الفصل 47 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
29
كلمة
6,976
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

أُضيئت أضواء سيارة الإسعاف المتسارعة وهي تجتاز الشوارع في الليل، تقطع الطريق بسرعة. ملامح السائق مشدودة وهو يحاول تجاوز ازدحام المرور، بينما على متن السيارة كان مالك عزام ملقى على سرير الإسعاف، جسده موصول بأنابيب وأجهزة طبية وقناع أكسجين على أنفه. عينيه نصف مغلقتين، وجسده مشوّه من آثار الضربة القاضية التي تلقاها.

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت مايا عزام وزوجها نبيل الألفي في طريقهما إلى المشفى. يقود نبيل بأقصى سرعة، بينما مايا تشعر بقلبها ينبض بقوة وتدور في رأسها أفكار مختلطة من الخوف والقلق على شقيقها. مشاعر متعاظمة لم تخب منذ وردها اتصال من زوجها مفاده أن مالك وُجد على زاوية الطريق السريع فاقدًا وعيه، وأنه تم إرسال عربة إسعاف لتنقله إلى المشفى العام على وجه السرعة. لم يذكر أي تفاصيل أخرى، ولا أي شيء يطمئن قلبها. أغلق معها وذهب ليحضرها من البيت ويلحقا إلى المشفى.

"أنا مش فاهمة حصل له إيه! " غمغمت مايا من بين دموعها. "أخويا.. أخويا مالك.. هايضيع مني زي ما ضاع سيف.. آااااااه.. مالك.. يا أخويا... هتف نبيل بحزم وهو يحاول تهدئتها: "اهدي يا مايا.. إحنا لسا ما نعرفش جراله إيه.. هانتأكد من كل حاجة لما نوصل.. خلينا نصبر وندعيله يكون بخير."

لكن مايا لم تجد في كلمات زوجها أي عزاء، ولم تستطع أن تهدئ نفسها من التوتر الذي يلتهمها. في لحظة ما، تذكرت لحظة قبل الحادث، كيف كانت تتحدث مع مالك عبر الهاتف، وكيف كانت نبرته تحاكي التهكم واللامبالاة، تمامًا كما كان سيف قبيل موته. وصلا إلى المشفى، خرجا بسرعة من السيارة، دخلا إلى الاستقبال حيث وجدا الأطباء والممرضين في حالة هرج ومرج، وكأن مالك قد وصل لتوّه. وفي قلبيهما كان فزع ينتظر أخبارًا عن الحالة.

وبينما كانا في الانتظار، وصل حسين عزام. ملامحه القاسية وجسده الضخم جعلاه يبدو كجبل من الحزن والغضب. كان يخطو ببطء نحو قسم الطوارئ، وكأنه توقّع هذا السيناريو بحذافيره من قبل. لم يبدُ متفاجئًا، أو مصدومًا حتى. اقترب من ابنته وزوجها هاتفًا بصوتٍ هادئ: "مالك فين؟ هو كويس؟ حد طمنكوا!؟ تلتفت مايا إليه. لأول مرة بحياتها تطمئن لظهوره بأي موقف بحياتها. ركضت نحوه وأمسكت بذراعه قائلة بصوتٍ

متقطع: "بابا.. مالك.. مالك لو جرا له حاجة مش هقدر.. مش هقدر استحمل.. سيف راح.. ومالك... قاطعها حسين في هذه اللحظة بصرامة مغطيًا بكفه يدها الممسكة بذراعه: "هايبقى كويس.. أخوكي هايبقى كويس." ولكنه من داخله لم يكن واثقًا كثيرًا. بعد مرور ثلث ساعة تقريبًا، يخرج الطبيب من باب غرفة الفحص. عيناه تحملان قدرًا من القلق الممزوج بالتعب. توقف للحظة أمامهم، ثم تنحنح قائلًا: "إنتو أهل مالك عزام؟ تقترب مايا خطوة

للأمام وهي تسأله بلهفة: "أيوه.. هو إزاي حالته؟ قولّي يا دكتور أخويا جرا له إيه!؟ الطبيب مجيبًا بهدوء، لكنه

يشير إلى القلق في صوته: "أنا واجبي بيحتّم عليا أكون صريح معاكوا لأقصى درجة. للأسف حالته خطيرة جدًا. هو اتعرض لإصابات شديدة في مناطق حيوية في جسمه.. مش قادرين نحدد حجم الضرر تمامًا لحد ما يستقر. تم تكسير جزء من ضلوعه، كمان عنده نزيف داخلي بسبب ضربة أو عدة ضربات في منطقة حساسة جدًا. في حالات زي دي لازم نراقب حالته لحظة بلحظة." مرر الطبيب نظره على وجوههم المصدومة، ثم أضاف

بلهجة تعكس أسفه وتضامنه: "لسا في خطر كبير.. وفي احتمال نحتاج لعملية طارئة لو تطور النزيف الداخلي." أصيبت مايا بالذعر، وتقدمت خطوة نحو غرفة الفحص معميّة بخوفها على شقيقها، لكن نبيل أمسك بذراعها ليمنعها من الاندفاع. توجه حسين عزام بنبرة صوته الجافة قائلًا، رغم قسوة الموقف إلا أن هناك لمحة من القوة في وجهه: "إنتو دلوقتي هاتعملوا إيه؟ هاتقدروا تنقذوه؟ يعني في احتمال ابني يرجع كويس زي ما كان؟

جاوبه الطبيب بحذر: "يرجع زي ما كان مستحيل.. في جزء حساس منه تضرر بشدة.. غير كده عمومًا لازم نصبر ونراقب حالته.. الموضوع معقّد.. وللأسف مافيش ضمانات." لحظات من الصمت مرت، قبل أن يطلب حسين عزام بصوتٍ منخفض: "أنا عايز أشوفه." زمّ الطبيب شفتيه وهو يقول مراعيًا الأوضاع: "مش هايكون في إمكانية للزيارة إلا لو استقرت حالته أكتر.. لكن ممكن نسمح لك تدخله خمس دقايق بس بعد شوية."

