دخلت زينة غرفتها وأغلقت على نفسها، وفي داخلها ألف سؤال وسؤال. كيف كان يأخذني في حضنه وهو ينوي أن يفعل معي هكذا؟ كيف كان يغرقني في حبه وهو مخطط لكل شيء بهذا الشكل؟ كيف يقول إنه يحبني وفي نفس الوقت يفضحني ويعريني أمامهم هكذا؟ سأريهم وجهي كيف بعد ذلك؟ سأتعامل معهم كيف بعد ذلك؟ طيب لو أردت أن أبتعد، أين سأذهب؟ طيب مجوهراتي؟ مجوهرات إيه بقى؟ ده رجعك بالفستان اللي شفتك به. كأنه يقول لي: كنتِ شحاتة ورجعتك من تاني شحاتة.
بس أنا ما كنتش شحاتة. آه، كان الفرق بيننا كبير أوي، بس أنا ما كنتش شحاتة. طيب، سأذهب عند حماتي قسمت في المزرعة. آدي قسمت اللي طول عمرك تغيرين منها وتحاربينها. رغم كل شيء، برضه لما هتستخبي من الكل، هتستخبي عند حماتها. أنا حاسة إني في كابوس، كابوس طويل ومش قادرة أفوق منه. فضلت زينة تبكي همها لغاية ما غلبها النوم وهي بملابسها كما هي. ***
مدحت وشاهي لما رجعوا البيت، شاهي كانت رغم كل اللي مدحت قاله، إلا إنها كانت زعلانة على اللي حصل. كانت بتحب زينة، ومش قادرة تصدق ولا كلمة من اللي مدحت قالها عنها. جت تطلع غرفتها، مدحت مسكها وابتدى يتكلم معاها وكان باين عليه إنه حزين جدًا. "ممكن أعرف إنتِ ليه واخدة موقف مني كده؟ "لأن عمري ما عرفت عنك القسوة دي وإنت بتتعامل مع حد." مدحت ببعض العصبية: "برضه هتقوليلى قسوة بعد كل اللي عرفتيه؟ "مش يمكن ظالمها؟
مدحت بتنهيدة: "للأسف يا شاهي، ما ظلمتهاش." "حتى لو كان، كان ممكن تنصحها، توعيها، تفهمها، لكن إنت خليت بيها يا مدحت، ليه عملت كده؟ مدحت بحزن: "لأني حذرتها من الأول يا شاهي، حذرتها من الطمع، لكن هي برضه طمعت، وطمعت قوي كمان." "وحبكم؟ مدحت بسخرية: "حبنا؟ زينة عمرها ما حبتني، زينة من أول يوم وهي بتمثل عليا وأنا الأبلة اللي صدقتها." "وإنت كمان كنت بتمثل عليها، تبقوا خالصين." مدحت بغضب: "بس أنا حبيتها بجد."
"اللي بيحب حد ما بيسيبوش يغرق وهو بيتفرج عليه، وإنت ما وقفتش اتفرجت وبس، لأ ده أنت كمان علقتلها الرومانة." "قلت عليها طماعة وقعدت تزغلل عيونها زيادة، كأنك بتريح ضميرك إن هي اللي وحشة، لكن لأ يا مدحت، إنت كمان وحش، ووحش قوي كمان." شاهي سابته وطلعت غرفتها وهي غضبانه من اللي حصل ومن أخوها ومن زينة، لكن ما فيش في إيدها أي حاجة تقدر تعمله.
مدحت طلع غرفته، كان قميص نوم زينة على السرير، والسرير كان متبهدل مكان ما كانوا مع بعض قبل ما يخرجوا. قال لها ساعتها إنه عاوز يشبع منها، لكن ما شبعش منها. على قد غيظه وقهرته منها، على قد ما هو حاسس إنه ناقصه حاجة وحاجة كبيرة أوي. رغم إنه في الفترة الأخيرة، كان بيخطط لها، لكن لما كان بياخدها في حضنه ويضمها، كان بيبقى عاوز يكسر ضلوعها بين إيديه، بس تفضل بين إيديه.
