جلس حمزة على طاولة في كافيه قريب ينتظر الشخص الذي حضر من أجله، حين رآه قادمًا، نهض ليحييه. مد يده له بترحيب: "أهلاً يا خالد، شكراً أنك وافقت تيجي." قال خالد بهدوء: "مفيش شكر ولا حاجة، أنا كنت عايز نتفاهم مش أكتر." جلس حمزة ليقول بأسف: "أنا مش عارف أبدا كلامي منين، لكن أول حاجة حابب أقولها هي أني أعتذر لك عن سلوك والدتي، أنا آسف جداً ليك ولوالدتك." خالد بجدية:
"أستاذ حمزة، أنا ممكن أتغاضى عن أي حاجة ليا، لكن أي حاجة تمس والدتي مقدرش أسامح فيها." حمزة بتفهم: "أولاً بلاش رسميات بيننا، طبعاً أنا فاهمك، علشان كده أنا كمان بوضح لك موقف والدتي، هي ست بسيطة جداً في تفكيرها ومن اللي شافته حواليها واللي اتربت عليه، هي خافت على أختي علشان كده اتصرفت بدون تفكير." قال خالد برزانة:
"المشكلة إنه حتى ملحقناش نتناقش ولا نوضح موقفنا، أنا متفهم خوفك وخوفها، لكن في نفس الوقت كان لازم أوضح موقفي إني مش عايز أسيب والدتي لوحدها، حتى كان ممكن نوصل لحل وسط." حمزة باستفهام: "حل زي إيه مثلاً؟ قال خالد بحكمة:
"زي مثلاً أشتري شقتين في نفس الدور، واحدة ليا ولسلمى وواحدة لماما مع حد يساعدها، أنا ظروفي تسمح الحمد لله، أو أشتري فيلا صغيرة دورين، دور لماما ودور ليا أنا وسلمى، وسلمى هتبقى بحريتها وفي نفس الوقت مش هسيب ماما لوحدها، أنا كان يهمني من كل ده أكون جنب والدتي علشان هي تعبانة ووحيدة من يوم وفاة بابا، فمش عايز أحسسها بالوحدة أنا كمان." ابتسم حمزة بإعجاب:
"تفكير كويس جداً، أنا حالياً مش عارف أقول إيه، لكن أتمنى تقبل اعتذاري بالنيابة عن والدتي وتوصله لوالدة حضرتك، وفي النهاية ده نصيب." ابتسم خالد ثم قال بتردد: "يعني خلاص مفيش أمل أخطب سلمى؟ اندهش حمزة: "هو أنت عايز تكمل في الخطوبة؟ اتسعت ابتسامة خالد: "آه، أنا تقبلت اعتذارك ووالدتي كمان أقدر أقولك إنها تقبلته مسبقاً، لكن ليا طلب." قال حمزة باهتمام: "إيه هو؟ خالد بجدية:
"الصراحة التعامل بيننا وبين والدة حضرتك هيبقى محدود، وده تجنباً للمشاكل، يعني في الخطوبة وأي حاجة تانية متزعلش مني، لكن اللي حصل مش بيتنسي بالساهل ومش عايز سوء تفاهم تاني." قال حمزة بضيق لأنه كان محقاً في هذه الناحية: "طبعاً أنا مقدر ده، وإن شاء الله مش هيحصل مشاكل ولا حاجة، زي ما قولتلك كان سوء تفاهم." ابتسم له خالد: "يبقى إن شاء الله نيجي امتى علشان نحدد ميعاد الخطوبة؟ قال حمزة بارتياح:
"في أي وقت يناسبكم، إن شاء الله تيجيوا بيتي المرة دي." نهض خالد بعد أن أنهوا حديثهم وسلم عليه ثم غادر لعمله، بينما عاد حمزة للمنزل وهو ينادي على سلمى. خرجت من المطبخ تقول باستغراب: "نعم يا حمزة؟ فيه حاجة؟ اقترب منها بابتسامة سعيدة: "عايزك تحضري نفسك يا عروسة النهاردة بالليل إن شاء الله." رفعت حاجبها بعدم استيعاب: "عروسة؟ وأحضر نفسي ليه؟ قبل رأسها: "علشان خالد ومامته جايين بالليل إن شاء الله علشان نحدد ميعاد الخطوبة."
