رجعت تالا لمنزلها بخيبة أمل كبيرة. أغلقت الباب خلفها ووقفت أمام المرآة، تحدث نفسها بذهول قائلة: "مش يمكن يكون كل ده حلم؟ ثم ضربت المرآة بيدها حتى كسرت وتساقط الزجاج من حولها. نظرت ليدها وجدت الدماء تغطيها، حينها علمت يقيناً أنه لم يكن حلماً. وقع الصدمة عليها كان شديد جداً. جلست على الأرض تحتضن نفسها وتبكي بحرقة قائلة:
"يبدو أن الحزن يلاحقني أينما ذهبت، وكأني ملعونة بلعنة الفقد. كلما أحببت شيئاً فارقني وخذلني، كيف لهذه الحياة أن تقسو علي لهذا الحد؟ مهما حاولت الهروب والإبتعاد تلاحقني التعاسة." ثم قالت بصراخ: "كيف تجرؤ الحياة على إحراق قلبي في كل مرة ظننت أني مطمئنة؟ كيف تجرؤ على تحطيمي بتلك القسوة؟ ماذا فعلت أنا ليحدث معي كل ذلك؟ ثم أمسكت بقطعة من الزجاج المتناثر حولها ووضعتها فوق عروق يدها بيأس قائلة:
"أعتذر يا أمي، لكن ابنتك لا يمكنها العيش للحظة واحدة بعد الآن، يبدو أنها النهاية." "في القاهرة" عمار بغضب: "يعني اسمها ميرا فعلاً؟ فارس: "لا اسمها تالا، ولما دورنا ورا الاسم عرفنا إنها في قائمة الناس اللي سافروا على تركيا من كام يوم." عمار: "يعني هي موجودة دلوقتي في تركيا؟ فارس: "أيوا، بفكر نبعتلها حد من رجالتنا يجبها." عمار بوعيد: "لا متبعتش حد ليها، سيبها علشان أنا اللي هجيبها بنفسي." فارس: "يا خوفي تحن بعد كله."
عمار بغضب وعصبية: "أحن! من إمتى وأنا بغفر الخيانة؟ مانت عارف الخيانة عندي لا يمكن أغفرها." فارس: "أتمنى ده، بس أهم حاجة دلوقتي تطلع من هنا." عمار: "والله دي في إيدك أنت مش إيدي، خلص كده وإنجز علشان أنا بدأت أزهق." فارس: "بنجرب، واطمن قريب هتكون بره." عمار: "عرفت كانت شغالة تبع مين؟ فارس: "لسه بندور وراها، بس الاسم في آخره السيوفي، معنى كده إنها احتمال كبير تكون كانت شغالة لصالح أكرم السيوفي اللي مكتسح الساحة دلوقتي."
عمار: "متأكد ولا ده مجرد احتمال؟ فارس: "لسه متأكدناش، ممكن يكون تشابه أسماء." عمار: "طب حاول تتأكد في أسرع وقت ممكن، علشان اللي عمل فيا كده لازم يتربى ويعرف مين هو عمار كويس أوي." فارس: "اطمن، كل حاجة هتبقى تحت أيدينا في أقرب وقت." عمار: "طمني على يزن، أخباره إيه؟ فارس: "للأسف تعبان جداً ومبيأكلش وزعلان جداً علشان كان بيحب اللي اسمها ميرا دي ولا تالا." عمار بحزن:
"ليه حق يزعل، بس خليه يطمن وقوله بابا هيجيب حقنا كلنا، لأن أنا كمان اتخدعت فيها جامد للأسف." فارس: "مش عارف بصراحة إزاي قدرت تصدق البنت دي." عمار وضع يده على قلبه قائلاً بحرقة ووجع: "كله من الغبي ده." "في تركيا" الإسعاف تجر تالا لداخل المستشفى. الطبيب بقلق: "Burada acil bir durum var." (لدينا حالة طوارئ هنا) دخلت تالا لغرفة الطوارئ. كانت فاقدة للوعي، لكن عقلها الباطن مشتعل بالذكريات.
