بفمها معلقة محملة بالطعام لا تعلم ما الذي وضعته بها حتى: "باكل أهو، كل أنت ومتشغلش بالك." ومأ لها وأكمل طعامه.

أما هي فشعرت بإزدیاد تقلص معدتها وجريان لعابها الساخن بحلقها كأنه على وشك التقيؤ فإنتفضت نحو المرحاض مسرعة، أسرع الآخر خلفها من إنتفاضتها وهروبها هكذا من على طاولة الطعام. دلف إليها وجدها تجسو أرضاً تخرج أصوات متأوهة ناتجة عن تقيؤها تفرغ كل ما بمعدتها، إقترب منها يساندها من خصرها يرفع خصلات شعرها للأعلى التي تمنعها عن أخذ حريتها بالتقيؤ. إنتهت من ما تفعله ترمي بثقل جسدها عليه بعدما سابت مفاصلها، التقط جسدها الذي

إرتمى عليه يسألها بقلق: "مالك في إيه؟ تحدثت ببكاء ويدها تتحسس أسفل معدتها بألم: "بطني بتوجعني، مش قادرة." قبل رأسها بحنان متمتماً: "طب اهدي اهدي." حملها وتوجه بها للخارج وضعها على الفراش برفق ثم جلس بجوارها يزيل تلك الخصلات المبللة. أمسكت يده تحدثه بوهن: "خلاص روح أنت كل، أنا خلاص بقيت كويسة يا حبيبي." ولت ظهرها له تبتعد عن أنظاره تحتضن الوسادة الكبيرة تدفن بها وجهها. أجابت بوهن وإحدى كفيها يحتضن وجهه:

"أنا والله كويسة بس باين أخذت دور برد شديد في معدتي." أمسك بكفها يقبله بحنان: "طب هجيبلك أي حاجة سخنة تشربيها هتريحك شوية." ذهب إلى الخارج وطلب من سعدية بإحضار مشروب دافئ لها. أحضرته لهم وجلس بجوارها حتى إنتهت من شرابها، أعدل جسدها الواهن ووضع عليه الغطاء وضمها إليه حتى تنام، وكفه بدأ يمرره برفق مكان كفها الذي كان يدلك مكان معدتها وظلت هكذا حتى غفت بثبات عميق ونام الآخر بجوارها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...