في الصباح، وخاصة في قصر السلطان، والذي تغير حاله في أقل من أسبوع بفتايات الجارحي (تاليا، مرام، جوري) . فكل فتاة تختلف عن الأخرى. مرام تلك رقيقة القلب، والتي خذلها العالم، أصبحت بسبب إهمال وفساد والدها تدفع الثمن. أصبحت تخشى البشر أجمع. أصبحت حزينة. تعيش بقلب منكسر!
أما عن جوري، فهي فتاة تجمع بين القوة والضعف. تركيبة غريبة. تبكي وتبتسم في آن واحد. تتحلى بالشجاعة وتتبخر شجاعتها بمجرد فعل صغير أو حتى لا فعل. تتبين عاشقة ونافره شخص ما في آن واحد. طيبة القلب وتبدو في بعض الأحيان شريرة!
أما عن أصغر أبطالنا، تلك البريئة بعفويتها وجمالها الطاغي. تلك الطفلة في جسد أنثى. تلك البلوى في حياة الجميع. تلك من تفعل الفعل ولن ولم تفكر في عواقبه. تلك من أدت بحياتها إلى الهلاك. تلك من اغتصبتها وحوش بشرية. تلك من سميت في مجتمع جاهل "مغتصبه". يخاف ويبتعد، يثرثر ويأتي باللوم على المجني عليه وليس بالجاني! تاليااااااااا جووووري!
كانت تلك صرخة جميلة، والتي هزت أرجاء القصر. على أثرها انتفضت ملك ومرام ومالك من غفوتهم. ليهرولا إليها في أقل من ثواني. مروان وهو يلهث بقلق: في إيه ياعمتو؟ جميلة وهي تنهض ببكاء: تاليا بنتي. جوري. بناتي فين؟ مرام وهي تقترب منها وتهدئها: اهدي ياحبيبتي اهدي. تاليا في أوضتها وجوري أكيد وصلت ونايمة من بدري و... لم تنتظر حديثها لتخرج مسرعة من غرفتها وهي تتجه إلى غرفة صغارها لتفتحها بقوة ودموع وهي تهتف بحشرجة: تاليا بنتي!
تطلعت إلى فراشها لتجده خاليًا. انتفض قلبها برعب وهي تبحث عنها في أرجاء الغرفة فلم تجدها. لتهرول إلى المرحاض علها بداخله فلم تجد لها أثر أيضًا. جميلة ودموعها تتساقط بغزارة: تاليا تاليااااااااا! مرام وهي تقف على أعتاب الغرفة وتهتف بقلق: مش هنا؟ جميلة وهي تهز رأسها بنفي وتتجه إلى غرفة جوري لتفتحها بقوة فلم تجدها أيضًا. لتهتف بصراخ: بناتي. هاتولي بناتي. بناتي مش بخير أنا متأكدة. هما كانوا بيستنجدوا بيا في الحلم. ب...
بترت حديثها عندما اهتز هاتف مروان معلنًا عن اتصال ما. ليلتقطه مروان وهو يجيب بلهفة: الو. سالم بحشرجة: مروان. الحق تاليا. مروان بقلق: مالها تاليا ياسالم في إيه وانتوا فين؟ سالم: أنا مسجون. مروان بصدمة: نعم مسجووون!!!! سالم بتعب: المهم دلوقتي تاليا في مستشفى****. روح لها. مروان بعصبية: إيه اللي حصل انطق! سالم وهو يبتلع غصة في حلقه ويهتف بصعوبة: تاليا في ناس اغتصبوها.
مروان وقد توقف الحديث في حلقه وهو يمرر ببصره على جميلة والتي وقفت تتطلع إليه برجاء من عينيها أن تكن ابنتها بخير. ومرام والتي وقفت ودموعها تنهمر واحدة تلو الأخرى وتفرك أناملها برعب حقيقي. مروان بخفوت: انت مسجون ليه ياسالم؟ سالم: الدكتور اتهمني بأني اللي اعتديت عليها. مروان: انت في انهي قسم؟ سالم: في *****. مروان: طب اقفل وأنا هتصرف.
