وقفت بجانب مليكة تحدثها بضيق ونفور. : قومي من هنا ده مكاني. شعرت مليكة بالحرج من تلك المتزحلقة ومن أسلوبها الهمجي. تحدثت بهدوء تام على عكس ما تشعر به: : سوري بس أنا قاعدة جنب جوز. رفعت حاجبها تلوي فمها باحتقار: : وأنا مالي بقولك ده مكاني. تخصرت بمكانها: : مالي بقى بجوزك ولا مش جوزك، انتي هتشرحيلي قصة حياتي. حاول أسر كتم غضبه لكن فاض به الأمر. صاح عالياً بهم مما أصاب الرعب بقلب عفاف ومليكة قبلهما:
: بااااس قومي يا مليكة نقعد الناحية التانية وسيبيلها الكرسيين تبرطع فيهم لوحدها. ضحكت سهيلة على ما قاله أسر مولية نظرات شماتة إلى عفاف، ثم بادلتها بنظرات فرحة لصديقتها التي جاءت للجلوس بجانبها. حاولت عفاف التمسك بآخر حيلتها فأخذت دور المظلومة متحدثة بنبرة حزينة إلى والد أسر: : ينفع كده يا عمو، عمالين يتريقوا عليا من الصبح. تحدث أحمد والد أسر بعقلانية وهو يتناول طعامه: : يا عفاف يا بنتي بيهزروا معاكي متزعليش.
زفرت بسخط وهي تضرب الأرض بقدميها من قلة الحيلة بافتعال شيء ما يأتي بحقها من عدوتها. هتف أسر باسم سهيلة موجهاً حديثه لها: : سهيلة المدرس اللي هيديكي درس انتي ومليكة جاي النهارده الساعة خمسة فكونوا جاهزين. أومأت له سهيلة وهي تغرز شوكتها في صحنها بعنف وعيناها مصلطة على عفاف التي تنظر إليها باحتقار: : أوك. ماشت. تحدثت عفاف بحقد ظاهر بنبرة صوتها: : انت كمان هتخليها تكمل تعليمها.
ثم تحدثت بتهكم وهي توجه حديثها لمليكة وتناظرها باحتقار كأنها شخص غير مرغوب به: : طبعاً عمرك ما كنتي تحلمي تعيشي في نفس المستوى اللي انتي عايشة فيه ده. أصبح المكان كالصحراء لا يوجد بها غير صوت الشوك التي استقطت بالأطباق مخرجة ضجيج وصدمة الجميع بما قالته تلك المتزحلقة.
شعرت مليكة بحمم لاهبة تنصب داخلها قد ظهر أثرها على وجهها الذي احتقن بالدماء، وقبضة يدها التي ابيضت مفاصلها على أثر مسكها للشوكه المغروزة في الصحن أمامها. تحدثت أخيراً قبل أن يغشى عليها من شدة غضبها وبهدوء تام عكس ما بداخلها: : أنا بعتذر لكل الموجودين وقاعدين على اللي هقوله. وجهت حديثها إلى عفاف وهي تبعث إليها نظرات اللامبالاة:
: طبعاً عمري ما كنت أحلم، بس على الأقل في حياتي اللي كنت عايشاها كان حوالي ناس بتحبني مش زيك، محدش طايقك ولا طايق يتعامل معاكي. وضعت الشوكة بفمها تقضم قطعة الجبن بشراهة. انفجرت عفاف بالغيظ من هدوئها المريب، فالآن أصبح الخطأ واللوم عليها وهي لم تخطئ. تحدثت غاضبة وكانت على وشك أن تأتي بها أرضاً لتقطع من خصلاتها: : أنا محدش طايقني، ولا انتي اللي أبوكي مش طايقك على وش الأرض وما صدق إن أسر جه ودفع ورماكي ليه بدم بارد.
شعرت مليكة بتحجر الكلمات بفمها، فهي قد ذُكرت الحقيقة التي ستلازمها دائماً وحركت شيئاً بداخلها جعلها ستنهار من البكاء أمامهم. منعت دموعها عن الهبوط وتوجهت بأقصى سرعتها لأعلى. صاح أسر بعفاف بصوت جهوري، فلم يتدخل أحد من الكبار لإسكاتها، فعليه بها لإسكاتها، فهو ظل صامتاً فقط لأجل كبار العائلة: : عفاف آخرصي خالص ومش عايز أسمع لكِ صوت وبطلي الشغل القذر اللي انتي بتعمليه انتي وأمك ده. صاح والد عفاف بحدة وغضب مكمون:
: أسر انت اتجننت، انت إزاي تتكلم مع بنت عمك كده وتغلط في مرات عمك. قام أسر من مكانه وهو يصيح به موجهاً حديثه إلى عفاف: : وانت مش شايف بنتك بتغلط في حق مراتي وأنا ماسمحش لأي حد إنه يجيب سيرة مرات أسر الدالي سواء بالحلو أو الوحش. صاح بهم محمد والد أسر بحدة وقد تخللت صيحاته بعض السعال: : باااااس آخرصوا خالص مفيش احترام للكبير اللي قاعد ده. دفع أسر المقعد من خلفه متوجهاً للخارج كالعاصفة. لحقته سهيلة راكضة حتى أوقفته
متحدثة من بين لهاثها: : رايح فين. هتف باسمها وعيناه تدق بشرار الغضب: : سهيلة سبيني أنا مش طايق حد. تركها وغادر وهي ظلت تنظر لأثره، فسرعان ما اختفى. توجهت للأعلى إلى تلك المسكينة التي من المؤكد تذرف دموعها من أجل تلك الحقيرة. توجهت سهيلة للأعلى ومن ثم طرقت الباب، انتظرت قليلاً ومن ثم فتحت لها مليكة وعيناها محمرتين من شدة البكاء، وجهها ككتلة ممحمرة لا آثار لدموعها المتعلقة بمقلتيها تأبى الهطول أمام أحدهم.
