الفصل 12 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
25
كلمة
2,701
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

لم تكن بالقوة الكافية لتنهض وحدها من السرير. تأثير صفعته وسقوطها على أعتاب المطبخ لا يزال طاغيًا على قدرتها. لذلك لم تمانع حين ساعدها بالقيام محاوطًا خصرها بساعِده، وممسكًا برسغها بيده الأخرى. سار بها على مهلٍ وصولًا إلى المطبخ حيث جهز الطاولة التي توسّطت الحيّز الدقيق بالوجبة المزدوجة التي سبق وأرسل في طلبها. تركها “رامز” للحظات لكي يسحب لها كرسي لتجلس عليه.

ساعدها على الجلوس جيدًا وشد لنفسه كرسي آخر ليجلس قريبًا منها. شرع بتقريب صحون الطعام منهما وبدأ يطعمها بيده. بالكاد أكلت القليل وأبدت كفايتها، إلا إنه أصر عليها وألقمها وجبتها كاملةً غير عابئًا بامتعاضها. نهض وغاب عنها ثوانٍ ليأتي حاملًا كيس العلاج. جلس قبالتها ثانيةً وعبث بالكيس. أستلّ علبة دواء المسكّن. دس بقرصين منه بفمها أتبعه بكأس الماء وهو يقول بهدوء:

-ربع ساعة بالضبط والمادة الفعالة هاتشتغل. مش هاتحسي بأي وجع في جسمك. ابتسمت “شمس” بسخرية وقالت بمرارة: -أنا نسيت إنك خبير صحيح. وياما ريّحت ناس كتير! رمقها “رامز” بنظراتٍ حادة في التو، مدركًا تمامًا لقصدها. احتدت نبرات صوته أيضًا وهو يرد عليها: -قلتهالك مرة قبل كده يا شمس، أنا مش تاجر مخدرات. أنا راجل بيقدّر المزاج والحاجات دي بتكون عندي للاستعمال الشخصي. آه عمري ما جرّبتها، لكن أعرف ناس بتحب تجرّب.

وكل الناس إللي في دايرة حياتي مهمين، عشان كده مزاجهم مهم عندي. وأردف بغضب مفاجئ: -وبعدين إللي أخدتيه ده مالوش أي علاقة بأي مواد مخدرة لا من قريب ولا من بعيد. انتي إزاي متخيّلة إني ممكن أديكي بإيدي حاجة زي دي؟ تبقي اتجننتي! أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وامتنعت عن الرد، لتسمعه ينفخ بمزيد من الحنق. -آه! تأوّهت بغتةً. بينما يمد يده مجتذبًا ذقنها لتنظر إليه مجددًا.

نظرت إليه عابسة، ترى القسوة تجلل ملامحه الوسيمة وهو يباشر تفحّص وجهها عن كثب متمتمًا: -فين بيوجعك؟ تعمّد غرز أنامله القاسية بجانبيّ وجهها، حتى انتزع منها آهة حين ضغط على النطة أسفل فكّها مباشرةً، موضع صفعته. -المسكن مش هايحسسك بيها. قوليلي لما وقعتي من شوية اتأذيتي؟ اتجرحتي في راسك، في جسمك؟ سحب يده بعيدًا عنها ليعبث بكيس العلاج من جديد. كان ينتظر جوابها وهو يفرغ محتويات الكيس من لاصقات الجروح الصغيرة ورذاذ المطهر.

ولكن عندما لم ترد رفع رأسه نحوها محدقًا فيها. جمدت تعابيره حين رآها تنظر إليه هكذا. الدموع تلسع عينيها وكأنها تحارب للتحرر. وجهها المحتقن بالدماء أرضاه، على الأقل تأكد بأن الطعام الذي أجبرها على تناوله مدّها بشيء من الطاقة. -انت إللي أذتني! لفظت كلماتها كأنما تسبّه. لم يتكلم. فتابعت وقد عجزت عن السيطرة على مدامعها التي إنهالت فوق خدّيها الآن: -انت إللي جرحتني يا رامز، انت مديت إيدك عليا!

