أصوات عالية مزعجة تملأ المكان ووجع قاتل أصابها، سبب خروج آلام جامحة يتبعها صرخات عالية، وقعت على أثرها أرضاً. انطلق الآخر من سيارته مهرولاً للخارج، جالسًا على عقبيه منحنيًا على تلك الجثة الفاقدة للوعي. انتشل جسدها أرضًا واضعًا رأسها فوق ساقه، مربتًا بخفة على وجهها حتى تفيق.
فتحت عيناها بضعف، ظهر خلالهما لون عينيها الفيروزي الذي انعكس مع أشعة الشمس، جعل اللون ساحرًا يغرق به من ينظر بهما. همهمت بصوت ضعيف، ومن ثم أغمضت عيناها واستسلمت لآلامها بين أحضانه. فاق الآخر من سحر عينيها مدركًا حالتها وحالة الضوضاء التي حولهم وحديث الناس وهمهماتهم من حولهم. حمل جسدها الغض بين ذراعيه متوجهًا إلى سيارته، يضعها بالخلف برفق، متوجهًا للأمام متولي قيادة السيارة.
التقط هاتفه سريعًا ضاغطًا على بعض الأرقام ليأتيه صوت به نبرة من الجدية والاحترام: "أيوه يا فندم، أي خدمة أقدر أقدمها لك؟ صاح بها هالعًا وهو يضغط على الهاتف بقوة يخرج به توتره: "بسرعة، طقم كامل يستقبلني، معايا حالة عملت حادثة وفاقدة الوعي."
أنهى المكالمة وأغلق الهاتف وهو يلقيه جانبًا بإهمال، مسترقًا نظرات إلى المستلقية بالخلف لا حول لها ولا قوة. زمجر وهو يضرب على المقود مخرجًا أصوات تنبيهية لفك الازدحام، لكن بدون جدوى، فعجئة السير اليوم كبيرة جدًا.
أخذ ينظر إلى التي بالخلف بقلق تام من أن يصيبها أمر ما. ترجل من السيارة وهو يدفع الباب بقوة جعل السيارة تهتز على أثر تلك الدفعة، توجه إلى الخلف وانتشل جسدها من على المقعد وتوجه بها ركضًا وسط ذلك الزحام الذي لم ينفك مطلقًا بهذه السرعة. أخذ يتفرس بملامحها وهو يلهث من كثرة الركض، وكلما شعر بطاقته تنفذ ينظر إليها يشعر بغصة أصابته، غير مدركًا سببها، هل لأنه السبب في إغلاق تلك العيون الفيروزي أم لماذا؟
شعر بتحركها بين يديه وبيدها التي تشبست بملابسه وعلامات الذعر التي ظهرت على ملامحها، زاد في فرط حركته ظنًا بأنها تتوجع حاليًا من أمر ما. وصل أخيرًا إلى المستشفى وقد قابله الممرضون والأطباء، وتم وضعها على الترولي ودلفوا جميعًا بها إلى المستشفى، وهو يتبعهم بأعين متفحصة لحالتها. أخذ ينتظر بالخارج متحركًا ذهابًا وإيابًا أمام باب غرفة الفحص. خرج الطبيب من الغرفة وأسرع إليه اسر سريعًا متحدثًا بلهفة ظهرت في صوته:
"هاه يا دكتور طمنيا." أجابه الدكتور مطمئنًا إياه بنبرة هادئة: "الآنسة كويسة، بس في بعض الكدمات في جسمها وحالتها النفسية مش كويسة خالص ومحتاجة رعاية لأن حالتها الصحية متدهورة." تنهد بأريحية متمتمًا: "يعني هي كويسة، أقدر أدخلها حاليًا؟ أضاف الدكتور بابتسامة: "غير اللي أنا قلته لحضرتك، فهي تمام، وحضرتك تنفع تدخلها طبعًا، اتفضل." دلف اسر إليها ليجدها غائبة عن الوعي وتنام مثل الملاك. جلس بجوارها متنهدًا براحة،
يخرج أنفاسه ببطء: "يا ترى إيه اللي وقعك في طريقي النهارده؟ سمع صوت همهمة تصدر منها وحبيبات العرق تزين جبهتها. اقترب منها عن قرب حتى اختلطت أنفاسهم، واشم رائحة أنفاسها الذي أراد وبشدة أن يتذوق شفتاها. ملس بمنديله على جبهتها مزيلاً تلك الحبيبات. أخرجت همهمة بوهن وضعف وقد تقوست ملامح وجهها على أثر ذلك: "مش عايزة أتجوزه، ابعدوا عني، أنا بنتك، حرام عليكم، ليه تعملوا معايا كده، مش على حسابي أنا."