أغلق مروان هاتفه وهناك حمل ثقيل على قلبه. وكأن هناك جبل يخنقه. فكيف له بأن يخبرها بذاك الخبر المميت؟ جميلة وهي تتنفس بصعوبة: طمني يابني بناتي كويسين؟ مروان وهو يبتلع ريقه بصعوبة: ع عمتو. تاليا في المستشفى. جميلة وقد اتسعت عينيها بصدمة: بنتي. بنتي مالها يامروان بنتي... مروان وقد اضطر إلى الكذب: اهدي ياعمتو اهدي. ه هي بس تعبت شوية وسالم اضطر يوديها المستشفى! مرام بشك: وسالم في السجن ليه؟
مروان بتلعثم: اآااصله نسي البطاقة والظابط وقفه. اطلعي بس البسي ولبسي عمتو عشان نروحلهم. جميلة ببكاء: طب وجوري وحازم فين؟ مروان وهو يزفر بقلق: مش عارف. اطلعي بس البسي وأنا هكلمهم يمكن يكونوا قاعدين في مكان. هرولت جميلة ومن خلفها مرام إلى الغرفة. لتتبعهم ملك بصمت وهي تتطلع إلى مروان وقسماته والتي تتضح على معالمها القلق، الحزن، الشرود. لتقترب منه وهي تهزه برفق: مروان في إيه؟ مروان بخفوت: في مصيبة ياملك. مصيبة سودا.
ملك بقلق: في إيه يابني قلقتني؟ مروان: تعالي ننزل تحت. هبطوا إلى الأسفل ليقبع مروان وهو يضع رأسه بين كفيه ويهز قدميه بعصبية. ملك: في إيه يامروان؟ مروان: تاليا. تاليا في ناس اعتدت عليها. ملك وهي تضع يديها فوق فمها بصدمة: انت بتتكلم بجد؟ إزاي وامتى ده حصل؟ هي مش كانت في القصر! مروان وهو يعصر رأسه بجنون: مش عارف بجد مش عارف. وسالم مسجون. ملك بشك: مسجون عشان البطاقة ولا عشان حاجة تانية؟
مروان: بيقولي الدكتور اتهمه أنه اعتدي عليها! ملك وهي تهوي فوق الأريكة بصدمة: أنا مش مصدقة اللي بيحصل ده. ديه مامتها لو عرفت ممكن تموت فيها. مروان بسرعة: أوعي تقولي حاجة ياملك بالله عليكي. ملك بشفقة: متقلقش. لتستكمل حديثها وهي تهتف بقلق: طب فين حازم وجوري؟ مروان وهو يخرج هاتفه ويضغط على زر الاتصال: هكلمه. "عفوا الهاتف الذي طلبته غير متاح" مروان وهو يزيل الهاتف ويهتف بضيق: غير متاح.
ملك بتوتر وقلق: مش ملاحظ أنهم اتأخروا أوي يامروان؟ مروان بقلق: تقصدي إيه؟ ملك وهي تبتلع ريقها: ي يعني لا قدر الله ممكن يكون في حاجة حصلت. حاول تكلمه تاني أو تكلم جوري. كرر فعلته أكثر من مرة وقلبه في كل مرة ينتفض رعبًا. مروان بخوف: مش بيردوا الاتنين. ياربي أعمل إيه بس. ملك: ط طب متقولش لطنط جميلة. مروان: أنا هديكي رقم ليل كلميه وفهميه. ملك وهي تعقد حاجبيها بتعجب: ليل مين!
