بدأ الطبيب يروي لكوثر قصة اكتشافه للبحيرة. أخبرها أن ذاك اليوم لا يود أن يذكره. في أحد الأيام، طلب منه صديقه المقرب أن يأخذ ابنته الوحيدة للمستوصف في اليوم التالي. كان صديقه سيسافر لأمر ضروري يخص عائلته الكبيرة. قال له الطبيب إن الفتاة الصغيرة يظهر عليها شحوبة وتسترجع كل ما تأكله. فطمأنه الطبيب أنه سيفعل وسيجدها بخير عندما يعود من سفره المستعجل. وضح لها وهو يقص عليها القصة أن تلك الفترة لم يكن طبيباً بعد.
في اليوم التالي، نسي الطبيب أمر الفتاة نهائياً وكأن أحداً حذف من ذاكرته ما طلبه منه صديقه المقرب. الوقت الذي تذكر فيه الأمر أصبح مساءً. ذهب بسرعة إلى منزلها وهو يأمل أن تكون الفتاة الصغيرة بخير. أردف الطبيب يحكي لكوثر ما جرى وكأنه يرى المشهد من جديد وهو متأثر جداً. ما إن وصل إلى باب منزل صديقه حتى وجد هناك أناس كثر. فزع وخاف أن يصدق ظنه. تابع التقدم للأمام وكأنه يعود للخلف بخطوات.
وبعدها أصبح يستطيع سماع صراخ والدتها تنوح وهي تذكر اسم ابنتها. وهي تعاتبها كيف تخلت عنها وتركتها بمفردها من جديد. هناك أحس الطبيب أنه تسمر في مكانه وتجمدت عروقه. وكل فكره: ما الذي سيقوله لصديقه بعد أن يعود من سفره؟ وبعدها علم أن الفتاة لم تحتمل ارتفاع درجة حرارتها حتى لفظت بآخر نفس لها وهي في حجر والدتها. والدتها لم تستطع أن تفعل لها شيئاً وهي تنتظر صديق زوجها.
زوجها كان قد وصاها عنه قبل سفره بأنها تتكل عليه بأخذ ابنتها للمستوصف. في تلك الأثناء، لم يستطع الطبيب الدخول. عاد أدراجه وهو يجري ويركض دون توقف. دموعه كانت لا تريد أن تتوقف. كان يؤنب ضميره ويعاتب نفسه أنه هو من قتل وحيدة صديقه العزيز. حتى وصل إلى ذاك المكان. ومنذ ذلك الوقت أصبح مكانه المفضل وخلوته عند حزنه وضجره وحتى فرحته. سألته كوثر: ما الذي حدث بعدها مع صديقه؟
فأخبرها في يوم الدفن عندما رآه صديقه ترك كل شيء وهجم عليه كالوحش. طاح يضربه ويركله بأقصى قوة لديه. فلم يدافع الطبيب على نفسه. ترك صديقه ينفس عن كامل غضبه ويخرج كل سخطه حتى تعب وخانه جسده. وعندما أراد السقوط، أمسكه الطبيب واحتضنه وهو يطلب منه السماح والغفران. فهو لا يقصد. وبعدها امتزجت دموعهما مع بعضها البعض. تبكي على نفس الشخص وهي الفتاة الصغيرة التي كانت معزتها على قلبيهما كلاهما نفس المعزة.
ومن ذلك اليوم عاهد الطبيب نفسه أنه سيبذل قصارى جهده لكي تكون له الفرصة في إنقاذ الأرواح ما استطاع. فدرس حينها الطب. تأسف الطبيب لكوثر بعدما روى لها القصة. فهو أراد لها أن ترتاح قليلاً فزاد من بؤسها وحزنها ضعفان. ولكن بعد تلك القصة، أردفت وراءها حكايات وقصص تقص من طرفهما والتي تكاد لا تنتهي كلما التقيا هما معاً. وكأنها تعلن أيضاً عن بداية قصة خاصة جديدة هما بطلاها وهي قصة حبهما.
مرت بعض الأيام ونورية تتناول دواءها بإنتظام. فأحست أنها أحسن عن ذي قبل بكثير. فطلبت من كوثر أن تلبي طلبها الأخير. فمنحتها مدخرات حياتها. وأخبرتها أنها كانت تحتفظ وتدخر المال على حسب حاجاتها ليوم تتمناه وتحلم به منذ مدة طويلة. وهو الذهاب لزيارة كعبة الله والطواف ببيته العتيق. لم تستغرب كوثر من طلب نورية. فهي منذ أن أصبح عقلها الصغير يدرك معنى ما حولها، كانت تعلم يقيناً أن التي ربتها مؤمنة تقية قريبة من الله عز وجل.
وهي من علمتها التقرب إلى الله بالصلاة والدعاء. ولولا نورية التي دخلت في حياة كوثر في مرحلة نشأتها وعلمتها المعنى الحقيقي لإنسان مسلم، لما أصبحت كوثر بعد اختطافها والتعرض للأسى وكل الشر الذي رأته في حياتها وهي طفلة بريئة. تحولت تلك البريئة إلى إنسانة شريرة تملك في قلبها الحقد والغل الكثير وتنتقم من الجميع بسبب كل ما عاشته من سوء. في تلك الأثناء، أصبحت كوثر تبحث في كل مسجد تسأل أئمتها عن كيفية الذهاب إلى حج بيت الله.
ومن حسن حظها، أشفق عليها إحدى الأئمة الصالحين عندما سمع أن نورية في مرحلة متأخرة من مرضها. فأخبرها أن هناك مجموعة بعد يومين ستنطلق لأداء الحج. فإن أرادت أن تنضم لهم فلا مشكلة لديهم. ولكن بما أنها مريضة، عليها فقط أن تأخذ أحد أفراد عائلتها لترافقها. لتساعدها في قضاء حوائجها إن تعبت فجأة. فالرحلة متعبة وطويلة جداً وقد تكون خطرة على حياتها. ليكون الأمر واضحاً بالنسبة لهم.
وأخبرها بكل الترتيبات وما يستدعي لسداده واليوم الذي سينطلقون فيه. وعلى كوثر أن تخمن وأن قبلت عليها بإبلاغه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!