كلمتُها كانت كالصاعقة التي هبطت على رأس يامن، فنظر لها بتعجبٍ. أومأت برأسها بالتأكيد وهي تقول بإصرار: موافقة، اديله فرصة بس عندي شرط. خفض يونس بصره عنها وقال بهدوء: شروطك كلها مجابة، بس متتسبش أمير، هو شاف فيكِ حنية ماما وروحها الحلوة، صدقيني الحب كان صعب عليه. همست له بهدوء وبنبرة متألمة استرسلت حديثُها: شرطي هقوله لما أمير يجي هنا، بعد إذنكم. ذهبت بخطى متثاقلة وهي تنتحب من كثرة البكاء. كيف؟ كيف؟!
ستخبره بشرطها المؤلم على قلبها، لكن هذا ما توصلت له بعد تفكيرٍ طال. *** ظهر قرص القمر المنير يُضيء بلمعةٍ عتمة سواد الليل. قلوب أضناها العشق وأبكاها النصيب. في غرفة كل منهما كان البكاء حليف البعض، وكان الشوق حليف الآخر. وهناك من نام على ابتسامة أن الفرح سيزور قلبه قريبًا لا محالة. **في غرفة رغد**
أشارت الساعة في هاتفها إلى الثالثة فجرًا، فذهبت إلى المرحاض، توضأت وارتدت إسدال الصلاة، ثم قامت للصلاة بقلبٍ خاشعٍ باكيٍ متضرعٍ إلى الله. لا تعلم كم من الوقت سار حتى غلبها النوم على سجادتها وأثر الدمع يغرق وجنتها البريئة. بستانٌ من حرير تُزينه تلك الورود الجذابة بألوانها الزاهية. جلست على تلك الأرجوحة بقلب طفلة تتراقص على وتر البراءة.
رقدت بسعادة تخطف إحدى الورود التي جذبها لونها، وهي تستنشق رائحة عطرُها بتلذذ. فستانُها الفضفاض من اللون الأبيض المزين بفراشات صغيرة بلونها الكناري الهادئ مع حجابها الذي أظهر جمال عينيها العسلية الفاتحة، فكانت تشبه أميرة هاربة من قصص الخيال. تروى لها من بعيد ملامح حبيب عمرها يقترب منها وبيده باقة ورود خلابة، فابتسمت لها بحياءٍ. فهمس لها قائلاً:
الورد ناداني وقال إن فيه أميرة هنا، كنت فاكره حلم بس دلوقتي لمسه وشايفه. شوفتي الوردة بتلمع إزاي؟ أنا طول الوقت شايفك بتلمعي كده، مهما الدنيا طفتك أنا شايفك وردة كل يوم رونقها بيكون أحلى وأجمل. خفضت بصرها خجلاً وهي تتحاشى النظر له، فهمست بحياءٍ: كل الكلام الحلو ده أنا أستاهله؟! جذب كفها بين راحته وهو يقول متعمقًا النظر في عينيها: كلام الدنيا كله ميكفيش حاجة جنب اللي في قلبي ليكي يا رغد.
التفتت تداري دموع عيناها التي خانتها وهبطت رغمًا عنها، ثم تحدثت بهمسٍ: هتفضل تحبني حتى لو مقدرتش أتخطى اللي حصلي؟ عمق النظر في عينيها أكثر وهو يقول بصدق: أوعدك إن أكون ليكِ السكن اللي مستحيل يتخلى عنك ولا يخذلك أبدًا. ثم تابع بنبرة متسائلة: أوعديني انتي إنك تحاولي عشاني. ابتسمت بصدق وهي تقول: أوعدك.
أفاقت من حلمها البريء على صوت أذان الفجر، فتطلعت حولها لتجد ذاتها نائمة على سجادة الصلاة، فابتسمت بمحبة لذلك الحلم الذي كان بمثابة طوق النجاة لحيرة قلبها. *** **في غرفة سلمى** كانت قد أنهت صلاة الفجر بعدما أيقظتها رغد، مثلما كانت تفعل يوميًا.
