الفصل 2 | من 10 فصل

رواية كوثر الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani

المشاهدات
23
كلمة
972
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

كان زوج المرأة غير المسلمة دائمًا سكرانًا، بالكاد يصحو من سكره. لكن في ذلك اليوم، ربما زاد الجرعة، ذهب عقله وزاغت بصره إلى مكان لم يعتد أن يذهب إليه ليلاً، وهو غرفة كوثر.

أخذ الرجل يترنح ويتمايل حتى وصل إلى باب الغرفة. فتحه بقوة، فوجد كوثر جالسة على بساط صغير، ملفوف رأسها بوشاح أبيض. في الحقيقة، منذ مجيئها لذاك المنزل، لم تنقطع عن صلاتها وتلاوة القرآن في قلبها، الذي حفظته سابقًا عن ظهر قلب من والديها بالتبني. كانت تفعل ذلك خفية عن الزوجين لكي لا تنال عقابًا منهما، فهي تعلم جيدًا أن ديانتهم غير ديانتها، وذلك ظاهر من تصرفاتهما والمعتقدات التي يتبعانها.

عندما رأته، فزعت المسكينة وظنت أنها ستعاقب وتُعنّف كما ألِفَتْه قبلاً. ولكن لم يخطر ببال طفلة صغيرة أن هناك أكثر من الضرب والعنف. والرجل كان في نيته شيء أكبر من تخيلاتها.

انحنت كوثر على نفسها ولملمت أطراف قدميها لتحتضنهما، وأومأت رأسها مابينهما وهي تتمتم بصوت خافت. بينما الرجل يتقدم بخطواته نحوها، وعيونه حمراء كلها شرر، يرى في تلك الفريسة شهوته القذرة. فالخطيئة كانت من مبادئ أولوياته، وليس لها حدود أو قوانين خاصة لتردعه.

تخطى أكثر بخطوات متمايلة تنساق نحو كوثر، ففجأة تعثر في إناء الوضوء الذي لم ينتبه لوجوده مابين قدميه، وسقط على إثرها سقطة واحدة على حافة الطاولة. ارتطم فيها رأسه وطُرح صريعًا، والدماء تسكب بغزارة شكلت بركة كبيرة على سطح الأرضية.

رفعت كوثر رأسها على حس السقطة، وعندما رأت المنظر هلعت وأصبحت تصرخ بهستيريا. وأعادت تغمض عينيها من جديد. سمعتها المرأة وأتت لغرفتها على جناح السرعة. فصعقت بدورها من المنظر البشع، وتوجهت نحو كوثر واحتضنتها وأخرجتها من الغرفة، وذهبت بعدها نحو الهاتف لتتصل بالطوارئ.

بعد أقل من أسبوع، عقب الحادث الشنيع، أُخذت كوثر إلى السجن حتى تثبت إدانتها أو تبرأتها إثر كيفية موت الرجل في غرفتها. وبعد التحقيقات المكثفة، اكتشفوا الحقيقة أن كوثر لم تكن مجرمة في حق المتوفى. والبصمات وبعض الأدلة أثبتت ذلك.

في تلك الأيام، لم تترك زوجة المتوفى كوثر، بل كانت لها عونًا في إخراجها، وشهدت على زوجها أنه الملام الوحيد في وفاته. فهي لم تتأثر بموته لأنه كان دائمًا سيء المعاملة معها ولم يحترمها قط كإنسانة ثم كزوجة. لذلك لم ترحمه في شهاداتها لدى الشرطة.

خرجت كوثر من السجن منكسرة، خائفة من الأيام القادمة. وكان كل حلمها في تلك الأثناء أن تختبئ في أحضان والدتها بالتبني وتنسى كل ما مر بها مؤخرًا. وحلمها قد يتحقق لها ذات يوم دون أن تعلم.

عادت مع المرأة التي شاءت الأقدار أن تعيش في منزلها من جديد. لم تكن كوثر متذمرة هذه المرة، فالشيء الوحيد الذي يعيق صفو مكوثها في ذاك المنزل الغريب قد أُزيح من أمامها بوفاته. أما ربة المنزل، فهي طيبة معها، تعاملها بحنية. ومع الأيام، أدخلتها إلى مدرسة خاصة لتتعلم لغتها كي تستطيع التعامل معها أكثر سلاسة وتفهم.

وبالفعل، تعلمت كوثر لغة المرأة في رقم قياسي، فهي ذكية من صغرها ولديها القدرة على الحفظ بطريقة عجيبة. وعلى هذا، تقربت من المرأة أكثر وأصبحت تعامل كأنها صاحبة البيت، وكل طلباتها تستجاب، وكأن كوثر تبنت للمرة الثانية من هذه المرأة التي أصبحت مع الوقت تعاملها كدرجة ابنتها الحقيقية.

في أحد الأيام، مرضت المرأة كثيرًا، حمى مرتفعة اجتاحت جسدها، ولم تجد من يعتني بها إلا كوثر. التي سهرت عليها بدورها مدة ثلاثة أيام بلياليها، تقوم بتخفيض درجة حرارتها بالأدوية الطبية التي وصفها لها طبيب كشف عليها في منزلها. والعلاج الثاني التي كانت تتبناه الصغيرة هي رقيتها بالقرآن.

تضع يدها على جبهة المريضة وتقرأ عليها بعض السور الشافية، وفي الليل كذلك ترتل على مسامعها وهي مستيقظة بصوت مسموع سور قصيرة وبعضها طويلة حتى تنام المريضة في هدوء وسكينة، وهكذا حتى شفيت كليًا. بعد شفائها، لم تنس المرأة تلك الكلمات التي أراحت قلبها وهي في عز مرضها. سألتها من أين أتت بذلك الكلام. فأخبرتها كوثر أنه ليس بكلامها، ولكن هو كلام الله المنزل على عباده.

وبعدها، أرادت المرأة أن تتوغل أكثر في فهم هذا الدين التي سمعت عنه قبلاً، ولكن لم تجرؤ يومًا أن تخترق نصوصه. ولأول مرة دخل كتاب الله في ذاك المنزل، التي ابتهجت كثيرًا كوثر بوجوده أمامها وتحمله متى أرادت دون خوف أو عتاب. لتقرأ آياته القرآنية على مسامع المرأة، فتعلق قلبها أكثر بسماع كلماته المريحة التي تترجمها لها كوثر بعد أن تنتهي من كل آية أو سورة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...