أومأ حسين برأسه موافقًا، بينما تابع الطبيب طريقه عائدًا داخل الغرفة من جديد. بقي حسين عزام واقفًا في مكانه، نظراته لا تغادر الباب. في الوقت الذي كان فيه يقف في حالة صمت قاتل، تتنازعه مشاعر القلق والضغط، كانت مايا تنهار بين يديّ نبيل. انفجرت دموعها فجأة، وكأن السد الذي كان يحجز مشاعرها قد انهار دفعة واحدة. كان قلبها يخفق بعنف، وعينيها مليئتان بالقلق على مالك، على شقيقها الذي لم تكن تعرف إذا كان سينجو أم لا.

"آااااااااه.. مش قادرة... مش قادرة أتحمل كل ده... ليه؟ مالك.. ليه؟ مالك.." كانت كلماتها تتناثر بين أنفاسها المتقطعة، وعينيها غارقتين في الحزن، تسيل دموعها على خديها، حتى بدت كأنها تغرق فيها.

يقف نبيل عاجزًا أمام الموقف. شعر بشيء من الحيرة في البداية، بينه وبين مايا كانت هناك جدران متينة من التوتر والمشاكل التي تراكمت بينهما منذ التقيا. لكن هذه اللحظة كانت مختلفة. لم يعد هنالك مجال للغضب أو التراشق بالكلمات. كانت لحظة ضعف، لحظة عاطفية خالصة. أمسك بيديها وهو يراها تهز رأسها بيأس، فشعر بشيء من الرغبة الملحة في أن يكون لها سند، ولو لدقائق قليلة. همس لها نبيل بصوتٍ

هادئ وهو يربت على كتفها: "مايا.. اجمدي شوية.. ماينفعش اللي انتي فيه ده.. أبوكي تعبان ومش هايتحمل الضغط ده كله." عينيه لم تترك عينيها، وكان يلاحظ كيف أن صوتها الممزق يرتجف، وتعبيرات وجهها تفضح كل الخوف والقلق اللذين يعصفان بها. رددت مايا وهي تسحب نفسها من بين يديه للحظة، ثم تعود إليه: "أنا خايفة عليه.. خايفة من اللي ممكن يحصل... مالك ضاع خلاص.. أنا بقيت لوحدي.. أنا بقيت لوحدي في الدنيا... قست نظرات

نبيل وهو يقول بصلابة: "يعني إيه لوحدك؟ إنتي مراتي.. وأنا لسا عايش على وش الدنيا يا مايا.. إنتي حاسة إنك لوحدك؟ في اللحظة دي حاسة إنك لوحدك!؟ كان من الواضح أن مايا، رغم محاولتها الاستقلالية والتعامل مع المواقف بشكلٍ بارد، بدأت ترى نبيل كأحد الأذرع التي يمكن أن تمسك بها في هذا الوقت الصعب. كان هناك نوع من الراحة في حضنه، حتى لو كانت تلك اللحظة مجرد لحظة عابرة في علاقة مليئة بالصعوبات.

لطالما كان يتعامل معها بطريقة جافة. هو أيضًا شعر بنوع من الارتياح. كان دائمًا يحاول أن يكون بعيدًا عن الانفعالات العاطفية، لكن رؤيته لها بهذه الطريقة، منكسرة وضعيفة، جعلته يتصرف بشكلٍ مختلف. أردف نبيل وهو ينظر إليها مباشرةً: "مالك هايتحسن.. هانكون معاه كلنا.. وأنا مش هاسيبك لوحدك.. عمري ما هاسيبك." رفعت مايا رأسها ونظرت إليه بعينين متورمتين من الدموع. كانت تحاول أن تجد الكلمات، لكن لا شيء خرج منها سوى صوت ضعيف،

مليء بالارتباك: "يعني كنت هاتسيبني.. لو ماحصلش كل ده!؟ كانت نظرتها مليئة بالتساؤل، الألم، وكأنها تسأل عن جدية نبيل في تقديم الدعم، مشاركة مشاعره تجاهها، في وقت كانت هي نفسها غير قادرة على الإجابة على تساؤلات قلبها. كان يتوقع أن ترد عليه بطريقةٍ قاسية، لكنها لم تبتعد كثيرًا. وجد نفسه يبتسم بشكلٍ ضعيف، ثم قال وهو يربت على يديها: "ماكنتش هاسيبك في كل الأحوال.. إنتي نسيتي و لا إيه؟ .. أنا قدرك."

شعرت بشيء من الراحة، حتى ولو كانت تلك الراحة مؤقتة. لكن في وسط الألم الذي كانت تعيشه، لا تستطيع أن ترفض هذا الدعم. احتاجت له. ولأول مرة، شعرت أن بينهما نوعًا من التفاهم العميق، رغم الخلافات التي كانت تفصل بينهما من قبل. فجأة لاحت أمام نبيل حجرة مخصصة للأطباء كانت فارغة، فحركها باتجاهها بسرعة. كانت مايا بحاجة للهدوء، ولحظة فقط بعيدًا عن الجميع، بعيدًا عن القلق الذي يعتصر قلبها.