بدأت في إخراج عبراتها التي انسابت فوق وجنتيها وجسدها يرتعش أسفل اسر الذي لاحظ رعشتها. هزها اسر بلطف بذراعها حتى تفيق. انتفضت من مكانها هالعة محتضنة ذلك الجسد الذي كان يحاصرها، متشبثة به بشدة متمتمة من بين بكاؤها وعويلها الذي يحتوي على الذعر: "احميني منه يا ماما، أنا مش عايزة أتجوزه، خليه يبعد عن حياتي، أنا مش هتجوز واحد أكبر من أبويا، لا لااااااا."
أضمها إلى أضلعه بتملك، مربتًا على ظهرها متمتمًا بهمس بكلمات مهدئة رقيقة. استكانت على أثرها بين أحضانه، أخذ يهدئها ويمدها بشعور الأمان الذي علم أنه مسلوب منها من رجفة جسدها بين يديه. شعر بتنظم أنفاسها، فوضعها برفق على وسادتها وعيناه معلقة بها. أخذ يتساءل والحيرة والذهول غلبا عقله: "هي البنت دي ليه كانت بتقول كده وحالتها ورجفتها وخوفها، يا ترى حكايتها إيه ووقعت عليا من أنهو مصيبة؟
بس بجد دي أحلى مصيبة شوفتها لحد دلوقتي، بس صغيرة على اللي هي بتقوله ده، دي من عمر سهيلة باين." انقطع صوت تفكيره بصوت الهاتف الذي التقطته من السيارة قبل مغادرتها. وضع الهاتف على أذنه متحدثًا بصرامة: "الو، لا أجل كل حاجة النهارده، مش هقدر أجي، يلا سلام." كانت تقف تحت أشعة الشمس تتأفف بضجر وهي تنظر لساعة يدها وعيناها تنظر يسارًا ويمينًا بخيبة أمل عندما ترى الطريق خاليًا من المارة. فتمتمت بتأفف:
"هي اتأخرت كده ليه، هي كمان مش عادتها تتأخر عن مواعيدها، أتصل بـ مامتها أشوفها فين، لا لازم أتصل بقى ما أنا دماغي ورمت من الحر." التقطت الهاتف تطلب والدة مليكة، فآتاها الرد: "الو يا حبيبتي، إيه في إيه خير؟ سألتها سهيلة مستفهمة: "هي مليكة مش عندك يا طنط؟ أجابت "إيمان" بوجه مقتضب على أثر ما سمعته: "لا يا حبيبتي، دي خرجت من زمان قوي." تنهدت الأخرى زافرة بقلق ووجه عابس:
"طب هتكون راحت فين، أنا اتفقت معاها نخرج قبل الدرس ومعاد الدرس فات خلاص وهي لسه مجتش." خفق قلبها بشدة وقد اختنق صوتها بغصة البكاء: "يعني هتكون راحت فين يا حبيبتي يا بنتي؟ طب اسألي حد من صحابكم عليها يمكن راحت له." زفرت بحنق الأخرى متمتمة بذعر على صديقتها: "هتروح لمين بس، إحنا منعرفش غير بعض." تنهدت الأخرى بألم وهي تسيطر على غصة البكاء التي هاجمتها مجيبة: "طب أنا هتصرف وأحاول أعرف هي فين."
أكدت عليها سهيلة بأن تخبرها بأمرها لو وجدتها وتطمئنها عليها، وانتهت المكالمة بينهم. تحدثت بقلق وهي تناجي ربها من مكانها: "يا ترى روحت فين يا بنتي، جيب العواقب سليمة يا رب." دلف طارق إلى المنزل متحدثًا بصرامة وقسوة: "إنتِ واقفة عندك بتعملي إيه، عاملة زي اللي سارق سريقة كده، والبت بنتك فين؟ تمتمت بنبرة هالكة لم تصل إلى مسامعه: "معرفش." صاح بها بوجه متجهم: "على صوتك شوية، إنتِ بتوشوشي نفسك."
انهارت أرضًا تبكي بقوة وهي تندب حظها وتضرب على ساقيها بقهر: "معرفش، معرفش لسه مرجعتش لحد دلوقتي، طفشت منك ومن عمايلك السودا فيها." صاح بها وهو غير قادر على استيعاب الأمر: "طفشت." ثم تابع وهو يتجه نحوها بوجه متجهم: "طفشت إزاي، والعريس اللي جاي كمان ساعة ده." رفعت رأسها نحوها وعيناها معلقة عليه بتعجب متسائلة: "عريس... عريس إيه ومين اللي انت جايبها لها؟ أجاب بنبرة باردة حادة مقتضبة: "ممدوح، شريكي."