لكن عندما تقدمت منها سهيلة ورأت حالتها تريد ضمها إليها بإشفاق. ارتمت الأخرى بين أضلاعها تنتحب وتبكي بشدة من الوجع الذي بداخلها، تشعر بثقل بين أضلاعها وضيق يجعلها غير قادرة على التنفس. حاولت سهيلة بتهدئتها فملست على خصلاتها بحنان متمتمة بمواساة كأنها طفلة: : باااس خلاص متعيطيش، والله هي واحدة حيوانة وغيرانة منك، ما تاخديش على كلامها، والله أسر تحت هزقها وجابلك حقك، خلاص بقى بطلي.
ابتعدت عن سهيلة فأخذتها سهيلة إلى غرفتها بالداخل وأجلستها على فراشها. تسألت مليكة من بين انتحابها وشهقات بكائها: : هو أسر فين. قبلتها سهيلة من رأسها ومن ثم جلست بجوارها متمتمة: : أسر اتخانق تحت مع عمو محمود وخرج وكان متعصب جداً، وهو لما بيتعصب بيخرج بره يتمشى شوية. أومأت مليكة لها على حديثها ولم تظهر آثار الضيق التي انتاباها لمعرفة أنه غادر وتركها بمفردها. أحست بعدم الراحة بدونه، لكنها أغفلت أحاسيسها تلك. أفاقت
من تفكيرها على صوت سهيلة: : قومي تعالي يلا نفطر عشان انتي مفطرتيش. تحدثت مليكة برفض تام: : لا أنا مش هفطر، دماغي مصدعة ومهبطة جداً، هنام أحسن. أومأت لها سهيلة وهي تنهض للخروج: : أوك نامي وهاجي أصحيكي عشان مدرس الفرنساوي اللي جاي النهارده ده. أومأت لها. فتوجهت سهيلة للخارج وأثناء خروجها استدارت بوقفتها تتساءل: : أقفلك النور عشان تعرفي تنامي. عقدت وجهها برفض متمتمة: : لا لا سبيه مفتوح عشان الضلمة.
غادرت سهيلة وتوجهت للأسفل. كان جالساً في سيارته يستند بظهره للخلف كأنه يعيد ذكرياته الماضية. بغرفة نوم كبيرة بقصر الدالي يتواجد بمنتصفها عائلة الدالي تلتف حول فراش كبير ينتصفه رجل كبير السن، علامات الإعياء جلية على وجهه وعلامات الشيخوخة بارزة من أول خصلات شعره البيضاء إلى بشرته المجعدة. تحدث ذلك الرجل بنبرة مجهدة: : أنا عايز أسر والكل يخرج بره. تحدثت عبير بدون حرج: : ليه يا بابا مافيش حد غريب هنا.
تحدث بنبرة غاضبة آتية بعدها سعال كان جسده ينتفض أثر سعاله: : أنا قولت الكل بره مش عايز حد غير أسر. تقمّع وجهها من ذلك الرجل الذي لا تطيقه وتتمنى أن يموت وتتخلص منه. عقدتها هو ذلك الرجل. تلقت نظرات ساخطة من الكل وأولهم زوجها الذي سحبها من رسغها وتوجه بها للخارج ومن بعده الجميع ولم يبق غير أسر وجده. تحدث الجد بنبرة جادة بها اهتزاز من كثرة مرضه: : أسر الكلام اللي هقولهولك ده يتنفذ بالحرف الواحد.
انكمشت ملامح وجه أسر من الضيق والحزن، فهو يشعر بروحه تغادر ببطء عند رؤية أعز الأشخاص لديه يعاني هكذا. التقط يده مقبلاً إياها متحدثاً برجاء: : اللي انت عايزه هيحصل، بس انت متتعبش نفسك. تحدث الجد وهو يجاهد في خروج كلماته: : أنا هكتبلك كل حاجة باسمك. انكمشت رأس أسر برفض متحدثاً: : طب عفاف وسهيلة. قرص الجد برفق على يد أسر الممسك بها حتى يصمت ويجعله يكمل:
: اسمع بس، أنا لو كتبت لعفاف حاجة أمها هتخلي عمك يسيب العيلة وهتتفرقوا وأنا مش عايز كده، فلو كتبت الثروة باسمك مش هتسيب العيلة عشان لسه موصلتش للي هي عايزاه. تحدث أسر برفض تام وبنبرة حزم: : بس أنا مش موافق يا جدي. سعل الجد بقوة متحدثاً من بين سعاله: : حتى لو قلت لك إنها كانت عايزة تمضيني على أوراق تنازل عن كل ما أملك لنفسها. اندهش الآخر من ما قاله واتسعت عيناه من تلك الصدمة متسائلاً بدهشة: : إزاي.
رد عليه الجد بصوت منخفض: : زي ما قلت لك، وأنا اللي اكتشفت ده، وكنت هطلقها من عمك، بس هي اللي اترجتني عشان بنتها، وأنا ما يرضيني إن عفاف تتبهدل ما بين أبوها وأمها، وإياك يا أسر تتجوز عفاف، هي أه حفيدتي بس شاربة من سم أمها، وأكيد لما تعرف إن كتبت كل حاجة ليك هتحاول تجوزك عفاف. حرك أسر رأسه بنفور: : متقلقش مش هتجوزها. تحدث الجد: : أنا هخصص جزء من الثروة لعفاف وسهيلة بس لما يتجوزوا. أومأ له أسر:
: حاضر يا جدي اللي انت عايزه هعمله. = العيلة يا أسر، إياك العيلة تتفرق، خلي بالك من عبير، هي مهمتها إنها تفرق العيلة وتاخد هي الفلوس. شعر أسر بالقلق على جده من انفعاله بسبب تلك الشيطنة: : متقلقش يا جدي، كل اللي انت عايزه هعمله، والعيلة مش هتتفرق ومش هسمح لحد إنه يفرقها. فلاش باك. همس مع نفسه وهو يزيل دمعة متعلقة بمقدمة عينه: : الله يرحمك يا جدي. اعتدل أسر وقام بتحريك محرك السيارة وتوجه إلى القصر.
