الموج يجذبني إلى شيئًا بعيد وأنا أخاف من البحار فيها الظلام ولقد قضيت العمر أنتظر النهار أترى سترجع قصة الأحزان في درب الحياة؟ فلقد سلكت الدرب ثم بلغت يومًا.. منتهاه وحملت في الأعماق قلبًا عله ما زال يسبح.. في دماه فتركت هذا الدرب من زمن وودعت الحنين ونسيت جرحي.. من سنين الموج يجذبني إلى شيء بعيد حب جديد!!
تجلس شاردة أمام أمواج البحر تبكي شوقًا للقياهُ فمنذُ رحيله أبت أن تعيش الحياة، مضى على فراقهم ثلاث سنوات ومازالت تنتظر عودته. "تفضلي كده كتير يا بنتي حرام عليكي." التفتت لترى صاحبة الصوت فصاحت بفرح: "مش معقول ألاء وحشتيني موت يا بنتي. وصلتي إمتي ومعرفتنيش يعني أنك جايه؟ ردت آلاء بعتاب: "يعني انتي بتسألي يا شيخة؟ ده أنا نسيت أنك بنت عمي عايشة لوحدك بس ولا بتسألي في حد." تلألأ الدمعُ في عينيها وابتلعت غصةٌ
مريرة في حلقها قائلة: "أنا مش عارفة أعيش يا ألاء ولا قادرة أكمل حياتي. أنا بعدي يومي بالعافية. يمكن عملي في الملجأ مع الأطفال مهون عليا كتير. حاولت والله أنسى وأتخطى بس مقدرتش." احتضنتها بقوة وربت على كتفها قائلة بحبٍ وحنان: "لازم تنسي وتعيشي حياتك يا رغد. حرام عليكي نفسك عشان خاطري ارحميها شوية." رغد ببكاءٍ
شديد: "بس أنا مقدرتش. صعب عليا إنه يسيبني كده من غير توضيح أسباب ويبعد السنين دي كلها. والأصعب من ده كله إن لسه قلبي الغبي بيحبه ومتعلق بيه. حتى مش عارفة أكرهه، ولا حتى عارفه أوصله، ولا اعرف إيه هي أسبابه. طب أنا عملت إيه أو إيه ذنبي؟ وكله كوم والعريس اللي بابا مصمم إني أقابله ده كوم تاني. مش عارفة مش هقدر أكون معاه ولا حتى مع غيره." مسحت ألاء
دموعها واحتضنتها بحنان: "خلاص يا حبيبتي. كفياكي بكى. إن شاء الله ربنا هيعوض قلبك قريب جدًا. ويلا بقى عشان عزماكي على بيتزا النهارده." استرسلت رغد حديثها بمرح: "يابنتي انتي مبتفكريش غير في الأكل. ده انتي بقيتي عاملة زي الدادة دودو." ردت ألاء بزعل مصطنع: "كده يا رغد. ماشي اضحكي أوي. الحق عليا إني عاوزة أخرجك من مود الاكتئاب اللي انتي عايشة فيه ده."
رغد بابتسامة صافية: "حبيبة قلبي يا لوءة. أنا مقدرش أزعلك يا صاحبي. يلا بينا ناكل ونجيب آيس كريم ونتمشى على البحر شوية قبل ما نرجع القاهرة." *** في إسطنبول حيث مقر شركة "يامن السيوفي" أكبر رجال الأعمال والأصغر سنًا بينهم. يجلس في مكتبه عندما تراه تُيقن حقًا أنه مكتب رئيس دولة لشدة فخامته، متألقًا بحلة من اللون الكحلي تشبه زرقاوية عيناه ببراعة مع ملامحه الشرقية البحتة التي تعطيه دائمًا وسامة لا وصف لها.