شحب وجهها وحدقت به بذهول متمتمة بإختناق من هول تلك الصدمة: "ممدوح." ثم تابعت بمهاجمة وحدة ونبرة عالية شرسة: "ممدوح يا مفتري، ده أكبر منك، إنت أكيد مش إنسان، إنت شيطان، إنت شيطان متحرك من البشر." صفعة سقطت على وجنتيها أخرستها، تطاير الشرر من عينيه وهو يصيح بها بقسوة: "... اخرسي خالص، مش عايز أسمع صوتك، والبت دي هرجعها وهعرفها إزاي تهرب تاني."
غادر المكان تاركًا تلك التي ظلت تبكي وتأني وتلعن مصيرها الذي أوقعها بيد ذلك الشيطان الذي لن يغفل على إلحاق الأذى بها وبابنتها. ««في المستشفى»» رفرفت رموشها وهي تتململ بفرشتها. رفعت كفها على جبينها تفرقه ببطء من أثر الألم الذي يعصفها. لاحظ اسر تحركها وهو يختلس النظر إليها طوال فترة جلوسه معها. شعر بارتياح تام وهو يدقق ويفترس النظر إليها بتتمعن جعله يحفظ ملامحها مما جعله يتفنن ويحاول أن يرسمها بخياله وهي تبتسم له.
توجه نحو فراشها منتفضًا من مكانه متمتمًا بقلق قد ظهر في نبرته: "يا آنسة، إنتِ سامعاني؟ ضيقت عيناها ومن ثم تعودت على الإضاءة فأفصحت عن لون عينيها الفيروزي الذي غرق الآخر بجمالهم وجاذبيتهم. همهمت بنبرة ضعيفة واهنة: "أنا فين وإنت مين؟ تاه بجمال عينيها وغرق في رونق ولمعانها متمتمًا بعفوية معبرًا عن شيء رائع قد رآه: "الله، عينك حلوة أوي."
تقطب حاجباها حتى أصبحا على شكل ثمانية وهي تحاول جاهدة بأن تخفي ابتسامتها العفوية التي نشأت عن حرجها. أحكمت السيطرة على ضحكتها ومن ثم تمتمت بحزم: "افندم." هز رأسه بأسف وقد ارتسمت ابتسامة جذابة على محياه: "أنا مقصدش، بس بجد عيونك حلوة أوي، أول مرة أشوف زيهم." تصاعدت حمرة خجلها مع انصهار وجنتيها وخروج اللهب منهم من شدة الخجل. اخفضت رأسها متمتمة: "شكرًا."
جلس أمامها على الفراش مما جعلها تنتفض بجلستها ويبدو عليها علامات الذعر. تجاهل اسر ذعرها ونفضتها تلك معبرًا عن ما بداخله: "شكلك عسل أوي وإنتِ خجلانة، خدودك زي الطماطم." تنحت بحرج مغيرة مجرى الحديث: "هو أنا فين وإيه اللي جابني هنا؟ أضاف بنبرة اعتيادية مليئة بالثقة وهو يشير عليه: "أنا."
تابعت بهلع مصيحة بذعر منتفضة من مكانها، انتزعت شرشف الفراش من عليها وهبت واقفة بسرعة مما جعلها تصاب بالدوار فسندت على حافة الفراش متأوهة بألم متحدثة بنبرة هالكة: "وإنت إيه اللي خلاك تجيبني هنا والساعة كام وماما فين؟ انتفض من مكانه واقفًا عندما شعر بعدم اتزانها متمتمًا بهدوء: "أهدي، أهدي، إنتِ عملتي حادثة ووقعتي قدام عربيتي وأنا جبتك هنا." تابعت وهي على نفس حالة الذعر: "طب أنا بقالي هنا قد إيه؟ أجاب عليها بهدوء
ممزوج بقليل من اللامبالاة: "٤ ساعات بس." شحب وجهها ومرت ارتجافة أسفل عمودها الفقري جعلها تنتصب في وقفتها متمتمة برعب: "٤ ساعات، أنا لازم أروح، أنا اتأخرت أوي." تابع بهدوء محاولًا أن يطمئنها وهو ما زال واقفًا بمكانه: "طب اهدي، اهدي، وأنا هخرجك وأروحك، ما تقلقيش." تابعت بانهيار وهي تدفع جسدها جالسة على الفراش: "أنا اتأخرت أوي، يا رب استر يا رب." تنهد محاولًا أن ينتزع تلك الغصة التي واجهته عند رؤيتها هكذا متمتمًا:
"يا بنتي بطلي عياط بقى، قومي معايا أروحك." ثم تابع بتساؤل: "بس إنتِ اسمك إيه؟ أخرجت صوت أبله يدل على عدم تركيزها: "هاه." تحدث اسر بمرح محاولًا أن يخرجها مما هي فيه: "إيه اللي حصل؟ أثرت على السمع عندك؟ ابتسمت له مجاملة متمتة بنبرة هادئة: "اسمي مليكة." تابع اسر بغزل: "اسمك حلو أوي يا مليكة." تنحت بحرج متحدثة: "شكرًا." تحدث اسر وهو يهم بالتحرك:
"طب قومي يلا عشان أهلك زمانهم قلقانين عليكي، زمان أبوكي وأمك قالبين عليكي الدنيا." وقعت كلمة أبيها على مسامعها جعلت جسدها يرتجف خوفًا وقد أجهشت بالبكاء متمتمة: "ربنا يستر وميحصلش حاجة." تحدث مستفهمًا عن حالتها تلك: "إنتِ خايفة من إيه؟ في حاجة مضايقاكي؟ تمتمت بنبرة متلعثمة وقد تحرك بؤبؤ عينيها من مكانه من كثرة الخوف: "هاه، لا، أنا عايزة أروح." زفر أنفاسه بهدوء متمتمًا: "طب يلا قومي."
