الفصل 45 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
28
كلمة
5,607
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

عاد "حسين عزام" إلى "دبي" بعد رحلة استغرقت أربع ساعاتٍ تقريبًا. كان الوقت قريبًا من الفجر، والمدينة ما زالت هادئة تحت أضواء الشوارع الخافتة. دخل بيته بخطواتٍ ثقيلة، وحقائبه تُحدث ضوضاء على البلاط. ألقى بنظرةٍ سريعة حول المكان، يبحث عن ابنه. البيت كان صامتًا بشكلٍ غريب، ممّا زاد من حدة توتره. التقط هاتفه مجددًا واتصل بـ"مالك". انتظر بثقلٍ حتى جاء الرد. -ايوة يا بابا! " رد "مالك" بلهجةٍ باردة، كأن الأمر لا يعنيه.

باغته "حسين" محاولًا كبح غضبه: " -مالك.. انت فين؟ بضحكة قصيرة ساخرة جاوبه "مالك": " -انا في حتة بعيدة شوية.. ليه.. وحشتك؟ شد حسين على الهاتف كأنه يمسك برقبة ابنه. كان يسمع عبر الخط أصوات جلبة من حول ابنه، صيّحات الرجال وضحكات النساء الخليعة. غمغم بصوتٍ منخفض لكنه ينذر بعاصفة من الغضب: " -ما تستهبلش.. نبيل كلمّني.. انت فاهم المصيبة اللي انت عملتها؟ رد "مالك" بلامبالاة قاتلة: "

-لا مصيبة ولا حاجة.. اللي حصل حصل.. خلاص.. مش هاقعد أبرر نفسي لأي حد." ارتعش "حسين" من شدة الانفعال، ثم قال بصوتٍ مرتجف لكنه ملييء بالغضب المكبوت: " -انت عارف مين عثمان البحيري؟ عارف انك بتلعب بالنار؟ ده مش مجرد راجل اعمال.. ده دولة لوحده.. تعالالي عشان نحاول نصلح المصيبة اللي عملتها." -انت لحد دلوقتي مش فاهم اني مابقتش أخاف؟ كلامك ده مش هايأثر فيا.. كان ممكن قبل ما اعدي بكل اللي فات! ينفجر "حسين" غاضبًا: "

-مــالك.. ارجع البيت حـالًا!!! مالك بلهجةٍ متحدّية: " -هارجع لما يجيني مزاجي.. لحد ما يحصل.. خلّي بالك من نفسك يا بابا." وأغلق الخط. وقف "حسين عزام" وسط غرفة المعيشة، يده ترتجف وهو ينظر إلى الهاتف الذي أُغلق بوقاحة في وجهه. ألقى بالهاتف على الطاولة بعنفٍ، ثم جلس على الأريكة ممسكًا رأسه بيديه. عيناه انسابت تلقائيًا نحو إطار حمل صورة قديمة لـ"مالك" وهو طفلٌ صغير، يضحك ببراءة لم يعد لها وجود.

أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع تهدئة ثورته الداخلية. تمتم "حسين" بصوتٍ خافت لنفسه: " -ايه اللي حصل لك يا مالك؟ ايه اللي وصّلك للمرحلة دي؟ *** يجلس "عثمان البحيري" بجوار "ملك" فوق السرير العريض، يعينها على التنفس بعد أن أنهت سرد قصتها المروّعة. كان قلبه يؤلمه كلّما سمعها، وكل كلمة كانت تلتهم روحه من الداخل. كان يحاول جاهدًا أن يكون صبورًا، صلبًا، وكأنه الحائط الذي لا يمكن أن يتساقط.

لكن في قلبه كان هناك شيء يعصره. غضبٌ عارم يتوق لصبّه في أسرع وقتٍ على ذلك الوغد، وحزنٌ عميق على تلك البراءة التي فقدتها "ملك". كيف يمكن لرجل أن يفعل بفتاة ذلك؟ حتى هو لم يفعلها بـ"سمر"، ولم يفكر قط بإجبارها على أيّ شيء منذ عرفها. إن روحه تحترق لأجلها بقدر ما يغلي قلبه من الغضب على من تجرأ عليها. لم يشغله الآن سوى التفكير في كيف سيكون انتقامه؟ كيف سيكون ردّه على تدنيسها هي، ابنته، صغيرته؟

لكن مع مرور الوقت، بدأ يحس بشيء غريب في تصرفات "ملك" بينما كان مستغرقًا في أفكاره. كانت رأسها لا تزال على صدره، لكن قبضتها حول يده أصبحت أقوى. حركتها بدأت تتغيّر. كان يشعر بنبضاتها التي تتسارع، وشعورٌ غير مريح يطرأ على قلبه. هناك تحوّل في الأجواء، لا يستطيع أن يفسّره، لكنه شعر به بوضوحٍ. شعورٌ غريب، كأنها تبحث عن شيء آخر، شيء لم يكن موجودًا من قبل، أو ربما كان هو مجرد شعور بالهروب من الألم بأيّ وسيلة! -عثمان!

