سار حمزة طول الطريق يعد نفسه لما سيقوله عند يصل، ولكن كان التوتر يسيطر عليه بدرجة كبيرة. وحين وصل، بلغ توتره ذروته فنسي كل ما أعده من كلام. وقف ينتظر حين رآها تخرج من مكان عملها فتقدم ناحيتها. حين رأته مقبلًا عليها، قالت بدهشة: "حمزة! وقف أمامها بصمت وقال بصوت هادئ: "لو سمحتِ يا وئام، ممكن أتكلم معاكِ؟ مش هاخد من وقتك أكتر من خمس دقائق." مازالت وئام تحدق به بدهشة، فقد تفاجأت من مجيئه إليها. عاد يتحدث بإصرار:
"وئام، سامعاني؟ أومأت برأسها باستغراب: "أيوا سامعاك يا حمزة، بس ليه؟ قال بحزم: "هتعرفي لما نقعد." فكرت قليلًا وهي تنظر حولها، ثم عادت إليه ببصرها تقول بصرامة: "مش هينفع أخرج معاك لوحدنا، إحنا أغراب عن بعض، وأنت رجل متجوز كمان. هتصل على مؤمن ابن عمي يجي هو وكارم." أومأ برأسه بموافقة: "تمام، اتصلي ونروح الكافيه نستناهم."
أخرجت هاتفها تتصل على مؤمن وأخبرته أن يحضر إلى المقهى القريب من الشركة التي تعمل بها لأمر ضروري. لقد أخذ مؤمن هذا اليوم إجازة حتى يعتني بكارم بينما هي تسوي أمورها في عملها القديم لأنها رغبت في العودة إليه. بعد قليل، حضر كارم ومؤمن، الذي أخذ ينظر لحمزة باقتضاب ثم حدق إلى وئام: "في إيه؟ قالت بارتباك من نبرته: "حمزة كان عايز يتكلم معايا في موضوع مهم، وعلشان مينفعش نقعد لوحدنا اتصلت عليك تيجي." قال بنبرة ثابتة:
"أنتِ عايزة كده؟ أومأت برأسها، فنظر له بتفحص ثم حول نظراته لحمزة، الذي نظر إليه بثبات وقال ببرود: "يلا بينا." حين دلفوا إلى المقهى، كان مزدحمًا ولم يجدوا غير طاولتين شاغرتين، ولكنهما بعيدتان عن بعضهما، فحدقت وئام إلى مؤمن بترقب. أمسك مؤمن بيد كارم ثم نظر إلى حمزة بجمود: "قدامك ربع ساعة تقول اللي أنت عايزه، وبعد كده القرار لوئام." أومأ حمزة وذهب مع وئام إلى طاولة، بينما توجه مؤمن مع كارم للطاولة الأخرى.
جلسا أمام بعضهما ونظر حمزة إلى يده بتوتر. رفع بصره إلى وئام وقال بتوتر: "ماما ماتت من فترة." ارتفعت حاجبيها في دهشة: "بجد؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. البقاء لله." قال بحزن: "الدوام لله. علشان كده أنا جاي أطلب منك حاجة مهمة، وهو إنك تسامحي ماما يا وئام. ماما غلطت كتير في حقك وفي حق ناس تانية، وأنا خايف عليها من ذنوبها." ابتسمت نصف ابتسامة في لفتة عجيبة منها وهي تنظر بعيدًا:
"مش هقدر أكدب عليك وأقولك إني مسامحاها، لكن ربنا يسامحها يا حمزة ويرحمها." حدقت إليه: "الحاجة الوحيدة اللي كانت مزعلاني جدًا هي اللي عملته في ماما الله يرحمها." قال بذهول: "هي مامتك توفت؟ أومأت برأسها: "آه، من كام شهر لسه من قريب برضه." قال بعطف: "البقاء لله، ربنا يصبرك. أنا كنت بحب مامتك جدًا، كانت طيبة أوي." أومأت برأسها وقد عجزت عن الحديث عند تذكر والدتها. تنهد حمزة:
"المهم تكوني تحاولي تسامحي ماما يا وئام، هي دلوقتي محتاجة ده جدًا." قالت وئام بهدوء: "ربنا يسامحها يا حمزة، ويمكن أقدر أسامحها في يوم." حدق بها باستغراب وتركيز: "أنا حاسس إنك اتغيرتي يا وئام، يعني مثلًا مكنتش متوقع إنك توافقي بالسهولة دي إنك تقابليني." ابتسمت ببساطة:
"لأني فعلًا اتغيرت يا حمزة، واتغيرت جدًا كمان. مبقتش نفس وئام زي زمان، مبقاش عندي أي ضغينة أو حاجة جوايا للماضي. دلوقتي بس بقي عندي سلام داخلي بحاول أعيش بيه باقي عمري. الفترة اللي فاتت غيرتني جدًا وغيرت نظرتي لكل حاجة، حتى اللي كنت عايزة أتغير." مازال يحدق بها بتعجب: "إيه اللي اتغير؟ رفعت كتفيها بلامبالاة:
"حاجات كتيرة، أهمهم صفات من شخصيتي مكنتش واخدة بالي إنها سلبية وبتأذيني وفيها ضرر ليا. ولما بدأت أفكر أحسن بدأت أرتاح أكتر ومبقاش عندي أي شعور سيء تجاه أي حد، عايزة بس أعيش مرتاحة." حدق بها بابتسامة ثم تردد، ولكن قال في النهاية: "يعني كده ملناش فرصة تانية سوا؟ اتسعت عيناها بصدمة: "حمزة! أنت بتقول إيه؟ أنت متجوز! أخفض بصره: "أنا طلقت مريم من مدة." رفعت حاجبها: "طب ليه؟ لم يجب بل تنهد ثم قال:
"يعني ظروف جوازنا مكنتش طبيعية، وأنا كنت لسه بحبك وحاجات كتيرة أوي، ومقدرتش أظلمها معايا." ابتسمت وئام وهي تنظر له بتدقيق: "حمزة، أنت أخدت بالك أنت قولت إيه؟ عقد حاجبيه: "قولت إيه؟ قالت بذكاء: "كنت بتحبني، يعني دلوقتي أنت مش بتحبني يا حمزة، ودي حاجة أنا متأكدة منها." قال باستنكار: "إزاي ده؟ وئام بحكمة:
"زي أي حاجة بنتمناها ومش بنحصل عليها، بيبقى جوانا نوع من الحنين وشعور إننا اتحرمنا من الحاجة دي، زي لعبة مثلًا كان نفسك فيها أوي بس مقدرتش تشتريها، بيبقى جواك نوع من الحسرة كل أما تفتكرها، وبيبقى نفسك فيها أوي وتعيش طول عمرك حزين عليها، ومعمي عن أي حاجة تانية قدامك، وممكن تضيع عمرك كله بنفس الوضع ده وتخسر حاجات كتير أوي وأنت مش واخد بالك. والله أعلم، يمكن لو كانت جاتلك مكنتش حبيتها أبدًا. وده وضعنا دلوقتي، أنت من
جواك مبقتش تحبني يا حمزة، لكن لسه جواك حنين وحسرة على اللي كان بيننا، ولأننا طبعًا اتفرقنا بطريقة مش طبيعية ولا عادلة وكان فيها وجع لينا إحنا الاتنين، مقدرتش تنسى وده فضل جواك. أفضل حاجة كنت تعملها يا حمزة إنك تتقبل زي ما أنا تقبلت كده، إنه الانفصال كان غلطة مشتركة بيننا كمان مش غلط مامتك وبس. أنا فهمت ده بعد فترة طويلة والحمد لله إنه فهمته. فهمت إن العلاقات بتحتاج حاجات أكتر وأهم من الحب عشان تستمر وتنجح، وإحنا
علاقتنا مكنش فيها ده يا حمزة."
كان يحدث بها بذهول لتحليلها الأمر بهذه الطريقة، وتابعت بارتياح: "أنا دلوقتي بقيت محتاجة وعايزة حاجات أهم من الحب بكتير، حاجات مش متأكدة إذا كنت هقدر أحسها معاك ولا لأ، هي الراحة والأمان." ابتسمت وتابعت:
"البنت منا لما بتتخطب أو تتجوز مش بتبقى عايزة مجرد شخص تحبه، لأ، بتبقى عايزة شخص تحبه وتتسند عليه وتحمي نفسها من الدنيا كلها منه لو حسيت في يوم بأذى من أي حد. تلجأ له وتفضفض له، تبقى على راحتها معاه، تبقى معاه بشخصيتها الحقيقية بدون أي تكلف ولا تظاهر ولا خوف. أنا عقلت لدرجة إني عايزة الحاجات دي حتى لو كانت من غير حب يا حمزة. لذلك أنا حتى لو بحبك يا حمزة، فأنا مش عايزة أرجع تاني. علاقتنا واللي حصل فيها كان عاطفي
واندفاعي جدًا ومرهق نفسيًا، والأذى اللي سببته مامتك ليا ولمامتي كان صعب جدًا عليا، لأني في النهاية كنت مجرد بنت مخطوبة عايزة تكون أسرة بسيطة مع الشخص اللي بتحبه، مكنتش عايزة أكتر من كده. لكن الحمد لله على كل حال، أنا مؤمنة إن كل حاجة حصلت كانت خير لينا، وافتراقنا عن بعض كان برضه خير لينا، سواء بتدخل مامتك أو بغيره. والتجربة دي علمتني حاجات كتيرة أوي."
