وعدتني بالبقاء ورحلت، وعدتني بالحب وكذبت. وضعت مفتاح قلبي بين يديك فغدرت. ألف سؤال يدور في مخيلتي الآن، كلاهما: ماذا فعلت؟ وبماذا أذنبت؟ ولماذا أتيت؟ أتريد الغفران؟ أجل، سأخبرك الآن ما عليك فعله لكي أغفر. أعطيني ما ذهب من عمري هباءً لأجل انتظارك، وما شعرت به من آلام؟ وتلك الليالي التي بكيت فيها من أجل ذنب لم أقترفه؟ أعد لي روحي وما كسرته بقلبي، ذلك الشيء الذي إذا كُسر لن يعود أبدًا. هل عليك أن تفعل هذا؟
وإذا فعلت، أعدك وقتها سأفكر أن أغفر، رغم يقيني الشديد بعدم غفراني لك. أحكمت باب غرفتها بخوفٍ من تعري حزنها الظاهر على معالم وجهها ببراعة، فكرامة المرأة شيء لابد أن يصان ويصان. اجتاحها الآن مشاعر مختلطة بين الشعور بالكره والنفور، ولكن أيضًا هناك شعور بالشوق، الحب، دقة قلب الأنثى صادقة لبُعد المديح. حبها له كان فريدًا من نوعه، صادقًا لا محالة لتزييفه، وكان هذا مما يصعب عليها نسيانه. ***
كان القصر عبارة عن شعلة من النار، حرقت جميع جوانبه. لقد خرج الوحش عن صمته تلك السنوات ليظهر مدى قوته المختبئة خلف ذلك البرود المميت. "انت إزاي تدخل الداخلة دي ومتعملش احترام للأكبر منك؟ نطق بها أحمد، والد رغد. سكون مريب سكن معالم وجهه بحرفية شديدة، متحدثًا بغضب أفتك بمن يقف أمامه: "وانت إزاي عاوز تبيع بنتك عشان شوية صفقات مشبوهة وشوية فلوس ملهاش أي تلاتين لازمة؟
رأفت بغضب: "يا من احترم عمك، إزاي بتتكلم معاه بالطريقة دي ومش عامل حساب ليا ولا لحد." "بعتذر منك يا بابا، بس لو سمحت سيبني أتكلم للآخر." "ها يا عمي، رد على كلامي؟ حاول ابتلاع ريقه بفزع من كشف سره اللعين، متمتمًا ببعض الكلمات المزيفة: "انت إزاي تتهمني بالكلام ده؟ وايه صحة كلامك؟ وبعدين دي بنتي وأنا حر أجوزها لمين." يامن بغضب
شديد زلزل القصر بأكمله: "متحاولش تتهرب من أسئلتي، أنا لسه عامل حساب لدلوقتي إنك بتكون عمي، متخلنيش أنسى ده." رأفت بغضب من طريقة يامن وأسلوبه الغير مرضي بالمرة والغير مفهوم، فا يامن يمتلك أخلاق عالية، كيف له بالحديث هكذا: "وطي صوتك يا يامن، عيب ترفع صوتك على عمك، متخلنيش أستعمل أسلوب معاك، عارف إنه مش هيعجبك." رد يامن بنفاذ صبر: "بما إن كلكم معترضين طريقتي وكلامي، اتفضل يا أحمد باشا قولهم الحقيقة."
حاول التماسك لكي يبدو طبيعيًا، ثم أردف بثقة مصطنعة خلف خوفه الشديد: "انت فاهم غلط، كل الموضوع إنه فارس النمر عنده مشاكل مع الجمارك وأنا بمشي الشغل من خلال شركتنا، وعلى ما أظن أنا حر الشركة زي ما ليكم فيها أنا ليا برده، ولا إيه؟ رأفت بغضب من عدم إبلاغه بالأمر أولًا: "وانت إزاي متعرفنيش حاجة زي دي؟ أجابه ببعض من البرود وشيء من التكبر: "أنا حر أعمل اللي أنا عاوزه، شركتي وأنا حر فيها."