داخل الغرفة، جلسا على سريرٍ صغير، لتضع مايا رأسها على كتف نبيل، سامحة له أن يخفف عنها في لحظات ضعفها. همست بصوتٍ خافت، وكأنها تداري خجلها من مشاعر تظهرها وتعلم يقينًا بأنها سوف تندم لاحقًا: "ماتسبنيش... أنا محتاجاك.. خليك معايا وجنبي طول الوقت... ماتسبنيش لوحدي." لم يرد نبيل، فقط ضمّها إليه في صمت، بينما كانت هي تستسلم لهذا الدعم العاطفي، والحنان الذي تستشعره لأول مرة بحياتها.

كانت الأنوار الخافتة في غرفة العناية المركزة تضيء المكان بشكلٍ باهت، وحركة الأجهزة الطبية هي التي تعبر عن الحياة المتبقية في جسد مالك الذي كان تحت تأثير البنج. كان جسمه موصولًا بأنابيب، لكن وجهه لا يزال يعكس ألمًا عميقًا وكأن ما مر به لا يزال حاضرًا في ذاكرته المبطنة. بينما كانت الغرفة خالية من الأصوات، دخل حسين عزام بهدوء، وكأن قدمه تخشى أن تحدث أي صوت قد يقطع الهدوء الذي يغلف اللحظة.

لكن بالرغم من هدوئه الظاهر، قدمه تثقل بشدة، وعينيه مملوءتان بالحزن الذي لا يمكن إنكاره. كان يشعر بتهدم ساقيه وكأنهما لا يحتملان وزر الحياة التي حملها طويلًا. فكل خطوة يمشيها وكأنها خطوة نحو الهاوية. لكنه كان يقترب من سرير ابنه وكأن شيئًا ما يدفعه إلى المواجهة، مواجهة حتمية مع ذاته.

وصل إلى جانب السرير، وجلس على الكرسي بجواره، جعل نظره ينحدر نحو ولده النائم. فمه مغلق، وجهه عابس، لكن حسين كان يراه كأنه يرى نفسه في شبابه. أجل، مالك، أكثر أولاده شبهًا به. يليه سيف. أما مايا، فقد ورثت الكثير من ملامح أمها. لولا دماؤه التي تسري بعروقها لكانت نسخة منها. كان الألم في قلبه يزداد كلما نظر إلى ابنه. حاول أن يخفف من ارتجافه، ولكن القلب لا يتوقف عن الخفقان بسرعة، حتى بدت تلك اللحظة وكأنها النهاية نفسها.

مد حسين يده المرتعشة صوب ابنه، يمسح على شعره وهو يهمس بصوتٍ متقطع: "مالك.. يابني.. أنا آسف... أنا آسف يابني.. أنا عارف إن كل شيء في حياتك ضاع بسببنا... بسببنا إحنا.. بسببي أنا في الأول.. وبسبب أمك بعدين... أخذ نفسًا عميقًا، كان لا يستطيع أن يتوقف عن الحديث، كأن هناك شيئًا غير مرئي كان يضغط عليه. تابع وهو ينظر إلى وجه ابنه، وكأن الكلمات تتساقط من بين شفتيه قسرًا:

"أنا كمان كنت السبب في موت سيف.. زي ما كنت السبب في ضياعك... وفي ضياع مايا كمان.. كان لازم أكون موجود.. لكن أنا كنت ضعيف.. كنت أناني.. مافكرتش غير في نفسي.. مافكرتش في حاجة غير إني أهرب من أمك.. لما فوقت فجأة وحسيت إني مش طايقها.. مش طايق أعيش معاها في مكان واحد.. كرهتها.. وكرهتكم عشان جيتوا منها.. سيبتكم.. ودلوقتي.. دلوقتي أنا مابكرهش حد غير نفسي يا مالك.. مابكرهش حد غير نفسي.."

كان يجهش في البكاء الآن، وعيناه تغرقان بالدموع التي حاول جاهدًا أن يمنعها، ولكنه فشل. صوته يرتجف من شدة الألم، ومن الندم الذي بدأ يدفعه للهاوية أكثر. يستطرد حسين وهو يقترب أكثر من مالك، يحتضنه برفق وكأنما يبحث عن الراحة في حضنه، حتى لو كان ابنه غارقًا في غيبوبة: "سامحني يا مالك... سامحني...

أنا فشلت في إني أكون الأب اللي تستحقه.. وفشلت في إني أحميك.. إنت مكانك ماكنش هايبقى هنا.. لو كنت جنبك من الأول.. إنت ماكنتش هاتوصل لكل ده.. يا خسارة يا مالك.. لأ.. إرجوك... اوعى تسامحني.. أنا مش مسامح نفسي.. أنا اللي ضيّعتك.. أنا السبب في كل ده.. أنا السبب...

لم يشعر حسين بنفسه إلا وقد احتضن ابنه بكل قوته. رأسه في صدره المضمّد، وصوت بكائه يزداد شيئًا فشيئًا. شعر وكأن جسده كله ينهار تحت وطأة الندم والآلام التي حملها طويلًا، حتى أصبحت ثقيلة عليه أكثر من أن يتحمّلها.