مروان: ليل ابن عمي. كلميه يجي على هنا ودوري انتي وهو على حازم وجوري. وأنا هروح المستشفى. ملك: طيب. هبطت مرام أولًا. وهي تهرول بسرعة وقلق حتى كادت أن تتعثر أكثر من مرة. لينهض مروان وهو يتجه نحوها بلهفة: خلي بالك. مرام وهي تهتف بدموع: مروان تاليا كويسة صح؟ تاليا أختي محصلهاش حاجة وانت مش بتكذب عليا صح! مروان وهو يجذب رأسها إلى صدره ويهتف بشفقة: اهدي ياحبيبتي أختك كويسة. انفجرت في بكاء مرير وهي تضم نفسها إلى
صدره وتهتف من بين دموعها: مروان أنا تعبت أوي. تعبت من اللي بيحصل في حياتنا أنا عايزة أموت.
انتفض قلب مروان أثر تلك الجملة والتي جعلته يتصبب عرقًا من جميع الاتجاهات وهو يضمها بأقوى ما لديه حتى كادت ضلوعها أن تنكسر بين ذراعيه. لتتأوه مرام بألم ولكنه لم يبالي ودفن رأسها في صدره وهو يقبل أعلى رأسها بخوف. خوف أن تبتعد عنه. فقد ابتعد الجميع. جميع من أحبه ابتعد وغادر حياته. يكره تلك الكلمة "الموت". تلك الكلمة والتي تفقده أعز الأحباب. يخشي هو. يخشي الموت ويخشي أن تبتعد عنه بعدما أحبها. بعدما تغير حاله أو ربما
يحاول التغير لأجلها. لأجل البقاء. أحبها بكل جوارحه. وتأتي وهي وتقول بكل بساطة تريد الموت. لا لن ولم يسمح لها بالابتعاد. لن ولم يتركها. سيبقى إلى جانبها حتى تصلح الأمور. سيجعلها تحب الحياة. تمرح وتبتسم. هي خلقت فقط للابتسامة لا للدموع. ولكن هل للقدر رأي آخر؟
جميلة وهي تهرول من أعلى بسرعة: يالا يامروان. مروان: يالا. ليلتف إلى ملك والتي تطلعت إليهم بدموع عالقة في جفنيها ويهتف بنبرة جامدة: خدي الرقم من أهو. التقطت منه ملك الكارت وهي تهز رأسها وتتطلع إلى مرام والتي تطلعت إليها شرزًا. وجميلة والتي سبقت الجميع وخرجت.
بعد مرور دقائق بالتقريب وصل الجميع إلى المستشفى القريبة من القصر. لتترجل جميلة وهي تهرول إلى الداخل بلهفة دموع حتى كانت الرؤية مشوشة وكادت أن تتعثر أكثر من مرة. لتصل إلى الاستقبال وهي تتساءل بدموع وتلهث بتعب. لو سمحتي غ غرفة تاليا ممدوح فين؟ الموظفة وهي تبحث عن الاسم: تاليا ممدوح. حضرتك تقربلها إيه؟ جميلة: أنا مامتها. الموظفة بشفقة: اه. الغرفة في الدور الأول يافندم.
هرولت ومن خلفها مروان ومرام والتي تستند عليه بتعب. حتى وصلوا إلى الدور. مروان بثبات: لو سمحت الحالة اللي جايه مغتصبه في انهي غرفة؟ أحدي الأشخاص: في أوضة رقم 5. توقف العالم من حولهم وهما يتطلعون إلى مروان والذي تطلع إليهم بحزن وشفقة. جميلة وقد انهارت تمامًا: مغتصبه! مروان وهو يقترب منها ويسندها بقوة: عمتو. ا أنا مش عارف إيه اللي حصل والله بس مكنش ينفع أقولك وإحنا في البيت. ا أنا آسف بجد.