" همست منادية إيّاه بصوتٍ مرتعش، ويدها تمتد نحو ذراعه. كان صوتها منخفضًا، ولكنها كان يحمل الكثير من المناجاة المعذّبة. كان كأنها تطلب منه الأمان، الدعم، أو ربما حتى الخلاص. تابعت بصوتٍ مختنق، ملأ الأجواء بالحزن والضعف: " -انت الوحيد اللي ممكن يوقف كل ده."

كانت يديها تتحركان على صدره، وأصابعها تشد على قميصه كما لو كانت تحتاج له ليمنحها شيئًا لم تعد قادرة على إيجاده في نفسها. تتوسل إليه أن يراها، أن ينقذها، أن يفعل شيئًا يوقف هذا الألم.

تجمّد "عثمان" في مكانه. شعر بيديها التي كانت تتشبث به أكثر، وكأنها تعجز عن التراجع، وكأنها تراه الحل الوحيد لما يعتصرها من ألمٍ. كفيّها على جسده بلا حراكٍ، أنفاسها تقترب من أنفاسه، وتبادل الهواء بينهما أصبح شيئًا ملموسًا. كان كما لو أن الأرض تتحرّك فجأة تحت قدميه.

عيناه على وجهها، على تلك العيون التي أصبحت تشبه عيون "سمر" في لمحاتٍ صادمة. للحظاتٍ شعر بالاختلاط بين الحقيقة والوهم. يتذكر كيف كانت "سمر" تبتسم له، وكيف كانت عيناها الخضراء تشع بالكثير من الدفء، وكيف كانت تلك العينين تُطمئنه في أوقات الشدائد. لكنه كان يعلم بأن "ملك" ليست "سمر"، وأنها لا تحمل نفس الذاكرة، ولا نفس الروح.

ومع ذلك، كانت "ملك" تقترب منه أكثر، حتى كاد جسدها يتلامس مع جسده. يديها على ذراعه كما لو كانت تبحث عن الدعم، عن المساعدة. همست له بصوتٍ ضعيف وعينيها تغرغران بالدموع: " -عثمان.. انا مش قادرة اتحمل اكتر من كده."

كلماتها تثقل قلبه، لكن نظراته كانت تركز على يديها التي لا تزال متمسكة به، وعلى تقارب جسدها الذي بدأ يشعر به بوضوحٍ. لكنه حينما نظر في عينيها، مجددًا تذكر "سمر"، وتذكر بأنها ليست هي. في تلك اللحظة شعر بحاجز نفسي بداخله، وكأن شيئًا ما يجب أن يظل ثابتًا بينهما، رغم مشاعره المتضاربة. لكن "ملك" لم تتوقف، بل استمرت في الاقتراب أكثر. يدها تلامس صدره برقة، تحاول أن تجد طريقًا للأمان في قلبه وهي تستطرد: " -محتاجاك يا عثمان...

مش هقدر اعيش لوحدي.. من وقت ما مالك عمل فيا كده.. مافيش حاجة هاترجعني زي الاول.. انت اللي ممكن تمحي كل ده! كان صوتها يفيض بالرجاء، وكأنها تستعطفه أن يكون الشخص الذي يغيّر حياتها، أو على الأقل أن يكون الشخص الذي يوقف الألم في قلبها. شعر "عثمان" بأن قلبه يعتصر من الألم. كان يراها ضعيفة، كان يراها تبحث عن شيء لأول مرة لا يستطيع أن يمنحها إيّاه. لكن كان هناك شيء بداخله، شيء لا يمكنه تجاوزه.