استيقظت من نومها وتوجهت للخارج ظناً بأنه بالخارج، أخذت تبحث عنه بالمكان لكنها تنهدت بحزن عندما لم تجده. ذهبت للمرحاض توضأت، وقامت بأداء فرضها. بعدما انتهت سمعت أصوات طرق على الباب فتوجهت للخارج برشاقة وفرحة ظناً منها أنه زوجها. فتحت الباب بوجه مشرق وسعادة لكنها انطفأت تلك الابتسامة سريعاً عندما لم يكن هو. ابتسمت سهيلة لها متمتمة: : الجميل صحي من النوم. ضحكت مليكة بمرح متمتمة: : لا لسه نايمة وده خيالي اللي بيفتح لك.
حركت رأسها يميناً ويساراً متحدثة بدهشة: : أنثى الشيزوفرينيا اللي كانت قبل ما تنام بتعيط وحالياً بتضحك، انتي هبلة. أومأت لها مليكة وهي ما زالت تضحك على صديقته. تحدثت سهيلة بنفاذ صبر: : طب يلا يا أنثى الشيزوفرينيا عشان ننزل، الأستاذ قرب يجي. شعرت مليكة بالإرتباك من فكرة النزول مرة أخرى وتهجم وجهها بالحزن متمتمة باقتضاب: : أنا مش عايزة أنزل، مينفعش يجي هنا. اتسعت حدقة الأخرى متحدثة وهي تمثل (الضرب على وجهها بكلتا يديها)
: آه وماله، وأسر كان يجي ينفخنا ينفخنا. ضحكت مليكة على هيئتها ثم استسلمت لمصيرها بأن تقابل أي أحد منهم متحدثة: : طب يلا ننزل. توجهوا للأسفل فقابلتهم بطريقهم على الدرج سعدية (المشرفة على طاقم الخدم) كانت تلهث بشدة من سرعتها على الدرج ثم وقفت تستند بظهرها على حافة السلم. فتساءلوا الاثنين في نفس واحد بقلق من هيئتها: : في إيه. تحدثت هي بعدما التقطت أنفاسها: : المدرس منتظركوا تحت في الصالون.
تنهدت كلتيهما براحة وبدأت علامات الزعر تختفي. تحدثت سهيلة وهي تضع يدها على صدرها تحرك راحة يدها ببطء: : خوفتيني يا سعدية والله حرام عليكي. توجهوا إلى الصالون فوجدوا شاباً في مقتبل عمره بنهاية العشرين، ذو بشرة بيضاء وشعر مصفف بطريقة عصرية وجسد ذو بنية قوية، كان يجلس على الأريكة يحتسي فنجان القهوة الساخن. هب واقفا من جلسته واضعاً فنجان القهوة على الطاولة عندما دلفت الاثنتين معاً. همست سهيلة لمليكة وهما يتقربان منه:
: بت دا موز أوي، أنا عايزة أشقطه وانتي راحت عليكي واتجوزتي فسبيني بقى أشوف نصيبي. لكزتها مليكة بذراعها حتى تصمت ثم توجهوا لهما. مد يده حتى يصافحهما فمدت سهيلة يدها له متحدثة برقة: : أنا يا مسيو سهيلة. ثم أشارت على مليكة بيدها: : ودي مليكة وفي نفس سني فهتديني درس إحنا الاتنين. تنهح وهو يمد يده لمصافحة مليكة متحدثاً بظبرة رجولية جذابة: : وأنا مسيو خالد، وأكيد عارفين إني مدرس الفرنساوي.
صافحته مليكة وهي تبادله ابتسامة باهتة تشعر بالقلق من نظراته التي تتفحص كلايتهما. دلفت إليهم أسر أثناء مصافحته لمليكة. وقف صامداً من ما رأى، جز على أسنانه غيظاً من ذلك المتخلف الذي يلامس جوهرته الخاصة. شعر بنيران تتأجج بداخله، تقدم نحوهم بخطوات واسعة. شعر الآخر بشيء خطأ، فنظرات ذلك الرجل لا تبشر خير أبداً. مد خالد يده لمصافحة أسر فصافحه أسر واعتصر يده من شدة غيظه كأنه أقسم بأن يبرد نيران غيرته بها.
عصر وجه خالد ألماً على أثر يده المعتصرة. تحدث أسر بنبرة رجولية حادة: : أنا أسر الدالي جوز الهانم وأخو الهانم التاني. زدردت كل من مليكة وسهيلة لعابهما بخوف وهم ينظران إلى بعضهما بنظرات يعلموها جيداً. تحدث خالد ونبرة الألم تستحوذ على صوته: : أهلاً أهلاً اتشرفت بحضرتك. تحدثت سهيلة حتى تفصلهم من ذلك الجو العاصف المشحون بالتوتر: : يلا بينا نبدأ الدرس يا جماعة مش هنقضيها تعارف. جلس الجميع على المقاعد يلتفون حول الطاولة.
