صلوا على نبي الرحمة.. ارتفع ذلك الصوت اللعين يدوي في المكان بأكمله، التفت على أثر الصوت وقلبه يدق خوفًا لفقدها. ألقى نظرةً سريعة عليها فوجدها ساكنة، كم هي تغطُ في نومها المؤلم. تفحص المكان بعناية ليجده واقفًا والشررُ يتطاير من عينيه، علامات الندم ترتسم على وجهه ببراعة. فتحدث من وسط ألمه: "قتلته عشان استريح، رغم إني كنت معاه وبشجعه بس مستحملتش اللي عمله في بنتي قدام عيني." تجمدت نظراته عليه بحسرة ليرد بعد صمتٍ قاتل:
"كنت شايف بنتك بتتأذى قصاد عينك واقف تتفرج عليها عادي! طب سيبك مني ومن أي حد، قلبك فين؟ وفين خوفك من ربك؟ أنت مدرك حجم المصيبة!؟ خفض نظره بألم ثم استرسل حديثه ببكاء: "فوقت يا يامن بس متأخر قوي وعارف إن رغد صعب تسامحني." ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه فقال بسخطٍ: "للدرجادي الفلوس تعمي قلب الإنسان لدرجة إنه يأذي اللي من دمه! "نسى يا عمي إن رغد هتسامحك." اجتمعت قوات الشرطة تعبئ المكان، فاقترب منه رياض قائلًا: "جيت متأخر؟
رد يامن سريعًا: "للأسف." ثم تابع حديثه باهتمام: "دي كاميرا كنت مديها لرغد لما شكيت، كانت لبساها على هيئة خاتم، أكيد صورت كل حاجة. أنا لازم آخد رغد لأقرب مستشفى، ولو احتجتني في التحقيق كلمني." نظر له بهدوء قائلًا: "للأسف عمك هيجي معانا، وفي سجن لحد ما نحقق." ارت نظراته إليه فوجده يفترش الأرض يبكي كالصغار على فوات الأوان، فقال بهمسٍ مؤلم: "لكل مُذنب عقابه." ***
حملها برفق إلى سيارته الخاص، تعلقت عيناهُ بها بألم مزق قلبه العليل، فكلما اقتربت المسافات بينهم بالصلح، أفسدتها تلك الخطط الدنيئة التي تدبر لهم. فتحدث هامسًا لها: "مش هسامح أي حد فيهم لو حصلك حاجة، ولا هسامح نفسي يا رغد." شحب وجهه برعبٍ عندما رأى الدماء سالت بغزارة، فأسرع في طريقه وقلبه يخفق خوفًا لفقدها.
سارت الدقائق الأخيرة عليهِ كسنواتٍ طوال، شعر كأنه يركض مئات الأميال، فتوقف مسرعًا أمام إحدى البوابات وهو يتحدث بحدةٍ: "بسرعة، عاوز دكتور نسا، المريضة فقدت دم كتير." حملها دون انتظار طاقم الطب المتخصص بنقل المرضى، وأخذ يلهث من شدة الخوف. قالت الطبية بهدوء: "ممكن حضرتك تخليك بره واحنا هنطمنك على المريضة أول ما الفحص يخلص." هز رأسه بتفهم، فجلس على أقرب مقعدًا يذكر الله سرًا أن ينجيها. ***
احتدا سواد الليل الكاحل مع بكاء قلبهم الجريح بما يصيرُ معهم. خفق قلبهم ألمًا فور علمهم بما حدث، فانقلب البيت بأكمله لحالة من الحزن الشديد التي ارتسمت على القلوب بألم، فظهرت في لؤلؤة عيونهم. فصرخت ألاء بحزنٍ: "إزاي رغد يحصلها كل ده؟ هي كانت عملت إيه يعني." اشتد بكاء ملك فقالت وسط دمعتها: "بابا السبب وأنا مش هسامحه طول عمري." ربتت روان على كفيها بهدوء ثم قالت بهدوء:
"متظلموش ياحبيبتي، لسه مش عارفين إيه الدافع اللي وصله لكده." صرخت ملء جوفها وهي تبكي بحسرةٍ: "مفيش أب في الدنيا يأذي أولاده كده؟! احتضنتها بهدوء وهي تهمس لها بحنان: "ربنا يسامحه ياملك ورغد ترجع سليمة وبخير." دقات خافتة على باب غرفتها أفزعت الجميع، فقالت المسؤولة عن أمور البيت بهدوء: "ياروان في واحد تحت بيسأل على أستاذ يامن وأنا مش عارفه أقوله إيه؟ مسحت دموعها بهدوء: "حاضر يا دادا سميحة، نازلة أشوفه حالًا."