خرجت للشرفة تستنشق رائحة الزهور بفعل قرب الربيع، فوجدته جالسًا منكبًا على رأسه وعلامات التعب تظهر جليًا عليه، فجذبت هاتفها وأجرت اتصالاً به. فتطلع إلى شرفتها فوجدها تلوح له أن يجيب عليها، فضغط على زر الإجابة متحليًا بالصمت التام. همست له بتساؤل: إيه اللي مقعدك بره كده يا مروان؟ أغمض بصره بريبةٍ وهو يبتلع غصة حلقه المؤلمة: وده يهمك كتير يا سلمى! فهمت سبب معاناته، فهمست بعتاب وهي تتخلى عن رداء الصمت فقالت بنبرة منكسرة:
وأنا كان ذنبي إيه علشان حفظت على نفسي ومشاعري لحد ما أكون لك في الحلال، في الآخر روحت ضعفت وخنتني. ضيق عينيه بألم وهو يقول بضيق: ليه سميتها خيانة؟ أنا عمري ما خنتك حتى في أفكاري، واستحملت سكوتك وجفاوة معاملتك سنين، بعد ده كله بتعاقبيني على ذنب معملتوش. زفرت بألم ثم استرسلت حديثُها قائلة: انت عارف إني دي طبيعتي وطلبت منك تصبر لحد ما انكتب باسمك. قال معقبًا: وأنا عمري ما مشاعري راحت لحد غيرك. ثم تابع بنبرة مترجية:
خلينا نفتح صفحة جديدة، صفحة بيضا نلونها إحنا سوا بألوان تفرحنا، مش ذكريات تبكينا. أزاحت برفق دمعة هاربة من مقلتيها ثم بصعوبة همست: أنا هفتح معاك صفحة جديدة علشان أنا مش قادرة أشوف نفسي غير معاك يا مروان. ثم تابعت بثبات: تصبح على خير. همس لها بابتسامة محبة وبريق الأمل ينير عتمة قلبه العاشق لها: تصبح من أهلي. ***
**في الدُنيا كانت لي وطن وعندما غابت شعرتُ بالحربِ تسلبُ مني حريتي ، واليوم عادت لي بجناح الحب الذي أعاد حرية طائرًا فرِحٍا بالعودةِ لوطنهِ** *** **في مكانٍ آخر بعيدًا عن صُخب المدن بمنازلها العملاقة** و بإحدى القرى التابعة لمحافظة القاهرة.
سطع قرص الشمس بذهبية لامعة، زقزقة العصافير على شباك ذلك البيت الريفي بما يُحيطهُ بتلك المزارع المختلفة من الخضروات والحشائش. استيقظ ذلك الشاب من نومه وهو يرتدي جلبابه الواسع ويخرج من غرفته متجهًا إلى عمله المتخصص بالعناية بالحقول.
جلس تحت جذع الشجرة وهو يفترش تلك الحصيرة البسيطة ومن أمامه موقد نار يضع عليه برادًا من الشاي، ثم بدأ في تناول تلك الفطائر بشرائح الجبن الفلاحي والعسل الأبيض، وعلى وجهه ترتسم معالم الراحة والسكون. اقتربت منه فتاة عيناها لا ترتفع عن الأرض، تتهادى في مشيتها حتى وقفت على مقربةً منه وهي تهمس بتوتر: السلام عليك يا أخي، جئتُ لطلب مساعدتك في أمرٍ. تنحنح بأدب وهو يقول: اتفضلي، إزاي أقدر أساعدك؟
فركت كفيها بتوتر ثم تابعت بنبرة خجلةٌ: لقد وقع سقف دارنا بالأمس وأمي امرأةٌ مُسنة ولا يوجد لنا بتلك القريةُ أحداً، فهل لك أن تساعدني؟ استقام بوقفته وهو يتحدث بجدية: أين يقع منزلُكي؟ أشارت له على مقربة منه، فتطلع لموضع إشارتُها ثم ذهب معها حيث ذلك البيت المتهالك بفعل ماء المطر وقوة الرياح. خلع عنه عباءته وبقي بذلك البنطال الرياضي وتي شيرت رسم قوة عضلاته بشدة، فخفضت بصرها بخجل ثم همست له بهدوء:
أنا هساعدك بس ترفع ليا الخشب وأنا هكمل، وشكرًا جدًا لحضرتك.
خفض بصره إليها، وفي تلك اللحظة كانت قد رفعت بصرها تُشير لها على مكان السقف الهابط، فتلاقت الأعين بلقاء الحب الأول، فتاه في عينيها التي عكست أشعة الشمس لونها من العلسي إلى الأخضر الفاتح، فكنت لا تعرف للهرب سبيلًا من تلك النظرات التي أحاطها بها. أغمض بصره عدة مرات محاولاً السيطرة على تلك المشاعر التي تمردت على قلبه المقفل من سنوات، فهربت هي من أمامه وأثر الدمع تجمع في مقلتيها. فهمس بعد رحيلُها:
أول مرة أحس بالشعور ده، حسيت إن عيناها سكن لشخص عاش طول عمره يتمنى إن يكون له سكن يلجأ إليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!