جلس أسر بجوارهم عن قرب قاصداً ذلك حتى لا يسمح لذلك الأحمق بأن يتصرف بشكل مريح مع الفتيات. زفر خالد بخفوت من ذلك الذي جلس بجوارهم، ثم بدأ في إخراج كتبه التي سيشرح بها، وأخرج معهما عصا رفيعة وضعها أمامهم. انتفض كل من مليكة وسهيلة بجلستهم وظلوا يلكزون بعضهم وينظرون بخوف إلى تلك العصا ويبعثان إلى أسر نظرات حتى ينجدهم، لكنه كان منشغلاً على حاسوبه. زدردو لعابهما بخوف وظلوا يحدقان في تلك العصا التي أمامهم.
بدأ في شرح بعض القواعد المعقدة، ظلا الاثنتين يحاولان الاحتفاظ بتركيزهما جيداً حتى انتهى من الشرح وبدأ في تدريبهما على طريقة حل تلك الأسئلة المعقدة. حل بعض الأسئلة حتى يدربهما، وبعد ذلك طرأ الأمر لهما حتى يظهرا فهمهم. أخذت سهيلة سؤالها الأول. أخذت تفكر به بوجه عابس، حكت رأسها بإصبعها وأخذت تشير بإصبعها الآخر على اختيارات السؤال. تنهد خالد بضجر ثم زفر بقوة متحدثاً بهدوء عكس ما بداخله:
: غلط يا سهيلة دي غلط، أنا لسه قايل إيه من شوية، ركزي يا شطورة. لوت سهيلة شفتيها العلويتين له متحدثة بنزق: : متقوليش يا شطورة. التقط العصا ضارباً بها على الطاولة متحدثاً بغضب لكن حاول الحفاظ على مستوى صوته: : يلا حلي السؤال اللي بعده. تحركت بمكانها بعدم راحة ثم تنحنحت ووجهها أصبح أصفر من رعبها من تلك العصا. انحنت على الطاولة وأخذت تفكر وتتفحص السؤال عدة مرات. ظلت تأكل شفتيها وهي تحاول التفكير.
مدت إصبعها تشير على الإجابة الخطأ مرة أخرى. تنفّس الآخر بعمق محاولاً التنفيث عن غضبه، شد على خصلات شعره بقوة وحاول تفهيمها مرة أخرى، ثم أعطى لمليكة سؤال هي الأخرى فحاولت حله ولم تستغرق وقت وقامت بإجابة إجابة خاطئة. صاح بهم بحده وصوت عالٍ وقام من مكانه ملتقطاً تلك العصا الموضوعة أمامه: : انتوا دماغكم دي جزمة قديمة ما تفهموا بقى، يلا كل واحدة تفتح إيدها كده. هتفت سهيلة باسم أسر عالياً.
انتبه أسر لكل ما يحدث وأنزل سماعة أذنه التي كانت تعزله عن ما يحدث وتعجب لرؤيتهم واقفين وذلك الأحمق في يده عصا. نهض من مكانه متوجهاً إليهم بوجه محتقن متسائلاً: : إيه اللي بيحصل هنا. تحدثت سهيلة ومليكة بنفس واحد وكأنهم يستنجدون به: : الحقنا يا أسر عاوز يضربنا. اتسعت عيناه التي كانت بهم غمامة حمراء من شدة الغضب وانقض على ذلك الواقف أمامهم ملتقطاً تلك العصا من يده دافعاً بجسده على الأريكة متحدثاً بصياح وصوت جهوري:
: انت اتجننت يا روح أمك عايز تضرب مين. ارتعب الآخر من هيئة أسر، فكان مثل الثور الهائج الذي لا يقدر عليه أحد. حاول الآخر أن يخرج بعض الكلمات التي تحجرت بحلقه حتى يدافع عن هجوم أسر الشرس، لكن كانت يدي أسر أسرع منه جذبه من لياقته رافعاً جسده كاملاً إلى الأعلى تحت أنظار كلا من مليكة وسهيلة المصدومين من ما يفعله. طرحه أرضاً بقسوة رامياً العصا عليه متحدثاً بنبرة صارخة مليئة بالحزم:
: تاخد حاجتك وما أشوفش وشك هنا تاني، مش بنات الدالي اللي ينضربوا على آخر الزمن من واحد زيك. ارتعب الآخر من مكانه واقفاً متحدثاً بتلعثم: : والله يا فندم ما أقصد، بس أنا شرحت وحليت أكتر من مرة وهما مبفهموش وطلعوا عيني. تحدثت مليكة بصدمة مزيفة ووجه حزين: : إحنا مبنفهمش. تحدثت الأخرى لتكمل حديثها: : ومطلعين عينك. أومأ لهم خالد على حديثهم وكيانه مشعث، هيئته تجعل من يشاهده ينفجر ضحكاً.
وكل ذلك تحت أنظار الآخر الذي فهم ما يحدث ويدور حوله وقد علم الحقيقة أخيراً، لكن حتى ولو فهم بنات الدالي لا يجرؤ عليهم أحد ولا يستطيع أحد أن يرفع بصره به. تحدث أسر ببرود تام ونبرة صارمة لا جدال فيها: : تاخد حساب حصتك وما أشوفش وشك هنا تاني. قام خالد من مطرحه ولملم كتبه، حاول أن يستعيد اتزانه بعد ما حدث وتوجه خارجاً. نظر أسر إليهم وهم يقفون مطأطئين رؤسهم ويبدو عليهم الحزن الشديد، لكن ما يخفوه بداخلهم هو عكس ذلك.