تذكرت والدها ووالدتها وأخيها الذين ماتوا أمام عينها وهي تقف أمامهم بقلة حيلة. تذكرت آدم الذي خذلها رغم أنه الوحيد اللي وثقت به. رأت قسوة نادر عليها وإخافتها وضربها بشكل مهين. تذكرت عمار وهو يضربها قائلاً: "انتي بنت شوارع، اطلعي بره." كانت تسمع صوت الجهاز الذي يقيس ضربات القلب وتتمنى من داخلها أن يقف ذلك الصفير المزعج من حولها. بعد مرور يومان. الطبيب المصري:
"أتمنى إن اللي حصل ده ميتكررش تاني، أنتي مش عارفة إحنا أنقذنا حياتك بصعوبة إزاي." تالا بتعب وإرهاق: "هحاول حاضر." الطبيب: "على فكرة إحنا مصريين زي بعض، لو عايزة أي مساعدة في أي وقت أنا تحت أمرك." تالا: "متشكرة جداً لحضرتك." الطبيب: "ممكن تخرجي النهاردة بالليل، أنتي خلاص بقيتي تمام الحمد لله." تالا بيأس وإحباط: "تمام، شكراً." خرج الطبيب وقامت تالا من على السرير تتمشى في غرفتها. اقتربت من الشرفة ونظرت قائلة:
"اتكتبلك عمر جديد يا تالا، ياترى إيه مستخبيلك تاني؟ خرجت تتمشى في الممر قليلاً، فجأة ترى الأطباء والممرضين يجرون بهلع قائلين: "Çabuk yol ver, korkunç bir kaza geçirdik." (أفسحوا الطريق بسرعة، لدينا حادث مروع) إلتصقت تالا بالجدار بخوف أثناء مرور المصاب. تفاجئت بآدم يمر من أمامها وهو مغطى بالدماء. شعرت بالدوار وحاولت التماسك. لم يمضي ثانيتين حتى رأت زوجته هي الأخرى تمر من أمام عينها إلى داخل غرفة العمليات.
جرت تالا بسرعة نحو الغرفة لتتأكد أنهم هم. الطبيب منعها وأغلق الباب فوراً. تالا في الخارج تحاول استيعاب ما رأته. لم يمضي خمس دقائق حتى خرجت الممرضة قائلة: "Yaralılardan birini kaybettik." (فقدنا أحد المصابين للأسف) لم تفهم تالا ما قالته الممرضة. جلست على الأرض تحتضن نفسها وتبكي بشدة وخوف. لم يمضي خمس دقائق آخرين حتى خرجت الممرضة تحمل بين يديها قطعة من القماش قائلة: "Yaralının akrabası var mı?"
(هل يوجد أحد من أقرباء المصابين؟ لم تفهمها تالا. الممرضة كررت جملتها مرة أخرى. لم تفهمها تالا. الممرضة حاولت نطق الكلام باللغة الإنجليزية. حينها فهمت تالا. مسحت دموعها ووقفت من على الأرض قائلة: "أنا." الممرضة أعطتها طفلة صغيرة ولم تنطق بأي حرف آخر ودخلت لغرفة الطوارئ مرة أخرى. حملت تالا الطفلة بين يديها بخوف وظلت تنظر لها برهبة والدموع تتساقط من عينيها. بعد مرور نصف ساعة خرج الطبيب والممرضات والحزن يخيم على وجوههم.
جرت تالا نحو الطبيب المصري قائلة: "إيه اللي حصل يا دكتور؟ الطبيب: "للأسف فقدنا الاتنين، بس قدرنا ننقذ الطفلة." ثم تركها وذهب. شعرت تالا بالدوار، استندت على الحائط بسرعة وجلست على الأرض وهي تحتضن الطفلة. نظرت لها بشفقة وبكاء، رجعت للوراء بذاكرتها. "في حديقة الفيلا" تالا وهي تنظر للسماء: "السما شكلها حلو أوي النهاردة." آدم: "دايماً بشوفك بتبصي للسما، بتحبيها أوي كده ليه؟ تالا وهي تنظر للسماء بحب:
"علشان فوق كل الناس اللي سابونا ومشيو، لما ببص لفوق بحس إني قريبة منهم." آدم بإبتسامة: "وأي كمان؟ تالا: "وكمان السما جميلة صافية دايماً مفهاش حروب ولا قتل، عكس الأرض اللي إحنا عايشين عليها." آدم نظر للسماء قائلاً: "أنا لما أخلف بنوتة هسميها سما." تالا نظرت له قائلة: "بجد؟ آدم بإبتسامة: "آه بجد." أفاقت تالا من شرودها على صوت بكاء الطفلة الصغيرة. نظرت لها قائلة بدموع: "متعيطيش يا سما، أنا مش هسيبك."
