كان مؤمن ووئام يسيران بسرعة في ممرات المستشفى بعد أن اتصلت وئام بمؤمن وأخبرته أن شخصًا اتصل من هاتف والدتها ليخبرها أن والدتها تعرضت لحادث، على الفور حضر لها مؤمن ليأخذها بعد أن تركت كارم في عهدة جارة طيبة لهم لديها أولاد من عمره. أسرع مؤمن إلى موظفة الاستقبال: "لو سمحتِ، فيه ناس كبار، واحد وواحدة، عملوا حادثة وجوا هنا من حوالي ساعة كدة." حدقت به الفتاة بأسف:
"فيه حالات وصلونا كدة، دي حادثتهم كانت خطيرة، الست حالتها صعبة أوي في العناية المركزة والرجل مستحملش، لأنه كان تعبان. البقاء لله." صرخت وئام وهي تضع يدها على فمها وتبكي بعدم تصديق، أما مؤمن حدق في الفتاة كأنه لا يستوعب ما تقوله، ثم استدار ببطء وسار إلى حيث ألقى بنفسه على كرسي الاستقبال وهو يحدق في الفراغ بصدمة. دلف حمزة إلى داخل الشقة بخطوات ثابتة بينما ارتجفت أمه من نظراته التي يوجهها لها. حاولت أن تقول بتلعثم:
"ح... حم... زة، أن... أنت فاهم... أسكتتها نظرته الحادة، ثم نظر إلى مريم وقال بنبرة جامدة: "اطلعي فوق." مريم بتوتر: "حمزة... صرخ بها: "قولتلك اطلعي فوق." انتفضت من صراخه وصعدت إلى أعلى بسرعة، فاستدار حمزة لوالدته يحدق بها وعيناه حمراء متسعة وصدره يصعد ويهبط من شدة الانفعال. حاول الكلام عدة مرات وكل مرة يصمت، حتى قال لها: "اللي سمعته صح يا ماما؟ قالت بكذب واندفاع: "ل... لا طبعًا يا حمزة، د...
ده أنا كنت بخوفها، وبعدين أنت رجعت لك الذاكرة إمتي؟ ابتسم بسخرية وعيناه تلمع بالمرارة: "لسة هتكدبي عليا تاني؟ أنتِ عارفة، أنا نفسي أصدقك حقيقي، نفسي أصدقك زي ما صدقتك قبل كده." أقترب منها على غفلة وأمسك بيدها وهو يقول بشدة: "ماهو أنا مكنش ينفع أصدق غيرك صح؟ أنا لازم أصدقك أنتِ، أنتِ وبس، آمال هصدق مين يعني؟ وئام؟ البنت اللي دخلت حياتي من فترة مش كبيرة، ولا أمي اللي بتحبني أكتر من أي حاجة زي ما بتقول؟
كلهم كدابين وأنتِ الصح يا ماما صح؟ أنتِ الحقيقة الوحيدة في حياتي رغم كل كدبة، أنتِ الشخص الوحيد اللي صدقته وبصدقه، أنتِ مثلي الأعلى من ساعة ما بابا مات." هدأت نبرته قليلًا وقال بشجن متألم:
"بالنسبة لأي طفل أو شاب أمه بتبقى أهم ست في حياته، بيعيش وبيكبر وهي بتبقى أول حب ليه، بعدين بيتمنى يدور على حد شبهها عشان يكمل معاه حياته، لأنه بالنسبة له أمه دي شخص مفيش زيه، دائمًا صح ودائمًا على حق، استثنائية وملهاش زي، وأنتِ كنتِ كده بالنسبة ليا." بكت والدة حمزة وجلست، فركع حمزة أمامها وأكمل:
"رغم حبي لوئام ووجعي على فراقها، بس وجعك أنتِ وزعلك كان أهم بالنسبة ليا، حتى لو كنت شاكك أو مصدوم، فـ مينفعش، مينفعش أشك فيكِ، لأنه أنتِ الوحيدة اللي عمرها ما هتكدب عليا، أنتِ اللي بتحبيني وعايزة مصلحتي وسعادتي." نظر حوله بضياع ودموعه تتساقط دون شعور منه: "طب... طب مزعلتيش عليا؟ مكنتيش زعلانة ولا قلقانة وأنتِ شايفاني بتعذب قدامك وقلبي مليان وجع؟ مهمتكيش؟ يعني كل ده كان كذب؟ وئام معملتش حاجة وأنتِ كل ده بتخدعيني؟
اشتدت نبرته المًا واحتقارًا للنفس: "ومريم نفسها اللي دخلت اللعبة دي بسببك وبسببي كمان مصعبتش عليكِ؟ بس هي ليه هتصعب عليكِ وابنك نفسه مش هامك! نهض وقال بصوت مبحوح: "لما كنت بزعل من أي حد أو أحس بالخذلان كنت بجري عليكِ ألجأ لك، دلوقتي لما تكونِ أنتِ اللي خذلتيني وخيبتي أملي، أروح فين يا ماما؟ نظرت في الأرض، أما هو حمزة قال بحسرة: "أنا مكنش ينفع أصدق غيرك... أنا... أنا مكنش ينفع أصدقك! قال كلمته هذه ثم غادر بسرعة،
أما هي صرخت باسمه: "حمزة! لم يلتفت لها وغادر المنزل بأكمله وتركها تبكي. جلست وئام تبكي بشدة وهي تتذكر اللحظات الأخيرة لعمها معها، لا تصدق أنها فقدته، لقد أحبته واعتبرته أباها، ورغم كل شيء أملت أن يبقى معها ولكنه ذهب هو أيضًا. حدثها مؤمن الصامت الذي لم يبدي أي رد فعل أبدًا منذ أن سمع الخبر، وشعرت بالقلق عليه. وئام بصوت حزين: "مؤمن... مؤمن." نادته عدة مرات ولم يرد، حتى نادته بصوت أعلى فـ انتبه لها.