وفي تلك اللحظة، بينما كان يحاول أن يخفف من صراخه الداخلي، داهمته قبضة اعتصرت قلبه بشدة. أصابته بنوبة ألم حادة في صدره. شعر بدمائه تجري في عروقه بسرعة شديدة، وكانت عيناه تذرفان الدموع بشكل غير إرادي. ظل يحاول أن يتنفس لكن صدره كان ضيقًا، ثم تراجع ببطء إلى الوراء، وسقط على الأرض، دون أن يدرك ماذا يحدث. تعلقّت عيناه بابنه، ومن بين رؤيته المشوشة، قال بصوتٍ هامس، أخذ يخفت رويدًا رويدًا: "أنا... آسف...

ثم سكنت الأنفاس، وامتلأت الغرفة بالصمت، إلا من صوت الأجهزة الطبية الرتيبة. اجتازت سيارة عثمان البحيري بوابة القصر الكبير. ملامحه جامدة تحمل صرامة امتزجت بظلٍ من الراحة بعد الرحلة الطويلة. صطف السيارة بمنتصف الباحة وترجل متجهًا نحو باب المنزل. خلفه تبعته ملك بخطواتٍ ثقيلة. وجهها شاحب، لكن عينيها تحملان بقايا تحدٍ دفين، كأنها تحاول السيطرة على ما لا يمكنها امتلاكه.

داخل القصر، أطلت سمر من المدخل الرئيسي إذ كانت على علم مسبق بموعد وصولهما منذ ساعات قليلة. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، لكن حضورها كان كافيًا ليمحو أي توتر في الأجواء. ابتسامتها انفرجت تلقائيًا فور أن وقعت عيناها على عثمان، وعيناه بالمقابل لم تتركها، كأنما كان يفتقد رؤيتها لحد الألم.

تحركت سمر نحو ملك بخطى سريعة، نيتها واضحة أن تضم أختها بعد هذا الغياب الطويل. لكن قبل أن تقترب، ارتفعت يد عثمان تعترض طريقها بلطف حازم. قال بصوته العميق محافظًا على نبرة من الدفء: "استني... أنا الأول." وقبل أن تنبس بحرف، اجتذبها إليه بقوة جعلتها ترتطم بصدره، واحتجزها بين ذراعيه، كأنما يخشى أن تفلت منه مرة أخرى. أطلقت سمر شهقة خفيفة، ورفعت عينيها تنظر إليه بذهول، لكنها لم تجد فرصة للكلام.

قال عثمان بلهجةٍ عالية ومقصودة، موجهة لملك التي تقف متجمدة ورائهما: "وحشتيني أوي يا سمر... مش قادر أقولك أنا كنت عامل إزاي من غيرك." ولم يكتفِ بالكلمات. مال برأسه، كفاه تحيطان بوجهها برقة لكنها تحمل نوعًا من التملك. قبّلها قبلة طويلة، جريئة، مليئة بالشوق المكتوم، قبلة لا يترك فيها مجالًا للتأويل، كأنما أراد أن يخبر الجميع، هو وزوجته، خاصةً ملك، بأن هذه المرأة ملكه وحده، وهو أيضًا لن يكون لأخرى سواها.

ساد الارتباك، وسمر التي تملكها مزيج غريب من الحرج والسعادة. حاولت أن تفلت شفتيها بصعوبة، لكن عثمان كان عنيدًا في إطالة اللحظة. ملك، من مكانها، وقفت مشدوهة، وجهها شاحب كالـثلج، لكن عينيها كانتا بركانًا مشتعلًا من الغيرة والقهر. الشكوى حبستها في حلقها، وكأن قلبها قد تلقى طعنة مباشرة لم تتوقعها.

وأخيرًا، استجمعت سمر شجاعتها بعد لحظات من التيه في مشاعر متضاربة، وسحبت شفتيها من بين شفتي عثمان بصعوبة. تمكنت من التحرر بخجل واضح، تلّمست وجهها بإحدى يديها، وكأنها تحاول استعادة توازنها. رددت بهمس مرتبك وبنبرة خافتة: "عثمان.. إيه اللي بتعمله ده؟ ماينفعش هنا... ملك! أدار عثمان رأسه إلى ملك للحظات. نظراته كانت أشبه بسهم موجه. عينيه تحمل رسالة واحدة: "أفيقي من أوهامك.. ما تحلمين به ليس لك ولن يكون." رد عثمان بهدوء

وابتسامة مطمئنة لزوجته: "معاكي حق.. بس كان لازم أوريكي وحشتيني قد إيه... تعالي.. تعالي نطلع فوق." ببساطة، أمسك بيدها وأخذها يصعد بها السلم بخطوات هادئة لكنها تحمل الكثير من السيطرة. سمر التي شعرت بغصة خفيفة لوجود أختها التي أرادت أن تضمها على الأقل، تبعته بلا مقاومة، بينما تركا ملك خلفهما كتمثال مشروخ.

وقفت ملك في مكانها، تُخبئ ارتجاف يديها خلف ظهرها، تحاول أن تمنع دموعها من الانهمار. قلبها كان يعج بالأسئلة والألم، لكن الإجابة كانت واضحة أمامها: "عثمان لا يرى سواها.. ولن يكون لسواها." كانت كلماته الأخيرة تتردد في عقلها كصفعة، بينما غاب هو وسمر عن أنظارها، تاركًا خلفه غصة مريرة تكتم أنفاسها.

كانت خطوات عثمان وسمر تتردد في ممر القصر الهادئ. يده القوية تمسك بيدها الصغيرة كأنه يحميها من أي شعور بالارتباك الذي كان واضحًا في عينيها. عندما وصلوا إلى جناحهما، فتح الباب وأدخلها بهدوء، ثم أغلقه خلفه بحركة بطيئة وكأنه يريد عزل العالم بأسره عن هذه اللحظة.

