كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساءً حين أخذت حقيبتي وذهبت إلى محطة القطارات بالقاهرة لأستقل القطار المسافر إلى أقصى صعيد مصر في زيارة للأهل هناك. قصدت ركوب هذا القطار تحديدًا حيث أني من عشاق السفر ليلاً بالقطار. أخذت تذكرتي وذهبت إلى العربة الحادية عشر بالقطار حيث مقعدي المكتوب في التذكرة. كانت التذكرة للمقعد المجاور للنافذة كما يروق لي.
بدأ القطار رحلته وأخرجت هاتفي الخلوي وبدأت في استكمال قراءة الرواية الأخيرة التي لم أنتهِ من قراءتها بعد. مر وقت قصير وأنا مستغرق في القراءة حتى توقف القطار في محطة الجيزة لدقائق، وإذا بي أسمع صوت ضجيج وثرثرة عالية! التفت لأجد امرأة تتشاجر مع أحد عمال القطار ويعلو صوتهم كثيرًا! نهضت من مقعدي وحاولت التدخل لأفض النزاع بينهما.
وحينها تفهمت بأنها قد ركبت العربة الأولى للقطار عن طريق الخطأ، وأن العامل قد حمل حقائبها ليأتي بها إلى مقعدها في تلك العربة حيث المقعد المجاور لي تمامًا! كان النزاع بينهما بسبب أجرة حمله للحقائب ونقلها كل تلك المسافة. وبالفعل تدخلت وأنهيت النزاع بينهما وبدأت أساعدها في وضع حقائبها في المكان المخصص لذلك. وبعد أن انتهينا جلست هذه المرأة بجواري بعد أن قدمت لي الشكر لمساعدتها.
لم أستطع تحديد عمرها بدقة عبر صوتها العالي، فهي ترتدي نقابًا لا يظهر سوى عينيها! ولكنها ربما تبدو في منتصف العمر. أكمل القطار رحلته وجلست على مقعدي وأمسكت بهاتفي لأستكمل القراءة. كان الهواء لطيفًا للغاية، ويشعرك ببعض الانتعاش والمتعة. وبعد دقائق نهضت واتجهت للبوفيه لأدخن سيجارة وأتناول فنجان قهوتي المفضلة. "أعلم أنها عادة سيئة ولكني أحاول التخلص منها."
وبعد أقل من ثلث الساعة عدت إلى مقعدي ولكني فوجئت بها وقد نامت بعدما احتلت بجسدها جزءًا من مقعدي! انتظرت لفترة وجيزة كي تنتبه وتعتدل في جلستها ولكنها مازالت لم تنتبه! لابد إذن من إيقاظها لتعتدل لأستطيع الجلوس في مكاني، فمازالت المسافة طويلة! حاولت تنبيهها بصوت هادئ عدة مرات حتى انتبهت أخيرًا واعتدلت. "أسف قوي إني قلقتك." "لا بالعكس ده أنا اللي آسفة، الظاهر إني مسببالك إزعاج! "لا أبدًا."
"أنا متشكرة قوي على موقفك معايا." "لا أبدًا، أنا معملتش حاجة، أنتي مسافرة لوحدك؟ "أكيد، أنت شايف معايا حد؟! "لأ، لكن مستغرب إنك مسافرة بالليل ولوحدك!!! انتظرت في صمت لثوانٍ معدودة ثم قالت: "معلش الظروف حكمت." لم أرد أن أتطفل عليها أكثر من ذلك، ولكنني شعرت بأنها مجهدة وتريد أن تنال قسطًا من الراحة! "تحبي تيجي تقعدي مكاني جنب الشباك لو عايزة ترتاحي شوية؟ "لا لا شكرًا، خليك حضرتك مرتاح في مكانك."