صرخت بفرحة وهي تحتضنه، فخرجت أميرة من حجرتها بفزع: "إيه ده؟ قال حمزة: "خالد اتقدم لسلمى، إن شاء الله هيجي بالليل عشان نحدد ميعاد الخطوبة." فرحت أميرة بشدة وركضت إليه تعانقه، ثم تعانق سلمى بسعادة. نظر لهم بابتسامة ثم التفت حوله بحيرة: "أمال مريم فين؟ سلمى بعفوية: "مريم في الحمام بتغسل هدوم." ربت على رأسها: "طيب أنا هروح أشوفها." ثم أكمل بجمود: "اللي بيكلم ماما منكم يقولها عايزة تحضر تيجي، مش عايزة براحتها."
تركهم وذهب باتجاه الحمام ليجد الباب مفتوحاً ومريم تملأ دلواً كبيراً بالماء على حوض الحمام. اقترب منها بهدوء وقال: "بتعملي إيه يا مريم؟ انتفضت، فيبدو أنها لم تسمعه قادماً، ووضعت يدها على قلبها والتفتت ناحيته وهي ما زالت تمسك بالدلو وتقول بتوبيخ: "خضتني يا حمزة! رفع حاجبه وضحك: "خضيتك ليه؟ وبتعملي إيه كده؟ قالت مريم بعفوية: "مسمعتش صوت ليك وأنت جاي، وبعمل إيه شايفاني بغسل." قال بتعجب: "طب وبتملي ده ليه؟ مريم بابتسامة:
"علشان هنا الغسالة قديمة مش أوتوماتيك، فبملي الطبق علشان أكمل غسيل على إيدي." ظهر الفهم والتأثر على وجهه: "مريم أنا آسف، مفكرتش في كده ومش عايزك تتعبيني، أنتِ أصلاً تعبانة." مريم بعتاب: "تتعبني إيه بس يا حمزة، ده واجبي، بطل كلام من ده، هزعل." ثم قالت باستفهام: "صحيح، أنت كنت فين بقا وسمعت صوت سلمى من شوية، حصل إيه؟ أسند نفسه على الباب وقال: "روحت اتكلمت مع خالد ووضحت كل حاجة، وهيجي يخطب سلمى." ابتسمت ابتسامة كبيرة
والفرح يشع من عينيها: "بجد؟ حمزة بابتسامة: "بجد." نظرت في الأرض وهي تقول بشرود: "خطوة جميلة جداً يا حمزة، على الأقل اتنين بيحبوا بعض هيتجوزوا ومش لازم كل واحد يتحرم من حبيبه ويعاني." رفعت بصرها إليه: "صح؟ اختفت ابتسامته وهو يحدق بها ويشعر بما وراء كلماتها. حاولت أن تحمل الدلو ولكن وجدت صعوبة، فاقترب منها وهو يقول: "عني أنتِ، هشيله أنا." مريم: "تقيل عليك يا حمزة." حمزة ببرود: "يعني تقيل عليا وعليكِ لا؟ إيه مش راجل؟
رفعه فجأة باندفاع وغضب، ولكنه لم يكن منتبه جيداً لثقل الدلو، فوقع على الأرض على ظهره به وانقلب الدلو كاملاً عليه وأغرقه. وضعت مريم يدها على فمها بصدمة وهي تنظر إليه، فحدق بها بغيظ: "أوعي تضحكي! حاولت كتم ضحكاتها ولكن لم تستطع، فضحكت بشدة وصوت عالٍ حتى دمعت عيناها من مظهره. نهض بغيظ ثم خرج من الحمام وهي ما زالت تضحك: "طب خلاص متزعلش، الصراحة منظرك يضحك أوي يا حمزة!
