الفصل 46 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
28
كلمة
3,181
وقت القراءة
16 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

خارج صالة وصول الميناء الجوي.. الجو الحار يلفح وجهيهما.. لكن بين ضوء الشمس اللاهبة.. كان هناك شيء أعمق داخل كل واحد منهما.. شيء بارد يربطهما ببعض رغم كل الخلافات التي نمت في قلوبهما مؤخرًا.. كان "مراد" يراقب المدينة من خلال نافذة السيارة التي يقودها "رامز".. غارقًا في أفكاره.. أحيانًا يشفق على "رامز" اليائس إلى حد ركضه لاهثًا وراء أي شيء قد يرضي "عثمان" عليه.. وأحيانًا يلومه على تهوره الذي أدى به إلى هذه المواصيل..

أما "رامز" فكان صامتًا.. لا يعرف كيف يواجه "عثمان" ولا كيف يواجه نفسه بعد كل ما حدث.. يبدد صوت "مراد" الهادئ شيئًا من الصمت بينهما: -الفرصة دي مش هاتيجي تاني يا رامز.. لازم تثبت لعثمان إنك تقدر تتغير.. وإنك تقدر تكون جدير بشمس. تتقلص ملامح "رامز" وهو يرد عليه بجفاف: -وانت فاكر إنه هايسامحني بسهولة؟ ده عثمان... ده أكتر واحد عارفني كويس.. وعارف كل حاجة عني.. بس عنده.. أنا لو كنت مكانه ماكنتش سامحت بسهولة.

عبس "مراد" متأثرًا.. فطن أخيرًا إلى أن "رامز" قد عرف لب الخلاف بينه وبين صديقه.. وفي نفس الوقت تأكد من أن هذا الخلاف لن يدوم.. ما دام الأخير قد اعترف بذنبه في النهاية..

وصلوا أخيرًا إلى المكان الذي كان ينتظرهما فيه "عثمان البحيري".. كان يقف وحيدًا في زاوية من الممشى المجاور للساحل.. وجهه ثابت كما لو كان يصارع نفسه مع الأفكار التي تملأ عقله.. ملامحه لم تظهر أي علامة على الترحيب.. وكان الجو بين الثلاثة مشحونًا بكل أنواع المشاعر المتضاربة.. أدار "عثمان" وجهه نحوهما قائلًا بجفاء: -جايين ليه؟ هتف "مراد" بهدوء.. محاولًا أن يضع الأمور في نصابها:

-بعد اللي سمعته لما كنت مع حسين عزام.. ماكنش ممكن أتجاهل الموضوع.. أنا أكتر واحد عارف مالك عزام.. ولولا اللي حصل لملك ماكنتش حكيت لك عمل إيه في إيمان زمان لما كان كاتب عليها قبل ما نتجوز.. أنا عارف إنك متعود تحل مشاكلك لوحدك.. لكن المرة دي مش هاسمح لك يا عثمان.. إيدي قبل إيدك الواد ده لازم ينتهي انهاردة. يرفع "عثمان" حاجبيه في استنكار وهو يقول بنبرة قاسية:

-ده انت مش المفروض تكون هنا.. انت جاي عشان تتدخل في حاجات ما ليكش فيها يا مراد.. اللي فات بينك وبينه مات.. إنما اللي هايحصل انهاردة ده بتاعي أنا.. وأنا اللي مش هاسمح لحد يتحشر فيه بأي شكل سامعني؟ لم يؤاخذه "مراد" بقساوة ما تفوه.. يعلم جيدًا الظرف الحرج الذي يمر به.. لكنه قال بإصرار.. وهو ينظر لعينيه مباشرة:

-يا عثمان.. أنا مش قصدي أعترض طريقك في أي حاجة.. أنا عايز أقولك إني معاك في كل خطوة.. انت أكتر من أخ ليا وانت عارف.. أنا مش هارجع أبص لتاريخي الشخصي معاه.. لكن في نفس الوقت مش هاسيبك. لم يظهر "عثمان" أي علامة على أنه سيتراجع.. كانت نظراته حادة.. وتكاد تخترق كل كلمة خرجت من فم "مراد".. قال بحدة.. وهو يتقدم خطوة نحوه: -وأنا مش طالب مساعدتك.. ولا حتى مساعدته.. وأشار لـ"رامز" بكلمته التي أجفلت الأخير:

-ملك يا مراد.. ملك اللي اتعمل فيها كده.. دي بنتي.. انت سامع بنتي أنا!!! برز صوت "رامز" الآن.. بنبرة أقل حدة.. محاولًا إيجاد مساحة للحديث: -محدش معترض على تصرفاتك يا عثمان.. مراد بس يقصد إننا مش هانسيبك لوحدك.. ممكن تسمح لنا نكون معاك خطوة بخطوة ومحدش فينا هايتدخل.. بس نكون معاك.

وقف "عثمان" للحظة مترددًا.. قلبه كان مثقلًا بالحنق.. لكنه لم يكن يستطيع إنكار صدق مشاعري صديقيه.. نظراته تشتعل بالغضب.. لكن بداخله كان يعلم بأن الأمر يتطلب حقًا وجودهما.. إنه أكثر من قادر على المضي قدمًا حتى النهاية بمفرده.. لكن في تلك اللحظة التي تلي الخطوة النهائية مباشرة.. سوف يحتاج الدعم المعنوي بشدة.. سوف يحتاج صديقيه.. قال "عثمان" بحزم.. بصوت منخفض لكنه ثابت:

-انتقام ملك محدش هاياخده غيري.. وأنا مش مستعد أخلي أي حد يقف في طريقي.. هاتيجوا.. بس مش هاقبل حد فيكم يشاركني فيه. رد "رامز" بلطف.. محاولًا التخفيف من حدة الجو: -انهاردة.. في اللحظة دي يا عثمان عايزك تنسى أي خلاف.. عايزك تنسى حتى موضوعي أنا وشمس.. أنا مش شايف قدامي دلوقتي غيرك انت.. مش شايف غير صاحبي.. ومش سايبك لوحدك.

أدار "عثمان" رأسه بعيدًا عنهما للحظة.. كأن قلبه يعترض على ما يسمعه.. لكنه في نفس الوقت كان يعرف بأنه الصدق.. كان دائمًا يتحمل الأعباء وحده.. لكنه لم يكن يستطيع أن ينكر بأن صديقه مستعد أن يضحي بكل شيء من أجل هذا الانتقام.. من أجله هو..

داخل جناحها المترف.. كانت "فريال" هانم تجلس على سريرها الكبير المكسو بمفارش حريرية.. رغم فخامة المكان.. بدت الغرفة وكأنها تئن تحت وطأة الحزن.. الجدران الصامتة شاهدة على سنوات طويلة من القوة.. لكن الآن.. كانت صاحبة الجناح تبدو وكأنها على حافة الانهيار.. على جانبيها.. "يحيى" و"فريدة" طفلا "عثمان".. يتشبثان بها كأن وجودهما قربها سيمنحها بعض العزاء.. بجوارهما جلست "ديالا" حفيدتها من "صفية"..

أما "سمر".. فكانت تقف أمامها إلى جانب "صفية".. تمسك بيدها وتحاول أن تخفي قلقها البادي في عينيها.. بينما "صفية" تفكر.. تبذل جهدها لتفهم ما يدور في قلب والدتها المكسور.. تستشعر "فريال" كل هذا.. فتقول بصوت ضعيف وهي تمسح دموعها ببطء: -أنا بخير... بلاش تقلقوا عليا. ترد "صفية" بنبرة ملؤها القلق وهي تقترب منها: -ازاي يا مامي بخير؟

انتي من ساعة ما عثمان سافر ودخلتي في الحالة دي.. مش عايزة تاكلي ولا تتكلمي.. حتى صحتك بقت أضعف. تبتسم "فريال" ابتسامة شاحبة.. وتقول بينما عيناها معلقتان بالسقف: -مش عشان حاجة يا صافي... أنا كويسة.. بس وحشني عثمان... لما يرجع.. هابقى أحسن. نسخة أبيه وجده المصغرة.. "يحيى" الذي كان يجلس بجانبها.. رفع عينيه الرماديتين نحوها وسألها بقلق:

-فريال هانم.. لو محتاجة أي حاجة قوليلي عليها وتتنفذ حالًا.. أي حاجة ممكن أعملها لك.. انتي عارفة بابا موصيني أكون جنبك دايما طول ما هو بعيد.. قوليلي.. وماتقلقيش بابا مش هيتأخر. ابتسمت "فريال".. وضعت يدها على رأس حفيدها ورتبت عليه بحنان.. لكن عيناها كانتا تمتلئان بدموع جديدة.. وهي تحاول أن تبدو مطمئنة: -أنا عارفة.. هاييجي قريب يا حبيبي... أبوك عمره ما بيتأخر عننا.. ولا عني بالذات.. أنا عارفة.

شعرت "صفية" بالعجز.. كانت تعلم بأن هناك شيئًا أعمق من الاشتياق يؤلم والدتها.. لكن عناد "فريال" كان أكبر من أن يُكسر بسهولة.. كانت الأفكار في عقلها تتصارع.. تملأها بقلق أكبر من قدرتها على تحمله.. ابنها.. رجل عمرها.. هل سيغفر لها؟ هل ينظر لها الآن كأم ضعيفة.. لم تحم رجولته ولم تحم نفسها؟ ابن قلبها.. "عثمان" قوي.. أقوى مما كانت تتخيل طوال عمرها.. لكن هذه القوة مجللة بالغضب.. الغضب من جرح لا يزال ينزف بداخله وهي...

هي جزء من هذا الجرح.. حاولت أن تبعد هذه الأفكار عنها.. لكن صورة وجهه وهو يعلم الحقيقة ظلت تطاردها.. تذكرت اللحظة التي عرفت فيها بأن سرها انكشف.. وأن "عثمان" اكتشف ما فعله عمه بها.. كان ألمها وقتها مزدوجًا.. ألم الذكرى وألم نظرة ابنها التي شعرت بأنها تحمل خليطًا من الصدمة والاتهام.. هل يظن بأنها كانت ضعيفة؟ هل يعتقد بأنها كانت شريكة في ما حدث؟ كيف تشرح له بأنها كانت ضحية؟

ضحية جبروت العائلة.. ضحية قوتهم التي سحقوها بها.. وأكثرهم الأخوان.. "يحيى البحيري".. كانت نظرتها الموجهة إلى طفلي "عثمان".. تحمل حنانًا.. لكن خلف هذا الحنان كان قلبها يصرخ خوفًا.. هل سيعاملها كأنها انتهيت بالنسبة له؟ كأنها لم تعد أمه؟ لم تستطع الإجابة.. كل ما فعلته هو أن أغمضت عينيها.. لتغرق مجددًا في أفكارها.. عندما يعود "عثمان".. هل يمكن أن تشرح له؟ كيف يمكنني أن تشرح له ما لا تستطيع نسيانه بنفسها لتعذبه؟

وكيف ستتحمل لو نظر لها نظرة الرجل الذي يرى أمه أقل مما كانت؟ تنهدت بحرقة غير قادرة على احتمال هذا الكم من الألم.. فاقتربت "سمر" وجلست بجانبها ممسكة بيدها.. ثم قالت بلطفٍ جَمّ: -خليكي قوية.. إحنا كلنا بنستمد منك قوتنا يا فريال هانم. لكن "فريال" لم تقل شيئًا.. كل الكلمات كانت تُقال داخل عقلها فقط.. حيث تبقى محبوسة بين الخوف والندم.. "عثمان... عد إليَّ.. لا تجعلني أعيش لأراك تتراجع عن كوني أمك! ***

في إحدى شرفات المنزل الواسعة.. وقف "فادي حفظي" يتأمل السماء المظلمة المليئة بالنجوم.. الهواء كان عليلًا.. لكنه حمل معه ثقل الأفكار والندم الذي طالما حاول دفنه.. صوت خطوات خفيفة خلفه قطع الصمت.. كانت "هالة البحيري" زوجته.. تقترب منه بهدوء.. ترتدي عباءة منزلية خفيفة ومفتوحة.. وتضع كوبين من الشاي على الطاولة الصغيرة بجواره.. -مش عادتك تفضل برا السرير بعد العشا! قالتها بصوتها الرقيق: -دايمًا أفكارك بتسبق نومك.