فجأة، انتابه توتر عميق وهو يرتد قليلًا إلى الوراء، تجنّب أن تلتصق يدها به أكثر، وأمسك يديها برفقٍ ليبعدها عنه. -انا هقوم اعملك حاجة دافية تشربيها! " قالها بلطفٍ راسمًا ابتسامة خافتة على ثغره. ونهض بغتةً، بالكاد اتخذ خطوة للأمام بعيدًا عنها، إلا إنه سمع شهقتها المكتومة، فاستدار ناحيتها. -انتي كويسة؟ " سألها، وصوته كان يحمل نبرة حانية، لكنه كان متحفظًا. خفضت "ملك" عينيها، ثم همست بصوتٍ مكسور: " -ممكن تفضل معايا شوية؟

... انا مش عايزة اكون لوحدي! هنا تأكد "عثمان" من شكوكه حول ما يدور بعقلها. لكنه تماسك. كان يعلم بأن ما تحاول أن تفعله قد يقوده إلى مكان لا يستطيع العودة منه. تكلّم بهدوءٍ وهو يحاول أن يظهر لها بأن محاولاتها للتقرّب منه قد تكون خطرًا عليها أكثر من كونها علاجًا: " -انا هنا عشانك.. بس مش لازم نزيد الامور تعقيد."

ترفع "ملك" رأسها فجأة، ترمقه بنظرةٍ مليئة باليأس والألم. كانت كل نظرة منها تقول له إنها لا تستطيع أن تتحمل الابتعاد عنه أكثر. ردت عليه بصوتٍ مهزوز: " -عثمان... انا مش قادرة.. لولاك كنت خلاص.. كنت ضعت.. لكن لما شوفتك و رجعت لي حسيت اني ممكن ابقى كويسة.. انا مش قادرة اعيش كده.. كنت عايزاك جنبي من الاول... و مش عايزة اقول انك انت اللي خليتني اضيع لما اتخلّيت عني...

أحس "عثمان" بشدة الألم في كلماتها، وعينيه امتلأت بتأثرٍ عميق، لكن في نفس الوقت، يحرص على أن تدرك بأن هذا الوضع مستحيل. -انا آسف يا ملك.. بس ماينفعش! " قالها وهو يقف بعيدًا عنها، محاولًا أن يبدو حازمًا رغم تعاطفه الكبير معها. وتابع: "انتي في نظري زي بنتي.. و انا بحبك زي ما بحب ولادي بالظبط.. و عارف انك بتحبيني.. لكن حبنا مش هايكون زي اللي انتي عاوزاه."

تمتمت "ملك" بكلماتٍ غير مفهومة، ثم انفجرت في بكاءٍ مرير. عينيها ملؤها الدموع التي تدفقت بلا تحكمٍ. كانت تحاول بأن تجد أملًا في أيّ شيء، حتى لو كان هذا الشيء هو "عثمان" نفسه. -مستحيل! " قالتها وهي تبكي بحرقةٍ، وأكملت: " -انت مش فاهم.. انا مش هقدر انسى اللي حصل لو انت مش معايا.. مالك عمل فيا حاجات لو صممت تبعد عني.. هاتبقى باقية معايا للأبد.. انت الوحيد اللي ممكن تمحي اللي عمله فيا."

أغمض "عثمان" عينيه لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقترب منها بهدوءٍ شديد قائلًا: " -ملك... اللي انتي حاسة بيه ده مش حقيقي.. اللي انتي حاسة بيه دلوقتي ده مالوش اي اساس.. انا عارف انك مش متزنة.. عارف انك لسا موجوعة و وعدتك اني هاجبلك حقك.. لكن انك تفكري تاني في نفس الغلطة اللي فرقت بينّا.. بين اب و بنته.. دي حاجة مش ممكن اغفرها لك للمرة التانية.. غير المرة دي بس عشان انا عارف انك لسا مش في وعيك يا حبيبتي."

رفعت "ملك" عينيها إليه، وكانت دموعها تتساقط بشكلٍ غير متوقف، لكن شيئًا في حديثه بدا وكأنها بدأت تستوعب جزءًا من الحقيقة، لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام بعد. -انت ليه بتعمل فيا كده؟ " قالتها باكية، وكأنها تتوسل منه أن يكون الشخص الذي ينقذها. "انت مش قادر تحس بيا.. مش قادر تحس بوجعي!