وقفت سمر في منتصف الغرفة، تحاول أن تتفادى نظراته التي كانت تحاصرها بشدة. قلبها كان ينبض كأنه يريد أن يخرج من صدرها، لكنها لم تستطع أن تمنع الابتسامة التي انسلّت من بين شفتيها. قال عثمان بنبرةٍ دافئة، وهو يقترب منها ببطء: "إيه؟ لسا مضايقة من اللي حصل تحت؟ رفعت عينيها نحوه بتردد. تلك العيون التي كانت دائمًا نافذته إلى قلبها. همست بصوتٍ خافت: "مش مضايقة... بس ملك كانت واقفة.. وحسيت إن الوضع كان غريب شوية."

اقترب منها أكثر، يده امتدت لتلامس خصلات شعرها الناعمة من تحت طرف الوشاح بلطف، ثم رفع ذقنها برفق ليجبرها على النظر في عينيه. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أمسك بيدها بيده الأخرى، رفعها إلى شفتيه دون أن يقطع اتصالهما البصري، وقبّلها قبلة طويلة كأنما يريد أن يطمئنها بأن لا شيء خارج هذه الغرفة يستحق اهتمامها. وهمس لها: "ملك.. انسيها دلوقتي.. إحنا هنا لوحدنا... أنا وإنتي."

وازداد اقترابًا منها، يده تتحرك بلطف على وجنتها، ثم مرّرها برفق إلى أسفل ذقنها. عيناها ترتجفان تحت نظراته الحادة المليئة بالشوق الواضح. شعرت سمر بارتجافٍ طفيف وهي تنظر إليه. كلماته دخلت أعماقها، لكن حدة نظراته كانت أكثر وقعًا. حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها.

دون أن يمنحها فرصة للكلام، انحنى عليها وقبّلها قبلة بطيئة وعميقة. لم تكن قبلة سريعة أو عابرة، بل قبلة تحمل كل ما لم يُقال، كل ما يشعر به نحوها. يده الأخرى استقرت على خصرها، تجذبها إليه أكثر، بينما وجدت نفسها غارقة أكثر بين ذراعيه. لم تستطع أن تقاوم دفء حضنه. بادلته القبلة بخجلٍ لكنها لم تستطع أن تخفي رغبتها في أن تظل في أمانه. حتى شعرت كأنها تفقد السيطرة على قدميها. قالت متأوهة بهمسٍ مرتبك بين قبلاتهما:

"آه.. عثمان.. اديني فرصة.. إنت لسا واصل! لكنه لم يبتعد، بل همس بصوته الخافت قرب أذنها: "بس لسا ما وصلتش لنص اللي كنت حاسه طول ما أنا بعيد عنك." ورفعها بين ذراعيه بسهولة وكأنها لا تزن شيئًا. صوت شهقتها الخافتة جعله يبتسم، بينما سار بها نحو سريرهما العريض. وضعها برفق في مكانه هو، ظل للحظات يتأمل ملامحها من أعلى. أصابعه تتحرك على وجهها بخفة، تلامس شفتيها كأنه يطبع بصمته عليها. ليقول بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالعاطفة:

"عارفة؟ عمري ما تخيّلت إني ممكن أحب بالشكل ده.. كل حاجة فيكي بتخليني مش عايز أبعد... ولو حتى ثانية.. كنت هاتجنن وإنتي بعيدة عني... بقالنا سنين ماافترقناش المدة دي." كان يحلّ أزرار قميصه و يخلع ثيابه قطعة قطعة بينما يحدّثها. لم تستطع سمر أن تجيب. كل ما استطاعت فعله هو أن تضع يدها على وجهه، تلمس ملامحه كأنها تريد أن تحفظها للأبد.

اقترب أكثر، حتى باتت أنفاسهما تتداخل. قبّلها مرة أخرى، قبلة أطول، أعمق، كأنها وعد جديد يُضاف إلى وعوده السابقة. يده تتحرك برفق على خصرها، ثم صعدت لتلامس كتفها بخفة، حتى بدأت أصابعه تزيل عنها وشاحها. قطعت القبلة بصعوبة للمرة الثانية وهمست بصوتٍ خافت، ممتزج بالخجل: "عثمان... استنى شوية... من فضلك! توقف للحظة، يده ثابتة على كتفها، ثم همس بابتسامةٍ صغيرة مسرورًا بنزعة الحياء التي لم تتركها طوال سنين زواجهما:

"مستنيكي إنتي اللي تطلبي... أنا مش هعمل حاجة غير اللي يريحك." تورّد وجهها بشدة، لكنها لم تمنعه. بل على العكس، رفعت يديها وساعدته على أن يحررها من وشاحها وثوبها، كأنها تقول له بصمت إنها تثق به.

تحت ظلال الضوء الخافت للأباجورة المجاورة التي أضفت على الغرفة سكينة خاصة، لم يكن بين سمر وعثمان سوى همسات تختلط بأنفاسٍ متسارعة. كانت سمر بين ذراعيه، أقرب ما تكون إلى صدره، كأنها أخيرًا وجدت ملاذها الذي تاقت إليه طوال الأيام الماضية.