لاشك أن صوتها الهادئ أجمل كثيرًا وتبدو أنها مازالت شابة، ولكني لازلت لا أستطيع تحديد عمرها بدقة. حسنًا، فعمرها لا يعنيني كثيرًا سوى من باب الفضول! أخرجت هاتفي وبدأت أستكمل قراءة الرواية. مرت فترة وجيزة يسودها الصمت التام، شعرت هي خلالها بأنني مشغول تمامًا في هاتفي. كانت الرواية شيقة جدًا وكل أحداثها مثيرة للغاية، إذن لابد من تناول فنجان آخر من القهوة. وقبل أن أطلب من عامل
البوفيه القهوة سألتها: "أنا هشرب قهوة، تحبي أطلب لك حاجة تشربيها؟ "ميرسي قوي." طلبت القهوة وعدت لقراءة الرواية ووجدتها ممسكة بهاتفها، ولكني لاحظت أنها متوترة قليلاً. "حاسس إنك قلقانة ومتوترة!! ممكن أساعدك في حاجة؟ "لأ شكرًا، للأسف مش هينفع تساعدني." "ليه؟ خير فيه إيه؟ "التليفون بيفصل شبكة كل شوية وكنت عايزة أتسلّى ومش عارفة أضيع الوقت ده كله إزاي؟
"طيب أنا بقرأ رواية وقربت أخلصها، بمجرد ما أخلصها ممكن تاخدي تليفوني وتتسلي شوية." "لا لا شكرًا أنا مقصدش." "عادي والله مفيهاش حاجة." "لا شكرًا." "خلاص زي ما تحبي، وعموما لو حبيتي موبايلي تحت أمرك." "ميرسي قوي، رواية إيه اللي بتقراها؟ "رواية اسمها غرام السلطان لكاتب اسمه عادل عبد الله." "أيوه عارفاها." "أنتي قرأتيها؟ "أيوه قرأتها." "قرأتي الجزئين؟ "أيوه قرأتها وعجبتني قوي."
"فعلاً أنا قرأت الجزء الأول والتاني قربت أخلصه." "أنت بتحب القصص والروايات؟ "بحبها جدًااا." "وأنا كمان." وأستكملنا حوارنا عن قراءة القصص والروايات ثم قلت لها… "الحقيقة أنا لما شوفتك مش فكرت إنك ممكن تهتمي بقراءة القصص!!! "لأ بالعكس أنا بحب القصص والروايات جدًا." "غريبة!!! "ليه؟ إيه الغريب في كده؟ "كنت فاكرك مش هتهتمي إلا بالقصص الدينية مثلًا علشان لابسة نقاب." "لأ أنا النقاب بالنسبالي عادة مش أكتر."
"أكيد باباكي فرضه عليكي." "لا لا، ده من أيام ما كنت متجوزة." "واتعودتي عليه؟ "أيوه، أصل أنا كنت متجوزة وجوزي لسه متوفي من ٥ شهور وكنت في الجيزة بخلص بعض الأوراق الخاصة بمكافأة نهاية الخدمة للمرحوم الله يرحمه." "الله يرحمه، وليه المرحوم فرض عليكي تلبسي النقاب؟ ضحكت وقالت: "أصله كان بيغير عليا وبيقول إنّي حلوة ومش عايز حد غيره يشوفني." وفجأة وجدتها تضم يديها إلى جسدها وكأنها تنتفض! سألتها: "مالك؟ فيه حاجة؟
"حسيت برعشة في جسمي." "فعلاً الجو بدأ يبرد شوية." "الساعة كام دلوقتي؟ "الساعة حوالي ١١ إحنا لسه في بني سويف، أنتي هتنزلي فين؟ "لسه بدري." ثم أخرجت شالًا من حقيبتها ووضعته عليها. سألتها: "تحبي أطلب لك حاجة دافية تشربيها تدفيكي؟ "ماشي، بعد إذنك أشرب نسكافية." ذهبت إلى البوفيه وطلبت لها نسكافيًا وجلست هناك أدخن سيجارتين وأنا أشرب قهوتي المفضلة.
ولا أعلم لماذا تركت الرواية وتعلق تفكيري بها وبصوتها الناعم الرقيق الدافئ الجذاب. يبدو من صوتها أنها إنسانة تتمتع باللطف والرقة بعكس انطباعي الأول عنها! وبدأت أرسم لها صورة في مخيلتي، خاصة بعدما عرفت أنها جميلة كما قالت. وبعد نصف ساعة عدت إلى مقعدي لأجدها وقد نامت! لم أعرف اسمها إلى الآن كي أناديها! حاولت إيقاظها بصوت هادئ عدة مرات ولكنها لم تنتبه! اضطررت لأجذب طرف الشال حتى تنتبه!