ابتسم "فادي" ابتسامة خافتة.. لكنه لم يلتفت إليها.. بقيت عيناه مثبتتين على السماء.. وكأنها تحمل إجابة الأسئلة التي تدور داخله.. نظر لها قائلًا بهدوء: -مش النوم اللي شاغلني يا هالة.. اللي شاغلني إننا بعدنا كتير... كتير أوي. جلست "هالة" بجواره.. عيناها تتفحصان ملامح وجهه التي بدت مثقلة بالحزن.. وضعت يدها على يده.. وقالت بصوتٍ مليء بالتفهم: -بتفكر في ملك.. صح؟

أغمض "فادي" عينيه للحظة.. وكأن كلماتها أصابت جرحًا داخليًا لم يلتئم بعد.. أخذ نفسًا عميقًا.. ثم قال: -ملك... أختي الصغيرة اللي كنت المفروض ابقى جنبها.. لما أمي وأبويا راحوا.. كنت أنا الكبير.. الراجل اللي المفروض يحميها هي وأختي سمر من قبلها.. بس إيه اللي حصل؟ سيبت عثمان يشيل الحمل كله لوحده... وأنا؟ كنت بعيد.. شايف إن الهروب هو الحل.. عشان ابعد عن كل المشاكل اللي كانت وقتها.

صمت للحظة.. ثم أدار رأسه لينظر إلى "هالة" مباشرةً.. وعيناه مليئتان بالندم استطرد: -عارفة يا هالة؟ طول الوقت كنت بقول لنفسي إن عثمان ادها.. وإنه يقدر يشيل المسؤولية عني.. لكن اللي حصل لملك اثبت لي إن مافيش حد يقدر ياخد مكان الأخ.. كان لازم أكون أنا جنبها... مش هو. نظرت "هالة" إليه بعطفٍ.. لكنها لم تقاطعه.. كانت تعرف بأن "فادي" بحاجة للبوح بكل شيء قبل أن يقرر خطوته التالية.. يكمل "فادي" ونبرة صوته ترتجف قليلًا:

-لما عرفت اللي حصل لملك... حسيت بضعفي للمرة التانية.. حسيت إني تخليت عنها.. زي ما اتخليت عن سمر.. وصدقيني.. مش ناوي أكمل حياتي بالشكل ده.. لازم أرجع مصر.. لازم أبقى جنب أخواتي البنات.. عايز أكون قريب منهم.. أشوفهم كل يوم.. أحميهم... زي ما كنت لازم أعمل من الأول. ابتسمت "هالة" بلطفٍ.. وقامت لتقف أمامه.. وضعت يديها على كتفيه.. تنظر في عينيه مباشرةً قائلة بحزمٍ ممزوج بالحنان:

-لو ده القرار اللي شايفه صح.. أنا معاك.. طول عمري واقفة في صفك.. ومش هاتغير دلوقتي.. نرجع مصر.. نسيب كل حاجة هنا.. المهم إنك تكون مرتاح.. وإننا نبقى جنب عيلتنا. نظر "فادي" إليها بامتنانٍ.. ثم أمسك بيديها بشدة.. كأنها آخر قطعة أمان في حياته وقال: -مش هقدر أعمل ده من غيرك.. كنت خايف أقولك.. خايف أظلمك معايا.. لكن وجودك دايمًا بيقويني. -أنا موجودة عشانك.. عشان ابننا.. وعيلتنا.. نتحمل المسؤولية سوا.

لحظة صمت مرت بينهما.. لكنها كانت مليئة بالمشاعر العميقة.. أعاد "فادي" نظره إلى السماء من جديد.. ثم قال بحسمٍ: -إحنا راجعين مصر.. والمرة دي.. مش هاتخلى عنهم أبدًا. لم تقل "هالة" شيئًا.. فقط ابتسمت وأمسكت بيده.. وكأنها تقول إن القرار صار مشتركًا.. وأنها ستكون داعمته في كل خطوة دائمًا.. *** كانت الأرضية من الخرسانة المكشوفة.. عليها آثار تقشّر بسبب الرطوبة والوقت.. الحوائط العالية محاطة بسلاسل صدئة..