مسك قميص نومها، قربه من وشه وشمه، لقى ريحتها فيه. قعد على الكرسي وهو ماسك قميصها في إيده وقعد يفتكر كل اللي حصل وكل الكلام اللي قالته له شاهي. *** عزيز وقسمت لما رجعوا البيت، قسمت كانت حزينة جدًا. فعزيز قال لها: "إيه رأيك لو تدخلي تقعدي في حمام دافي كده وتفصلي مع نفسك كده شوية، ولما هتخرجي هتلاقيني مستنيكي، ومستعد إني أقعد أسمعك للصبح."
قسمت ابتسمت لعزيز وبسته من خده، وفعلاً دخلت ملت البانيو مياه سخنة وفضلت فيه شوية حلوين. وبعد حوالي نص ساعة، لقت عزيز خبط عليها، ودخل وهو ماسك البرنص بتاعها وقال لها: "كفاية عليكي كده لاتبردي، يلا حبيبتي قومي." وفعلاً قسمت قامت معاه ولبسها البرنص وأخدها على السرير في حضنه وقال لها: "أنا عارف إنك تعبتي جدًا النهارده، بس برضو عارف إنك مش هتنامي بسهولة أبدًا بعد اللي حصل ده." "أنا موجوعة أوي يا عزيز."
مدحت وهو بيبوسها في راسها: "سلامتك من الوجع يا قلب عزيز، إيه اللي واجعك قوللي." "حاسة إني مقسومة نصين، نص ناقم عليها وعاوزها تتعاقب، والنص التاني هيموت من الوجع عليها، ومش عارفة أعمل إيه." "أنا أقسمت إنها لو حصل لها إيه في جوازها ده عمري ما همد لها إيدي أبدًا وهسيبها لوحدها، وقتها كان قلبي محروق منها على موت ماما الله يرحمها." "بس وقت ما اللي كنت مخمنه حصل، قلبي وجعني، بقيت عاوزة آخدها في حضني، بس خفت." "خفتي من إيه؟
"من إنها ترفضني، أو إنها تفكر إني بحاول أثبت لها إني أحسن منها، أو إني... مش عارفة يا عزيز، مش عارفة." "حبيبتي إحنا بشر، وطبيعي جدًا يحصل جوانا كل اللخبطة اللي حصلت لك دي." "بس زي ما زينة محتاجة تحاسب نفسها، إنتِ وأحمد كمان محتاجين تاخدوا قرار بخصوصها." "قرار إيه؟ "يا تحاسبوها على كل اللي فات وبعد كده تقرروا إن كنتم هتعرفوا تتقبلوا بعض تاني، ولا هتقلبوا الصفحة وتبتدوا من أول وجديد." ولما لقى قسمت سكتت،
بص لها بخبث وقال لها: "مش ملاحظة إن بعد الأكلة المتينة اللي أكلتيها لنا النهاردة دي إنك كده ظالماني، خليكي بقى مع جوزك حبيبك شوية وانسى أي حاجة تانية دلوقتي." *** تاني يوم الضهر، عزيز كلم أحمد وقال له يبلغ زينة إن العربية موجودة تحت. ولما زينة نزلت اتفاجئت إن عزيز هو اللي سايق العربية، فابتسم لها وقال لها: "اركبى يلا عشان مانتأخرش على بابا." زينة ركبت وقالت له: "إنت اللي هتوصلني بنفسك؟ عزيز
طلع بالعربية وقال لها: "الحقيقة لقيت إني أوصلك بنفسي عشان قسمة تبقى مطمئنة عليكي أكتر، وكمان أنا أطمن إنك هتبقي مستريحة." "أنا مش عارفة أشكرك إزاي." عزيز سكت شوية وبعدين قال لها: "اسمعي يا زينة، محدش فينا معصوم من الخطأ، كلنا بشر ما إحناش ملايكة، لكن الشاطر بقى هو اللي يلحق نفسه." زينة كانت بتسمعه وهي ساكتة، فعزيز كمل كلامه وقال لها:
"أنا عاوزك تعتبري نفسك في إجازة من كل حاجة، تفصلي عن كل حاجة وتنسي كل حاجة إلا حاجتين اتنين لازم تواظبي عليهم، الصلاة والقرآن. عاوزك لمدة تلات أربع أيام على الأقل ماتعمليش حاجة غير إنك تاكلي وتنامي وتصلي وتقري قرآن وبس، وبعد كده ابتدي اخرجى، امشي وسط الزرع والخضرة وإنتي بتتفرجي وبتسبحي الله وبس، من غير ما تفكري في حاجة تانية، بس برضو وإنتي مواظبة على صلاتك وقرآنك، وإنتي ماشية وسط الزرع خدي نفس جامد وطلعيه، هتحسي إن صدرك وسع من كتر الهوا النضيف، ساعتها احمدي ربنا إنك قادرة تتنفسي طبيعي من غير أجهزة صناعي، وإنك قادرة تمشي على رجليكي من غير مساعدة حد، وإنك قادرة تميزي الأشكال والألوان قدامك وغيرك كتير محروم من النعمة دي."