بعد مرور ساعة من الانهيار والصراخ من جميلة والتي ظلت تندب حظها وحظ بناتها. فتلك الفتاة الثانية التي اغتصبت على يد وحوش بشرية. لتتوقف عن الصراخ وهي تهوي أرضًا بتعب وضعف. ليقترب منها مروان وهو يقبع نصف جلسة على ركبتيه ويهتف بحزن: اهدي ياعمتو. انتي لازم تكوني قوية عشانها وعشان تتخطي اللي هي فيه. جميلة وهي تهز رأسها ببكاء: مش قادرة يامروان. مش قادرة. ليه بيحصل فيهم كده يارب. ليه؟
مروان وهو يضمها بحنان: وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرًا لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرًا لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. جميلة ببكاء: ونعم بالله. مروان وهو. يمسح دموعها بحنان بالغ، وكأنه لم يكن مروان القاسي المتجرف الغليظ منذ أسبوعين بالتقريب. ليهتف بقوة وهو يتطلع داخل عينيها: "يبقى نمسح دموعنا وندخل، ماشي؟ هزت رأسها بضعف لتنهض بثقل، ومروان يساعدها لتقف على قدميها. "يالا."
دلف مروان وبجانبه جميلة، والتي كلما خطت خطوة إلى الداخل ينسحب الأكسجين من رئتيها ويرتعش جسدها برعب حقيقي. جميلة بدموع: "تاليا حبيبتي."
توجهت إليها لتضمها بقوة، وتاليا تنام بعمق في عالم موازٍ، عالم مبتعد عن عالمنا المرعب القاسي، عالمنا الكاذب الممتلئ بالنفاق والخداع، الممتلئ بوحوش بشرية على هيئة أشخاص، عالمنا الظالم والذي ينظر إلى المغتصبة المطلقة، أو حتى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، بنظرة مختلفة، وكأنهما اختارا ذاك بكامل إرادتهما! مروان بشفقة: "عمتو، هي نايمة دلوقتي مش حاسة بيكي."
هوت جميلة فوق إحدى الكراسي أمام الفراش، وهي تمسك كف ابنتها الصغيرة، والتي خذلها العالم كما خذل كبيرتها، وكأن العالم مصب الخذلان، الخذلان وكفى، لم يسلم كبيره أو حتى صغيرة، فجميعهم سواء. مروان: "مرام، خليكي مع ماما، وأنا هروح مشوار وهاجي." مرام وهي تهرول إليه وتضمه بقوة وتهتف ببراءة وطفولة ودموع منهمرة على صفائح وجهها البيضاء: "متسبنيش يامروان، أنا خايفة، هو جاي، هييجي ويعمل فيا زي زمان." مروان بصدمة وهو يضمها بحنان:
"هو مين ياحبيبتي اللي هييجي؟ متخافيش، أنا مش هسيبك ومحدش يقدر يقربلك، متخافيش طول ما أنا موجود، انتي فاهمة! مرام وهي تهتف من بين دموعها: "حاضر." خرجت من أحضانه بصعوبة وهي تهتف بدموع: "متتأخرش." مروان وهو يقبل جبينها برقة: "حاضر، خلي بالك من عمتو وخليكي قوية زي ما اتعودت عليكي." مرام: "حاضر." خرج مروان، لتتجه مرام إلى جميلة، والتي احتضنت كف ابنتها وظلت تتحدث وتتحدث إليها بدموع وحديث غير مفهوم، لتسمعها