غضب يامن بقوة قائلًا: "وانت عارف بقى إن فارس النمر بيهرب ممنوعات وبيعمل صفقات مشبوهة؟ جف حلقه بتوتر من كشف أمره، قائلًا ببعض من التماسك: "لا معرفش، أكيد كل ده كذب، وياريت متدخلش في شغلي يا يامن، أحسن لك، وبنتي لو آخر واحد في الدنيا، انت مش هتجوزها." تكلم يامن ببرود مميت: "ماشي يا عمي العزيز." ضحك بسخرية وذهب إلى غرفته بعد اكتشافه الحل للغز الخفي. ***
في غرفة رغد، اجتمعت الفتيات حولها محاولة أن يخففن عنها من تلك الأوجاع التي تسيطر عليها. نجد فتاة تشبه الحوريات حقًا لشدة سواد شعرها وزرقاوية عينها اللامعة وتفصيلها المحببة من جمال وخفة دم بارعة، تجلس بجانب رغد تحتضنها، بحبروان: "بت يا رغد، أوعي تسامحيه، مش هو أخويا آه، لكن أوعي والله هزعلك وهشردك على الفيس بوك وفي استوري الواتس." ابتسمت رغمًا عنها على تلك المشاكسة ذات اللسان السليط، قائلة برجاء:
"ممكن محدش يتكلم في الموضوع ده دلوقتي، فضلًا يعني." قالت سلمي بحب: "ماشي يا حبيبتي، خلاص يا بنات كفايا كلام." قامت ملك وآلاء فجأة: "إحنا هنروح نعمل كيكة الشوكولاتة اللي رغد بتحبها." وذهبوا سريعًا إلى المطبخ. *** "ملك! نادى بها مالك عندما رآها تهبط السلم. التفت إليه قائلة بخجل شديد: "أزيك يا مالك؟ حمد الله على سلامتك."
مالك: "الله يسلمك يا ملوكة. معلش بقى بسبب التوتر اللي حصل معرفتش أجي أسلم عليكي، بس كنت لسه طالع ليكي." ملك بهمسٍ وحياء: "ولا يهمك يا مالك، حصل خير. بعد إذنك عشان نازلين المطبخ." تطلع مالك بها بشوق ملء عينيه، قائلًا: "أنا اتفقت مع عمي على كتب الكتاب مع أخوكي مروان." تغيرت معالم وجهها بحزن، قائلة: "معلش يا مالك، أنا مش هاخد الخطوة دي قبل رغد، وخصوصًا في الظروف دي. سامحني، ممكن تأجل الموضوع شوية."
صدم من طريقة كلامها ومن ذلك الحديث، قائلًا بتماسك: "طب وأنا ذنبي إيه؟ انتي عارفة أنا مستني اليوم ده من امتى؟ أجابته ب اللامبالاة: "اللي عندي قلته يا مالك، بعد إذنك." وتركته ورحلت. غضب مالك بشدة وتغيرت معالم وجهه بحزن قاتل، لكنه لم يتخلى أبدًا عن روحه المرحة: "طب أنا ذنبي إيه منك لله يا يامن أنت ورغد، أشوف فيكم يوم أسود، أسود من اللي انتوا فيه." *** أسدل الليل ستائره، وظهر قرص القمر ببراعة خلابة.
كانت تشبه القمر اللامع بإسدال صلاتها المحببة لها في كل ضيق ومحنة، مع وجهها الحنطي وعيونها العسلية الجذابة، فكانت ذات طباع مصرية خاطفة للجمال. أمسكت بكتاب الله وذهبت لشرفة غرفتها علها تستريح قليلًا، وأخذت تردد بعض آيات الله التي تريح قلبها. على الجانب الآخر، شعر ببعض الضيق الذي احتل صدره خوفًا من فقدها، فهو يعشقها حد الجنون، ومثلما عانت هو عان وأكثر.
خرج للشرفة لعله ينعم ببعض الهدوء والهواء النقي، وجدها تجلس في شرفتها. أخذ يتطلع لها بحب وشوق جارف. سنين مرت ولم تغب لحظة عن خياله، كانت دائمًا معه في صلاته وفي دعائه وفي كل شيء، ويحارب من أجلها ولأجلها. ختمت ما تقرأه ووقفت تنعم برائحة الزهور النابعة من حديقة قصرها. لمحت طيفه من بعيد ينظر لها بتمعن واضح، فكرت للحظة الدخول وقفل الشرفة، لكن شيء ما أوقفها.
