التفت مؤمن خلفه، أما وئام فحدقت بإستغراب وراءه لتجد فتاة جميلة تقف وعلى وجهها تعبير الفرحة. نهض مؤمن بتعجب: "أهلاً يا قمر." اقتربت منه قمر بحماس وهي تمد يدها له: "إزيك يا مؤمن؟ أنا الحمد لله بخير أخبارك، فينك كل ده؟ ابتسم وقال بإحراج: "عذراً يا قمر، أنا مش بسلم وأنتِ عارفة." أبعدت يدها وبدا أن الأمر لم يضايقها، أكملت بابتسامة: "المهم أخبارك؟ من ساعة ما انتقلنا معرفناش عنك حاجة ولا عن عمو." ظهر
الحزن على وجهه وقال بجمود: "بابا الله يرحمه من فترة." شهقت بأسف: "بجد! أمتى؟ الله يرحمه ويغفر له، عمو كان طيب أوي يا مؤمن." تابعت باهتمام: "أنت أخبارك إيه؟ قال مؤمن بنبرة أقرب للرسمية: "أنا كويس الحمد لله." نظرت خلفه بفضول: "أنت خطبت ولا إيه؟ التفت وابتسم: "دول وئام وكارم، ولاد عمي الله يرحمه." ابتسمت قمر ببرود: "أهلاً يا آنسة وئام."
انعقد حاجبا وئام بشدة منذ ظهور الفتاة، وبقيت على نفس الوضعية طوال حديثها مع مؤمن وهي تشعر بشيء من الضيق وعدم الارتياح. وحين نظرت لها، رفعت حاجبها لها ببرود ولم ترد عليها، بل اكتفت بإشارة من رأسها. عادت لمؤمن بابتسامة مشرقة: "المهم أنك بخير، وأن شاء الله نتقابل تاني. مع السلامة." غادرت. فجلس مؤمن مجدداً، لاحظ نظرات وئام الباردة فسأل باستغراب: "إيه مالك؟ رفعت كتفيها بلامبالاة وقالت باستهزاء: "مستغربة بس." مؤمن بتساؤل:
"من إيه؟ وئام بتهكم جدي: "من بجاحة بعض الناس. يعني البنت دلوقتي تشوف شاب حتى لو تعرفه معرفة سطحية، إيه يخليها تروح تسلم عليه؟ لا والشاب هو اللي محرج يمد إيده؟ عجب والله." ابتسم باستفزاز: "قمر كانت مامتها جارتنا وكانوا قريبين لينا لحد ما انتقلوا، فـ أنا أعرفها وأعرف مامتها كويس." ضربت بقبضتها على الطاولة ففزع كارم، لكن لم تنتبه: "نعم يا أستاذ! هو أنا شكلي اللي هقولك دينك بيقول إيه؟
دي لا خطيبتك ولا أختك ولا تقرب لك بأي حاجة، إزاي تيجي تسلم عليك؟ بأي وجه حق أصلاً؟ هي قلة الأدب بقى ليها عذر كمان؟ إزاي تسمح لنفسك تقف مع واحدة غريبة عنك؟ قال بضحك: "معاكِ حق، بس أهدي شوية طيب. وبعدين هي جت كلمتني، مقدرتش أحرجها والموقف عدى." تراجعت بغيظ: "لا حنين أوي." نهضت وهي تأخذ حقيبتها: "أنا عايزة أروح البيت، يلا." سارت بينما راقبها مؤمن وكارم بدهشة، ونهضوا ورائها بسرعة.