أوهنت دموعها من إنفعالاته المتأهبة، ليرد عليها بلهجةٍ بها نبرةً من الأسف: -عمري ما عملتها، ولا فكرت أعملها. أنا كنت غضبان. كنت قاعد في المطعم قريب منك، سمعت كلام أمك. هتفت “شمس” بقهر: -وماسمعتش كلامي أنا؟ ماسمعتوش ردي عليها؟ أنا كنت بدافع عنك، عن حبنا. ماسمعتنيش وأنا بقول مابحبش غيرك؟ مش هكون لحد غيرك؟

أنا كنت بستحمل جنانك وعصبيتك عليا، وكنت دايمًا خايفة من اللحظة دي. بس كنت واعدة نفسي، لو حصلت منك، لو عاملتني بالطريقة دي وأهنتني كده يا رامز، هاتكون خسرتني! كز على أسنانه بقوة مغمغمًا: -شمس، ماتكبريش الموضوع. خسارة إيه إللي بتتكلمي عنها؟ انتي ماتقدريش تعيشي من غيري، وأنا استحالة أبعد عنك. هزت رأسها بإباء قائلة وهي تكفكف دموعها بحزم:

-لأ يا رامز، أنا إنهاردة بس اتأكدت من تحذيرات مامي. مامي عاشت سنين متهانة في جوازها، أملها في حياتها تشوفني عايشة أحسن منها. وده حقها عليا بعد كل إللي استحملته عشاني. أنا آه بحبك، بس عمري ما هكون نسخة تانية من مامي. عمري ما هاقبل منك غلطة في حقي! وأزاحت الكرسي بجسدها لتقف على قدميها. هب “رامز” واقفًا في إثرها، الغضب يفوح من جسده الضخم وهو يسد الطريق أمامها. زمجر وهو يسألها بخشونةٍ: -وإنتي دلوقتي على فين؟

تحاول “شمس” المرور من حوله، لكنه أمامه كالصخرة، يسدّ أيّ طريق ممكن للفرار. -رامز، من فضلك سيبني أمشي! طلبت منه بهدوء مصمم، وأكملت باضطرابٍ واضح وهي تتحاشى النظر إلى عينيه: -لو فعلًا بتحبني زي ما بتقول، سيبني أمشي. وأثبت لي إنك غلطت فيا غصب عنك، وإنك مش هاتكرر الغلطة دي تاني، وأنا أوعدك إني هادي لعلاقتنا فرصة تانية. بس سيبني أمشي دلوقتي يا رامز! -فرصة تانية!؟

أجفلت عندما صاح باستنكارٍ أعقبه بضحكة قاسية، ما لبثت أن تحوّلت إلى قناع لا يحتمل من الغضب. رباه! إنه حقًا بدا غاضبًا الآن، غاضبًا جدًا. -شمس، أنا جايبك هنا المرة دي عشان أقضي على أي فرص تانية. هي فرصة واحدة يا شمس، وأنا مش هاضيّعها. إنهاردة هاتكوني ملكي لأخر يوم في عمري! جاش الخوف بأعماقها الآن وهي تدرك مدى تصميمه هذه المرة، في نظرات عينيه، في حركات جسده. تلفتت حولها عاجزة وهي تقول بصوتٍ مرتعش:

-رامز، أنا مش موافقة على إللي انت عايزه ده. قلت لك قبل كده مش موافقة. بدأت تتراجع للخلف متعثرة لثانية بالكرسي، عندما أخذ يقترب منها ببطءٍ. لم تسعفها المساحة الضيّقة للمطبخ بالابتعاد كثيرًا. إلتصق ظهرها بالجدار، تتسع عينيّ “شمس” برعبٍ وهي تحدق فيه. لم يعد يفصله عنها مسافة تُذكر. وفجأة، تلتقي كفّاه بخصرها، ويزيد اقترابًا منها حتى تلاصقا تمامًا. -كل مرة هافكرك إنك أصلًا مراتي! همس فوق أذنها. ارتجفت وهي تغمض عينيها بشدة.

في نفس اللحظة تشعر بكفه ينزلق فوق مؤخرتها، بينما يرتفع الكف الآخر لأعلى بطنها، ويقبض على إحدى توأميها. يرتعش جسدها كله وهي تلهث باعياءٍ. لا تزال رافضة فتح عيناها والنظر إليه. -أنا مش عايز أعملها غصب عنك يا شمس، دي هاتكون أول مرة لينا، مش عايزها تكون بالغصب! دوى قلبها بصخبٍ بين أضلعها، خفق بسرعة رهيبة ألمتها. فأنّت وهي تقول بصوت متوسل: -رامز، كده غلط، إللي بتعمله فيا ده غلط. أنا وثقت فيك، أخويا، عثمان صاحبك.