تقلّصت ملامح "عثمان" ألمًا لأنه رأى معاناتها بالفعل تتجلّى عليها كليّةً. جذبها بلطفٍ من ذراعها، ثم رفع وجهها إليه بحذرٍ. كانت غارقة في الحزن، بينما كان هو يحاول أن يكون أقوى من أي وقتٍ مضى، لأنه الآن يواجه أصعب اختبارات حياته. -ملك! " قالها بصوتٍ منخفض، وعينيه مليئة بالعطف والصدق. لكن لم يكن فيهما أيّ خلط بين المشاعر، فقط أبوّة خالصة. "

-يا حبيبتي.. انا لو كنت اتمنيت حاجة واحدة في حياتي و لحد اللحظة دي بتمناها و عارف انها مش ممكن تحصل.. فهي انك تكوني من دمي.. من صلبي.. و على اسمي.. ليه؟

.. لأن انا اللي ربّيتك.. انا اللي اهتميت بيكي من و انتي لسا طفلة رضيعة.. مابخلتش عليكي بأي حاجة بملكها ماديًا او معنويًا.. انتي يا ملك كلك على بعضك تخصّيني انا.. انتي تربيتي و استثمرت فيكي حبي و اهتمامي و توجيهاتي.. بعد ده كله مش فاهم ايه ازاي فكرتي فيا بالشكل ده.. كنت بقول يمكن عشان انا لسنين طويلة فضلت الراجل الوحيد في حياتك.. كنت بخاف عليكي و محاوطك دايمًا.. جايز اهتمامي الزايد خلّاكي تتوّهمي حاجات مش حقيقية.. جايز.. بس لازم تفوقي دلوقتي.. انا بحبك.. لكن مش بالطريقة دي.. و بقولها لك تاني.. انتي بنتي.. و مافيش حاجة هاتخليني اغير ده."

كانت تستمع إليه كالمشلولة، لا تعرف ماذا تقول. كانت هناك فجوة واسعة بين ما تريده وما هو ممكن. كانت عاجزة عن التوقف عن التفكير في كيفية إغلاق هذا الجرح الذي أحدثه "مالك" في حياتها. تريده أن يندمل مهما كان الثمن. لكن "عثمان" ظل ثابتًا، وأعاد كلمات أخرى رنّت في أذنيها بهدوءٍ: "

-انا مش عايزك تجبريني اسيبك تاني.. انا جنبك و دايمًا هاحميكي و زي ما وعدتك مستحيل أي حاجة تانية وحشة ممكن تحصل لك طول ما انا عايش.. لكن يا ملك.. لو فضلتي مصرّة على اللي في دماغك.. هانفذ كل وعودي ليكي.. بس و انتي بعيدة عني.. فكري كويس.. و اختاري.. يا تبقي بنتي و ترجعي لحضني.. يا تفضلي عايشة في الوهم بعيد عني."

ثم تركها بهدوءٍ رافعًا يديه عنها. نهض و هو يبتعد خطوة خطوة حتى خرج من الغرفة، بينما "ملك" التي لا تزال تبكي، في مكانها، تائهة في مشاعرها التي لن تجد لها مخرجًا قريبًا. لقد تركها ممزقة بين الألم والحقيقة التي لا تستطيع أن تتقبلها. الشيء الوحيد الذي أدركته هو أن الأشياء التي كانت تأمل أن تكون أكثر من مجرد أحلام، هي في الحقيقة حدود لا يستطيع تخطّيها، حتى وإن كانت مشاعرها تدفعها لذلك. ***

تخرج "هالة البحيري" من البيت في هذه الليلة الباردة، والهواء قارس يتسلل بين ملابسها كأنما يحاول أن يلامس كل شيء في داخلها. شدّت المعطف الجلد حولها بإحكامٍ وسارعت خطاها. كلّما ابتعدت أكثر عن المنزل زاد القلق في صدرها. الوقت كان يمر ببطءٍ، لكنها كانت تعرف جيدًا أين سيذهب. "فادي" لم يكن ليغادر إلى أيّ مكانٍ آخر غير ذلك المكان الذي تعلمه جيدًا، وتعرف بأنه لا يرتاح إلا به في الأوقات الصعبة أو عندما يضيق صدره.