ثم احتضنتها وقبلتها. بعد مرور شهر. عمار بغضب: "يعني إيه محدش عارف يوصلها؟ أنا بقالي فترة قاعد في تركيا ولحد دلوقتي مفيش أي أخبار عنها." الشاب: "بندور يا عمار بيه، بس صدقني مش لاقيينها، والموضوع صعب جداً خصوصاً إنك في بلد أجنبي مش سهل تلاقيها." عمار بعصبية: "في غضون يومين البنت دي لو مجتليش، صدقوني هزعلكم كلكم." في منزل أكرم السيوفي. أكرم بغضب: "إنت مش هتفوق من اللي إنت فيه ده بقى؟ مش شايف نفسك بقيت عامل إزاي؟
نادر وهو يمسك بسجارته ويجلس في غرفته المظلمة: "مش هفوق إلا لما ألاقيها." أكرم بحده: "انساها بقى، البنت هربت وخلاص، فكر في نفسك شوية. أنا مخلفتش راجل علشان بنت تعمل فيا كده." نادر: "هو مش اللي إنت عايزه عملته، ودلوقتي شركتنا بقت في المقدمة وشركة عمار نزلت لتحت، عايز إيه تاني؟ أكرم: "عايزك تفوق لنفسك وتبص في المراية شوية وتحاول تفهم إن مش بنت هي اللي تعمل كده في نادر. أكرم السيوفي فاهم ولا لأ؟ ثم تركه وخرج.
وقف نادر من مكانه ونظر للمرآة، وجد شخص مختلف تماماً عما كان عليه، شخص شاحب الوجه، لحيته تغطي وجهه، عيناه ذابلتان، يبدو عليه الإرهاق والتعب. ضرب المرآة بيده قائلاً بغضب: "واضح إنك هتتحولي لعدو ليا يا تالا، أنا مستاهلش يتعمل فيا كده." في شقة تالا. تالا وهي تحمل سما بلطف: "خلاص خلاص، متعيطيش." الطفلة تبكي بشدة. تالا بدموع: "خلاص بقى، أنا لما بتعيطي بعيط معاكي، معرفش ليه." الطفلة تبكي: "طب إنتي عايزة إيه وأنا هعمله."
"يوه يا تالا، بتكلمي طفلة عمرها شهر؟ يا ربي منك." ثم قالت بحزن: "أنا معرفش بيتعاملوا مع الأطفال إزاي." الطفلة تبكي بشدة. تالا بتوتر: "طب أنا مش عارفة إنتي عايزة إيه، إنتي شاربة الرضعة بتاعتك ومغيرة حفاضتك، بتعيطي ليه بقى؟ أقولك تيجي أغنيلك." ثم بدأت تالا بالدندنة لها واللف بها في أرجاء الغرفة. بدأت سما تهدأ وتغمض عينها. تالا احتضنتها بحب وقبلت جبهتها ووضعتها على السرير. ثم قالت لقطتها:
"يلا يا لولي، اطلقي بره علشان هنام أنا وسما." القطة: "مياو." تالا: "مانا فهمتك قبل كده وقولتلك مينفعش تنامي معايا أنا وسما في الأوضة، لأنك ممكن تخربشيها وأنا نايمة." القطة بحزن: "مياو." تالا: "حقك عليا، أول ما تكبر شوية هخليكي تنامي معانا." ثم أخرجتها للخارج وأغلقت باب الغرفة ووضعت رأسها بجانب سما وغطت في نوم عميق. تستيقظ على رنة هاتفها. أخذت الهاتف بسرعة وخرجت من الغرفة حتى لا تستيقظ سما. تالا بصوت منخفض: "ألو."
غيث: "إزيك يا تالا؟ تالا: "الحمد لله بخير." غيث: "بقالي فترة مبتجيش الشغل، يعني قولت أطمن عليكي." تالا: "أنا كويسة الحمد لله، بس حصلي شوية ظروف، وقريب بإذن الله هكون عندك في المطعم." غيث: "يارب دايماً بخير، ومكانك موجود، اطمنت." تالا: "تسلم يارب، ومتشكرة جداً لحضرتك." انتهت المكالمة وذهبت تالا للمطبخ لتجهيز بعض الطعام. اكتشفت أن الثلاجة فارغة. قالت بإحباط: "لسه هخرج أجيب حاجات من السوبر ماركت." ارتدت معطفها وخرجت.
كان الجو يمطر. قالت بتأفف: "هي المطرة دي مبتبطلش خالص؟ في نفس الشارع التي كانت تسير به يسير عمار أيضاً ويتلفت يميناً ويساراً. حين نظر ناحية تالا، كانت تالا أدارت وجهها لتدخل للسوبر ماركت. فلم يتعرف عليها ومضى بطريقه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!