دق هاتف المكتب مجيبًا بكلمات مختصرة: "خليه يتفضل." دلف من الباب دون استئذان قائلاً: "في إيه يا يامن باشا؟ انت هتعمل مدير ما أنا شريكك في الشركة يا جدع." تتطلع له بحدة قائلاً: "إحنا في شركة ولا في الشارع يا مالك باشا؟ هو انت مش هتتعلم النظام بقي؟ أجابه باقتضاب: "نظام إيه يا عم؟ بقولك إيه؟ خلي قواعدك وقوانينك دي على جنب شوية. أنا جايلك في حاجة أهم؟ تحدث يامن قائلًا بنفاذ صبر: "خير؟ وانت مش بيجي من وراك خير أبدًا!؟
رد مالك بخفوت خوفًا من رفضه للأمر: "إحنا لازم ننزل مصر النهارده." صمت بعض الوقت وشحب لون وجهه حزنًا ثم تحدث سكون مريب: "ليه؟ صاح مالك بغضب: "هو إيه اللي ليه؟ أنا بقالي ٣ سنين معاك. إيه هخلل جنبك؟ وكل لما أقولك ننزل تخترع حجة من شكل. من الآخر كده هتنزل معايا تمام. مش هتنزل أنا نازل." اشتعلت زرقاوية عيناه بحدة حتى أصبح لون عيناه كالأحمر القاتم: "انت بتتكلم معايا كده ليه؟ سؤال قولته نازل مصر ليه؟
وفيه إيه هناك يستدعي نزولنا النهارده؟ تكلم مالك بسخرية: "فيه إني عايز أتچوز؟ وفيه إن مروان هيكتب كتب كتابه كمان يومين؟ وفيه إن رغد هتتخطب؟ سيادتك مش شايف إنها حاجة تستحق نزولك مصر؟ خليك هنا براحتك." صدمة ألجمت لسانه وللحظة شعر بتوقف نبضه مرددًا: "رغد هتتخطب إزاي؟ ولمين؟ وانت هتتجوز مين؟ أجابه الآخر قائلا بسخرية: "مالك يا يامن يا حبيبي. انت مش عايش في كوكبنا."
غضب من طريقته واحتد صوته قليلًا: "رد على أسألتي من غير هزار واخلص." تعجب قليلا من غضبه الغير مفهوم بالمرة: "انت عارف إني بحب ملك أخت رغد وقايلك إني مستنيها لحد ما تخلص جامعة عشان أتـ.ـنـ.ـيـ.ـل أتـ.ـجـ.ـوزها. وانت حضرتك أسـ.ـر.ـنـ.ـي هنا معاك. غير أن سفرك لتركيا قبل إعلان خطوبتك على رغد محيرني لحد دلوقتي. وكل لما أجي أفتح الموضوع تقفله. وأنا تعبت من الغربة بقى وعايز أستقر." صدمة احتلت معالم وجهه ليشرد. *** #فلاش _باك
منذ ثلاث سنوات. كان يجلس في غرفته يرتب حديثه بشوقٍ لطلب يديها من أبيها فور عودته. سمع صوت سيارته تدلف من بوابة القصر فاستعد لمقابلته منفرداً. هبط من غرفته للأسفل ليقابل عمه فور دخوله. أحمد متعجباً: "إيه اللي مصحيك لحد الوقت ده يا ابني." يامن بهدوء: "كنت عاوز حضرتك في موضوع يا عمي بس حابب نتكلم على انفراد." أحمد بتعب: "والموضوع ده مينفعش يتأجل. أنا جاي تعبان وعايز أرتاح شوية." يامن مسرعاً: "مش هاخد من وقتك كتير."