ضيق عينيه وظل يطالعهم بخبث دون حديث أو حركة. كانت كل واحدة تريد رفع رأسها حتى ترى ما تأثير وجه أسر وما الذي ينتظرهم منه. فرفعت سهيلة عينيها حتى ترى حالة السكون المرعبة تلك. وقعت عيناها بعينه الصاقبة مما أرعبها كثيراً وجعلها تخفض رأسها مرة أخرى. همست لمليكة بنبرة مرعبة: : الحقيني دا هياكلنا بعينه. ضربتها مليكة بيدها الملاصقة لجسدها متحدثة بهمس: : اخرصي بقى. تحدث أسر أخيراً بنبرة قوية:
: هتفضلوا واقفين تتهامسوا كده كتير. رفعوا رأسهم أخيراً. ثم تحدثت سهيلة: : على فكرة شرحه وحش ومش بيفهم، لا وكمان عايز يضربنا. ثم بدأت في التمثيل والبكاء وأخفضت رأسها وهي تفرك بيدها عينيها بحركة دائرية: : عايز يضربنا وانت على وش الدنيا يا أسر، ااااه. أحاطتها مليكة تملس على ظهرها وهي تواسيها، تعلم حركات الحيلة لدى صديقتها حتى تخرج من ذلك المأزق:
: معلش يا سهيلة يا أختي، إحنا كدا ولا كدا، وحقنا متاكل من الغريب ومن القريب. تابعت سهيلة بتمثيل البكاء والنواح مع صديقتها: : آه يا أنا يا كبيرة على الضرب، يا أنا يا سوسو يا حلوة يا صغيرة يا مدملجة، يا أنا انضرب وانت عايش يا أسر وقدامك، مكانش يومك يا عبد السميع مكانش يومك. عقدت مليكة حاجبيها ثم رفعت شفتيها العلوية بتعجب: : إسماعيل مين. لكزتها سهيلة ثم ابتعدت عن إحاطة ذراع مليكة تأففت بتبرم:
: لازم تفصليني يعني، أهو اللي جه على بالي والسلام. صمتت الاثنتين عندما سمعا صوت نعل حذاء أسر الذي كان يضرب الأرض بحركات خفيفة وسريعة. نظرا الاثنتين له بصدمة ثم بعثا له ابتسامة سمجة. تحدث هو أخيراً وهو يجلس على أحد المقاعد الوثيرة رافعاً قدم فوق الأخرى: : خلصتوا وصلة التمثيل بتاعتكوا دي. أومأوا له وهما يحركان رأسهم وابتسامتهم السمجة تزين ثغرهما.
اعتدل بجلسته واضعاً قدمه أرضاً منحنياً للأمام سانداً بمرفقه على ركبتيه دافثا وجهه بين راحة يده يحركها بخفة محاولاً تهدئة حاله من تلك الكرتين المتنقلتين. اقتربت مليكة منه وتبعتها سهيلة، جلسوا أمامه أرضاً ثم نظروا لبعضهم وتحدثوا بوقت واحد: : أسفين. رفع رأسه من راحة يده وهو مطبق على شفتيه، نظر إليهم وعلى هيئتهم الطفولية اللذيذة ومشاكستهم. ابتسم لهم مقرباً من كلتيهما مقبلاً رأس كل منهم بحنان. تحدثت سهيلة بتذمر طفولي:
: إحنا ضحكنا عليك ومبقيتش مضايق مننا، يلا هات لنا مدرس جديد غير أبو عصاية دا ويكون بيشرح عدل. أضافت مليكة على حديثها: : ويكون مزز كدا يا أسر. زجره بعينيه الصاقبة مما جعلها تتراجع في كلمتها متمتمة بتوجس: : دا عشان سهيلة والله ما أنا. أضافت سهيلة بعدم اكتراث: : لا لا لا مش لازم يكون مزز بس يكون مبيديش واجب وضارب خناقة مع أبويا عشان ميكلمنيش ويشتكي مني، يا ريت يبقى بينهم طار.
ظل محدقاً بهم متعجباً من ما يقولونه ثم تحدث بعد انتهائهم بنبرة جادة كموظفين الاستقبال في خدمة العملاء: : عايزين إيه مواصفات تانية يا فندم. صاح بهم بحده ووجه محتقن: : ما أنا فاتح شركة مدرسين. انفجروا ضحكاً عليه. ثم تنهدت سهيلة بعدما انتهت من ضحكها متحدثة بتمني: : إمتى بقى يا جدعان نخلص وندخل الجامعة. استندت مليكة بمرفقها على كتفها متحدثة بهيام: : آه والله ونصيع بقى ونهيص. رفع أسر رأسه لها رافعاً أحد حاجبيه متمتماً
بإستفهام: : تصيعي. أطلقت ضحكة في الفضاء يتبعها تحريك رأسها تأكيداً على حديثه. تحدث وهو ما زال ينظر لها بحاجب مرفوع: : طب ما تيجي وأنا أصيعك. أومأت له بإبتسامة فرحة مليئة بالنشاط: : إشطة. وجهت حديثها لسهيلة: : تعالي يا سهيلة انتي كمان. وضعت سهيلة راحة يدها على صدرها تحركها ببطء وظهره محني نسبياً، تمتمت بكلمات عاقلة كأنها تقلد أحد الشيوخ: : ربنا يبعد بيني وبينه، روحي انتي وصيعي معاه يا أختي.
اتهت سهيلة من حديثها ولم يترك لها أسر فرصة للتفكير فيما قالته سهيلة، جذبها من رسغها حتى التصقت بصدره، حاوط خصرها النحيف الذي تخشب مع سائر جسدها عندما اقتربت منه هكذا. ضربت الدماء بوجهها من شدة خجلها، لكن أسر لم يدعها تفكر في أي شيء. حمل جسدها كشوال بطاطا على كتفه وأخذ يدور بها بسرعة جعلتها تصرخ وتصيح به حتى يهملها وظلوا هكذا لدقيقتين يدور بها بلا كلل ولا ملل حتى تحدثت من بين صرخاتها: : همووووت نزلني مش قااااااادرة.