أما عثمان الذي اعتاد أن يحمل ملامح صلابة لا تنكسر، بدا مختلفًا الآن. عيناه التي كانت تحمل دائمًا نظرات القوة، امتلأتا بشوق مكبوت طالما حاول إخفاءه. رفع يده بلطف، يمررها على وجهها، يلامس وجنتها برقة. كانت بشرتها ترتجف تحت أصابعه. حاول السيطرة على نفسه لبرهة حتى لا يجفلها وهو يهمس بصوتٍ عميق مليء بالحنان: "كنت مستني اللحظة دي... مستنيكي تترمي بين إيديا من تاني."

أغمضت سمر عينيها، تسللت دمعة دافئة على وجنتها، دمعة حب، واشتياق ظل مختزنًا لأيام. همست بصوتٍ مهتز بالكلمات التي تعكس مشاعرها: "وإنت.. إنت وحشتني... وحشتني أوي يا عثمان.. كنت بموت وأنا بعيدة عنك.. كل ثانية كانت بتفكرني أكتر بيك.. وقلبي كان بيوجعني."

كان صوتها مليئًا بالشوق لدرجة أنه هز كيانه. دون أن ينتظر ردًا، مال عليها مجددًا وقبّلها، بكل المشاعر التي لم تسعفه الكلمات للتعبير عنها. يده كانت تتنقل بلطف على ظهرها، تلامسها وكأنها تخشى أن تفلتها مرة أخرى. رددت من بين أنفاسها المتقطعة، وكأن الكلمات تنفلت منها: "ماكنتش عارفة إن البعد ممكن يكون كده... كنت محتاجة حضنك.. في كل لحظة كنت بفتكر فيها أكتر... كنت محتاجة ليك جنبي."

زاد اشتياقه لسماع صوتها أكثر، لكل شهقة وكل همسة تخرج منها. أجابها بصوتٍ خافت ملؤه الإصرار: "وأنا كمان كنت مشتاق لك.. ولا حاجة ليها طعم من غيرك... عايزك تفهمي حاجة يا سمر.. مافيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا عن بعض.. لا زمان.. ولا حتى أي مخلوق."

دفن وجهه في عنقها، يقبّل بشرتها الناعمة ببطء. أصابعه تلاحقت وهي تتحسس حدود كتفيها بحذر، كأنها خريطة لا يريد أن يترك منها أي تفصيل. أما هي، فقد استسلمت تمامًا، تتنفس بعمق وكأنها تريد أن تختزن أنفاسه في صدرها إلى الأبد. همست من بين شهقاتها: "كنت بخاف.. خفت لما سافرت فجأة وأنا ما اعرفش إنك مسافر تحل مشكلة بين فادي وهالة.. خفت إنك تكون نسيتني...

أو إن في حاجات تانية شغلاك عني.. حاجة ممكن تاخدك مني بسبب الحادثة اللي حصلت معايا وبعدتنا عن بعض فترة! رفع وجهه بسرعة. نظراته صارمة لكنها مغمورة بالحنان، وكأنه لا يصدق ما سمع. قال بصوتٍ غاضب لكنه مشحون بالعاطفة: "إزاي تفكري كده؟ إنتي الحاجة الوحيدة اللي كانت بتخليني أكمل... كل خطوة كنت باخدها كنت بفكر في اللحظة دي.. فيكي إنتي.. لما أرجع لك.. لما نكون مع بعض من تاني...

إنتي جزء من كياني يا سمر.. مقدرش أستغنى عنك يوم واحد في حياتي." كلماته كانت كافية لإشعال مشاعرها أكثر. سحبت وجهه نحوها دون خجل، تقبّله بشوقٍ عارم، كأنها تريد أن تملأ الفجوة التي خلّفها البعد بينهما. يده تنتقل بخفة إلى كتفها، تُزيح ببطء رباط قميصها الرقيق. ارتد بوجهه قليلًا ليراقب ملامحها عن كثب، يبحث عن أي إشارة لتوقفه، لكنها، رغم توترها، لم تتحرك. بل أغمضت عينيها، كأنها تستسلم لشعورٍ غمرها بالكامل. قال بصوتٍ

دافئ قرب أذنها: "إنتي عارفة إنك أجمل حاجة حصلت لي؟ عارفة قد إيه أنا بحبك؟ لم تستطع منع نفسها من الرد بصوتٍ خافت مختلط بالارتجاف: "آه يا عثمان... بحبك... بحبك ومش عارفة سمر اللي بين إيديك دي كانت هاتعيش إزاي لو ماكانتش قابلتك وعرفتك.. بحبك... بس... وضع إصبعه على شفتيها ليوقف كلماتها، ثم قال بابتسامةٍ صغيرة: "مابسش.. أنا معاك دلوقتي.. وكل حاجة هاتحصل هنا هي لإنك عايزاها.. مش لأي سبب تاني."

استمرت يده في حركتها البطيئة، تُزيل ما تبقّى من ثيابها رويدًا رويدًا، بينما وجهه يقترب أكثر، يطبع قبلة رقيقة على عنقها، ثم يرتفع ليُقبّل وجنتها بحنان. شعرها المبعثر على الوسادة أضفى على اللحظة سحرًا خاصًا، بينما ارتفعت حرارة أنفاسها التي أصبحت متقطعة بشكل واضح. قالت بصوتٍ مرتعش، يحمل شوقًا مكبوتًا: "أنا بس.. لسا.. تايهة شوية.. مش عارفة أعمل.. إيه!

رفع رأسه لينظر إليها مباشرةً. عينيه مليئتان بالصبر والحب الذي لا يعرف حدودًا. ثم همس لها بصوتٍ هادئ لكنه عميق: "مش مطلوب منك تعملي حاجة.. بس خليكي معايا... وكل حاجة بينّا هتبقى زي ما إنتي عايزاها."