أحمد بهدوء: "طب تعال نقعد في مكتبي." ذهب معه وبداخلهِ لمعة إصرار وثقة بموافقة زوجُهُ مما اخترُها قلبه. أحمد باهتمام: "ها يا ابن أخوي إيه الموضوع المستعجل اوي دي اللي عايزني فيه!؟ يامن بهدوء: "عاوز اطلب منك انك تزوجني رغد." شحب وجهه بفتور: "نعم؟ رغد مين؟ لا أنسى رغد دي مخطوبه ومتفق عليها لأبن واحد صاحبي من أكبر رجال الأعمال في مصر والشرق الأوسط." يامن بصدمة: "إزاي ده يا عمي؟
حضرتك عارف إن بحب رغد من زمان وعارف إنها كمان عاوزني. إزاي تتفق من غير ما ترجعلها!؟ أحمد بإنفعال: "بنتي وأنا حر. أجوزها مين؟ والرأي رأي في الأول والآخر. ده اللي هيعيشها مبسوطة ومرتاحة. انت لسه في أول طريقك. هيقابلك حد تاني وبكره تنساها." شحب وجهه بغضبٍ: "وهي رغد عارفه بالكلام ده!؟ أحمد ببرود: "لسه هقولها. لكن لو بتحبها يبقي تبعد عنها. عشان لو وقفت قصادي عشانك صدقني هضيعها. الراجل ده مبيرحمش وأنا اديته وعد خلاص."
رد منفعلاً: "إزاي أديته وعد؟ هو الجواز بقى صفقات يا عمي ولا إيه؟ هتبيع بنتك؟ احمد بإصرار: "اللي عندي قلته. إبعد عن رغد وأنسها. اللي بتفكر فيه ده هيضيعني." ضرب على المكتب بغضبٍ ونظرات الشر تلمع بزرقاوية عيناه ليخرج مسرعاً دون حديث آخر. دلف إلى غرفته غاضباً علت خفقات قلبه بألم. أفقدها وبداخله عدة أسئلة. كيف يذهب ويتركها وحيدة مع هذا الأب القاسي؟ وأن قرر عدم الذهاب حتما سيجلب لها العناء أيضاً. فقرر الذهاب وبلا عودة.
خرج من الغرفة سريعاً متجنبا الالتفات كي لا يراه أحداً. ولسوء حظه كانت خارجة من غرفتها فلمحته من بعيد: "يامن؟ وذهبت مسرعة إليه قائلة بتوتر من شكله: "انت رايح فين وايه الشنطة دي؟ بعض كلمات مختصرة قالها بثبات: "مسافر مقر الشركة في تركيا." "مسافر؟ " نطقت بها بصدمة وذهول. "أيوه مسافر. ممكن بقى تسيبني أمشي لو مش هيضايقك؟ وكفايا أسئلة ملهاش لازمة." تغيرت تعبير وجهها وصدمت من طريقته: "طب وأنا هتسيبني كده؟
مش كان المفروض تطلب ايدي من بابا بكره؟ تجنب النظر لها وحاول أن يتماسك قليلاً: "كل شيء قسمة ونصيب. أنا مش مستعد في الوقت ده." وتركها ورحل تاركا دموعها تفيض بصدمة وزهول وكسر. ستعلم أن ما فعله ليس هذا الحبيب الصادق أنما من كان ملاذها في الدنيا أبيها وليس غيره. *** بااااااك "يامن انت يا عم انت. نمت ولا بتفكر في إيه؟ علامات الذهول والصدمة اللي على وشك دي؟ تكلم بعد فترة من
الصدمة التي ألجمت حروفه: "يعني رغد لسه هتتخطب دلوقتي. اومال طول السنين دي كانت إيه؟ مالك باستغراب وحيرة: "مش فاهمك. انت تقصد إيه؟ تكلم غاضباً بصوت مرتفع أرعب مالك: "احجز على أول طيارة نازلة مصر حالاً ومش عاوز تأخير. بسرعة." ذهب مالك بسرعة من أمامه ينفذ ما طلبه ذلك الوحش الشرس. وعلى وجهه علامات تعجب من تغير قراره في خلال دقائق. *** في القاهرة. في قصر عائلة السيوفي.