لم تلتفت لنداء مؤمن أو ترد عليه، كانت تسير بسرعة وغضب ولم تنتبه للطفل الصغير الذي يركض وهي تتوجه للسلم الكهربائي. اصطدم بها ففلتت قدمها وصرخت لأنها كانت على وشك الوقوع على السلم، ولكن امتدت يد أمسكت بيدها وسحبتها بعيداً بقوة. أغمضت عينيها وهي تصطدم بصدر صلب، فتحت عينيها ثم رفعتها ببطء وهي ترتجف لتواجه عيون مؤمن الغاضبة. ابتعدت عنه وهي تتنفس بقوة وتعدل من هندامها. مؤمن بنبرة توبيخ:
"ممكن أعرف سبب كل التصرفات الطفولية دي! كارم نفسه ميعملش كده! حاولت إخفاء ارتجافها ولكن ظهر في نبرتها المكابرة: "أنا عايزة أروح." تنفس بغضب: "يلا بينا." أمسك بيد كارم وسبقها، فتبعته ببطء وهي تلتفت حولها بإحراج من نظرات الناس إليها. *** يوم خطوبة سلمى، كانت مريم تستعد من بداية النهار. كما أنها قامت بالإشراف على كل التجهيزات حتى عودة حمزة من عمله. "حضرتك والدة حمزة."
وهي تناظر كل شيء بـ "اشمئزاز"، ولكن لمريم لم تعر نظراتها أي اهتمام وأكملت بسعادة ما تفعله لأنها كانت تحب سلمى وسعيدة من أجلها. حاولت والدة حمزة استعطاف سلمى، ولكن سلمى صدت جميع محاولاتها ببرود. كما أن أميرة تتعامل معها بهدوء. حضر حمزة ولم يسلم على والدته، بل نظر لها بهدوء. وحين بدأت الخطوبة واقتربت منه لم يبعدها وابتسم بتحفظ حتى لا يشك الناس في شيء. بعد انتهاء الخطوبة، جلس الأهل مع بعضهم. قالت والدة خالد بـ "لطف":
"أنا فرحانة أوي بيكِ يا حبيبتي، ده خالد ابني محظوظ والله." والدة حمزة بـ "كبر": "طبعاً ده واخد ست البنات." حدق بها حمزة باستياء، أما والدة خالد فقالت بحكمة: "طبعاً ست البنات، لكن عايزة أقولك كلمتين مهمين يا حبيبتي." سلمى بـ "خجل": "اتفضلي يا طنط." أمسكت بيدها برفق:
"الخطوبة دي تمهيد لحاجة عظيمة ومقدسة جداً وهي الزواج. الزواج ده يا بنتي حاجة مش صعبة ومش سهلة زي ما تقولي كده، السهل الممتنع. هتتعاملي كويس وبعقل هيكون سهل وخفيف عليكِ. هتاخديه على أنه هم هتتعبي وتتعبي كل اللي حواليكِ. الخطوبة مهمة جداً لأنه دي فترة التعارف بين اتنين علشان يشوفوا هما مناسبين لبعض يكملوا ويتجوزوا ولا لأ، ده غرض الخطوبة. لازم تفهمي أنه أي حاجة تحصل بينك وبين خطيبك متنفعش تتحكي لأي حد حتى لو مشكلة،
طالما مش كبيرة لدرجة الأهل يتدخلوا فيها وتقدروا تحلوها سوا. دي بتبقى حاجة مش كويسة يا بنتي وممكن تكون مشكلة صغيرة علشان حكيتها لحد تكبر من غير ما تاخدي بالك وتحصل حاجات أنتِ متتوقعيهاش. علشان كده لازم تتعلموا في الخطوبة تقدروا تتعاملوا مع بعض إزاي خصوصاً في الأوقات الصعبة والمشاكل، لأنه ده الاختبار الحقيقي وأساس من أسس الجواز الناجح. ومتدخليش أي حد بينكم مهما كان، لأنه الطرف الثالث أغلب الوقت بيخرب العلاقة. وأنا لو
خالد ابني غلط في حقك في يوم، أنا هكون في صفك، أنتِ بقيتي بنتي. فاهمة يا حبيبتي؟
ابتسمت لها سلمى بمحبة: "فاهمة يا طنط، شكراً جداً لحضرتك." لوت والدة حمزة شفتيها بـ "تهكم": "يعني كل المحاضرة دي في الآخر على إيه يعني! نظر الجميع لها بضيق وحدق بها حمزة بغضب. نهض بهدوء وقال بلهجة هادئة: "ممكن لو سمحتِ تيجي معايا الأوضة؟ ذهبت معه للغرفة تقول بلهفة: "أخيراً حنيت عليا يا حمزة." قال بصرامة: "مش وقته الكلام ده، لكن عايز أقولك أنتِ مش بتتعلمي خالص؟ مش عايزة تخلي سلمى على الأقل مبسوطة؟
متعرفيش تخلي اليوم يعدي على خير؟ والدته بـ "استنكار": "وأنا عملت إيه لكل ده؟ حمزة باقتضاب: "وطريقتك وردك على والدة خالد وهي بتكلم سلمى؟ سيبناكِ كلنا من اللي بتعمليه والناس أصلاً متضررين منك، نعمل إيه تاني! ولا علشان الكلام مش على مزاجك." قالت بـ "حزن": "يا حمزة، يعني مش هتسامح أمك؟ قال بـ "شراسة": "أنتِ مش مديني فرصة أصلاً استوعب!