بعد مرور أسبوعين، كان كارم يقف مع مؤمن بالخارج ينتظران وئام. قال مؤمن بنفاذ صبر: "كل ده بتلبس! كارم بملل: "هي وئام طول عمرها كده، تقعد ساعتين علشان تلبس وبس." خرجت وئام من الغرفة وهي تقول: "بتقولوا عليا إيه؟ نهض مؤمن: "أخيراً، أنا كنت فاكر إن الليل هيجي وأنتِ لسه مخلصتيش، امال لو مكنتش قولتلك إنه هنفطر برة كنتِ عملتي إيه؟ وئام بانزعاج: "صاحية من بدري والله، لكن كنت بساعد كارم في اللبس وعلى ما خلصت." مؤمن بسخرية:
"طب يلا." ذهبوا لتناول الإفطار والتسوق في مول مشهور بناءً على اقتراح مؤمن حتى يغيروا جو الحزن المحيط بهم وخصوصاً وئام. بعد تناول الإفطار والتسوق، بدأ مزاج وئام في التحسن حقاً، حين توقف كارم فجأة وهما يسيران وقال بلهفة: "استنوا." مؤمن باستغراب: "في إيه يا كارم؟ شاور لهم على شيء ما: "أنا نفسي ألعب اللعبة دي أوي وأكسب منها." اقتربوا منها ببطء لتسأل وئام: "بتتلعب إزاي دي يا كارم؟ قال كارم بحماس:
"بنحط عملة معدنية زي الجنيه كده في مكان الفلوس وبنحاول نمسك لعبة بالخطافة من غير ما تقع لحد ما نطلعها من اللعبة، وكده نبقى كسبنا." ابتسم مؤمن: "أنا كنت بشوف اللعبة دي كتير، تعالى نحاول يا كارم." اقتربت وئام معهم بترقب: "طب العب كده يا حبيبي يمكن تكسب." حاول عدة مرات دون جدوى، فقال بإحباط: "مش عارف." تقدم مؤمن: "طب هجيبلك أنا يا كارم." حدقت به وئام بشك: "هتقدر يا مؤمن؟ لم ينظر لها وهو يقول بثقة:
"مش هرد عليكِ، هتشوف بنفسك." حاول أول مرة، وما إن تقترب اللعبة من الفتحة التي يلتقطوها منها حتى تسقط، فيحاول مجدداً بإصرار، ولكن تكرر الأمر وتسقط، فزفر بإحباط. سمع ضحكة وئام الساخرة وهي تقول: "لا فعلاً شوفت بنفسي." حدق بها بحنق، فتقدمت: "أوريك أنا بقى." حاولت هي أيضاً ولكن لم تنجح في أي محاولة، حتى كان حظها أعثر من مؤمن. ضحك مؤمن، فالتفتت له بحقد: "مفيش حاجة تضحك على فكرة! رفع حاجبه باستهزاء:
"يعني أنتِ من حقك تضحكي وأنا لا؟ وقفت أمامه وهي تقول بسخط: "أيوه، وبعدين فيها إيه يعني لو معرفتش، أنا أول مرة ألعب أصلاً، مش من حقك تضحك عليا." أبعد عينيه بملل: "بدأنا بقى! يعني هو حلال عليكِ وحرام عليا." كانت على وشك الرد حين وقف كارم بينهم وهو يقول ببرود: "خلصوا خناق، أنا خلاص كسبت لعبة." التفتوا له بذهول، قالت وئام بتلعثم: "ا.. إزاي؟ كارم بلا مبالاة: "ولد أكبر مني جه جابلي واحدة وانتوا بتتخانقوا قدام الناس كلها."
أحمر كلا منهما بإحراج، فقال مؤمن بحرج: "ط.. طب يلا نروح نشرب حاجة." جلسوا بهدوء ثم حدق الثلاثة إلى بعضهم حتى انفجروا بالضحك وبصوت عالٍ حتى حدق الناس بهم بتعجب. هدأوا بعد قليل وقال كارم بسعادة: "أنا بقالي كتير مضحكتش كده." نظرت له وئام بحنان وقال مؤمن: "والله وأنا كمان يا كارم، الفضل لأختك." رفعت حاجبها: "وأخته عملت إيه بقى؟ رفع يديه باستسلام: "خلاص بهزر، متزعليش أوي كده." ابتسمت وهي تتناول كوبها، فقال
بعد أن عادت ملامحه للجدية: "المهم ناوية تعملي إيه يا وئام الفترة الجاية؟ بتفكري في إيه؟ تنهدت بحيرة: "مش عارفة والله يا مؤمن، يمكن لسه محتاجة وقت راحة قبل ما أعرف أنا عايزة أعمل إيه." أومأ برأسه بتفهم وابتسم لها حين سمع صوت يقول من ورائه: "إيه ده مؤمن أنت هنا بجد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!