بعد دقائق من السير في الشوارع الهادئة التي بدت و كأنها تعكس نفس شعورها بالضياع، اقتربت "هالة" من المكان الذي طالما شهد العديد من لحظاتهما المشتركة. كان البحر أمامها، ولكن على بُعد خطواتٍ رأته. رأته عند المقاعد الخشبية المخصّصة للناس الذين يحبون الجلوس بعيدًا عن ضجيج الحياة. وبينما اقتربت منه ببطءٍ، لاحظت بأنه جالسًا هناك، شاردًا في شيءٍ بعيد عن الواقع. نظراته غارقة في أفكاره، وبين سكون الليل، كانت هناك لمحة من ألمٍ مكبوت. شيء ما داخلها كاد أن ينفجر. اقتربت أكثر، لمحت دموعه المحبوسة في مقلتيه، لكنها تماسكت، لا تريد أن تترك نفسها لتنجرف مع المشهد.

سارت إليه بخطواتٍ حذرة، ثم توقفت للحظة قبل أن تلمس كتفه برفقٍ. كان كل شيء في ذلك الحين صامتًا، كما لو كان الوقت قد توقف ليكون شاهدًا على هذا الموقف المثخن بالحزن. ينتبه "فادي" لها ببطءٍ، ثم يرفع رأسه ليواجهها. عينيه غارقتين في صمتٍ طويل. تبتسم "هالة"، لكن ابتسامتها تخفي شعورًا عميقًا من الحزن وتقول بصوتٍ مبحوح: " -ايه يا حبيبي.. ازيك دلوقتي؟ تجلس بجواره ببطءٍ، ثم تنظر إليه و كأنها تزن الكلمات: "

-انا كنت خايفة عليك.. بس كنت عارفة انك هتكون هنا." بعد صمتٍ قصير، يرد "فادي" بصوتٍ منخفض، لا يزال شاردًا في المسافات البعيدة: " -كنت عايز ابقى لوحدي شوية." تزداد حركة الأمواج الثائرة في الأفق الممتد، بينما تبدو على وجهه علامات الصراع الداخلي، وكأن الكلمات تتصارع في داخله. تحاول "هالة" أن تمتص شحنة القلق في صوتها، تبدأ الحديث بهدوءٍ شديد: " -انا عارفة انك مضايق...

ممكن مضايق مني اكتر.. حبيبي.. مش جاية عشان ألومك او اقولك حاجة تزعلك.. لكن ارجوك حاول تفهمني.. انا عاشرتك و فهمت طبعك.. ملك كانت في خطر اصلا.. و لو كنت قلت لك حاجة عنها كنت هاعرّضها لرد فعل منك اكيد مكانتش هاتتحمّله.. انا واثقة و متأكدة انك مش ممكن تئذي اختك.. لكن الأذية مش بس أفعال يا فادي.. ملك مش هاتستحمل تسمع كلمة.. ملك مدّمرة...

يصمت "فادي" ثانيةً لفترةٍ طويلة. عينيه تلمعان بالدموع، ولكن ملامحه كانت جامدة وهو يتحدّث مرةً أخرى بلهجةٍ غليظة: " -انتي فاكرة ايه؟ انا للدرجة دي يعني واحد مالوش لازمة؟ ملك دي انا ماربتهاش.. ماعتش معاها اصلًا.. انا ماليش حقك في اختي.. و لا عليها يا هالة... و كمان مقدرتش احميها." تلمس "هالة" يده برفقٍ، تهمس له كأنما تحاول أن تطمئن قلبه: "

-هوّن على نفسك يا حبيبي.. دي مش غلطة حد.. لا انت و لا ملك.. كل انسان فينا معرّض يحصله كده و اكتر.. احنا مش في الجنة يا فادي." فرّت دمعة من عينه، قال وهو يخفيها سريعًا: " -انا... انا فشلت في حمايتها.. زي ما فشلت مع سمر قبلها... مع اختي الكبيرة.. اخواتي البنات كانوا مسؤوليتي.. و مقدرتش اعمل لهم حاجة... عثمان البحيري هو اللي حماهم.. هو اللي شال مسؤوليتهم سنين على اكمل وجه.. و يوم ما طالبت بملك و صممت اخدها منه...

ضاعت.. ضيّعتها بإيدي يا هالة... انهاردة بس اتأكدت ان سمر ماغلطتش زمان.. الغلطة كانت غلطتي انا... انا!! تأخذ "هالة" نفسًا عميقًا. تقترب منه أكثر، وتربت على كتفه بحنانٍ متمتمة: " -محدش غلطان.. انت مش لوحدك يا فادي.. و لازم تعرف اننا مش بنشيل الحمل لوحدنا.. احنا مع بعض.. و دي اهم حاجة... انا هنا عشانك.. و هفضل جنبك مهما كان... انا بحبك."