والمكان كله مضاء بمصابيح صفراء باهتة معلّقة من السقف.. تُلقي ظلالًا طويلة متراقصة.. أصوات الرياح تتسلل عبر شقوق الأبواب المعدنية الثقيلة.. تضيف نغمة باردة للجو المشحون بالتوتر.. وسط المستودع.. كان "مالك عزام" يجلس على كرسي معدني.. مقيّد اليدين والقدمين بسلاسل ثقيلة.. شعره مبعثر.. وجهه يحمل آثار كدماتٍ خفيفة.. لكن نظرته الجريئة لم تخفت.. بجواره وقف اثنان من رجال "عثمان البحيري" وجوههم جامدة.. ينفذون تعليماته بدقة..

الباب الحديدي الثقيل في زاوية المستودع انفتح بصوت صريرٍ حاد.. تبعه صدى خطوات ثلاثة رجال.. دخل "عثمان" أولًا.. ملامحه كالصخر.. عيناه تضيقان وهو يتفحص المشهد أمامه.. خلفه كلٌّ من "مراد" و"رامز".. كلٌّ منهما يحمل ثقلًا مختلفًا في تعابيره.. يرفع "مالك" رأسه ببطءٍ.. قائلًا بابتسامة ساخرة: -آه.. العريس بنفسه جه.. عثمان باشا.. ما توقعتش أول مقابلة لينا تكون في مكان زي ده بصراحة.

لم يرد "عثمان".. عيناه اخترقتا "مالك" بنظرةٍ باردة.. ثم أشار للرجال بإيماءة خفيفة.. وقفوا في صمتٍ بجوار الجدار.. وتركوه أمام ضيوفه.. يتقدّم "مراد" خطوة.. نظراته تشتعل بالغضب وهو يقول بصوتٍ كحد السكين: -مالك عزام... الوش ده.. كنت فاكر إن آخر مرة شفته فيها لما كنت سايبك على الأرض زي الكلب.. فاكر ياض قلت لك يومها؟ فاكر قلك لك لو شفتك تاني هاعمل فيك إيه؟

يلاحظ "مالك" صاحب الصوت.. يعرفه في الحال.. نظر إلى "مراد" مليئًا.. للحظة اتسعت عيناه بدهشة.. لكنه سرعان ما استعاد هدوءه.. لم يكن "مالك" بحاجة لأي مساعدة لإنعاش ذاكرته.. كلمات "مراد"

حينها لا تزال ترن بأذنيه: " لحظة ما هاخرج من هنا.. لو شفتك صدفة قصادي في أي مكان.. هادمر لك مستقبلك.. هاقضي على حياتك كلها وهاكون حريص شخصيًا إن مايبقاش ليك لقمة عيش في البلد دي أو في أي مكان برّاها.. قيس على كده إيمان.. ورقة طلقها توصلها قبل ما ينقضي الأسبوع ده.. ولو نطقت بس اسمها بينك وبين نفسك.. ماتلومش حد غيرك.. فهمت كويس؟ رد "مالك" بابتسامةٍ باردة: -مراد؟ إيه المفاجأة دي؟ إنت كمان جيت تحتفل ولا إيه؟

هتف "مراد" غاضبًا: -احتفل؟ آه.. هاحتفل لما أشوفك بتصرخ زي النسوان اللي إنت طول عمرك منهم يالا. يضحك "مالك" بسخرية.. يهز رأسه قائلًا: -طبعًا طبعًا.. أنا عارف غلاوتي عندك يا مراد.. لكن بصراحة... ما توقعتش إن عثمان هايعزمك.. ومعاكوا رامز كمان.. دي شكلها هاتبقى حفلة بجد. "رامز".. الذي وقف صامتًا طوال الوقت.. زفر بحدة الآن.. لكن نظراته ظلت متوترة.. وكأنه يتوقع انفجارًا في أي لحظة..