تهزي باسمه مرة أخرى: "سالم." جميلة بلهفة: "تاليا حبيبتي، انتي سامعاني؟ أنا ماما، أنا معاكي أهو ياحبيبتي، مين اللي عمل فيكي كده بس يابنتي؟ تاليا وهي لم تستمع إلى حديثها، لتهزي باسمه وجسمها يهتز بقوة: "سالم." جميلة بصدمة: "سالم! "السلام عليكم." التفت جميلة ومرام إلى مصدر الصوت، لتجده طبيب في منتصف الثلاثينات، يقف ويتطلع إليهم بشفقة. "لو سمحتي يافندم، عايزين نغيرلها المحلول." جميلة وهي تنهض وتتجه إليه برجاء:
"لو سمحت يادكتور، ارجوك قولي بنتي حالتها إيه." الطبيب وهو يهز رأسه بحزن: "مكدبش عليكي، هي اتعرضت لحالة اعتداء شديدة، وده خلاها تفقد الوعي وتدخل في غيبوبة، عالم هتفوق منها امتى." مرام بحشرجة: "طب، طب معرفتوش مين عمل كده؟ الطبيب بجدية: "وإحنا بنعملها عملية، كانت لسه في وعيها وبتهزي باسم شخص اسمه سالم، واتضح أنه هو اللي كان جايبها هنا، وهو دلوقتي في السجن." جميلة بصدمة: "سـ سالم! في القصر. ملك لنفسها:
"طب وأنا أكلمه أقوله إيه ده ياربي! لتضغط عدة أرقام، ومن ثم تضع الهاتف فوق أذنيها وهي تفرك أناملها بتوتر، ليأتيها الرد في ثوانٍ. ملك بتوتر: "آلو، أستاذ ليل؟ ليل بنعاس: "أيوه، مين حضرتك؟ ملك: "أنا ملك." ليل بسخرية: "لا بجد." ملك بتعجب: "أفندم؟ ليل بضيق: "أيوه، يعني حضرتك عايزة إيه؟ ملك بعصبية من أسلوبه المتجرف: "إيه ده، ما تتكلم عدل." ليل بغضب: "بت، انتي هتقولي عايزة إيه ولا أقفل في وشك؟! ملك بغيظ:
"للأسف هقول عشان مفيش غيرك قدامي." ليل بضيق: "ارغي." ملك بخفوت: "ارغي نينيني." ليل وهو يبتسم نصف ابتسامة، ولكنه عاد للجمود مرة أخرى وهو يستمع إليها وإلى ما تسرده، لينتفض من الفراش بقلق. ليل بجمود: "يعني انتي دلوقتي عايزاني أنزل أدور على حازم وجوري! ملك باهتزاز: "آه." ليل: "طيب، أنا هلبس وجاي." ملك: "بسرعة." ليل: "طيب." ملك بلهفة: "أرجوك متتأخرش." ليل بعصبية: "الله، ما قولتلك طيب، بقى مترغيش كتير." ملك بغضب:
"تصدق إنك بني آدم مستفز وبارد." ليل وهو يجز على أسنانه بغيظ: "طيب، ماشي، أما أشوفك، اقفلي بقى." أغلقت ملك الهاتف وهي تبرطم بغضب وعصبية مفرطة، لتتجه نحو الأريكة وهي تقبع فوقها وتهز قدميها بعصبية في انتظار المدعو بـ"ليل".
دقائق وقرع جرس الباب، لتنهض ملك مسرعة قبل أن تفيق الخادمات، لتفتحه لتجد ليل يقف أمامها، لتجده شاب بطوله الفارع وعضلات جسده البارزة أسفل تيشيرته الأبيض وملامحه الرجولية، لوهلة انتفض قلبها برعب وهي تتطلع إلى ملامحه، والتي لا تنذر بالخير على الإطلاق! ليل بضيق: "هفضل واقف على الباب كتير؟ ملك وهي تفسح له الطريق وتهتف بغيظ: "اتفضل." دلف ليل بغرور وثبات، وهو يضع كفيه في جيب بنطاله، ليقبع فوق الأريكة وهو يهتف بجدية:
"ياريت تحكيلي اللي حصل بالتفاصيل، لأني مفهمتش أي حاجة منك غير إن حازم وجوري مش موجودين! اقتربت ملك من الأريكة لتقبع فوقها، وهي تفرك أناملها بتوتر وتزيل خصلة شاردة من خصلاتها خلف أذنيها، لتهتف بتلعثم: "بـ بص حضرتك.....