"اقعدي مع نفسك وحاولي تعدي وتحصي نعم ربنا عليكي، صدقيني، كل ما هتفكري إنك عديتيهم وعرفتيهم كلهم، هتلاقي نفسك كل شوية بتكتشفي نعمة جديدة ما كنتيش واخدة بالك منها." عزيز التفت لزينة لقاها بصاله باستغراب، فابتسم وقال لها: "لما هتعملي كل ده هتلاقي نفسك بتتصالحي مع روحك، وصدقيني دي هتبقى أول خطوة لكل حاجة كويسة في حياتك."
فضل عزيز طول الطريق للمزرعة ينصح زينة بهدوء لحد ما وصلوا للمزرعة وعرفها على أبوه ووراها مكان غرفتها، ووصى عليها أم سعيد وحكى لأبوه نبذة عنها ووصاه عليها. وقبل ما يمشي سألها لو محتاجة حاجة، فقالت له: "أنا متشكرة أوي على كل اللي عملته معايا، بس عاوزة أسأل سؤال وبتمنى ما تفهمنيش غلط." عزيز بفضول: "اتفضلي اسألي." "لما حبيت قسمت، حبيت فيها إيه؟ وأوعى تفكر إن نيتي وحشة في سؤالي، بس صدقني عاوزة أعرف الإجابة."
عزيز بص لها شوية وبعدين اتنهد وقال لها: "حبيت صدقها يا زينة." "مش فاهمة؟ "أفهمك، قسمت صادقة في كل حاجة، صادقة في حبها للي حواليها، صادقة في خوفها عليكي وعلى أحمد، صادقة في بساطتها، صادقة في سلوكها، وضوحها في تصرفاتها في حد ذاته صدق، حتى لما بتغضب، بتغضب بصدق وأهم من كل ده بتخلص بصدق." "صدقيني يا زينة، ما فيش أسهل من البساطة، ولا أبسط من الصدق." زينة هزت راسها وقالت له: "أنا بشكرك كمان مرة."
"اعتبري بابا زي والدك بالظبط، ولو احتجتي أي حاجة ما تخجليش إنك تطلبيها منه أو من أم سعيد، أم سعيد هي اللي مربيانا كلنا." "ماشي، شكراً." وسابها عزيز في العزبة ورجع تاني على القاهرة. ***
عزيز لما رجع القاهرة قبل ما يروح على شغله عدى على الشركة الأول عشان يطمن قسمت. وأول ما دخل عليها، لقاها قاعدة فاتحة ملف قدامها، لكن بعيدة عنه تمامًا لدرجة إنها ما حستش بيه وهو داخل عليها. فراح ناحيتها ووطى باسها من خدها، فانتفضت وحطت إيدها على قلبها من الخضة. عزيز وهو بيضمها: "بسم الله الرحمن الرحيم، إيه يا بنتي السرحان ده كله، أوى تقولى إن اللي واخد عقلك حد غيري."