حرام عليكِ بقا اتقي الله فينا، ولو مش علشان خاطر حد علشان خاطر سلمى اللي خطوبتها النهاردة، واحد غيره ما كنتش قبل يخطبها بعد اللي أنتِ عملتيه." تركها وخرج إلى الصالة فوجدهم يضحكون. رأته أميرة فقالت بمزاح: "الحق يا حمزة، بياخدوا مراتك منك." عقد حاجبيه وهو ينظر إلى مريم، فـ قالت له والدة خالد بمرح: "والله يا حمزة يابني أنت محظوظ أوي بمريم، بنت جمال وأخلاق وذوق. بقولها لو مكنتيش متجوزة كنت خدتك لابن أختي."
حدق حمزة إلى مريم بـ "سخرية": "وأنتِ إيه رأيك في الكلام ده؟ ارتبكت وضحكت بإحراج: "رأيي إيه بس! لمع الحب بعينيها وهي تنظر لوالدة خالد وتقول: "أنا أخدت سيد الناس واللي مَلَك قلبي، هشوف حد تاني ولا هكون عايزة حاجة تانية إزاي؟ صُدم حمزة، بينما قال خالد وهو يغمزه: "الله يا أبو نسب، ربنا يخليكم لبعض." قالت والدة خالد: "ربنا يخليهالك يا بني، والله بنت حلال." خرجت والدة حمزة من الغرفة وجلست بصمت وهي تنظر لهم بـ "امتعاض".
بعدما ذهبوا، وأيضاً غادرت والدته بعد أن رفض كلا من سلمى وأميرة أن يذهبوا معها، فغادرت حزينة. دلف حمزة إلى غرفة النوم وراء مريم، بينما خلعت حجابها وجلست تمشط شعرها استعداداً للنوم. قال بتوتر: "مريم هـ... هو أنتِ كان قصدك إيه لما قولتي الكلام ده؟ ابتسمت له وهو تكمل تمشيط شعرها: "كان لازم أرد على والدة خالد طبعاً يا حمزة، أمال هقولها إيه يعني؟ جه الرد في بالي اعتبرته رد كويس فـ قولته." قال بضيق:
"آه تمام، أنا خارج برة شوية مش هنام دلوقتي. تصبحي على خير." غادر، فاختفت ابتسامتها وظهر الألم من عينيها وهي تناظر نفسها في المرآة. *** في الصباح، استيقظت باكراً وأخبرت حمزة أنها ستحتاج لبعض الأغراض من مكان قريب. ورفضت أن يذهب معها وأخبرته أنها ستعود بسرعة.
كانت تتسوق وتبحث عن ما تحتاج إليه. حين انتهت وكانت تتقدم إلى قسم المحاسبة، لمحت شخصاً مألوفاً ولكن كان يقف بالجانب، فلم تتبين ملامحه جيداً. عقدت حاجبيها ونظرت بتركيز. حين استدار الشخص وأصبح وجهه لها، وقفت متجمدة مكانها واتسعت عيناها بصدمة. قالت بعدم تصديق: "و... وئام!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!