تطلعت بهِ مثلما يتطلع بها، كانت النظرات بينهم تحمل الكثير من العتاب والألم الظاهر على كلاهُما، ولكن كان هناك شوقًا يتغلغل في أعماق قلوبهم. فهل ستكمل قصة حبهم أم هناك عائقًا ينتظرها؟ *** أتى موعد تناول العشاء، كانت الفتيات في المطبخ يساعدن أمهاتهن في تحضير الطعام، بعد قرار الأمهات بتحضير طعام العشاء بأيديهن فرحة برجوع يامن ومالك بعد هذا الغياب الطويل. تكلمت صفية، والدة يامن، بحب:
"اعملوا كل الأكلات اللي يامن ومالك بيحبوها ده يا حبة عيوني، تلقيهم كان أكلهم كله مايع ومن المطاعم." فيروز بضحك: "ومين يشهد للعروسة." صفية بزعل مصطنع: "وانتي شايلة هم إيه؟ ما انتي مدوقتيش نار الغربة ولا إن ابنك يبعد عنك سنين من غير ما تشوفيه." فيروز بمحبة صادقة: "والله غلاوتهم كلها واحدة، أنا بهزر معاكي يا صفية، انتي عارفة يامن بالنسبالي إيه، ده ابني البكر."
صفية بحب قائلة: "عارفة والله يا حبيبتي، ربنا يديم المحبة بينا جميعًا." تطلعت لهم بكبرياء ملحوظ وهي جالسة أمامهم تضع طلاء أظافرها، غير مبالية بما يفعلونه. قائلة بنفور: "كان لازمته إيه تمشوا الخدم وتطبخوا أنتم؟ لا وكمان مقعدني وسط الروائح الغريبة دي، أشي محاشي وباشاميل وحاجات متتاكلش أساسًا." تحدثت صفية قائلة: "وايه اللي مش عاجبك يا نرمين في أكلنا؟ مهما كان دي عاداتنا وده أصلنا وأكلنا اللي اتربينا عليه."
نرمين بدلع وتكبر، فهي تتعامل معهم دائمًا بهذا الأسلوب، قائلة بعدم اقتناع بحديثها: "أنا عمري ما آكل الأكلات دي عشان رشاقتي وشكلي، براحتكم أنتم بقى." تكلمت فيروز بعصبية ملحوظة: "مالك يا نرمين؟ بالله عليكي ما تشوفي نفسك علينا، وبعدين هو مش الأكل ده عشان خاطر ابنك برضه اللي جاي من السفر بعد غياب سنين؟ ولا انتي مش ملاحظة ده." نظرت لها بامتغاص، قائلة: "أنا قايمة من هنا أحسن، خليكم أنتم بقى في اللي بتعملوه."
وذهبت إلى غرفتها تتمايل بدلع وغنج مقصود. فيروز بغضب قائلة: "مستفزة ومكبرة دماغها من كل حاجة، حتى عيالها." صفية بعتاب وحزن: "عيب يا فيروز، ادعيلها ربنا يهديها قبل فوات الأوان، أصل أنا حزينة عليها أوي. ويلا خلينا نخلص الأكل، زمان الكل على وصول." لم يرتبط هنا أصل المرأة والأم المصرية الأصيلة بالمال ولا الغنى ولا القصور، بكونها أم تحمل هم أولادها، فا طبيعة الأم وغريزتها هكذا مهما تغيرت المقامات. ***
في مكان آخر يشبه المقبرة من شدة ظلامه، كان يجلس والشرر يتطاير من عينيه، وبغل وبحقد دفين تكلم بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "أنا فارس النمر، يتعمل في كده ومن مين؟ من حتة عيل زي يامن السيوفي، أنا هعرفه من فارس وهقضي عليه وعلى شركته." تكلم رجل من رجاله قائلًا بخوف: "بس انت متعرفش يامن يا باشا، وإن كشف ورقنا هنروح ورى الشمس." فارس بغضب: "هنشوف من اللي هيروح ورى الشمس." وضحك بخبث ومكر.
دخل رجل من رجاله قائلاً: "في واحد عاوزك بره يا باشا، بيقول اسمه أحمد السيوفي." ضحك فارس بمكر، ثم استرسل حديثه: "كنت عارف إنه جاي، خليه يدخل." دخل أحمد بتوتر من حالته التي من المحتمل أن تقضي عليه، قائلًا: "أنا جايلك وعارف مقدار غضبك من اللي حصل، وعايزك تتأكد إن رغد مش هتكون غير ليك." فارس بعصبية شديدة ووعيد: "أنا أخرج من بيتك بالشكل ده؟
بس هعديهالك المرة دي، بس لو منفذتش اللي هطلبه منك ومضيت على أوراق الصفقة والخطوبة تمت في خلال أيام، فانت الجاني على نفسك." انكمشت ملامحه برعبٍ شديد واعتلى الخوف قسمات وجهه: "اللي انت قلته هيتنفذ، بس اديني مهلة لحد ما الأمور تهدى." فارس بخبث ومكر: "قدامك لآخر الأسبوع، وبعد كده هعمل اللي قلتلك عليه، وصدقني وقتها اسمك هيتمحى من الوجود، وده آخر كلامي. تقدر دلوقتي تمشي."