قسمت بابتسامة: "مش كفاية عليك قلبي، هيبقى قلبي وعقلي كمان." عزيز باسها بوسة خفيفة على شفايفها وبعدين قال لها: "أنا راجل طماع، عاوزك كلك على بعضك لوحدي." قسمت بابتسامة: "طمنني.. عملت إيه؟ "ماتقلقيش، وصلتها واتطمنت عليها ووصيت بابا وأم سعيد ياخدوا بالهم منها، وسيبتلها الشنطة في غرفتها." "اتكلمت معاها؟ "اتكلمت كتير، بس أوعى تفكري إن زينة لو حتى اتغيرت، إنها ممكن تتغير بين ليلة والتانية."
"أنا عشمانة في ربنا إنها تفوق وتلحق روحها قبل فوات الأوان." "إن شاء الله.. ربنا ما يخيبش رجاكي، بس أنا عاوزك إنتِ وأحمد ما تسيبوهاش، لازم كل أسبوع حد فيكم على الأقل يكون عندها." "هي ممكن تطول أوي كده هناك؟ "على حسب اعتقادي، إنها هتقعد هناك أكتر ما يتصور أي حد، وهي محتاجة ده." "ربنا يكتب لها الخير." ***
مدحت صحي من النوم الصبح لقى روحه نايم مكانه على الكرسي وقميص زينة لسه في إيده. قام وهو بيحاول يدلك فقرات رقبته وضهره وساب القميص على السرير ودخل الحمام أخد دش ولبس ونزل. لقى شاهي قاعدة على السفرة بتشرب شاي. مدحت باس راسها وقال لها: "صباح الخير يا حبيبتي، ليه ما صحيتنيش لما صحيتي؟ "بقالك فترة بتصحى من غيري." مدحت اتنهد وقال لها: "فترة ولازم تتمسح من حياتنا." شاهي بتريقة: "أفلح إن صدق."
مدحت متضايق من أسلوب شاهي معاه لأنه مش متعود منها على كده، فقام من غير ما يفطر ولا يشرب قهوته وقال لها: "أنا ماشي." "مع السلامة." مدحت باستغراب: "يعني حتى مش هتقوليلى أفطر واللا حتى أشرب قهوتك؟ شاهي بصت له بزعل وقالت له: "ما بقتش تفرق، مانت بقيت لما بتحب تعمل حاجة بتعملها على طول من غير حتى ما تفكر في رد فعل ولا إحساس اللي حواليكم." مدحت وهو بيحاول ما يتعصبش: "هو إنتِ كل ده وبرضه اللي في دماغك في دماغك." ولما لقى إن
شاهي ما ردتش عليه قال لها: "طب أنا هحكيلك على اللي حصل بالتفصيل عشان بس تعرفي إن مش ظالمها." وابتدى مدحت يحكيلها اللي حصل كله من البداية. ولما خلص وكان باين عليه جدًا إنه برضه متأثر من اللي حصل، شاهي قالت له: "عارف يا مدحت إنت عملت زي إيه؟
زي اللي بيبقى ماشي بعربيته في شارع مليان مياه وطين، ويلاقي واحد ماشي هدومه متوسخة فيقوم بعزم ما فيه مزود السرعة وهو سايق ويطرطش عليه كل المياه اللي في الشارع وهو بيقول لروحه.. مش ذنبي هو كده كده كان متوسخ، أو مش ذنبي ده الشارع هو اللي كان مليان طينة." مدحت باستغراب: "يعني كنتِ عاوزاني أعمل إيه مش فاهم؟ "هو المفروض لما واحد يبقى عنده مرض بنعمل إيه، بنعالجه واللا بنحقنه بميكروب يزود المرض عنده؟
إنت عملت كده يا مدحت، ماشي يا سيدي أنا معاك إن زينة وحشة، بس هل إنت بقى حاولت ولو حتى مرة واحدة إنك تشيل منها الوحاشة دي؟ هل حاولت مرة واحدة تقول لها لأ.. إنتِ غلطانة ومش المفروض تبقي كده، حاولت مرة واحدة تقول لها أنا هحبك أكتر لما تبقي أحسن من كده؟ "أنا حذرتها من البداية." "والمريض لما ما بينفذش تعليمات الدكتور بتاعه، الدكتور بيتخلى عنه وبيرميه واللا برضه بيفضل جنبه ويحاول يساعده؟