توجهوا خارج المستشفى ومن ثم اتجهوا ناحية السيارة. أعانقوها وتوجهوا حيث منزله. توقفت السيارة أمام المنزل، دلف منها كل من اسر ومليكة. ارتعش جسدها وظلت ساقيها تتراطم من كثرة الخوف وهي تقدم خطوة وتأخر عشر خطوات خشية من الذي ينتظرها. ظهر ارتجافتها وخوفها وشحوب وجهها يزداد مما جعل اسر يلاحظ حالتها المذرية مما جعل يتساءل مع نفسه عن سبب حالتها، فهي في بيتها ملجأها وأمانها. تحدث وهو يختلس نظراته نحوها وهم يتقدمون إلى الفيلا:
"مليكة، إنتِ كويسة؟ أجابت بتلعثم: "آه، آه، أنا الحمد لله كويسة." أومأ بعدم اقتناع متمتمًا: "مش باين." قام بالطرق على الباب ليفتح له طارق وعيناه تضيق بالشرار، أصبحت عينيه سوداء قاتمة من شدة الغضب وازدادت قتامة عندما رأى مليكة واسر. توجه نحوها بخطوات واسعة جذبها من خصلات شعرها أمام اسر ووالدتها وذلك العجوز ممدوح. انطلقت صرخة منها على أثر قبضة والدها التي سيطرت على خصلاتها وكأنه يقتلعها.
هجم عليها مثل المفترس الذي يبحث عن فريسته بعد غياب وجوع. اهتز جسده من شدة الغضب عندما رأى تلك الملاك بين فك ذلك البغيض وهجم عليه ينتشلها من يده قابضًا على ملابس طارق منتشلًا إياه من فوقها ملقيًا بجسده على الأرض الصلبة متوجهًا نحوه وقد أعماه غضبه. أخذ يوجه ضرباته نحوه كأنه ينتقم لها على ما فعله بها، فهو لم يحتمل أن يراها تتألم أمامه. حاول طارق التملص من بين مخالبه متمتمًا بنبرة لاهثة مرهقة من كثرة الضرب:
"إنت مين وجاي هنا تعمل إيه؟ إنت جاي تضربني في بيتي، أنا هبلغ البوليس." صاح به اسر هاتفًا بغرور: "أنا اسر الدالي." عندما سمع طارق هذه الكلمات كانت كافية بإخرساه، فهو يعلم ما الذي يفعله به صاحب ذلك الاسم. حدق بصدمة متمتمًا بذهول: "اسر الدالي." تابع اسر بصياح: "ازدرد لعابه بتوجس متمتمًا بنبرة جاهد في أن يخرجها متزنة على عكس ما بداخله: "لا أقدر أحبسك، جاي تتهجم عليا في بيتي وبنتي كانت معاك بتعمل إيه؟ تابع
اسر بنفس نبرته الواثقة: "لو على إني جاي أتهجم عليك، ف أنا لقيتك بتضربها، فكنت بحوش وأدافع عنها." تابع طارق بصياح: "تدافع عنها بصفتك إيه؟ إنت مين إنت؟ وإلا كانت تبقالك إيه؟ كلمة أخرست الجميع صدرت منه، وقعت كالصخرة فوق ألسنتهم: "مراتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!