خطت ببطء وشرود، فأدلفت خطواتها مدخل غرفة الجلوس، فقالت باحترام: "السلام عليكم." التفت على أثر الصوت فعلق نظره بها ليقول بهمس: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." "عاملة إيه يا روان." توتر صوتها قليلًا فحاولت الحديث: "أمير أهلاً وسهلاً بحضرتك، اتفضل." استرسل حديثه بجدية: "يامن فين؟ خفضت رأسها بحزن وروت له ما حدث، ليقول بعد برهة من الصدمة والذهول: "كل ده حصل! طب هو فين؟ لازم آخد يونس ونروح له حالًا."
شرحت لها مكانهم، فاستأذن منها مسرعًا تاركًا لها قلبه يخفق ببداية شعلة ستُنير عتمة لياليه. *** خرجت الطبيبة مسرعة من الغرفة تبحث عنه، فقالت بحزن تسطر على وجهها: "عاوزين دم ضروري، المريضة وفصيلة دمها مش موجودة للأسف هنا." أردف قائلاً بجدية: "في حد في عيلتنا نفس الفصيلة، بس طمنيني عليها، إيه اللي حصلها؟ اخفضت رأسها بألم ثم استرسلت حديثها: "انهيار عصبي حاد ونزيف شديد في بطانة الرحم." اهتز قلبه خوفًا، فتابعت
الطبيبة حديثها بتساؤل: "إزاي حصلها كده؟ صمت بشرود ثم تحدث بصعوبة: "كانت مخطوفة." احتدمت نظراتها بغضب: "لازم أبلغ الشرطة، دي فيها حياة أو موت." غضب الطبيبة جعله عقله يجن من الخوف أن يكون قد أصابها مكروه، فأثم، فحاول أن يتماسك عن غضبه قائلًا: "الشرطة كانت موجودة بالفعل وهييجوا يحققوا، أنا دلوقتي عايز أعرف لو حالتها صعبة، أنا هنقلها مستشفى بره." أجابته بانفعال:
"المريضة فقدت دم كتير، مينفعش تسافر واحنا نقدر نعالجها، ممكن حضرتك تتفضل تشوف فصيلة دمها، تضيع الوقت مش في صالحها ولا في صالحك." استرسل حديثه بجدية: "المتبرع على وصول، أنا عايز أدخل أشوفها." نظرت له وهي تقول بحذر: "مع حضرتك ٥ دقايق بس، اتفضل." دلف بهدوء، يتقدم خطوة، ويقف مئات، عيناه تنذر بالبكاء، واه من قلبه الذي يئن خوفًا من فقدها ومصابها. اقترب ببطء ونظراته تجاوبها بدقة، والألم حليفهُ، فتحدث من بين دمعةٍ
هاربة من مقلتيه: "رغد أنا مستحيل أعيش من غيرك، لو حصلك حاجة هتكوني قتلتيني." "هتقتلي قلبي؟! رفعت عيونها بهدوء فابتسم بفرح قائلًا: "الحمد لله إنك بخير." نظرت له بضيق فحاولت أن تسند حالها لتقف أمامه بصعوبة بالغة في محاولة مؤلمة للحديث: "انت مين؟! اقترب منها بهدوء والصدمة ترسم ملامحها ببراعة: "رغد انتِ في وعيك؟ صرخت بعلو صوتها عندما وجدتهُ يقترب منها، فقالت بغضب يعصف بقلبه للهاوية: "ابعد عني! تعلقت نظراته بها بدهشةٍ
والصدمة تسكن ملامحه بذهول: "رغد أنا! انسحب وجهها بضيق فلكزته بقوة وهي تصرخ: "اخرج بره! أنا بكرهكم كلكم! بره! حاول أن يهدئ من روعها فاسترسل حديثه بحنان: "حبيبتي فوقي، كل اللي كنتي فيه خلص، انتي دلوقتي في أمان." نظرت له بتعجب، وانسابت دموعها بغزارة تغطي وجهها البريء بما دنسه أولئك الأشرار، ارتجف جسدها بعنفٍ قبل أن تسقط بين يديه فاقدة لوعيها، وفاقدة ملذات الحياة. اقتربت الطبية مسرعة عندما سمعت صفير الأجهزة ينذر بالخطر..