مع كل كلمة منه، كانت ترتخي أكثر تحت يده. شعرت بالأمان الذي يمنحها إياه، وكأن خوفها بدأ يتلاشى رويدًا رويدًا. عندما انتهى من إزالة فستانها، اقترب مرةً أخرى، يطبع قبلة أطول على شفتيها. لم تستطع أن تمنع نفسها من الاستسلام له. ارتفعت يداه لتمسكا بخصرها، يقرّبها منه أكثر، وكأنه يريد أن يمحو أي مسافة تبقّت بينهما.

بدأت قبلاته تصبح أعمق، أكثر حرارة، لكنه حافظ على رقة لم تتركها تشعر بأي ضغط. أما هي، فكانت تستجيب له بخجلٍ، إلا إنها لم تستطع إخفاء شوقها الذي بدأ يظهر في أنفاسها وكلماتها المتقطعة: "أنا عايشة بيك.. وبـ ليك.. أنا عمري ما هابعد عنك تاني... عمري."

كانت كلماتها كافية لإشعال المزيد من الشوق بداخله. بين أنفاسهما المتلاحقة وأجواء الغرفة المشحونة بالشوق، كانت قبلاتهما تتحول من رقيقة إلى أكثر حرارة وعمقًا، كأنهما يحاولان تعويض كل لحظة افتقدا فيها قرب بعضهما. و بينما يده تتحسس وجهها ببطء، كأنه يتأكد من أنها أمامه، أنها حقيقية. شفتيه تلتقط شفتيها كأنها أغلى ما يملك. وسرعان ما أصبحت قبلاته أكثر جوعًا، وأكثر احتياجًا.

كانت سمر تتنفس بصعوبة. استجابت له في كل خطوة بشوقٍ مكبوت. حاولت أن تتراجع للحظة تحت وطأة خجلها، لكنها لم تستطع. بين كل قبلة وأخرى، تحت هذا الجو الحميمي، حيث امتزج الحب بالشوق، والحنان بالرغبة، بدأت اللحظة تتحول إلى حكاية عاطفية فريدة. لغة من العشق الصادق الذي لم يكن يعرف الحواجز. بعد ساعة وبضع دقائق.

كانت سمر ما تزال مستلقية تحت نظرات عثمان، غارقة بين شعورها بالخجل ودفء الحب الذي يُحيط بها. لم تستطع أن تمنع وجنتيها من الاحمرار تحت وطأة قربه. بعد أن هدأت أنفاسهما قليلاً، وعاد الهدوء إلى الغرفة، رفع عثمان كفّه برفق ووضعها على بطن سمر العارية، وكأنه يحاول التواصل مع الجنين الذي حملته. كانت حركته بطيئة، مليئة بالشغف، وكأن لمسته تحمل وعدًا بالحماية الأبدية.

تغمض عينيها للحظة، تحاول استيعاب تلك اللمسة التي كانت تحمل مزيجًا من الحماية والحنان، قبل أن تفتح عينيها لتقابل نظره المثقل بالعاطفة. تحركت أنامله بخفة فوق جلدها، يشعر بحرارة جسدها ويتخيل الحياة التي تنبض بداخلها. رفع نظراته إليها، وعيناه ممتلئتان بالعاطفة والدهشة، كأنه يرى سمر بشكلٍ جديد تمامًا. قال هامسًا وابتسامة هادئة تعلو ثغره المثالي: "حاسس بيه... ده ولد.. أنا متأكد."

ابتسمت سمر بخجل وهي تنظر إليه، تشعر بمزيجٍ من الحب والطمأنينة التي يبعثها لمسه. اقتربت أكثر منه حتى أصبح جسدها ملتصقًا به بالكامل، وقالت بصوتٍ هادئ مع لمسة من الدعابة: "و أنا اللي كنت فاكراك هاتتمنى بنت عشان فريدة ما تحسش إنها لوحدها." ضحك عثمان ضحكة خفيفة، لكن عينيه لم تفارقا بطنها المستديرة، وكأنهما يبحثان عن إجابة في عمقها. ثم رفع كفّه مرة أخرى، وبدأ يداعب بطنها بلطف وكأنما يريد طمأنة الجنين بلمساته. أردف بصوتٍ

عميق مليء بالحنان: "فريدة بنتي ما يتخافش عليها.. طول ما عندها أم زيك عمرها ما هاتحس بالوحدة.. إنتي عندك حنان يكفي أجيال يا سمر نسيتي و لا أفكرك!؟ وتابع بعد ثوانٍ: "حاسس إن ده هايطلع ولد.. لو احساسي طلع صح أكيد هاحبه.. كل ولادي غاليين عليا.. لكن يحيى حاجة تانية.. يحيى له مكانة خاصة جدًا في قلبي."

تحركت سمر لتحتضن يده فوق بطنها، وكأنها تريد أن تشاركه هذه اللحظة بالكامل. نظراتها مليئة بالحب، ولكن أيضًا بالحياء الذي يميزها دائمًا أمام هذا النوع من الحوارات. قالت بصوتٍ خافت يشوبه الحنان: "إنت عارف إني كنت خايفة من الحمل التالت؟ وحاسة إنها أول مرة من قبل ما أبدأ أفتكر شوية.. بس لما بشوفك كده.. لما بحس إنك موجود معايا... بحس إن كل حاجة بتبقى سهلة."