سردت له كل ما حدث بالتفصيل، ومع كل مرة ملامحه تتبين القلق والشفقة والصدمة في آن واحد، وقلبه ينتفض كلما تحدثت، فهو يعلم بأنه في وقت وموقف لا يستدعي الإعجاب حالياً، أو حتى خفقان قلبه، ولكن لا باليد حيلة، فعفويتها في الحديث، خصلاتها التي تتساقط فوق عينيها فتمتعض ملامحها بضيق طفولي وهي تزيلها خلف أذنيها، شفتيها الصغيرتان اللتان تعضهما بتوتر كلما تحدثت، عينيها الممتلئة بالدموع والشفقة على تلك البريئة، حقاً، استدعى قلبه ليخفق بعنف، وكأنه لأول مرة يرى فتاة، أو يتحدث إلى فتاة، وكأنها الفتاة الوحيدة في العالم، رغم كونه تعرف على فتيات بعدد شعر رأسه، ولكن هل للقلب سلطان!
فاق من شروده على صوتها وهي تنادي بصوت عالٍ: "يا أستاذ، حضرتك معايا؟ ليل وهو يحمحم بخشونة: "أيوه، أيوه معاكي." ملك: "طب وهنعمل إيه؟! ليل بجدية: "متقلقيش، أنا هتصرف، أنا هنزل أدور عليهم." ملك وهي تنهض: "أوكي، يالا." ليل بتعجب: "يالا إيه؟ ملك: "يالا، هاجي معاك." ليل وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: "تيجي معايا فين إن شاء الله؟ عيل صغير أنا؟ ملك وهي تضع يديها في وسطها بغيظ: "ومين قال إنك صغير؟ ده أنا اللي صغيرة!
ليل وهو يرفع حاجبيه ببرود: "والله؟ ملك بغيظ: "بقولك إيه، مش وقته البرود ده، في مصيبة وفي ناس غايبة من امبارح، وأنت واقف تتخانق، أقولك حاجة؟ أنا هطلع أدور عليهم لوحدي، اتفضل أنت روح كمل نومك! "عندك! انتفض قلبها لتتوقف مرة واحدة قبل أن تخطو إلى الخارج، ليصبح ظهرها مقابل جسده، شعرت بخطواته التي تقترب منها، وكلما اقترب ترتجف ويرتجف ذاك الصغير الذي يضاهي قبضة الإصبع بين ضلوعها. أصبح ليل خلفها مباشرة، لتستشعر أنفاسه الحادة
وهو يهتف بجانب أذنيها: "عارفة لو كان أسلوبك ده في وقت تاني، أنا كنت همحيكي من وش الدنيا بجد! لوهلة ارتعد جسدها وارتعشت شفتيها وأذنيها تلتقط نبرة صوته الغليظة، ولكن هي بروحها أنثى، أنثى وتأبى أن تهدر كرامتها، لتلتف إليه وهي تهتف بشجاعة مزيفة: "وحضرتك هتعمل إيه يعني يا عم البغل أنت! ليل وهو يرفع إحدى حاجبيه: "بغل؟ ملك بعصبية: "آه، بغل." ليل وهو يجز على أسنانه بعنف ليهتف بغيظ: "طب يالا." ملك بتعجب: "يالا إيه؟ ليل بحدة:
"يالا ندور عليهم." ملك بغيظ وهي تفتح باب القصر: "طيب، متزوقش." خرج خلفها ليتجه إلى سيارته، بينما اتجهت ملك إلى إحدى الدرجات التي تتبين ملكها. ليل بتعجب: "انتي رايحة فين؟ ملك وهي تصعد خلفها بغيظ: "إيه، بركب العجلة بتاعتي." ليل وهو يمسح على وجهه بعصبية: "سيبي الزفت دي وتعالي اركبي معايا الزفت العربية." ملك بعصبية: "زفت على دماغك." ليل بغضب وحدة: "يـابنتي، همد إيدي عليكي."
ملك بغيظ وهي تترك دراجتها تسقط أرضاً، لتتجه إليه وهي تهتف بصراخ أمام وجهه: "اضرب في إيدك يابن آدم، يا راس بخاخة أنت! ليل وهو يجذبها من ذراعيها بقوة: "انتي قد اللي قولتيه ده؟ ملك وهي تتطلع إلى حدقتيه بقوة: "آه، قده." ليل وهو يهتف من بين أسنانه: "طب اركبي العربية، وهحاسبك على اللي قولتيه ده على فكرة."