تحدث أسر بنبرة ساخرة: : لسه عايزة تصيعي. صرخت عالياً: : لاااااا خلاص مش هصيع، لا في كلية ولا في ثانوي ولا هصيع خالص، نزلني نزلنييييي. وضعهها أرضاً أخيراً وهي بحالة غير متزنة، تشبثت بقميصه عندما أحست ببوادر صداع ودوار. كان كل ذلك وسهيلة تصيح بضحكها عالياً. تحدثت بشماتة في صديقتها: : صيعتي يا أختي. حاولت أخذ أنفاسها بهدوء وهي تبتعد عن أسر حتى لا يقلقهم عليها وبما تشعر به. تحدثت بنبرة حاولت جعلها مرحة:
: دا أنا روحي راحت، يخربيت اللي عايز يصيع يا شيخة. ضحكوا جميعاً. وقطع صوت ضحكاتهم دلوف عبير (أم عفاف وزوجة عم أسر) كان وجهها مقتضب ومليء بالغضب. صاحت بهم عندما كانت على مشارف الباب: : إيه المسخرة اللي بتحصل هنا دي والصويت والصوت العالي ده، انتو فاكرين نفسكم في كباريه، ده بيت محترم. وقفت مكانها متخشبة عندما وجدت أسر واقف معهم. أزدردت لعابها بتوجس من ردة فعل أسر. استشاطت سهيلة غيظاً من تلك المتعجرفة فتحدثت
بمكر وهي تعبث بكلماتها: : وهم عملوا إيه، دا واحد ومراته مش مخطوبين يعني، فبراحتهم. أرادت عبير أن لا تظهر ضعفها وخوفها من أسر أمام مليكة حتى لا تمكنها منها، فإذا تراجعت في حديثها سوف تعلم بأنها تهاب من زوجها، فتحدثت بغضب ونبرة مقتضبة وأخذت تبعث لمليكة نظرات تحرقها: : فوقي يا حبيبتي مش هنا المسخرة دي، فوقي. أسر قبضته وأخذ يعصرها من شدة غضبه، يتنفس بعمق محاولاً كتم غضبه، لكن سوف يحدث له شيء إذا لم ينطق، فتحدث
بنبرته الرجولية الأجشة: : والله ده بيتي وأنا حر أعمل اللي أعمله. ابتسمت بداخلها بمكر، فقد وقعت في براثنها عندما نطق. صاحت عالياً وأخذت تبكي وتذرف دموع التماسيح تلك: : يا محمود يا محمود تعالي الحق شوف ابن أخوك بيقولي إيه، بيكرشني من البيت وبيقول إنه بيته. ظلت تنوح وتصيح عالياً والجميع واقف الزهول ألجم ألسنتهم من ما تفعله تلك. أتت زوجها راكضاً إليها متحدثاً بقلق بالغ من بين لهاثه: : في إيه يا عبير بتعيطي.
لتتعلق بيده وأخذت تتمسح به مثل القطط وهي تبكي متحدثة من بين بكائها المزيف: : تعالي شوف ابن أخوك بيكرشني من البيت عشان واحدة زي دي. أشارت بإصبعها ناحية مليكة: : شارينها بالفلو. تحدث أسر بهدوء تام عكس ما بداخله، فلو أخرج ما بداخله سوف يحقق نوايا تلك الخبيثة بكل تأكيد: : يا عمي حصل سوء تفاهم، أنا بقولها ده بيتي أعمل في اللي عايزه، هي اللي فهمت غلط.
كانت تقف يحيطها بقع سوداء تشعر بأصوات صاخبة تدق في أذنها وتضرب رأسها قدميها، غير قادرة على التوازن فأصبحت كهلام، غير قادرين على حملها. ارتعش جسدها من شدة ما يحدث لها، مغفلة عن الجميع. همست باسمه حتى ينجدها قبل أن ترتطم بالأرض وصمت كل شيء من بعد وقوعها. انتبه إلى شيء قد اصطدم بالأرض من خلفه فاستدار بوقفته حتى يرى ماذا حدث، لكنه هلع هاتفا باسمها: : مليكة.
توجه نحوها حاملاً جسدها بين ذراعيه، واضعاً بجسدها على الأريكة، حاول أن ينسق بين ضربات قلبه السريعة وتنفسه، لكنه لم يقدر. أخذ يضرب وجنتيها بلطف منادياً عليها بصوت جاهد في خروجه متزن بعض الشيء. تحدثت عبير بنزق: : انت ملهوف عليها كده ليه، دا كأنها حريم، دي واحدة بتدلع. صاح أسر عالياً بها مولياً نظراته الحارقة نحوها: : اخرصوا مش عايز حد هنا، اطلعوا بره كلكم.
حضرت سهيلة كوب الماء الذي كان موضوعاً على الطاولة وأعطته لأسر الذي التقطه منها ووضع القليل على يده ثم نشره على وجهها كقطرات صغيرة متفرقة. اهتز الكوب بيده من كثرة خوفه وقلقه، فأخذته سهيلة منه متحدثة بمواساة حتى تقلل من قلقه: : متقلقش، هي تلاقيها اغمى عليها عشان ماكلتش حاجة من الصبح. أزاح بيده من كثرة انفعاله، فأسقط كوب الماء أرضاً متحدثاً بإنفعال: : وازاي تسيبوها من غير أكل دي، واخده امبارح علاج ومحلول.