يتقدّم "عثمان" من "مالك" الآن بضع خطوات.. وقف على مقربةٍ منه.. نظراته تخترقه بثباتٍ بارد.. أشار بيده بهدوء إلى أحد رجاله القريبين.. الرجل انحنى وسلّمه سلسلة حديدية غليظة.. يبدو عليها الثقل والبلى.. أمسك "عثمان" السلسلة.. يلفّها ببطءٍ حول كفّه وهو يتحرك نحو "مالك" بخطواتٍ مدروسة.. المستودع هادئٌ.. لا يُسمع فيه إلا صوت السلسلة وهي تُشد وتُحرر بين يديه.

تبادل كل من "مراد" و"رامز" نظرات متوترة، لكنهما لم يتحركا. كانا يعلمان بأن اللحظة تخص "عثمان" وحده، وأن أي تدخل سيفسد الهدف. للوهلة الأولى كان "مالك" ينتهج التهكم، لكن مع كل خطوة كان يقتربها "عثمان"، كان القلق يتسلل إلى عينيه، خفيًا لكنه واضح. ردد "عثمان" أخيرًا بابتسامة هادئة، صوته منخفض: -مالك، مالك عزام... قول لي بقى، أنت مفكر نفسك إيه لما جربت تلعب بملك؟ لما اتجرأت ولمستها؟

دلوقتي حالًا هاتعرف أن كل لمسة وكل قرب منها له تمن، وتمن غالي قوي. حاول "مالك" أن يرد، لكن صوته لم يخرج في البداية. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بتهكم مصطنع: -عثمان، أنت فاكر أن التهديد بالسلاسل ممكن يخوفني؟ أنا مريت بحاجات أكبر من كده. صاحبك دخلني السجن وعرفت أنه وصى عليا كويس، اسأله التوصية كانت عاملة إزاي.

لم يعبأ "عثمان" بما يقوله، أشار بهدوء إلى رجاله، الذين اقتربوا من "مالك" يفكّون القيود التي كانت تربطه بالكرسي. رغم أن يديه ورجليه أصبحت حرة، إلا أن قبضتهم المحكمة على ذراعيه منعته من الحركة. أردف "عثمان" بصوت أكثر حدة: -كنت فاكر إنك شجاع، لكنك مجرد فار، وأي فار مصيره الدهس، الدهس. بدأ "مالك" يفقد هدوءه الوهمي، عيناه تتحركان بين "عثمان" ورجاله.

لم يزد "عثمان" كلمة، اقترب أكثر، وعيناه تركزان على "مالك" كأنهما مسامير تخترق روحه. أشار لرجاله بحركة بسيطة، فأمسكوا بـ"مالك" وأوقفوه عن الكرسي بعنف، رغم مقاومته. ردد بصوت يرتجف لأول مرة: -أنت بتعمل إيه؟ مش فاهم! وقف "عثمان" أمامه مباشرة، وبصوت هادئ يشوبه الغضب الدفين، ثم قال: -ملك حكت لي كل حاجة بالتفصيل، كل حاجة. فاكر لما ملك صرخت؟ فاكر لما كتمت صوتها ودموعها نزلت من الوجع اللي سببته ليها؟

ما لقتش غير صدى صوتها بيرجع لها. النهارده بقى، هاترجع تسمع الصدى، بس بصوتك. حاول "مالك" أن يبقي على رباطة جأشه، لكن لمعة السلسلة بيد "عثمان" وصوته البارد أطلقا شرارة القلق الحقيقي في عينيه. قال "مالك" بصوت يعلوه التوتر: -أنا سمعت إنك راجل، ومش متوقع منك فعل غير كده. لو هاتعمل فيا حاجة...

لكن عثمان لم يتوقف. بيده الخالية، أمسك بحزام سروال "مالك"، وجذبه بعنف بينما الرجال يثبتونه. فجأة، كان "مالك" مكشوفًا تمامًا، خاليًا من أي وقاية أو حماية. انبعث صوت "مراد" من الخلف مترددًا: -عثمان! أنت متأكد؟ عايز تعملها بإيدك؟ ماتوسخش إيدك بكلب زي ده... رفع "عثمان" يده ليوقف "مراد" عن الكلام، ثم التفت إلى "مالك" بابتسامة صغيرة، كأنما يستمتع برؤية الخوف يلتهمه ببطء.