خرج من ذلك المكان المظلم وبداخلهِ خوف من القادم، فهو من جنى على نفسه وواجب عليه تحمل عواقب ما فعل. *** في القصر، كانوا قد انتهوا من تحضير الطعام، وصنعت الفتيات قالب من الحلوى احتفالًا للجميع، وارتسمت السفرة بأشهى المأكولات الطيبة التي صنعت بحب. اجتمع الجميع على سفرة الطعام ورحبوا ب يامن ومالك، حتى تكلمت صفية، مواجهة حديثها ل ألاء، فهي تعلم أنها ورغد قربين لبعض جدًا: "قومي يا ألاء، نادى على رغد ومتنزليش من غيرها."
ألاء بحب: "حاضر يا ماما صفية." وذهبت إلى غرفة رغد. دقت باب الغرفة عدة مرات حتى أذنت لها بالدخول. ألاء: "يلا يا رغد عشان تتعشي، بتقولك ماما." رغد بخفوت: "مش عايزة أنزل، ابقى هاتيلي أي حاجة هنا، أنا مش قاعدة معاه في مكان واحد." ألاء بحزن على رفيقة دربها: "ماما قالت منزلش غير بيكي، وبعدين اعتبريه مش موجود." نظرت لها بأعين يملؤها دموع الكسرة والحزن، قائلة بعدما فكرت بشيء سيقلب الموازين عليها حتمًا، ومسحت دموعها بوعيد له:
"يلا أنا نازلة معاكي." ألاء بستغراب وشك: "إيه اللي غير رأيك بسرعة كده؟ رغد بملامح لا تنظر بالخير أبدًا: "مفيش عادي يعني، هنزل آكل، مش عاوزاني يلا." وذهبت معها، وفي قلبها خوف من شيء تنوي رغد على فعله، فتحصد من ورائه وجع فوق وجعها. *** جلست مقابلة له، وفي عيونها إصرار على كسره مثلما فعل بها. كانت النظرات بينهم يملؤها الكره، الحقد، الأنتقام، والوعيد بالكثير والكثير.
كانت تنظر له وبداخلها شعلة من الانتقام المخبأ خلف حبها له الذي تحاول أن تداريه، بعدما فكرت بخطة استرجاع كرامتها التي هدرت من سنين. لكنها لا تعلم أن عقوبة ما ستفعل ستجني لها من الوجع أضعاف. تناول الجميع طعامهم تحت جو ملىء بالحب الأسري بينهم، لكن كان هناك أجواء من التوتر، وجلسوا في الصالون يتبادلون أطراف الحديث تحت مزاح الشباب وهمس الفتيات. حاولت رغد أن تبدو طبيعية ولا تعطيه أية اهتمام.
كان ينظر لها بشوق جارف وندم على سنين مرت في بعدها وعلى هروبه دون أن يحارب لأجلها، الذي أوصله لما هو عليه الآن. وأقسم بداخله أنه سوف يعوضها على كل ما مرت به من وجع وألم كان هو السبب به. *** صف سيارته بإهمال ودخل إلى القصر غير عابيء بشيء من حوليه، شارداً في ما يخطط له، بداخله خوف يمغص عليه أيامه القادمة. كان يترنح بغير وعي، حتى أتاه صوت من خلفه أعاده لأرض الواقع. "أحمد." نطق بها رأفت مناديًا عليه. التفت إليه قائلًا
بهدوء مريب: "أنا تعبان ورايح أنام، تصبحوا على خير." رأفت بانزعاج من طريقته: "تعالى اقعد معانا شوية، مبقاش حد يشوفك. وبعدين كنت فين؟ وماكلتش معانا." تكلم بغضب: "وانت بقى هتحاسبني روحت فين وجيت منين؟ أنا مش صغير لكلامك ده، كان عندي عشاء عمل يا سيدي، ارتحت كده." رأفت بعتاب: "ماشي يا أحمد، خد راحتك، اللي تحبه اعمله، أنا مش هدخل فيك تاني." أحمد بنفور: "أحسن برده، يلا سهرتكم سعيدة." أوقفته رغد وسط الجميع وهي تقول بإصرار:
"بابا." التفت لها قائلًا: "نعم يا حبيبتي، خير؟ نظرت ل يامن بنظرات غير مفهومة، قائلة لأبيها: "أنا موافقة يا بابا على الخطوبة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!