كانت الساعة تدق الثانية بعد منتصف الليل بتوقيت فرنسا. كانت زهره واقفة في بلكونة شقتها تشرب قهوتها التي أصبحت إدمانًا بسبب الأرق الذي لم يكن يتركها تنام. كان الوقت قد تأخر لديها عندما رن هاتفها برقم مصري. كانت زهره محتارة من المتصل برقم مصري. ردت وقلبها قلقان من قبل أن تعرف من يتصل. "زهره! "حضرتك مدام! "أيوه أنا زهره." "بتقولي إيه؟ المرحلة الأخيرة من السرطان." "طيب وهو عامل إيه؟
"حضرتك هو في العناية وتعبان جدًا وعايز يشوف حضرتك." "زهره! لو سمحت ابعتيلي العنوان، أنا راجعة مصر في أقرب وقت." "تمام يا فندم، العنوان بعته لحضرتك." "زهره! شكرًا." في اليوم التالي، استيقظت بعد غفوة بسيطة، قلبها مقهور عليه. ذهبت إلى شغلها وطلبت إجازة من أدهم، الذي وافق دون اعتراض. الشركة هي التي حجزت لها التذكرة.
كانت قد حضرت حقيبتها وقلبها قلقان ومترددة. لم تكن تريد الرجوع أو تذكر أي شيء من الماضي بعد أن قررت الاستقرار في فرنسا. وصلت المطار، كانت واقفة أمامه ومحتارة. لم تكن تريد الرجوع، وعلى الرغم من أنها وحيدة، إلا أن هذا أفضل بكثير من حياتها القديمة. لكنها تذكرت أنه يجب عليها الرجوع. كيف ستقدر على الوقوف أمامه؟ وكيف ستقدر على مسامحته؟ كانت أسئلة كثيرة في دماغها. حسمت جدالها ودخلت المطار وركبت الطائرة. ***
"مدام زهره، يا مدام، شكلك مش معايا." "زهره! "نعم! "لا، معاكي. خلصنا تعقيم. اتفضلي قدامي على أوضة المريض، بس رجاء بلاش كلام كتير أو أي ضغط عليه." ردت زهره بصوت حزين: "متقلقيش، مش هطول عنده." في الغرفة، كان (زياد) نائمًا على السرير وموصلًا به أسلاك كثيرة. كان واقفًا أمامه يتحدث بعصبية وبصوت واطٍ ويقول له: "يا عمي، أرجوك أوعى تقولها على السر اللي بينا واللي في حياتها. صدقني هتدمر، واحنا السبب."
تحدث أشرف بصوت يكاد يكون مسموعًا: "يا بني، أنا بموت، لازم أعرف اللي أنا عملته في حقها. اسمعني يا زياد، زهره لازم تعرف." زياد بنفس العصبية: "لما عملت كده عشان تساعدها وبس. هو عايز رقبتها وبس يا عمي الكلب. قدروا يوصلوا ليها خبر تعبك ورجعها بسهولة بعد السنين دي كلها. إحنا كنا مخبيين عنها، بس هو وصلها! تحدث أشرف بتعب وزعل على ابنته: "يعني زهره حياتها في خطر يا زياد؟ زياد بصوت جاد:
"متقلقش يا عمي. بما إنه اسم ذياد الأسيوطي موجود، حوالين زهره مفيش كلب منهم هيقدر يقرب منها. بس ارجوك بلاش يا عمي تقولها، هتبقي خايفة طول الوقت ويمكن تكرهني لما تعرف." أشرف يتحدث بحيرة ويبدأ يكح: "بس برضه كان لازم تعرف يا زياد. أنا خلاص بودع، الفاضل قليل يا بني." نظر إليه بنظرات كلها تراجي وكمل: "اوعدني يا زياد، أنا مهما يحصل هتفضل تحمي زهره. أنا مقدرتش يا بني أنقذها من شرهم، أنا دمرتها بإيدي! ذياد يتحدث بسرعة
وصوته كله حنية ووعيد: "متقلقش يا عمي، أنا أفديها بروحي. ربنا يخليك لينا." تحدث أشرف وهو يطلع صوته بالعافية: "خلاص يا زياد، ما عادش في العمر." ذياد: "متقولش كده يا عمي، ربنا يقومك بالسلامة." سمع صوتًا قادمًا من خارج الغرفة: "بص ليه واتكلم. شكلها زهره جاية. أنا هطلع دلوقتي يا عمي من الباب التاني، بس ارجوك متقولش حاجة." أشرف بحيرة: "ماشي يا بني، ربنا يحفظك."
خرج زياد من عند أبو زهره، وأبوها وضع الماسك على وجهه وأغمض عينيه كأن لا أحد كان عنده في الغرفة. دخلت زهره وجدت أباها نائمًا على السرير متصلًا بأسلاك كثيرة. صدمت، عيناها دمعت وبدأت تبكي على منظره. شعره كله وقع، وجسمه أصبح ضعيفًا جدًا كأنه طفل صغير، والتجاعيد التي ظهرت على ملامحه. هذا هو نفس الرجل الذي كان يقف ويأمر في بيته، كان قويًا، طويلًا جدًا، صوته يملأ المكان. زهره بدموع نظرت للممرضة: "مش هو ده أشرف بيه؟
شكلي غلطت في الأوضة. مش هو ده، بقولك." الممرضة بصوت واطٍ: "اهدي يا مدام زهره. أبوكي في المرحلة الأخيرة من الكانسر. ياريت كمان توطي صوتك، اتفضلي ادخلي عنده، هو في انتظارك." وقفت زهره بجانبه، وكانت تريد الرجوع قبل أن تكلمه. قلبها ما زال يوجعها، تتذكر الماضي بتفاصيله، مش قادرة تسامح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!