لم يجبها عثمان بالكلمات، لكنه مال برأسه نحوها ليطبع قبلة طويلة على جبينها. كانت قبلته تحمل وعدًا جديدًا، طمأنة عميقة لها بأنها ليست وحدها، وأنه شريكها في كل لحظة من حياتها. ثم حرّك شفتيه ببطء إلى وجنتها، ثم إلى زاوية شفتيها، وكأن كل قبلة تعبر عن حبه بعمقٍ أكثر. قال بهمسٍ قريب، من بين أنفاسه الثقيلة: "سمر... إنتي مش بس أم لولادي.. إنتي حياتي كلها.. مش مهم ولد ولا بنت... المهم إنك معايا."

أحست سمر بقشعريرة تجتاحها مع كلماته، ودفنت وجهها في صدره، تسمع دقات قلبه التي كانت تعزف نغمة من الراحة والسكينة. ثم رفعت رأسها ونظرت إليه، يدها تمسك بيده المستقرة على بطنها، ردت بابتسامة خجولة وبصوتٍ خافت: "يمكن يكون ولد.. ويمكن بنت... بس اللي متأكدة منه إن هي أو هو محظوظ... لأنه عنده أب زيك." ابتسم بخفة. شعر بشيء يغمر قلبه. لم يكن الحب الذي يشعر به نحوها شيئًا عاديًا، بل كان شيئًا أكبر، أعمق، وأكثر حقيقية.

مال نحوها مرة أخرى، يقبّلها قبلة طويلة وعميقة، أنفاسهما تتداخل، ويداهما لا تزالان متشابكتين فوق بطنها، وكأنهما يعيشان معًا تلك اللحظة التي تربط بين الحاضر والمستقبل. بعد لحظات من الصمت العاطفي بينهما، حيث كان الجو لا يزال مشحونًا بالحب والدفء، تنهدت سمر بخفة وكأنها تتذكر شيئًا مهمًا. وضعت يدها على يد عثمان التي كانت لا تزال مستقرة على بطنها، ونظرت إليه بعينيها الممتلئتين بالعاطفة، لكن هذه المرة بشيء من الجدية.

أخبرته بصوتٍ خافت لكنه مليء بالقلق: "عثمان... نسيت أقولك أول ما وصلت.. فريال هانم مابطلتش سؤال عنك من يوم ما سافرت.. حالتها مش زي كل مرة... يمكن محتاجة تشوفك دلوقتي." تغيرت ملامح عثمان في لحظة. نظر إليها بتركيز، وكأن ذكر والدته أعاد له شعورًا بالمسؤولية الثقيلة. أزاح يده عن بطنها برفق، وقام من السرير بسرعة، كأن قلبه قد التقط إشارة غير مرئية. سألها وهو يلتقط ملابسه من فوق الأرض: "حصل إيه في غيابي؟ أمي كويسة يا سمر؟

جرالها إيه؟ جلست سمر على السرير، وضعت يدها على ذراع عثمان الذي بدأ يبحث عن قميصه بين طيّات الشراشف وقالت تطمئنه: "ماتقلقش هي كويسة.. بس تحس إنها مرضانة.. رغم إنها مش بتشتكي من حاجة.. كل اللي على لسانها اسمك.. عايزة تشوفك حتى ماكانتش عايزة حد يكلمك.. لأ.. هي عايزة تشوفك قصادها.. أنا فضلت جنبها طول الوقت.. وكنت بأكلها بإيدي لأنها كانت رافضة الأكل تمامًا.. بس أنا ماسبتهاش."

بدت عليه ملامح القلق العميق. ارتدى قميصه بسرعة ونظر إليها بنظرة شكر وامتنان، لكن مع شيء من الانشغال. قال وهو يحاول تهدئة نفسه: "أنا كنت عارف إنك هاتاخدي بالك منها.. ماكنتش غلطان لما وصيتك عليها.. لازم أروح لها حالًا." واقترب منها مرة أخرى، انحنى ليطبع قبلة على جبينها. نظرة عينيه تقول الكثير دون أن ينطق. همس ماسحًا على رأسها بمودة: "سامحيني لو سيبتك الليلة دي... بس أمي فوق كل حاجة." قالت بابتسامة هادئة ومتفهمة:

"مافيش حاجة تعتذر عليها.. عثمان.. أنا كمان لو كنت مكانك.. كنت هعمل نفس الشيء.. إنت نسيت و لا إيه!؟ وتابعت تحثه: "روح لها بسرعة وخلّيك جنبها." أخذ عثمان نفسًا عميقًا وكأنه يحاول تجهيز نفسه لأي شيء قد يواجهه. توجه نحو الباب بخطوات سريعة، لكن قبل أن يغادر، التفت نحوها مرة أخيرة. قال بابتسامةٍ دافئة: "لو نعستي نامي.. أنا هارجع بمجرد ما أطمّن عليها."

هزت سمر رأسها بإيجاب، وراقبته وهو يغادر الغرفة. شعرت ببعض القلق على عثمان وأمه، على العائلة كلها. لكنها في الوقت نفسه كانت مطمئنة لأن الرجل الذي أحبته لديه قدرة عظيمة بأن يضع الجميع في مكانهم الصحيح دائمًا، ويعرف كيف يوازن بين حبه لها ومسؤوليته تجاه عائلته.

لحظات وهدأت الغرفة مجددًا. غطّت بالنوم بينما قلبها ينبض برتابة، يفكر بما يمكن أن يحدث، وما قد يعنيه هذا الحمل الجديد لعائلتهم في ظل المسؤوليات التي يواجهها عثمان يوميًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...