ندت عنه زفرة مطوّلة مثقلة بمشاعر عجز عن تحمّلها أكثر من ذلك. وضع يده على وجهه وأغمض عينيه، وكأن كل شيء على وشك الانهيار. في تلك اللحظة، كان الزمن و كأنما قد توقف مرةً أخرى، واختلطت الدموع بالبرد في جوٍ مفعم بالمرارة. لكن "هالة" كانت تعلم بأنها الوحيدة القادرة على تهدئته. ابتسمت مرةً أخرى، ثم وضعت يديها حوله في حضنٍ دافئ لم يكن له سوى معنى واحد: "أنها لن تتركه أبداً". ***

كان الضوء الصباحي يتسلل عبر الستائر، يلوّن المكان بتدرجاتٍ دافئة. استفاقت "ملك حفظي" على آلام جسدية وعاطفية تختلط في داخلها، كأن كل شيء في جسدها يعترض على ما مرّت به. حاولت أن تستجمع نفسها، لكن قلبها كان يواصل خفقانه بسرعة، والعقل لا يزال عالقًا في اللحظات المظلمة من الليلة السابقة. أغمضت عينيها مجددًا وتركت نفسها لأفكارها لبعض الوقت.

كانت تتذكر كيف حكت له عن ما حدث، عن اعتداء "مالك عزام" عليها، وكيف كان هو يستمع إليها بهدوء مريب، بينما كانت هي تغلي من الداخل. كانت تحاول أن تلمس شيئًا في قلبه، شيئًا يخفف عنها، لكنها شعرت دائمًا بأن المسافة بينهما أكبر من أن تُجسر.

رغم أن "عثمان" كان ينظر إليها كابنة له، كانت "ملك" ترى فيه شيئًا آخر. في البداية، كان لها كل الحق في أن ترى فيه شخصًا صالحًا للجوء إليه في لحظات الضعف، شخصًا يملك الحكمة والرعاية التي تفتقدها. لكن مع مرور الوقت، وتكرار لحظات التقارب العاطفي بينهما، بدأت مشاعرها تنمو وتتحوّل إلى شيءٍ أعمق، وأقل براءة.

كانت "ملك" في البداية ترى في "عثمان" الرجل الذي يشبه الأب في حضوره. كان دائمًا موجودًا ليحميها، يوجّهها، ويعطيها الشعور بالأمان على كافة الأصعدة. كان يتعامل معها بحذرٍ وحب أبوي، يبدي اهتمامًا بالغًا بكل تفصيلة صغيرة في حياتها، متابعًا لنجاحاتها، يشاركها همومها، ولا يكف عن توفير الحماية التي تحتاجها.

لكن شيئًا ما في هذا الاهتمام كان يثير في قلب "ملك" شيء أكبر من مجرد شعور بالراحة. كان قلبها يرفرف كلّما اقترب منها، وكان يزداد هذا الشعور عمقًا بمرور الوقت. كان كل ما يفعله "عثمان" من اهتمام زائد، إلى ابتساماته الهادئة التي تلمع في عينيه، يزيد من احتياجها لرؤية تلك اللمسات من الحنان في كل لحظة. وكلّما حاولت أن تتجاهل هذا التوق، كان يزداد إحساسها بالعجز أمامه. كانت تراه الشخص الذي لا يمكنها التوقف عن التفكير فيه، واللحظة التي يبتسم فيها لها أو ينظر إليها باهتمامٍ كانت تشعل في قلبها شعلة من الرغبة، وتعزز لديها شعورًا بالغرق في مشاعرها.

ومع الوقت، بدأت "ملك" تدرك بأنها لا تريد أن تظل مجرد الابنة بالنسبة له. كانت تتمنى لو كانت أكثر من ذلك، لو كانت هي من تشغل قلبه، لو كانت هي من يتمنى أن يقضي معها كل لحظة. كان توقها إلى أن تصبح "امرأته" أو حتى "شريكته" في الحياة، شيء غير منطقي وغير قابل للتحقيق، لكن القلب لا يستطيع دائمًا أن يميّز بين ما هو ممكن وما هو مستحيل.

كانت تشتاق لأن تكون هي من يشعر بها "عثمان" على هذا النحو، أن تكون هي التي يقرّبها منه في لحظات الشوق، أن تكون هي التي يقبّلها بحميمية ويمسح دموعها بقبلاته، أن تشعر بقوة حضنه بشكلٍ مختلف عن كل ما اعتادت عليه. هي لا تريد فقط أن تكون مصدرًا لاهتمامه كابنة، بل كانت تتمنى لو كانت هي التي يُشبع بها غريزته العاطفية والجسدية، وليست "سمر"، شقيقتها.