كادت أن تعانده، لكنه دفعها بعنف حتى اصطدمت رأسها، لتتطلع إليه شرزاً، ليلتف هو إلى المقود وينطلق بسيارته في محاولة للبحث عن حازم وجوري. "آه، حازم، أنا فين؟ آه! هتفت بها جوري وهي تنهض وتضع يديها فوق رأسها بألم، لتنهض بثقل وهي تجوب الغرفة بعينيها، فلم تجد شيئاً، سوى أنها بغرفة صغيرة أساسها بسيط، تتكون من فراش تقبع فوقه، وسجادة صغيرة باللون الأزرق، وخزانة صغيرة.
وضعت قدميها أرضاً، وكادت أن تسير، لتصرخ بألم وهي تهوي مرة أخرى فوق الفراش، حيث كانت قدماها متجبسة. انتفض قلبها برعب وهي تتطلع إلى باب الغرفة الذي يفتح ببطء. جوري بلهفة وقلق ودموع: "حازم؟ اقترب منها وهو يبتسم بهدوء ويهتف بتعب: "آهدي، آهدى، متخافيش." جوري وهي تتطلع إلى قدميها وتهتف بجهل تام: "هو في إيه اللي حصل؟ وأنا مال رجلي؟ حازم وهو يقبع بجانبها ويهتف بجهل: "مش عارف، مين اللي خطفنا؟
صحيت لقيت نفسي هنا، وناس جنبي، وإنتي نايمة بتتوجعي، ورجلك مكسورة، وأنا متعور في رأسي... جوري وهي تتذكر ما حدث: "أيوه، إحنا اتخطفنا، وآخر حاجة فاكراها إنهم أخدونا في عربية لونها أسود، ومش فاكرة أي حاجة تانية." حازم: "الناس اللي إحنا في بيتهم، قالولي إن العربية اتقلبت، ومات كل اللي فيها ماعدا إحنا." جوري: "إحنا فين ياحازم؟ حازم: "على حدود ليبيا."
جوري وهي تنتفض لتنهض متناسية قدميها، لتصرخ بوجع حتى كادت أن تسقط، لتكن يديه الأسرع، حيث وضع يديه حول خصرها بلهفة وقلق، ليصطدم بصدره، واضعة يديها على عضلات صدره، لتسير قشعريرة في جسدها، وهي تتطلع إلى حدقتيه البنيتين، وكأن هناك فنجان قهوة سُكب بهما. بينما قرع قلب ذاك المسكين كالطبول، وهو يتوه في غابات عينيها الزيتونيتين، ويديه تحاوط خصرها بقوة وتملك.
تناسى كلاهما ما حدث، ولما هما في ذاك المكان، تناسيا العالم من حولهما، وكأنهما في مكان منعزل عن الجميع، بل عن العالم أجمع. جوري وهي تهتف بتوهان: "تعرف إن عينك حلوة أوي، وإنت حلو أوي." حازم وهو يتطلع داخل حدقتيها بهيمان: "تعرفي إن اللي يبص في عينك، يتوه في جمالها." جوري: "حازم." حازم وهو يهمهم: "عيون حازم." جوري وهي تعتدل في وقفتها متناسية ألم قدميها، لتحاوط عنقه وهي تهتف بحرارة أمام حدقتيه: "أنا بحبك أوي." حازم بصدمة:
"أوووف، أنا تعبت من اللف، مفيش أثر ليهم، هنعمل إيه؟! ياربي ياتري هما دلوقتي فين مخطوفين! اه اكيد اتخطفوا ويانهار ملوش ألوان. الخاطفين هيسرقوا أعضائهم. أو ممكن يشغلوا جوري رقاصة ويقتلوا حازم. يالهوي ياحبيبي ياحااازم! كان ذاك حديث ملك مع نفسها وهي تقبع في السيارة. ليل قد توقف في مكان مهجور وهو يتطلع إليها ويضع كف يديه أسفل ذقنه بسخرية من تلك الطفلة والتي سميت في بطاقة الهوية بـ "أنثى" ومن المفترض عاقلة بالنسبة للمجتمع.