أنا عارفة إن المحاولة مش لازم تبقى نتيجتها مبهرة، بس على الأقل تبقى عملت اللي عليك وما ترجعش تلوم نفسك، لكن إنت عملت زي الدكتور اللي قرر إن الحالة ميئوس منها وبدل ما يعالجها، اداها حقنة قتلتها." شاهي مسكت إيد مدحت وقالت له برقة: "صدقني أنا بقول لك الكلام ده عشان عارفة إنك بتحبها وإنك مش هتقدر تنساها بالساهل." مدحت بص لشاهي في عينيها وابتسم نص ابتسامة وقال لها: "إنتِ كبرتي وجبتي العقل ده كله من امتى؟
شاهي بابتسامة: "أنا طول عمري عاقلة على فكرة، بس إنت اللي مش واخد بالك، وهتفضل طول عمرك شايفني شاهي الصغيرة." مدحت اتنهد وقام باسها من راسها ومشى ناحية برة وهو بيقول لها: "أشوفك آخر النهار." *** زينة بعد ما عزيز سابها فضلت قاعدة في غرفتها طول اليوم كما هي، ورفضت تمامًا إنها تخرج من غرفتها واتحججت إنها مرهقة من الطريق ومش قادرة تنزل.
أم سعيد وديت لها الأكل لغاية الغرفة وخبطت عليها ودخلت، لقتها لسه قاعدة كما هي حتى ما غيرتش هدومها. "هو إنتِ تعبانة للدرجة دي يا بنتي، ده إنتِ لو جاية ماشية مش هتتعبى كده." وشدتها وقفتها وقالت لها: "قومي قومي يلا غيري هدومك وخديلك دش حلو كده يفوقك وينعنشك، وتاكلي أكلك كله على ما أعملك كوباية شاي حلوة كده بالنعناع طازة يعدل مزاجك." ومدت إيدها شالت الشنطة حطتها لها على السرير وهي بتقول لها:
"طلعي لك غيار حلو كده البسيه بعد الدش وإنتي هتفوقي." وسابتها ونزلت. زينة بصت للشنطة اللي جابها لها عزيز معاه وهي حتى ما تعرفش فيها إيه. ولما فتحتها، لقت فيها هدوم كلها جديدة، بيت وخروج ونوم وحتى ملابس داخلية، ففهمت على طول إن قسمت هي اللي عملت كده، والحقيقة اعترفت إن كل الحاجات كانت على ذوقها بالظبط. أخدت لها غيار وبيجامة ودخلت عملت زي ما أم سعيد قالت لها. ولما خرجت لقت أم سعيد قاعدة مستنياها وجايبالها الشاي في
مج حافظ للحرارة وقالت لها: "أيوه كده، إيه الحلاوة دي، إنتِ أول واحدة أشوفها عيونها باللون ده، غير قسمت مرات عزيز، صحيح قال لي إنك أختها بس إنتِ وأخواتك كلهم عيونكم كده." زينة ابتسمت وقالت لها: "أيوه، كلنا نفس العيون." "وطالعين لمين بقى كانت عيونه لونها كده؟ زينة بزعل: "لماما." أم سعيد
طبطبت على كتفها وقالت لها: "الله يرحمها، يلا يلا، عاوزاكي تاكلي أكلك كله وبعد ما تشربي الشاي، لو حبيتي تنزلي تقعدي مع البيه الكبير شوية تعالي، هتلاقينا قاعدين كلنا في الجنينة." زينة باستغراب: "كلكم مين؟ مش عزيز سافر؟ "يووه من بدري، البيه بيحب يقعد حبة في الجنينة بعد ما يتعشى، وبقعد معاه أنا وعمك أبو سعيد وعم إسماعيل الجنايني واللي تبقى بايتة معانا بقى من البنات وبنتسير سوا لحد ما البيه يحب ينام، كلنا بنروح ننام."
