كان القرار صعباً جداً بالنسبة لذهاب نورية إلى الحج وهي في حالتها هذه المزرية، ولكن إصرارها أسكت جميع من أراد عكس مناها. ومن كان مرجحاً للذهاب معها هي كوثر نفسها، ولكن عندما علمت ما في قلب ماميتا، فتحت لها المجال لتكمل شغفها وحبها بالتعرف أكثر على دين الله الحنيف. وفي نفس الوقت هو هدية لها كعربون على ما فعلته من أجلها في وسط الجحيم الذي أنقذتها منه. لولا هيكان الوقت قياسياً، فبالكاد نورية وماميتا جهزتا نفسيهما للذهاب لزيارة بيت الله.
وبالفعل، بعد يومين انضمتا إلى المجموعة التي ستسافر إلى الحج. وكم كان سفرهما مؤثراً، الكثير من البكاء والأحضان التي لا تكاد تفترق على بعضها البعض. وتمنت لهما كوثر أن يجدا السلام والراحة والطمأنينة التي يستحقانها. فهما كلتاهما لهما قلب أبيض، رغم أنهما من عرقين مختلفين.
مرت قرابة شهران وكوثر لا تنام من خوفها على ماميتا ونورية، التي لم تسمع عنهما أي شيء أثناء سفرهما بزيارة الكعبة الشريفة. وفي تلك الفترة، التهت كوثر بخوض تدريب يومي كيف تكون ممرضة، ليس بالمعنى الحقيقي، ولكن كيف تقوم بمساعدة الجرحى في تقطيبهم وأخذ الإبر العضلية التي يحتاجونها، إلى غيرها من أمور التمريض. وذلك بمساعدة الطبيب الذي اقترح عليها أن تدخل المستشفى وتقوم بتعليم التمريض لكي تكون مهنتها المستقبلية. فوافقت كوثر على الفور في الوقت التي أرادت أن تعمل فيه وتقوم بكسب مالها بنفسها، رغم أن والديها لم يبخلا عليها شيئاً.
وفي الصباح، حيث كوثر تريد الاستعداد للذهاب إلى العمل، إذ بالباب يدق. وعندما فتحته، أصبح الطبيب يركض نحو غرفة كوثر وهو يهتف: "ماميتا قد عادت، ماميتا هي هنا، قد عادت". فأسرعت كوثر تركض بدورها نحو الباب، والفرحة تغمر قلبها. أخيراً عادتا من كانت تنتظرهما بشغف وتحسب كل ثانية منذ أن سافرتا قرابة شهرين.
ولكن المفاجأة غير المتوقعة كانت صدمة بعد فرحة بالنسبة لكوثر. فماميتا موجودة، ولكن نورية لم تكن حاضرة معها، والباب أغلق من ورائها. قالت كوثر: "فأين هي نورية؟ قالت ماميتا: "نورية توفيت يا عزيزتي، ادعي لها بالرحمة".
هكذا كان كلام ماميتا بالحرف، فهي أول مرة تنطق باللغة العربية. مع أنها لغة كوثر التي تفهمها وتحفظها ظهراً عن قلب. ولكن هذه المرة لم تفهمها، أو ربما لم تستوعبها جيداً. فأعادت عليها ماميتا الكرة وهي تحضنها بقوة وتبكي على كتفيها، التي تطبطب عليهما وتضمها بحنية إلى صدرها بكلتا يديها. فانهارت أثناءها كوثر لتسقط على الأرض وهي مشدوهة، تنظر في عيون ماميتا. أترى حقيقة ما ذكرته في تلك اللحظة؟
وغرغرة الدموع التي تملأ جفنتيها ولا تود النزول، وكأنها هي أيضاً لا تريد الاعتراف بأنها الحقيقة، حقيقة فقدان أمها للأبد. أمها التي ربتها وأحسنت تربيتها، والتي عادت كوثر من أجلها لكي تسترجع تلك الأيام الخوالي الجميلة التي أمضتها معها دون الإحساس بالخوف. ولن تجد مثلها عند أي شخص بالدنيا، مثل ذلك الأمان والحنان، وذاك الحضن، ومدى العطف والعطاء اللامحدود التي منحته بدون شروط لكوثر.
بعد أن هدأت كوثر والجميع سكتت دموعهم عن البكاء، أرادت كوثر أن تعلم كيف ماتت نورية. فأخبرتها بالتفصيل ماميتا مالذي حدث لها، فهي الوحيدة التي كانت ترافقها عند أداء فريضة الحج.
فقالت: "في اليوم الأول، بل حتى الأسبوع الثاني، كانت نورية بخير. تتحدث مع الجميع وتسأل عن أمور مناسك الحج بشغف. كانت فرحة كالطفلة الصغيرة، تحرص على وجباتها وتتناول أدويتها بانتظام في أوقاتها، كما كانت تفعل في المنزل بالضبط. ولكن مع مرور الأيام أكثر، لاحظ الجميع تغير نورية. فهي تعبت فجأة. والحمد لله أنه كان معنا في المجموعة المرافقة طبيب، فأعلمنا أنها تعبت من مشوار الطريق. ولم تتحمل درجة الحرارة المرتفعة أثناء السفر".
وأردفت تقول ماميتا: "في الحقيقة، كلنا تعبنا، فالمشوار جد صعب تحمل مشقته. وما زاد الطين بلة هي ارتفاع الحرارة التي جفت عروقنا. ومع ذلك، كانت نورية صامدة وتتبع كل ما يطلبه منها الطبيب. هي قالت لي عند وعكتها الأخيرة أنها تريد أن ترى بيت الله الحرام، ويأخذ الله أمانته بعدها كما يشاء". كان الطبيب هو من يترجم لي حينها كلامها عندما يكون حاضراً معنا.
فسألها آدم هذه المرة: "إن وصلت نورية فعلاً إلى البيت الحرام أم توفيت أثناء الطريق؟ " سألها آدم وهو يستمع باهتمام، هو وزوجته والطبيب، إلى الترجمة التي كانت يتلقونها من طرف كوثر، والذين كانوا متأثرين كثيراً بسماعهم كيف ماتت نورية الطيبة، والتي فارقتهم على حين غرة. فأتمت
ماميتا وهي تجيب أسئلتهم: "بل وصلت نورية إلى الكعبة وطافت بها عدة مرات، ودعت للجميع عند الحجر الأسود. ولكن في المساء تفاقمت حالتها، وعند أخذها إلى المستشفى وقبل وصولها، كانت روحها صعدت إلى السماء. حزنت كثيراً عليها، وكم كان علي صعب أنا بالذات إكمال المناسك بمفردي، وهي التي اعتدت عليها أن ترافقني منذ البداية. ولكن هي محظوظة بموتتها تلك، الله أحبها وأخذها عنده من المكان المبارك، والذي دفنت فيه أمنية كل مؤمن ومسلم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!