تجاوز على الفور إشارتها لصديق عمره، تظاهر بأنه لم يسمعها، لأنه حقًا لا ينوي تركها هذه المرة، مهما حدث. “شمس البحيري” ستغدو زوجته بكل ما للكلمة من معنى قبل حلول الليلة. تشهق “شمس” عندما أحسّت بأنامله تلامس صدرها من وراء القماش الرقيق للقميص الزهري الضيّق والذي بدت فيه شديدة الغواية. تبيّنت بأنه يفتح أزراره باصرارٍ دفعها للبكاء بصمتٍ، بلا حول ولا قوة بين يديه. -بصيلي يا شمس! امتثلت لأمره الغليظ بعد لحظاتٍ مجبرة.

يبدو مشوّشًا قليلًا بسبب دموعها، لكنه قريبًا كفاية، بل قريبًا إلى حد لا يمكنه الاقتراب أكثر من ذلك. يهمس “رامز” مجددًا وعيناه مركزتان على فمها وكأنه يتوق لإلتهامها في الحال: -لحد إمتى هانفضل في العذاب ده؟ ردي عليا؟ أنا مش مصدق، إيه إللي مانعنا عن بعض كل ده؟ طول السنين دي وأنتي حرمانا من بعض يا شمس، ليه؟ أنا مش هاسيبك المرة دي، مش هاسمح لك تبعدي عني، انتي بتحبيني، قوليها، قوليها يا شمس، قولي!

كان يمارس أقسى أنواع الضغط عليها، بكلماته، وحتى لمساته التي ازدادت وقاحة. لقد ذعرت لاكتشافها المفاجئ بأنه قد انتزع عنها قميصها. صارت بحمالة الصدر الآن، بشرتها عرضة لعينيه المستعرتين بالرغبة. دس اصبعين أسفل بطنها وبنطالها الجينز، يحاول فك الزر الذي يقيّده، وسرعان ما نجح. تصببت عرقًا من شدة التوتر وهي ترفع يديها المتثاقلتين لتمسك بيده، قبل أن يزداد الوضع سوءًا وهي تقول باستجداءٍ: -لأ، رامز، لـ

لم تسنح لها الفرصة لتكمل جملتها. دنى مرةً واحدة، واجتاحها بفمه، بقبلة جائعة اكتسحتها وشلّت حركتها. في النهاية هذا “رامز”، هذا حبيبها، زوجها. الإدراك لكل هذه الحقائق أفزعها. إن تستلم فحتمًا ستخسر، والخسارة فادحة. أخيها، “عثمان”، أخيها. انبعث أنينها تحت فمه قويًا، حين تدافع جزعه ضاغطًا بقوة على صدرها، ذلك حين ارتعشت ساقاها مهددة بانهيارها. أمسك بها مسرعًا، وقطع القبلة بصعوبة.

حدق مبهورًا إلى وجهها المتوّرد، شفاهها المتوّرمة بفعل قبلاته. ما من رجعة، إنها له، الليلة، الآن. -شمس حبيبتي، تستاهل سرير، دي أول مرة! لم تستوعب شيء من همسه الحميمي الحارق. كذلك لم تفهم تمامًا ما يحدث، عندما مال قليلًا ليحملها بسهولة على ذراعيه، متجهًا بها إلى الغرفة الرئيسية مرةً أخرى. ألقاها فوق الفراش، بالمنتصف بالضبط. لم يحيد عنها بنظراته بينما تعمل يديه على نزع ثيابه.

لم يكد يتعرّى تمامًا، إلا و باغته اهتزاز هاتفه بجيب بنطاله الذي تأهب لخفضه. لوهلة أراد أن يتجاهله، حدسه أخبره بأن هذا لا يصب في صالحه. لكنه لم ينصت لصوته الأناني، الراغب بشدة في نيل أعظم كنوز حياته على الإطلاق. أستلّ هاتفه من جيبه مقطبًا جبينه بشدة، وتقلّصت ملامحه بشدة ما إن نظر بشاشة هاتفه و أطلع على هوية المتصل. ضغط شفتيه بشدة حتى أبيضتا، ثم اتخذ قراره في الأخير، وفتح الخط رادًا بصوتٍ أجش: -عثمـان البحيري!