زينة هزت راسها وقالت لها: "ماشي، لما آكل وأشرب الشاي هشوف إن كنت هنام واللا هنزل لكم." "ماشي أنا هنزل أنا بقى عشان زمانهم عاوزين شاي."
زينة كانت معتقدة إنها مش هتاكل، لكن أول ما شافت الأكل أكلت لأنها ما أكلتش حاجة من اليوم اللي قبله وشربت الشاي وطعمه عجبها جدًا، وقررت إنها مش هتنزل، هي عاوزة تقعد لوحدها، عاوزة تعرف ليه مدحت غدر بيها كده. وافتكرت لما كانوا مع بعض آخر مرة قبل ما يروحوا العزومة، وقد إيه ما كانش عاوزها تخرج من حضنه، وافتكرت أما قال لها.. عاوز أشبع منك، كان بيودعها، خلاها تلبس فستانها القديم عشان ترجع بيت أهلها زي ما خرجت منه. افتكرت يوم ما قال لها.. أوعدك إنك تعيشي في حلم جميل عمرك ما هتفوقي منه، لكن خدي بالك… يوم ما أعرف إن حبك ده كان لمجموعة السيوفي مش لمدحت الحلم هيقلب لكابوس وبرضه مش هتفوقي منه.
زينة بتريقة وبحزن: "وأهو قلب لكابوس، بس ما لحقش يعرف إن حبيته بجد، ويمكن أكون أنا اللي عرفت متأخر." زينة لاحظت دموعها اللي نازلة على وشها من غير ما تحس، مسحتهم وقررت إنها تنام وفعلاً.. طفت النور ونامت. ***
زينة صحيت على صوت أذان الفجر، كان صوت الأذان عالي جدًا واكتشفت إن سالم كان عامل مسجد صغير في قلب المزرعة من جوه، كان قريب جدًا من بلكونة غرفتها. اللي لما فتحتها لقت سالم داخل المسجد، ومعاه أبو سعيد ووراهم كام راجل تانيين. واستغربت لما لقت أم سعيد كمان وبنتين داخلين وراهم من نفس الباب. وفضلت واقفة مكانها تسمع الصلاة واللي شدها صوت الإمام فيها بحلاوة صوته. بعد الصلاة ما خلصت، لقت الرجالة خارجين بيتكلموا مع بعض وشوية وخرجت أم سعيد والبنتين اللي كانوا معاها.
زينة فضلت واقفة شوية، كان عاجبها ريحة الجو أوي، رغم إن الدنيا كانت برد لأنها كانت على مداخل الشتا، كانت ريحة الزرع مع ندا الصبحية أكتر من رائع. وشوية ولقت أشعة الشمس ابتدت تشق غيام الليل. أخدها شكل الشروق اللي لأول مرة من سنين طويلة تشوفه. وافتكرت آخر مرة اتفرجت فيها على الشروق، لما كانت طفلة، وكانت صاحية مع أخواتها مستنيين ينزلوا يصلوا العيد مع أبوهم. سنين طويلة عدت عليها وهي ما بقتش تستنى صلاة العيد، فما بقتش تحضر اللحظة دي.