وفي غرفة الصالون كان يجلس أحمد وأخيه محمود ورأفت في انتظار الضيوف حتى جاء الخادم قائلا: "الضيوف وصلوا يا باشا." تكلم أحمد: "خليهم يتفضلوا يا عم حسن." في غرفة رغد صاحت ملك بغضب: "ما تقومي يا بنتي تلبسي. الضيوف وصلوا تحت. إيه الروقان ده؟ ولا أنزل بدالك أنا؟ رغد محاولة ان تداري وجعها خلف تلك الابتسامة المزيفة: "حاضر يا لمضة. قايمة أهو."
ارتدت ملابسها بروح مسلوبة منها ونزلت لتقدم واجب الضيافة وتعرف نفسها للضيوف كما أمرها أبيها. تكلم أحمد قائلا: "تعالي يا رغد اقعدي جنب فارس." خفضت بصرها عنه وذهبت لتجلس على قرب مسافة منه. كان الجميع يتحدثون في أمور الخطبة ولكنها كانت شاردة لا تفكر إلا بذلك الغائب البعيد. توقف الجميع فور سماعهم تلك الكلمات. "مش عيب عليك يا عمي تخطب لابنتك على خطبة تانية ولا إيه؟ تطلع الجميع لصاحب الصوت بدهشة جميعهم في صوت واحد. "يامن؟
تكلم من وسط غضبه وعيناه لا تنذر بالخير أبدا: "أيوه يامن. ويلا فضوا الليلة دي دلوقتي. مش عاوز غريب وسطنا." اعتذر أحمد من ضيوفه ووعدهم بتحديد يوم آخر وذهب معهم للخارج لتوتر الأجواء داخل القصر. ذهبت رغد إلى غرفتها مسرعة والدموع تسيل من عيناها كأنها بركان فائض. ذهب خلفها يناديها بلهفة: "رغد استني. ردي علي خلينا نتفاهم." أبت الاستماع إليه وذهبت مسرعة إلى غرفتها لكن قبل ان تقفل الباب
كان قد لحق بها وأوقفها: "لازم تسمعيني يا رغد. بلاش شغل الأطفال ده." أشاحت بوجهها بعيداً عنه وأزالت دمعة هاربة من عيناها قائلة بثبات هي من صنعته: "راجع ليه دلوقتي وبعد السنين دي كلها؟ حاول أن يجعلها تتطلع بعينيه لكنها أبت قائلاً بنبرة تحمل من الندم: "آمييييال وأمياااال. كل اللي عايزه منك وقت بس. هصلح كل اللي أنا كسرته." "ومين قالك إني هسامحك أصلاً ولا همنحك الوقت ده؟ اللي انكسر مستحيل تقدر تصلحه؟
تطلع بعينها قائلاً: "هتسامحيني. عارفة ليه؟ عشان انتي لسه بتحبيني. عينيكي اللي بتخبيها مني دي قالت اللي انتي بتحاولي تداريه." ضحكت باستهزاء قائلة: "انسى إني أسامح. وأنا خلاص وافقت على العريس اللي متقدملي." اسودت عيناه بشر واحتدت نبرته بطريقة أرعبتها قائلاً: "اليوم اللي هتفكري فيه تكوني لغيري هيكون آخر يوم في حياتك. أوعدك." تكلمت بغضب وعناد له: "أوعدك إني هكسرك زي ما كسرتني و."
لم تستطيع أن تكمل كلامها حين رأته يقترب منها بنظرات لا تنذر بالخير أبدا قائلا ببرود مميت: "لتكوني ليا لأما مش هتكوني مع حد غيري أبداً. وده وعد من يامن السيوفي." سنرى إلى متى ستظل بطلتنا الجميلة صامدة على رأيها؟ معركة من العند والتحدي ستشعل لهيب الحب بينهم. فمن سيفوز بها؟ ومن عليه التخلي لأجل الآخر؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!