زدردت في حديثها: : هي اللي مش رضيت تاكل ونامت. تنظر لها أسر بمعاتبة. ثم أعاد مسح وجه الأخرى بالماء حتى عقدت ملامحها وبدأت تخرج بعض الهمهمات وهي تفيق من أغمائها. فتحت عيونها ثم أغلقتهم سريعاً عندما مر الضوء بهم، ثم رفرفت رموشها عدة مرات حتى تعودت على الضوء. هتف أسر باسمها مشجعاً إياها أن تفيق: : مليكة مليكة فوقي يا حبيبتي. أسندها حتى تمكنت من مكانها وفازت من ما كانت عليه. تحدث هو بمعاتبة:
: انتي ما أكلتيش ليه يا مليكة لحد دلوقتي. تحدثت بوهن ونبرة ضعيفة وهي تضع أنظارها أرضاً: : نفسي اتسدت، فنمت وصحيت مكنتش جعانة، ثم انت كمان ما أكلتش. ملس على خصلاتها بحنان متحدثاً: : بس انتي لازم تاكلي عشان انتي تعبانة. وجه حديثه لسهيلة: : روحي يا سهيلة قولي للخدم يجهزوا الأكل. عقدت يدها على صدرها متحدثة بعناد: : مش هاكل إلا لو أكلت معايا. رفع حاجبه لها متسائلاً: : وده أعتبره إيه بقى. أكملت باقتضاب وهي على نفس حالتها:
: اعتبره زي ما انت عايز تعتبره، بس مش هاكل غير لما تاكل معايا. لكزته سهيلة بكتفه ناصحة إياه: : أحسن لك اسمع كلامها عشان هي في العند معندهاش، يا أما ارحميني. ابتسمت بخفة مؤكدة على حديث صديقتها: : آه معنديش، يا أما ارحميني. صاح بهم وانتفض واقفا من بينهم: : أنا اللي المفروض أمي ترحمني منكم انتو الاتنين. وجه حديثه لسهيلة مرة أخرى: : يلا يا سهيلة روحي قولي لهم يجهزوا الأكل ويطلعوه فوق. أومأت له: : أوك.
ثم توجهت سهيلة للخارج. انحنى عليها متحدثاً بهمس عازماً على حملها: : يلا تعالي أشيلك عشان أطلعك. اتسعت عيناها وحركت يديها الاثنتين أمامه برفض ونفور: : لا لا لا انت كل ما تقرب مني حد يتخانق، أمال لو شيلتني بقى هيحصل إيه. كان وجهه قريباً منها، ابتسم ابتسامته الجذابة متحدثاً بمرح: : الحرب العالمية الرابعة هتقوم. شعرت بإرتباك من قربه وتخيل ذهنها ما حدث ليلة البارحة، فاستدعت عقلها حتى ينجدها، فتساءلت بإستفهام:
: هي التالتة قامت، لما الرابعة تقوم. أومأ لها مبتعداً عنها جالساً بجوارها متحدثاً: : الحرب التالتة لسه قايمة من شوية، عبير هانم أعلنتها علينا. صمتت مليكة لبضع ثواني، أرادت تغيير الحديث بالأمر، فتفذت ببالها فكرة جلست طوال الليل تتساءل عنها، لما هي هنا وأين الانتقام الذي كان يحكي عنه. تسألت مليكة بحيرة وقد أخرجهم سؤالها من غوصهم في أفكارهم: : أسر عايزة أسألك سؤال.
اعتدل بجلسته أمامها حتى يكون وجهه منصباً أمام وجهها متحدثاً بإهتمام: : إسألي. ابتلعت لعابها حتى تبلل حلقها الجاف، ملمسة بلسانها على شفتيها، معتدلة بجلستها حيث استقام ظهرها متحدثة بتساؤل: : انت بتحبني. أجاب عليها بوجه جامد ونبرة مقتضبة: : لا.
أحست بهشاشة بجانب صدرها، وجهها جامد من شدة صدمتها، الألوان من حولها بهتت، لا تعلم أثر فاعلية تلك الكلمة المكونة من حرفين بها، اطرحتها أرضاً ودهشتها، ولم تعد تقوى على النهوض، فباب الأمل التي أحست أن الله أنعم بها أغلق بوجهها، ومن شدة غلقه جعلها تهوي في الفضاء.
أغمضت عينيها تحاول كبت دموع عينيها، وقفت بمكانها متوجهة للخارج، لكن أعاق سيرها يده التي التقطت رسغها ساحبة لجسدها بين حنايا أحضانه، دافثا جسدها به، دافثا وجهه بعنقها، مشتّماً رحيقها الخلاب. انفجرت الأخرى بالبكاء وأخذت تتملمغ بين أحضانه، حتى أبعدها عنه وهو ما زال مسيطراً على جسدها. نظر بعينيها اللامعة الفيروزية المتلألئة مثل الأحجار الكريمة ودموعها تلمع بهما.
ارتعشت شفتاها مع نحيبها وبكائها، لم يقدر على التفوه وإسكاتها. انقض على شفتيها يتذوقهما بمهل ورقة حتى يعبر عن مدى عشقه بها. ابتعد عنها عندما أحس باحتياجها للهواء، استند بجبينه على مقدمة رأسها متحدثاً بحب جارف بها بحة جميلة من أثر مشاعره: : أنا مش بحبك، أنا عديت مرحلة الحب وبقيت بعشقك. أدخلها مرة أخرى إلى أحضانه حيث ملجأها ومسكنها إلى الأبد. أراد غرس جسدها بين أحشائه حتى تكون بالقرب من قلبه. هتف باسمها بنبرة مبحوحة من
هول المشاعر التي تهاجمه: : مليكة. همهمت من بين أحضانه وهي تدفث وجهها بصدره من شدة خجلها: : اممم. طبع قبلة على رأسها بحب مردفاً: : وأنتي بتحبيني ولا إيه. تجمد جسدها هي الآن، ماذا ستصرح عن ما تشعر به، فما هي عليه الآن ما هو إلا عشق، وإلا لما كان كلمة منه جعلتني لا حول لي ولا قوة. ابتعدت عنه حتى لا تتوتر ولا تخجل من قربه، همت على الحديث وإخراج ما بداخلها، لكنها تشعر بثقل لسانها لا تقدر على إخباره بهذا الأمر.