ليل وهو يصفق بسخرية: كااات هايل يافنانة. اللي بعده. ملك وهي مازالت تندب حظهما: ياعيني عليكي ياجوري ياختي، هيشغلوكي رقاصة وتتبهدلي. ولا حازم أخويا وصاحبي هيتقتل. ولاد الكلاب هيقتلوه. ياختااااي ياختااااي. بسسسس كفاااايه! صرخ بها ليل وهو يضع يديه ثوب أذنيه ويهتف بصداع: كفايه اسكتي صدعتيني! ملك بضيق طفولي: ما تتعصبش عليا. يعني عايزني أعمل إيه؟ أنا خايفة عليهم طيب. ليل بعصبية: اسكتي عشان أتنيل أفكر.
ملك بعصبية أيضاً: أتنيل فكر مع نفسك. أنا ماشية. وكادت أن تترجل ليقبض على معصمها بعنف ويغلق باب السيارة بزر الإغلاق. ملك وهي تحاول أن تحرر معصمها من قبضته الحديدية: ااه ايدي. أوعى. ليل وهو يجز على أسنانه بعنف: بصي أنا مستحمل غباءك من ساعة ما شوفتك ولسانك اللي عايز قطعه وعنادك عشان إحنا في مصيبة. لكن وقسما بالله أي حركة تانية منك هتزعلي مني. سامعه؟ ملك بعناد: لا. بترت جملتها وهو يصرخ بغضب: ساااامعه.
ملك بخوف: سامعه سامعه. ترك معصمها بغضب وهو يقود سيارته مرة أخرى باحثاً عنهما. *** سالم احكيلي بالتفصيل إيه اللي حصل؟ هتف بها مروان بحذر وهو يقبع أمام سالم والذي يبدو على وجهه الإرهاق والتعب.
سالم: كنت واقف في البلكونة لقيت تاليا نازلة وبتلف حوالين نفسها ومرعوبة. مفكرتش ونزلت وراها أشوف رايحة فين. لقيتها بتركب عربية سوداء مش قادر أفتكر أرقامها. ركبت عربيتي ورحت وراها. عربيتي عطلت في الطريق. نزلت أحاول أصلحها. وأنا بصلحها سمعت صوتها وهي بتصرخ وبتنادي باسمي. فضلت أجري زي المجنون لحد ما لقيتها على الأرض وغرقانة في دمها. شيلتها وأنا مش مستوعب أي حاجة. وديتها المستشفى. الدكتور خرج قالي مين سالم؟
قولتله أنا. اتهمني بإنّي اعتدت عليها لأنها طول العملية بتنادي باسمي. صدقني يامروان مش أنا اللي عملت كدا. والله العظيم مش أنا. مروان وهو يمسح وجهه بغضب: عارف عارف ياسالم. سالم: ارجوك خرجني من هنا. اهتز هاتف مروان معلناً عن اتصال ليلتقطه وهو يجيب بلهفة. الو مرام في حاجة؟ مرام بدموع وفرحة: مروان تاليا فاقت وطلعت سليمة محدش قربلها. مروان وهو ينتفض بصدمة: إيه إزاي؟ والدكتور قايل إن هي مغتصبه!!
مرام: الدكتور في السجن دلوقتي لأنه أخد رشوة عشان يكذب الكذبة الحقيرة دي ويلفق سالم قضية. مروان بفرحة: طب أنا جاي دلوقتي حالا. سلام. أغلق الهاتف ليتجه إليه سالم وهو يهتف بلهفة: في إيه؟ تاليا كويسة طمني. مروان بفرحة: بكرة الصبح وهتنور قصر السلطان ياخويا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!