نظر لها مؤمن بنظرات زائغة: "أيوة يا وئام." قالت وئام بتوسل: "بالله عليك أعمل أي حاجة، متقعدش ساكت كدة." حدق أمامه وهو ينهد ثم يقول بصوت متحشرج: "هعمل إيه يا وئام، هو إيه الباقي عشان يتعمل." بكت أكثر وهي تنظر له وهي تعلم أنه يتألم بشدة داخله ولا يظهر عليه، لقد كان هذا طباعه منذ أن كان صغيرًا. خرج الطبيب من غرفة والدتها فـ أسرعوا إليه. قالت وئام بلهفة: "ماما أخبارها إيه يا دكتور؟ هز رأسه وقال بأسف:
"حالتها صعبة جدًا وهندخلها عملية بالليل ونسبة النجاح مش كبيرة، ادعوا لها." ذهب الطبيب، بينما جلسوا مجددًا ووئام تبكي بخوف هذه المرة على والدتها وتختلس النظرات لمؤمن الشارد بقلق من فترة لأخرى. حين صعدت مريم إلى شقتها، دلفت إلى الداخل ثم جلست على الأريكة بوجه حزين متألم. ارتعشت فـ احتضنت نفسها، انهمرت دموعها ساخنة على وجنتيها ثم أغمضت عينيها. بدأت تبكي وهي تعي حقيقة كل ما حدث ويحدث، وكان كل ما حدث عبارة عن كذبة!
علت شهقاتها وهي تضرب نفسها على رأسها بتوبيخ: "غبية! غبية! غبية وعامية كمان! وضعت يدها على وجهها تبكي: "أنا إزاي مخدتش بالي إزاي! تذكرت ما حدث يوم كتب الكتاب، ثم اليوم الذي يليه قبل الحادثة حين كانت معاملته وتصرفاته غير طبيعية، لكنها كانت سعيدة ولم تلتفت لأي شيء آخر. سمعت صوت باب المنزل يغلق بقوة فـ أسرعت إلى الشرفة لترى حمزة يخرج من المنزل بخطوات مسرعة، فـ عادت تبكي مجددًا بحرقة لوقت طويل حتى تأخر الوقت ولم يعد حمزة.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبها فـ أحضرت هاتفها لتتصل به، ولكنها وجدت هاتفه في المنزل، فـ جلست تنتظره بإحباط. عند منتصف الليل ولج حمزة إلى المنزل، نهضت مريم بسرعة حين دلف تقول بقلق: "كنت فين كل ده يا حمزة؟ نظر لها بعيون لا يظهر فيها أي شعور ولم يرد، ثم تحرك ليدلف إلى الداخل وهو يقول ببرود: "جهزي نفسك هنمشي من هنا الصبح." في حركة مفاجئة وقفت أمامه وهي تنظر له بعطف فـ شعر بغصة في حلقه.
اقتربت منه ووضعت يديها على كتفيه بمواساة صامتة. فـ رفع عينيه الملئتين بالدموع لها، انهمرت دموعه مع تحطم واجهته الباردة وهو يضع رأسه على كتفها يبكي بحرقة. بينما هي تحيطه بذراعيها وتبكي معه، هبطت جالسة على الأرض وهي ما زالت تحضنه وهما يبكيان سويًا على ألم كل منهما، ومريم لا تعرف هل تبكي على نفسها أم عليه هو أيضًا! في الصباح كانت والدة حمزة تنتظر بخوف وقلق، محتارة أن تبقى مكانها أم تصعد إلى حمزة.
شاهدت حمزة يهبط مع مريم السلالم برفقة حقائب، فـ أسرعت نحوه تقول بدهشة: "رايح فين يا حمزة؟ حدق أمامه وهو يقول ببرود: "همشي أنا ومريم من هنا." تجمعت الدموع في عينيها وحاولت الاقتراب منه: "ليه يا بني؟ ده بيتك! حدق بها وقال بقسوة: "ده مبقاش بيتي من دلوقتي، أنا ميت بالنسبة ليكِ وتنسي خالص أنه ليكِ ابن اسمه حمزة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!