لكن قطع تفكيرها أسر الذي تحدث بصدمة مزيفة ومكر، أراد التلاعب بها حتى تفصح عن ما بداخلها: : أفهم من كده إنك مش بتحبيني. صمتت والصدمة ألجمتها، ما الذي ستفعله الآن، الأمر ازداد سوءاً. أراد الآخر استفزازها أكثر فتحدث بخيبة أمل وحزن واستدار بوقفته حيث أصبح ظهره مقابل لوجهها: : خلاص يا مليكة، أنا مش هفرض نفسي عليكي، أنا من بكرة هطلقك وأسيبك تعيشي حياتك بعيد عني، أنا مش هغصبك تعيشي معايا.
اتجهت له وقفت أمامه وتمسكت بيده كالطفلة متحدثة بحزن وعيناها تلمع بالدموع: : انت هتطلقني. أومأ لها باقتضاب ووجه جامد: : أيوه. = بس أنا بحبك. قالت جملتها من بين شهقات بكائها ثم ارتمت بأحضانه تضربه بقبضتها الصغيرة على صدره: : هتطلقني ليه عملتلك إيه. أخذت تضرب الأرض بقدمها مثل الأطفال المعترضين على أمر ما. أحاطها بيده وتملك من جسدها متحدثاً بنبرة فرحة تأتي من عمق قلبه: : بس خلاص متعيطيش، كنت بضحك عليكي عشان تعترفي خلاص.
ابتعدت عنه فجأة تنظر له بأعين واسعة تحاول تهدئة عضلات جسدها حتى تفعلهم. على ذلك الذي أمامه. لكنه لم يمهلها وقت لصدمتها وجذبها مرة أخرى يلتهم شفتيها، لكن أحست بالغيظ منه فغرست أسنانها بشفتيه فابتعد عنها متأوهاً بشدة. انقضت عليه تغرس أسنانها بكل مكان تقع عيناها عليه حتى تعوض عن غيظها تحدثه بغيظ: : هتطلقني صح، طب دي عشان الطلاق، ودي عشان مبحبكش، ودي عشان لا.
كان فرحاً بما تفعله، فهي تزغزغه بطريقتها تلك التي تعتبرها عقاب. حاوط ذراعيها مكتفاً إياهما خلف ظهرها. متحدثاً بنبرة حادة: : أهدي بقى يا أراجوز. حركت رأسها واهتزت خصلات شعرها على أثر ذلك جعل هيئتها ساحرة. حاولت أن تصل له وتنقض عليه مرة أخرى لكنها لم تقدر. ظل أسر مكتفاً يديها خلف ظهرها مستمتعاً بشراستها في الوصول إليه حتى تطفئ نار غيظها.
اقترب منها بوجهه رويداً رويداً حتى اقترب بشفتيه من شفتيها، طابعاً قبلة جانب شفتيها وقبلة أسفل شفتيها وقبلة أخرى على شفتيها السفلية المنتفخة الذي التهمها بين شفتيه في قبلة شغوفة نهمة. ابتعد عنها بعد وقت لا يعرفا بمدته، بل كل ما يعرفانه هو أنهم معاً وما يهمهم سوى أن يظلوا بين أحضان بعضهم. توجهوا معاً إلى الأعلى مباشرة بعدما أفصحوا لبعضهم عن ما بداخلهم. عند عبير وعفاف.
كانت تجيب الغرفة ذهاباً وإياباً وعلامات الغضب والوجوم على وجهها. تحدثت من بين صرير أسنانها وغيظها: : البت دي هتبوظ لي كل حاجة. ثم وقفت مكانها فجأة وشدت بيدها على خصلات شعرها متحدثة بنبرة بها شيء من الجنون وعدم التصديق: : ده بيدافع عنها كأنها فعلاً مراته، مش عايز ينتقم منها.
شعرت عفاف بخوف من والدتها وجنونها ذلك وقررت مجاراتها في الحديث حتى لا تغضب عليها وتوبخها بكلماتها أو تتطاول عليها ضرباً وجميع من في البيت يستمع لهم. أومأت لها برعب متحدثة بتوتر: : آه عندك حق، إحنا هنعمل إيه. تحدثت بفحيح: : لازم نتصرف، أنا مش هضيع كل حاجة مني بسبب عيلة لا راحت ولا جات، كفاية أوي اللي حصل من ورا جدك، كان زمانا دلوقتي معانا فلوس وسيبنا العيلة دي وبنتمتع بالفلوس. بس أنا عايزة أسر.
استدارت بوجهها نحوها تنظر بعينيها الحاقدة نحو تلك العائلة: : وحياتك عندي لأكون ندمانه على كل اللي حصل وأعرفه إزاي يغلط فيا، مبقاش عبير أما كنت أنغص عليكوا عيشتكو، أنا لازم أوصل لأبو البت دي بأي طريقة. تحدثت عفاف بحيرة: : وهتوصلي له إزاي. لم تجاوب الأخرى والتقطت هاتفها طالبة بعض الأرقام. ظلت تترقب المكالمة حتى أتاها الطرف الآخر حدثته بجدية: : عايزك توصل لطارق الهاشمي بأي طريقة.
ثم أغلقت الهاتف بعدما ملأت عليه بعض النصائح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!