بالفعل انتبهت فقلت لها: "أنا آسف، إني صحيتك." "لا لا أبدًا مفيش حاجة." "أنتي لسه مش شربتي النسكافية." "ياااه، ده فعلاً النسكافية برد!! "طيب أنا هطلب لك غيره." "لا لا خلاص." وبالفعل طلبت لها آخر وحينما بدأت تتناوله رفعت النقاب عن فمها قليلًا فرأيت شفتيها الورديتين وبياض وجنتيها، حينها وجدت قلبي يدق بسرعة وأصبح لدي شغف كبير لأرى كامل وجهها!
قلت لها: "أنتي مش عارفة تشربي النسكافية براحتك، أنا هبعد بعيد علشان تشربي براحتك." "لا لا خليك قاعد." ثم كشفت عن وجهها وخلعت النقاب، سبحان الخالق! كانت حقًا جميلة جدًا وعيونها ساحرة مملوءة بالبراءة والرومانسية بعكس الصورة التي رسمتها لها في مخيلتي في بادئ الأمر! بعدما انتهت من مشروبها قالت لي بعيون باسمة: "ميرسي قوي." ضحكت وقولت لها: "ده أنا اللي ميرسي قوي." قالت بتعجب: "على إيه؟! "على إنك خلعتي النقاب."
ابتسمت في خجل وقالت: "ليه؟ "بصراحة أنتي فعلاً حلوة قوي، المرحوم كان من حقه إنه يغير عليكي." "لأ أنت بتبالغ." "أنا بتكلم جد." "أنا عادية جدًا." "بالعكس انتي حلوة جدًا." "أكيد مراتك حلوة زيي ويمكن أجمل." "أنا مش متجوز." "معقول؟ وليه مش اتجوزت لحد دلوقتي؟ "النصيب، يمكن النصيب اتأخر شوية." "نصيبك زي الفل إن شاء الله." "أنتي عندك أولاد؟ "للأسف لا." "وليه للأسف؟ يمكن ده يكون من حسن حظك علشان تبدأي حياتك من جديد."
"تصدق لو قولتلك إني مش هتجوز تاني ولغيت الفكرة دي من دماغي؟ "مش معقول!! انتي لسه صغيرة وجميلة إزاي هتكملي حياتك وحيدة؟ "أنا كنت بحب المرحوم جدًا ومش قادرة أتخيل إني أعيش مع راجل غيره." "أكيد ده نوع من الوفاء للمرحوم لكن الحياة مش هتقف هنا وانتي حلوة ولسة صغيرة!! لازم تفكري تكملي حياتك مع إنسان يحبك وتحبيه." "تفتكر فعلاً فيه حاجة اسمها حب ولا بنسمع عنه في القصص والروايات بس؟ "أكيد فيه حب طبعًا." "وأنت حبيت قبل كده؟
"كتييييير." ضحكت ضحكة عالية جذبت انتباه بعض ركاب العربة: "يبقى عمرك ما حبيت." "صدقيني أنا لما بحب بكون بحب من قلبي." "يمكن." ساد الصمت بعدها لفترة لا أعرف لماذا، وبدأت أستكمل قراءة الرواية ولكني كنت أراقبها بجانب بصري! كان يبدو عليها التوتر قليلاً بين الحين والآخر! انتهيت من الرواية ثم قلت لها: "تحبي تاخدي الموبايل شوية تضيعي الوقت؟ "لا لا مش عايزة." "أنتي اسمك إيه؟ "ضروري يعني؟ "لو مش يضايقك."