أتى صوت “عثمان” في الحال، حادًا، خشنًا، غاضبًا ومتوّعدًا في آنٍ واحد: -رامز الأمير، قدامك اختيار من اتنين، يا تقولي دلوقتي حالًا أختي فين عشان أجي بنفسي وأخدها. يا أديلك فرصة تيجي وتجيبهالي لحد عندي، وإلا قسمًا بالله، هادمرك، هادمر حياتك كلها ومش هاعمل حساب لأي حاجة، سامعني؟ و كأن حياتها متوقفة على رسالته النصيّة، دبّت الروح بجسدها ما إن دق الهاتف بيدها معلنًا وصولها. سحبت “مايا” نفسًا عميقًا. فتحت

الرسالة بأنامله مرتعشة: “أنا تحت مستنيكي.. تحبي أدخل؟ كتبت له على الفور: “لأ ماتدخلش أنا نازلة”. وقامت من فوق الأريكة الملاصقة للوح السرير الأمامي. وقفت أمام المرآة تستعرض نفسها مرة أخيرة. تعرف وخامة ما تفعل ورغم ذلك تمضي إلى الخطر بقدميها، كما تسعى الفراشة للّهب. تعمّدت “مايا” ارتداء أكثر أثوابها اغراءً، وتزيين وجهها بابتذالٍ لم يقبّحها، إنما يوحي للناظر إليها بجرأتها.

والعطر الذي اختارته نثرت منه إلى حد وثقت بأن أريجه فائح من على بُعد أمتارٍ. استدارت “مايا” ملتقطة معطفها الخفيف، ارتدته على عجالةٍ وسحبت حقيبة يدها الصغيرة. سارت بحذرٍ فوق حذائها عالي الكعبين. خرجت من غرفتها وهبطت الدرج متشبثة بالدرابزون. كان قلبها يسابق خطواتها نحو باب المنزل، فاستوقفها صوت أبيها فجاةً. -مايا! تصنّمت “مايا” بمكانها لبرهةٍ، ثم إلتفتت نحو صوت والدها.

كان يقف عند مقدمة البهو، في روبه المنزلي، تعابيره الحازمة عادة منفرجة قليلًا هذا المساء. لكنها توترت رغمًا عنها. لم تحرك ساكنًا في مواجهته، فقط تحاول مداراة هذا الشعور المفاجئ بالتوتر. إنها قطعًا لا تخشى والدها، لم تكن كذلك فيما مضى، وبالتأكيد لن تكون الآن، ربما! -انتي خارجة ولا إيه مايا؟ رمشت “مايا” مبددة شيئًا من رهبة الموقف الذي وقعت به لأول مرة بحياتها، وجاوبت على سؤال أبيها بهدوء: -أيوة خارجة، مع نبيل.

كان يعرف سلفًا، لكنه أدّعى المفاجأة وهو يعقّب: -بجد؟ ده كان لسا معايا من ساعتين، ماقالّيش! تململت “مايا” وقد بدا عليها انزعاجًا طفيف وهي تقول: -أنا خارجة معاه عشان الشغل، مش هاتفسّح، مش حضرتك طلبت مني أنزل أشتغل معاك في الشركة؟ أومأ لها قائلًا: -أيوة حصل، في كل الأحوال مافيش مشكلة بالنسبة لي يا حبيبتي. حتى لو خارجة تتفسّحي مع نبيل، أنا بعتبره واحد من العيلة. أخرجي معاه زي ما انتي عايزة، براحتك.

لا تعرف لماذا أغاظتها كلماته. ردت عليه بحدة مفاجئة: -أنا بكرر تاني، أنا خارجة معاه عشان الشغل. هايفهمني وضعي و لما أنزل الشركة هاعمل إيه، بس، مش أكتر من كده! ابتسم “حسين” وقال برفقٍ: -فهمت يا حبيبتي، عمومًا بردو أخرجي و شمّي هوا الليلة دي الجو حلو أوي. او احتاجتي أي حاجة أطلبيها من نبيل، زي ما قلت لك نبيل واحد من العيلة، وأنا بثق فيه جدًا و مسلّمه حياتي كلها. ولم يزيد كلمة أخرى.

إلتفت عائدًا إلى الداخل، ثوانٍ وغاب تمامًا عن ناظريها. تركها تتميّز غضبًا من كلماته، وما اكتشفته للتو. هذا الرجل الذي يثق والده فيه كثيرًا، هل حقًا يملك زمام كل شيء؟ رجل فاسق و عديم الخلق مثله، يسلّمه أبيها حياته كما قال بلسانه! استدارت “مايا” محدقة بالباب المغلق للمنزل وهي تهسّ من بين أنفاسها: -يا أنا يا انت يا نبيل!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...