كانت خيالاتها تذهب بعيدًا في هذا الاتجاه، كانت تتخيّل نفسها في مكان "سمر"، تلك المرأة التي يستطيع "عثمان" أن يحبها بشكلٍ كامل، تلك التي يجد فيها الدفء والحنان والراحة، والتي يشعر أنه يتقاسم معها كل لحظة في حياته. كانت تتخيّل نفسها في مكانها، في تلك اللحظات التي يكون فيها "عثمان" قريبًا منها، يتحدث إليها بنبرة صوت مختلفة، تلك التي لا تجدها في كلامه معها كابنة.

لم تنفك يومًا منذ بلوغها واكتشافها عوالم العاطفة أن تتمنى لو كانت هي مكان "سمر"، لو كانت هي المرأة التي يراها "عثمان"، لو كانت هي تلك التي يشتهيها قلبه، التي يحتفظ بها في كل لحظة، تلك التي تملأ حياته بوجودها. كانت تتمنى لو كان ينظر إليها بنفس الطريقة التي ينظر بها إلى "سمر"، أن يكون هو من يهمس في أذنها بكلمات حب ورغبة، أن تكون هي من يشعر بالاهتمام العميق في عينيه. تمنّت لو كانت تتلقّى منه أكثر من مجرد الاهتمام البسيط الذي يُقدّمه لها كأب.

كانت هذه الرغبات تخبو في قلبها، لكنها تظهر كلّما اقتربت منه، كلّما شعرت بحضوره. كان كل شيء في جسدها يشتعل. كان هناك شيء في طريقة حديثه، في اهتمامه، في الطريقة التي يراعي فيها مشاعرها، يثير فيها أعمق مشاعر الشوق والرغبة. لكن ما كان يعذّبها هو أنها تعرف جيدًا بأنه لا يمكنها تحقيق هذا التوق، ولا يمكنها اقتحام حدود تلك العلاقة. "ليه ماكنتش انا.. ليه؟

" تساءلت في داخلها مرارًا، بينما قلبها كان يتألم من تلك الأفكار. لطالما كانت ترى "سمر" كأيقونة، امرأة لا تستطيع أن تُنافَس، وكانت ترى في نفسها مجرد ابنة، مجرد شخص موجود في حياة "عثمان" لمجرد أنه يحب أختها. ورغم ذلك، لم تتمكن "ملك" من كبح مشاعرها المتضاربة. كانت تريد أن تقترب منه أكثر، أن يشعر بها كما يشعر بـ"سمر"، لكن خوفها من أن يرفضها (وهو ما حدث فعلًا)

، أو من أن يظهر لها الحقيقة المرّة بأنها لن تكون أكثر من ابنة بالنسبة له، كان يشلّ حركتها. الحقيقة المسلّم بها هي أن "عثمان البحيري" يحب سمر، ولطالما كان مخلصًا لها. تنهدت وهي تحاول الهروب من أفكارها. تحرّكت قليلًا بمكانها، جسدها متعبًا، لكنه لم يكن وحده الذي يعاني. قلبها كان يئن من الندم والرغبة التي لا تجد لها مخرجًا. عينيها كانت مليئة بالدموع التي لا تنزل، وكأنها تحاول حبسها داخلها لكي لا يراها أحد.

نهضت من الفراش مترددة. قدماها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، لكنها لم تكترث. تنقّلت بخطواتٍ متثاقلة بين الغرف، تبحث عن "عثمان". لم يكن موجودًا داخل أيّ منها. وجدته هناك، بالمطبخ المفتوح.

واقفًا بظهره لها، ينهمك في تحضير شيء بسيط من الفطور. كان يرتدي نفس القميص الرماديّ الذي أغرقته بدموعها ليلة الأمس، وشعره بدا غير مرتب، كأنه لم ينم جيدًا. توقفت "ملك" عند عتبة المطبخ، تراقبه بصمتٍ. رغم هدوء المكان، كانت تشعر بأن كل شيء بداخلها يصرخ. -صباح الخير! " قالها "عثمان" بصوته الهادئ، دون أن يلتفت إليها على الفور. وأضاف بعد لحظة: " -تشربي قهوة معايا؟ و لا اعملك حاجة تانية مخصوص؟

ردت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها نفيًا: " -شكرًا.. مش عايزة حاجة." لم يُلقِ بالا لرفضها. أمسك بزجاجة العصير الموضوعة على الطاولة، وصب كوبًا ووضعه أمامها، ثم قال بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: " -لازم تشربي.. و اقعدي عشان هاتفطري كمان."