بقي ينظر لها مطولًا حتى قال بنصف ابتسامة: "كل ده يا وئام؟ أنا عمري ما فكرت كده. طب والشخص ده هو ابن عمك؟ ضحكت بذهول: "عرفت منين؟ حدق بطرف عينيه: "يمكن لأنه قاعد يبص لنا وكأنه عايز يقوم يخ*نقني، أو لأنه حسيت إن عينك بتلمع وأنتِ بتتكلمي ورأسك ونظرتك بتروح ناحيته، وكمان مش بنعرف كل الحاجات اللي قولتيها دي غير لما نمر بتجربة تعلمنا الفرق." قال بتساؤل: "طب أنتِ عارفة إنه بيحبك؟ أومأت برأسها بثقة فتابع بتعجب:
"بس عارفة إزاي مش باين عليه حاجة! قالهالك؟ قالت بحرارة وعيناها تلمع:
"مؤمن عنده أكتر عادة مزعجة في الدنيا كلها، هو إنه شخص كتووم مش بيظهر مشاعره. مقالهاش لأ، بس أنا حسيت بيها. حسيت بيها في كل مرة حاول يخرجني بيها من حزني، كل مرة كان بيقف جنبي، وكل مرة كان بيخاف على مصلحتي، وحاجات كتيرة أوي. هو مقالهاش لما كنت مجروحة بعدك، ومقالهاش في ظروف وفاة ماما وباباه، ومش هيقولها وهو شايفاك رجعت لحياتي وممكن تطلب مني أرجع. هو مش هيقولها، هيسيب الاختيار ليا أنا."
حدق بها وقد أدرك أنها بالفعل تعني ما تقول، أبتسم بقليل من المرارة وقال: "ربنا يوفقك في حياتك يا وئام." ابتسمت والدموع في عينيها: "وأنت كمان يا حمزة، ربنا يوفقك في حياتك الجاية. نصيحتي ليك فكر كويس ومتخسرش مريم، لأنه من إحساسي إنها بتحبك جدًا. بتمنى لك السعادة حقيقي وإنك تقدر تتحرر من الماضي وتنساه زي ما أنا اتحررت ونسيت." أومأ برأسه بصمت، فقد كان الصمت أبلغ من الكلام في تلك اللحظة، ثم بعد دقيقة نهضت فنهض معها.
قالت له بابتسامة هادئة: "مع السلامة يا حمزة." رد حمزة بهدوء: "مع السلامة يا وئام." خرج حمزة وغادر، بينما توجهت وئام إلى مؤمن الذي يحدق بها بحيرة. قال لها عندما وصلت إلى طاولتهم: "هو مشي؟ كان عايز إيه؟ قالت بمشاكسة: "هو أنت مش شايفه وهو ماشي يعني؟ حدق بها بضيق فتابعت بهدوء: "كان عايز يصفي شوية أمور بيننا مش أكتر." نظرت إلى كارم وقالت بحماس: "إيه رأيك نخرج ونروح نأكل آيس كريم؟
قفز كارم لاقتراحها بحماس، بينما كادت تضحك من شكل مؤمن الذي ينظر لها بتعجب. حين كانوا يسيرون إلى سيارته قالت له: "فاكر لما قولتلك في يوم لو كنا بنحب بعض واتجوزنا كان أريح ليا من حاجات كتير؟ ضيق عينيه وهو ينظر لها وقال باستخفاف: "أيوا، وبعدين؟ وقفت أمامه وابتسمت ابتسامة حقيقية واسعة: "إيه رأيك لو نخلي الحل ده حقيقي وواقع؟ يعني تنقذ بنت عمك وتتجوزها، وكده كده مش هتلاقي أحسن مني؟
عاد حمزة إلى المنزل بتعبير هادئ ولم يتحدث مع أحد وصعد مباشرة إلى الشقة. توجه إلى خزانته وأخرج حقيبته يضع بها بعض الملابس بعزيمة. بعد قليل، شاهدت مريم سيارة تغادر وسلمى وأميرة يعودان إلى البيت. قالت بتعجب ل سلمى: "العربية دي كانت موجودة ليه؟ حد تعرفوه؟ جلست سلمى على الأريكة وتنهدت: "العربية دي كان فيها حمزة، هو أخد هدومه وودعنا ومشي خلاص، سافر." تجمدت مريم في مكانها: "إيه؟ سافر!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!