واعترفت بينها وبين نفسها إنها أول مرة تحس بجمال المنظر. وافتكرت كلام عزيز، فراحت اتوضت وصَلت. صحيح كان الشروق طلع، بس قررت إنها لما تصحى على أذان الفجر مرة تانية مش هتضيعه تاني ولازم تصليه في وقته. بعد ما صَلت.. قامت قعدت في البلكونة، لقت أم سعيد بتخبط عليها وبتقول لها: "صباح الخير يا زينة البنات، لما إنتِ صحيتي وسمعتي الفجر، ما نزلتيش صليتي معانا ليه وكنتي أخدتي ثواب الجماعة؟ "هو إنتوا بتصلوا كلكم مع بعض كده إزاي؟
"سالم بيه كان عامل في المسجد أوضة صغيرة بالخشب من جوه عشان الست أم عزيز الله يرحمها كانت بتحب صلاة الجماعة، فبقى الستات يدخلوا يصلوا فيها كل صلاة، اعملي حسابك من النهاردة، واتعودي كل أذان نصلي مع بعض." زينة هزت راسها وقالت لها ماشي. "طب يلا عشان نفطر كلنا سوا." "دلوقتي؟ لسه بدري أوي."
"يلا بس اسمعي الكلام، غيري وانزلي وتعالي لنا على الجنينة، أول ما تخرجي من الباب الكبير ادخلي شمال من عند شجرة التوت هتلاقينا كلنا بره." أم سعيد خلصت كلامها وسابت زينة وخرجت. زينة ما كانتش عاوزة تشوف حد، بس قررت إنها تنزل النهاردة بس وبعد كده تبقى تتحجج لهم بأي حجة.
لبست بنطلون وتيشيرت وحطت غطا على شعرها ونزلت تدور عليهم. وأول ما شافتهم لقتهم فارشين على الأرض وسالم قاعد على شلتة عربي كبيرة وقاعد جنبه أبو سعيد وأم سعيد وعم إسماعيل الجنايني وقدامهم طبلية عليها من خيرات الله، فطير وجبنة وقشطة وبيض وعسل. زينة أول ما شافتهم انصدمت من المنظر. إزاي سالم قاعد وسط اللي شغالين عنده وبياكل معاهم ووسطهم بالبساطة دي. وكانت عاوزة تلف وترجع تاني، لكن سالم شافها ونده عليها:
"تعالي يابنتي، يا أهلا وسهلا، تعالي ما تنكسفيش كلنا هنا أهلك." زينة راحت عندهم وقالت: "صباح الخير." أبو سعيد: "صباح الفل والياسمين على عيونك، ده المزرعة نورت." أم سعيد: "يلا يا حبيبتي اقعدي على الشلتة اللي قدامك دي وكلي يلا." "أنا أصلاً ما بفطرش." "هنا مفيش الكلام ده، الجو عندنا أصلاً بيجوع، يلا مدي إيدك وكلي على قد نفسك، إنتِ في بيتك يا بنتي."
زينة مدت إيدها وقالت في نفسها إنها هتعمل نفسها بتاكل، لكن ما فيش لحظات ولقت نفسها فعلاً بتاكل واندامجت معاهم وهي بتسمعهم بيتكلموا على الشغل اللي هيتعمل، وسالم بيقسم عليهم الشغل كل واحد هيعمل إيه. واتنبهت على صوت سالم وهو بيقول لها: "إيه رأيك يا زينة، أنا هلف على المزرعة بالكاريتة، تيجي معايا أفرجك عليها واللا تحبي تتمشي إنتِ براحتك؟
أم سعيد: "لأ كاريتة إيه، سيبهالي النهاردة، أنا رايحة ناحية الحوض القبلي، هفرجها عليه، اتوكل إنت على الله." سالم وهو بيعاكس أم سعيد: "هو إنتِ اللي هتقولي واللا هي؟ أم سعيد بإصرار: "أنا طبعًا، إحنا ستات زي بعض، سيبهالي وأنا هخليها تهيص."
وفعلاً أم سعيد صممت تاخدها معاها، وعلى قد ما كانت كبيرة في السن، بس كانت نشيطة وخطوتها واسعة. أخدتها ومشيت بين الزرع وهي عمالة تحكيلها عليه وعلى جوزها وابنها، وعلى عشرتهم مع سالم وولاده، وخصوصًا على اللي تعتبر هي اللي مربياه، وكمان مرضعاه سعيد ابنها. وفضلت كل شوية وهي بتتكلم تقولها… إملي صدرك من الهوا النضيف، وسعي صدرك ونضفيه. وكانت زينة من غير ما تحس تعمل زي ما بتقول لها. وفضلوا كده لحد ما وصلوا عند حتة أرض مزروعة كلها خضار. أم سعيد كانت واخدة معاها سبت، وأول ما وصلوا مدت السبت لزينة وقالت لها، شوفي عاوزة تتغدى إيه النهاردة وهاتيه.