تقدمت ببطءٍ وجلست على الكرسي المقابل له. عيناها مثبتتان على الكوب أمامها. حاولت أن تستجمع شجاعتها، لكنها شعرت بأن الكلمات تتسرّب منها. كان هو من كسر حاجز الصمت مرةً أخرى. سألها دون أن ينظر مباشرةً إليها: " -ناوية تقعدي ساكتة؟ و لا عندك حاجة عايزة تقوليها؟ رفعت رأسها بخجلٍ، وقالت بصوت متهدج: " -انا... آسفة يا عثمان.. ماكنتش اقصد اللي عملته امبارح... صدقني ما كنت في وعيي."

ثم نظرت إلى الأرض، وكأنها تخجل من أن تلتقي بعينيه، لكنه لم يرد على كلامها فورًا. كانت عيناه مثبتتين على كوب القهوة بين يديه، وكان يبدو بأنه يحاول السيطرة على مشاعره. بعد لحظةٍ من الصمت، رفع نظره إليها وقال بهدوء: " -ملك.. انا عارف انك مريتي بتجربة صعبة.. اللي حصل لك ده... انا مش هاعديه.. بس كمان.. اللي حصل امبارح بينّا.. ماينفعش يتكرر."

كلمات "عثمان" كانت مثل القنبلة التي انفجرت في داخلها. كان حزينًا، لكنه في نفس الوقت كان حازمًا. شعرت "ملك" بالخجل الشديد، لكنها حاولت أن تبرر لنفسها ما حدث قائلة: " -بس يا عثمان... انا كنت لوحدي.. حسيت اني مش قادرة اواجه كل ده لوحدي.. كنت محتاجة حد يسمعني... و انت الوحيد اللي كنت موجود." نظر إليها بعينيه الهادئتين، وابتسم ابتسامةٍ خفيفة، لكنه لم يناقش نفس الكلام بل قال: "

-انا هنا عشان اساعدك.. لكن في حدود.. انا بحب سمر.. و هي مراتي.. و دي حاجة ما تتغيرش.. و انتي زي بنتي.. و انا مش هاسمح لحاجة زي كده تحصل تاني.. فاهمة؟ شعرت "ملك" بغصّة في حلقها. هي كانت تحبه، لكن هو لم يكن يرى فيها سوى الابنة التي يحمى ويعطف عليها. كان من الصعب عليها تقبل ذلك، لكن كان عليها أن تتماسك. -فاهمة.. و دي اكبر نعمة في حياتي.. ارجوك ماتبعدنيش اكتر من كده.. مش قادرة اتخيّل الدنيا من غيرك.. او حتى من غير سمر."

قالت كلماتها بصوتٍ يكاد لا يُسمع، وكأن الأحرف تتناثر في الفراغ. وقف "عثمان" ثم اقترب منها ببطءٍ، وضع يده على كتفها وقال بصوتٍ حنون: " -انا وعدتك.. دي مش النهاية.. انتي هاتبتدي من جديد.. و هاترجعيلي.. و ترجعي لأختك.. كل حاجة هاتبقى احسن من الأول." ومسح على رأسها بعطفٍ. عاد إلى مكانه وجلس قبالتها من جديد. رفعت رأسها نحوه، شعرت ببعض الطمأنينة في صوته، وارتاحت قليلاً رغم الألم الذي لا يزال يعتصر قلبها. همست له: "

-و انا بوعدك... مش هعمل أي حاجة تزعلك مني تاني.. المهم تفضل جنبي و ماتسبنيش ابدا... ده بس كل اللي بتمناه." ارتشف "عثمان" رشفة من قهوته وبقيت تعابيره جامدة، ثم قال: " -محدش يقدر يمسّك تاني طول ما انا موجود يا ملك.. خلّصي العصير.. و بعدها جهزي نفسك.. هانرجع مصر قريب.. قريب أوي." أطاعت بصمتٍ، تناولت الكوب وبدأت تشربه ببطء. في داخلها، كانت تحاول تصديق أن كل شيء يمكن أن يتحسن... ولو قليلاً!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...