"طيب قولي أنت اسمك إيه؟ "أنا اسمي علاء." "اسمك حلو يا علاء، عندك كام سنة؟ "تديني كام سنة؟ "قلبك قلب ١٨ سنة لكن ملامحك حاجة وتلاتين." ضحكت وسألتها: "ليه قلبي ١٨؟ "علشان رومانسي وحبيب." ضحكت وسألتها: "وعرفتي منين؟ "باين قوي عليك." "ودي حاجة حلوة ولا وحشة؟ "حلوة لو حبك ده يكون في محله للإنسانة المناسبة." "عندك حق، للأسف أنا كتير لعبوا بقلبي ومشاعري." "يعني انت كل ما تشوف واحدة حلوة وتعجبك بتحبها؟! لم أتمالك نفسي من
الضحك بصوت عالي وقولت لها: "لأ طبعًا مش للدرجادي." ابتسمت وسألتني: "و حبتني أنا ولا لسه؟ كانت ابتسامتها ملائكية وعيناها شديدة السحر والجاذبية! نظرت لها برفق وقولت لها: "هاتي إيدك أدفيها بين إيديا؟ ابتسمت وقالت: "انت جريء قوي!!! "لأ بالعكس." "تبقي مندفع في عواطفك." ثم نظرت لي وابتسمت وأدارت وجهها خجلًا! "أنتي بتصدقي في الحب من أول نظرة؟ "من أول نظرة ده بيكون إعجاب مش حب." "ولو قولنا من أول لقاء؟
"أول لقاء بردو بيكون إعجاب أو ممكن نقول إن فيه كيميا أو انسجام بين الاتنين." "بس كده؟ "عايز توصل لأيه يا علاء؟ "عايز أقولك إنّي…." "أوعى تقول بتحبني!!! "أيوه ب…." "بلاش استعجال، لما تعرفني كويس الأول." "مش لازم أعرف أكتر من كده." "لأ لازم." "وإنتي عندك مانع تعرفيني بنفسك؟ "لأ، رغم إني عارفة إنه ملوش لزوم ولكن هقولك." "قولي كل حاجة عنك." "اممممم، اسمي ريم." "اسمك حلو قوي."
ضحكت ثم أكملت: "عندي ٢٤ سنة، أرملة ومش عندي أولاد، شكلي زي ما انت شايف، خريجة معهد فني تجاري، من أسرة على قد حالها لكن جوزي الله يرحمه كان مبسوط لأنه كان مسافر الخليج وشغال هناك من زمان." "كل ده جميل جدًا." "متستعجلش استنى لما أكمل." "كملي براحتك أنا سامعك."
"أنا اتجوزت جوزي الله يرحمه عن حب، كنا بنحب بعض قبل ما يسافر، وعلشان يوفرلي فلوس الجواز وحياة كريمة سافر واتغرب سنين كتير، وللأسف مات في عز شبابه بعد جوازنا بفترة بسيطة، لكن بعد ما كتبلي البيت باسمي، حزنت عليه حزن السنين لأني فعلاً كنت بحبه جدًا، بعد موته اتفاجئت بحماتي بتطلبني لابنها التاني!! "وانتي وافقتي؟ "لأ مش وافقت وقولتلها إني مش بفكر في الجواز تاني." "تمام، وكمان مفيش أولاد يعني مفيش لزوم إنها تجوزك أخوه!!
"لأ، ماهي عملت كده علشان البيت اللي المرحوم كتبه باسمي!!! وقالت شرط عشان استلم البيت إني اتجوز ابنها التاني، رغم إنه متجوز." "لكن ده مش من حقها!!! "أيوه مش حقها لكن انت عارف الصعيد وعاداته، مش هقدر أتصرف في البيت أو أتجوز فيه أو حتى أبيعه لو هي مش راضية." "مش لازم تتجوزي في البيت ولا تبيعيه دلوقتي، اتجوزي وعيشي حياتك وأجلي استغلالك للبيت لوقت تاني."
"المشكلة كمان إن أخو جوزي ده مش سهل ومش هيسيبني في حالي وأنا أهلي غلابة ومش قد المشاكل!! "وأنتي ناوية تعملي إيه؟ "مش عارفة، كلمني انت بقي عن نفسك." وهنا كانت المشكلة لأني مش هقدر أقولها كل حاجة عني!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!