فقالت مسرعة: "اتفضل بره حضرتك." استجمع شتات عقله فتابع بجدية: "أنا هفضل معاها مش خارج إلا لما أطمن عليها." قالت بهدوء: "لو سمحت ممكن نشوف شغلنا، هنطمن حضرتك." خرج بهدوء في محاولة بائسة لأن يهدئ من خفقات قلبه التي فازت عليه بالألم، فجلس محله يدعو الله لها بالنجاة. *** صعد المصعد بهدوء متسائلًا مكانه، فوجده ترقد مسرعة إلى المصعد تنادي بعلو صوتها: "من فضلك لو سمحت." أوقف أزرار المصعد، وتطلع لها بتعجب: "روان؟!
قالت من وسط شهقات بكائها: "بسرعة يا أمير، مفيش وقت، رغد محتاجاني." ضرب أزرار المصعد على الطابق المنشود فقال وهو ينظر لها: "ممكن تبطلي بكى، هتكون بخير بس قولي يارب." حاولت التماسك قليلًا فخرج صوتها مهزوز: "رغد دي نصي التاني يا أمير." "هي بالنسبة لبنات البيت كله الأم الناصحة، والأخت والرفيق الصالحة." ابتسم بمحبة ثم أردف بثقة: "هتقوم وتكون بخير، لا تيأسي من رحمة الله." قالت بيقين: "ونعمة بالله."
توقف المصعد فهبطت مسرعة، فوجدته جالساً منكب على إحدى المقاعد، يسيطر الألم عليه، فقالت: "يامن فين رغد؟ استقام بوقفته وهو يمسك بكفها قائلًا: "رغد محتاجالك دلوقتي يا روان، وانتي اللي تقدري تساعديها." تطلعت له بحيرة وهي تجيب: "إيه أقدر أعمله يا حبيبي، وأنا مش هتأخر." استرسل حديثه بأمل أن توافق طلبه: "رغد عايزة نقل دم ضروري، وانتي الوحيدة اللي فصيلة دمك تتطابق معاها." بلعت غصة مريرة في حلقها وقالت من دمعةٍ
هاربة من مقلتيها: "لكن كده يأذيها يا يامن." تابع حديثه بيقين نبع من إيمانه الشديد بربه: "ربنا معانا إن شاء الله مش هيحصلها حاجة." "الدكتورة قالت إن فصيلة دمها نادرة وصعب الوصول ليها حاليًا وهي في خطر." قالت برفض: "يامن أنا مريضة سكر، أنت مدرك إن ده ممكن يعملها مضاعفات." شرد بعيدًا ثم أردف بألم: "مش هنعرف حد." ازداد بكائها أثر حديثه الجدي الذي لا يعلم ما وراء عواقبه: "يامن إحنا كده بنأذيها مش بننقذها." خرجت الطبيبة
مسرعة وهي تقول بضيق: "فين المتبرع؟ المريضة في خطر أكبر." نظر لها بألم مزق قلبها، فحاولت أن تتماسك، لكنها رضخت لما طلبه، فقالت بهدوء يصاحبه بكاء مؤلم: "أنا هتبرع ليها يا دكتورة." جذبتها مسرعة وهي تدلف إلى غرفة العناية المشددة، فتساءلت: "بتعاني من أي مرض مزمن؟ سكنت ملامحها وقالت بارتباك: "لأ يا دكتور." أشارت للطاقم الطبي وهي تتحدث بجدية: "بسرعة جهزوها للتبرع." *** في الخارج كان قد استمع لحديثها مع يامن، فضرب بكفيه
عرض الحائط وهو يهمس بحزن: "عندها سكر! تجمعت الدموع في مقلتيه، قلبه ضرب بعنفٍ معلنًا أنينه لما تعاني، واستكمل حديثه بصمت بين نفسه: "لا مستحيل أقدر أكمل معاها." "ليه هو المرض بيعيب؟! التفت بتعجب فوجده واقفاً أمامه بثبات، فاسترسل حديثه قائلًا: "مستحيل أكمل إيه؟ اعتلت الارتباك قسمات وجهه فقال بثبات مصطنع: "يامن متفهمش غلط، بس أنا عايز أكون أب وهي مستحيل تكون أم، حتى لو بقت، من الممكن إن ولادي يعانوا فيما بعد."