زينة بصدمة: "أنا أجيبه؟ لأ طبعًا ما أعرفش." "لأ هتعرفي وأنا معاكي أهو، بس يلا قولي هتاكلي إيه." زينة بصت على الأرض لقت فيها كل ما تشتهيه الأنفس، بس هي مش عارفة هي عاوزة إيه، ففضلت واقفة مكانها. أم سعيد شدتها وأخدتها على المكان اللي مزروع فيه الخيار والطماطم والفلفل وقالت لها، طب تعالي نجيب حاجة السلطة الأول.
زينة ابتدت تقطف معاها الخضار، أم سعيد أشارت لها على الجزر فراحت تشده من الأرض، ولقت نفسها كانت هتقع وهي بتشد الخس من الأرض فأم سعيد قعدت تضحك وعلمتها إزاي بيجمعوه عشان الزرعة ما تبوظش. ولما شافت الكرنب في الأرض قالت: "الله منظره يجنن." "ها.. تاكلي محشي؟ زينة بتردد: "الحقيقة منظر الزرع وهو في الأرض بالمنظر ده يخلي الواحد نفسه تشتهيه كله."
أم سعيد طلعت حاجة من جيب عبايتها زي المطواة وراحت قطعت بيها جدر كرنباية من الأرض وأخدتها في حضنها وراحت أدتها لزينة. فزينة استغربت وقالت لها: "أعمل بيها إيه؟ أم سعيد وهي بتضحك: "خليها تدفيكي على ما أجمع بقية الحاجة اللي محتاجينها." وسابتها ودخلت حتة أرض قعدت تجيب منها حاجات وطلعت حطتهم كلهم في السبت وقالت لزينة يلا.
زينة شايلة الكرنبة وهي محتاسة بيها، بس الغريبة إنها ما كانتش متضايقة وكانت بتضحك مع أم سعيد. وفضلوا يتكلموا ويضحكوا لحد ما رجعوا تاني البيت، وأم سعيد أدّت السبت والكرنباية للبنات وقالت لهم يبتدوا يحضروا ويوضبوا عشان الغدا. وقالت لزينة: "اطلعي بقى غيري هدومك اللي اتبهدلت طين دي وتعالي." زينة بصت على إيدها وهدومها لقتهم فعلاً غرقانين طين، فشهقت وبعدين ضحكت وقالت: "إيه اللي عمل فيا كده؟
فبنت من اللي بيشتغلوا مع أم سعيد وكانت في العشرينات من عمرها قالت لها: "ما إنتِ يا أبلة كنتِ شايلة الكرنبة في حضنك، الكرنب ما بيتشالش كده." "ما هو بيتشال إزاي؟ البنت حطت الكرنباية على راسها وهي بتقول لها: "بيتشال كده." سعيد ضحكت أوي وقالت لها: "يخيبك يامهجة، وإنتي بقى يا مخبلة عاوزاها تشيلها كده؟ "طب ما إحنا كلنا بنشيلها كده يا خالتي."
"إنتِ متعودة يا نن عين خالتك، لكن الغلبانة دي لو عملتها تقعد أسبوع مصدعة ودماغها وجعاها. روحي يا بنتي غيري وتعالي أحسن لو فضلت تتكلم هنقعد مكاننا كده لبكرة." طلعت زينة على غرفتها ودخلت غسلت إيدها ووشها وغيرت هدومها ووقفت قدام المراية تظبط نفسها وبتبص على وشها اتفاجئت إن فيه ابتسامة واسعة على وشها يمكن بقالها سنين طويلة ماشافتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!