-ده حق ملك، وحق كل واحدة كسرتها. وأنا هنا، عشان أضمن إنك ماتقربش من أي بنت أبدًا. ثم أشار لرجاله: -ثبّتوه كويس! ثبتوه بعنف أكثر، بينما يحاول المقاومة، لكنه كان عاجزًا أمام قوتهم. وقف "عثمان" أمامه، عيناه مليئتان بتصميم بارد. تمتم وهو يدنو منه ببطء: -عارف إيه اللي بيميز الانتقام الحقيقي؟ إنه مش محتاج أصرخ في وشك، أو أضربك لحد ما أكسر عضمك. كفاية أشوفك بتنهار وأسمع صوت روحك وهي بتتفتفت.

لا يزال "مالك" يحاول الحفاظ على صلابته، لكنه كان يعلم بأن "عثمان" ليس كأي شخص آخر. بدأ عرقه يتصبب ببطء، وابتسامته الباهتة بدأت تتلاشى تمامًا. ابتعد "عثمان" خطوة واحدة، رفع يده المليئة بالسلاسل، لكن بدلًا من توجيه ضربة، وقف تمامًا أمام وجهه وقال بخفوت: -من اللحظة دي، حياتك اللي كنت تعرفها انتهت. انتقام ملك، انتقام كل واحدة آذيتها. العضو الزيادة اللي في جسمك و تاعبك أوي، أنا هاريحك منه.

وقبل أن يستوعب "مالك" أي شيء بعد ذلك، يوجه "عثمان" ضربة ساحقة ومباشرة نحو جسد "مالك"، نحو رجولته تحديدًا. صرخة "مالك" شقت سكون المكان، ملأت المستودع كله بصدى مؤلم. كان الصوت خليطًا من الألم واليأس، كأنه اعتراف أخير بأنه لم يعد هناك مفر.

الرجال أمسكوه بإحكام بينما ينهال "عثمان" عليه ضربًا في نفس المنطقة، ولم يسمحوا له بالسقوط. وجهه كان ملتويًا بألم لم يستطع احتماله، وعيناه تملؤهما الدموع. لأول مرة يفقد تلك الابتسامة الساخرة التي كانت تزين وجهه طوال حياته. في الجهة الأخرى يميل "رامز" صوب "مراد" مغمغمًا دون أن تحيد نظراته عن المشهد: -مراد، الواد ده مش نافع تاني!

وافقه "مراد" بإيماءة واحدة ولم يستطع كبح ابتسامة متشفية من الانبلاج على ثغره. بينما "رامز" يشكر الله في سرّه بأن الظروف لم تسنح له بأن يقرب "شمس" وإلا كان مصيره على يدي صديقه مثل ذلك الوغد. وقد كان محقًا، فالموت أهون من هذا العقاب، حتمًا.

خمس دقائق متواصلة، بلا كلل أو ملل، ظل "عثمان" يسدد ضرباته نحو "مالك". ثم توقف أخيرًا عندما آلمته قبضته. أخذ صدره يلهج من مشقة المجهود الذي بذله، لكنه لم يتحرك. بقي واقفًا، يراقب "مالك" وهو ينهار، وكأن هذا المشهد كان نهاية الرحلة التي طال انتظارها. قال "عثمان" بصوت عميق بينما صدره يعلو ويهبط بعنف: -دلوقتي، ملك أخذت حقها، وإيمان أخذت حقها، وكل واحدة كسرتها. خلاص، روحك اتحطمت زي ما حطمتهم.

ترك "عثمان" السلسلة تسقط من يده على الأرض، صوتها الحديدي يعلن نهاية الانتقام. ثم أشار للرجال بإلقاء "مالك" جانبًا، مثل قطعة قماش بالية فقدت قيمتها. التفت "عثمان" من جديد إلى "مراد" و"رامز"، وقال ببرود: -يلا بينا! وغادر المستودع بخطوات واثقة، تاركًا خلفه صدى أنين "مالك" يتلاشى ببطء، بينما صديقيه يتبعانه فورًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...