نظر له بصدمة من طريقة تفكيره فقال بنفور: "لا راجل وتفكيرك رجعي." غضب من استهزائه بهِ فقال: "أنا موعدتهاش بحاجة." تعمقت عينه بغضب فقال بهدوء ما يسبق العاصفة: "لا وعدت، بس الراجل اللي بيوفي وعده بي، أنت بعيد عن المسمى ده." "واه نسيت أقولك روان حكتلي على كل حاجة، بس للأسف ظنها فيك طلع خايب." التفت ليرحل فوجدها تقف أمامه، الدموع تغرق وجهها، ملامحها يسكنها الألم، والخذلان، فنظرت له بهدوء وهي تهمس: "فعلًا ظني طلع خايب."
ورحلت من أمامه بثبات، فنظر لطيفها وهو يشعر بنغزة احتلت جسدها بالكامل، فقال يامن بجدية: "خسرت ماسة صعب تلاقيها." عندما يعشق الرجل، يتغاضى عن العيوب، يحاول ترميمها بحنان، يكن سندًا صالحًا، ورجلًا بما تحمله الكلمةُ من معنى. من يحب يضحي مهما كانت التنازلات. *** اقترب من الغرفة بهدوء وهو يتفحص حالتها، فقال من بين ابتسامته المشرقة وهو يراها تنظر له: "انظري هناك." تطلعت إلى موضع إشارته فارتسمت على شفتيها ضحكةٌ خافتة.
تابع حديثه بعشقٍ: "شوفتي النور ده؟ لما شوفتك دلوقتي قلبي نور، إنك رجعتيلي بعد ساعات من الخوف والقلق والتوتر أن يصيبك مكروه." ابتسمت بخفة ومازال قلبها يؤلمُها ببعض التساؤلات. "شكرًا يا يامن." دنى منها بهدوء وهو يقول بكل حب وحنان: "شكرًا دي تتقال بين اتنين أغراب، لكن إحنا روح واحدة." تابعت حديثها بجدية محاولة تغيير تلك الأمور التي تخجلها: "عاوزة الدكتورة ضروري." قال بتساؤل: "في حاجة تعباكي تاني؟
هزت رأسها بالنفي وهي تجيب: "لأ الحمد لله، بس حابة أطمن على حاجة منها، ممكن تنادي عليها." جاءها الرد من غرفتها: "اتفضلي يا ست البنات." خفضت رأسها خجلًا، فنظر لها بهدوء ليفهم أن هناك أمر محرج بالنسبة له، فخرج بصمت من الغرفة. قالت مسرعة بأمل: "طمنيني يا دكتورة، إيه أسباب النزيف؟ اقتربت منها بهدوء وهي تربط على كفيها قائلة: "متخافيش، انتي لسه زي ما انتي بنت." ارتسمت ملامحها بفرح وهي تشكر ربها. "الحمد لله."
ما الذي ينتظر يامن؟ جرح قلبها بسكينٍ حاد فنزف ما أجرته من حب، كانت تظن أنه الحب الصادق؟ طال خصامه لها، فحاولت أن تصلح ما كسرته في قلبه، فحدثت بينهما فجوة ستنال منها؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!