وقفت تنظر له تارةً وإلى أخيها تارةً أخرى. عيناها تُهدد بسقوط تلك العبارات المؤلمة التي تسكنها. رعشة يدها تؤكد قوة هزيمتها. قرار الفراق صعب، والبقاء أيضًا صعب. ولكن ما توصلت إليه هو البقاء رغم ذلك الجرح النازف بداخلها. بلع غصة حلقه بتوتر وألم ملحوظ لمن يقف يراقبه كالصقر. فتحدث يامن قائلًا: -أنا وافقت أقابلك بناءً على رغبة روان، وزيارة يونس ليا مخصوص عشان يقدم اعتذاره على ردة فعلك في المستشفى.
تنحنح أمير بحرجٍ وهو يقول بنبرةٍ صادقة يملؤها الأنين: -اللي حصل كان غصب عني. أنا مقدرش أفقد حاجة بحبها مرتين. ضيق يامن نظره محاولاً أن يسيطر على أعصابه، قائلاً بثباتٍ صنعه بصعوبة: -إنت إزاي بتحكم على كل حاجة بمنظورك؟ إنت عارف إنت عملت إيه؟ إزاي هقدر آمنك على حياتها، وإنت بتهرب من كل حاجة عشان خايف تواجهها أو تسيطر على هواجس في عقلك هدمرك.
كانت كلماته بمثابة خناجر تطعن مرضه اللعين الذي عانى معه أعوام دون فائدة. وفي اللحظة ذاتها تحدثت روان بصعوبة بعدما شعرت بإهانة يامن له: -أنا موافقة أكمل معاه يا يامن. وده قرار. ممكن بعد إذنك تسيبنا لوحدنا خمس دقائق بس. ربط على كفها بحنان واستدار ليذهب وهو يهمس لها: -ياريت نشد شوية. مش من أولها. خليه يعرف إنك غالية. ابتسمت بخفة ثم همست بهدوء وبعض المرح: -متقلقش. إنت سايب أسد هنا.
منحها نظرة واثقة ثم تابع خروجه من الغرفة. فاستدارت هي تنظر له بعتابٍ. ثم استجمعت قوتها وتحدثت بثباتٍ: -أنا موافقة أديك فرصة. بس مش معنى كده إني سامحتك يا أمير. رفع بصره إليها وعيناه تتجمع بها الدموع وقلبه ينبض خوفاً. فقال بنبرةٍ هادئة: -وأنا هستغل الفرصة دي وأخليكي تسامحيني يا روان. شبه ابتسامة ساخرة ارتسمت شفتيها بإتقان، فقالت بنبرةٍ مستنكرة:
-صعب أقدر أسامحك. بس وجودنا هيكون فترة مؤقتة. وبعد كده تقدر تكمل حياتك مع واحدة تقدر تكون أم لأولادك. تطلع لها باستغراب، فرد متسائلاً: -يعني إيه وجودنا فترة؟ تنفست بصعوبة بالغة وهي تهمس له بحذر: -عشان حياة يونس بخطر. وأنا اللي عندي المعلومات. فطبيعي مش هقدر أوصلها ليونس. ولا أقدر أدخل يامن عشان هيتأذى. فأنت هتكون الرابط. توصل المعلومات دي في السر لأخوك. وده لأن محدش يعرف إنك عارف المعلومات دي. ***
في تلك القرية التابعة لمحافظة بني سويف، تقدمت تلك الفتاة ببعضٍ من الطعام والمشروبات بعدما أنهى ياسين عمله ورمم لها تلك الدار التي هالكها المطر. اقتربت منه بهدوء وهي تتحدث بحياءٍ شديد: -شكرًا لحضرتك جدًا. لولاك كان زماني أنا وأمي في الشارع. تنحنح قائلاً وهو يغض بصره عنها: -الشكر لله. أنا كنت سبب بس. قالت بامتنان وتحفظ: -بشكر الله وحضرتك يا... التفت لها قائلاً: -ياسين العميري. ابتسمت بخفة وهي تهمس بتوتر:
-شكرًا يا أستاذ ياسين. ثم تابعت حديثُها قائلة: -معلشي أكل مش قد المقام. بس إنت شايف حياتنا. جلس أمام الطعام يتناوله بنهمٍ حتى يسعدها قائلاً: -ده أكلي المفضل وكله نعمة من ربنا يا آنسة. فركت كفيها بتوتر ثم جلست على بعد منه تسرق له النظرات بين الحين والآخر. فوجدته يقترب بعد عدة دقائق قائلاً لها: -شكراً على حسن الضيافة ده وعلى الأكل. تسلم إيدك. لو إحتجتي حاجة أنا موجود. ثم تابع بتساؤل: -ممكن لو مش هضايقك أعرف اسمك إيه؟
أجابته بحياءٍ: -نعمة. أغمض عينيه لحظة وهو يبتسم بهدوء: -عاشت الأسامي. استأذنك همشي. ولو حصل أي حاجة تاني إنتي عارفة مكاني يا نعمة. خفق قلبها بخجلٍ، لا تعلم لماذا أحب اسمها من طريقته هذهِ. ابتسمت بخفة وودت لو نطقها ثانيةً. فارتجف قلبها لقربه المهلك. فقالت بثبات وهي ترفع بصرها للقاء عيناه: -بإذن الله. شكرًا.
استدار ليذهب. فخطى بخطوات متثاقلة وهو يريد البقاء. لم يجد راحةً مثلما شعر بها معها. فالتفت يلقي آخر نظراته فوجدها تقف محلها وعيناها تـراقبه بهدوء. فأشار لها من بعيد هامساً بداخله: "لم أكن أعلم أن العيون كالحربِ تُهدد بالاحتلال." *** في بيت آل السيوفي، اجتمع الشباب في حديقة المنزل يتبادلون أطراف الحديث. ومعهم كانت تجلس الفتيات برغبة من والد يامن للاتفاق بينهما على أمور الزواج.
جلست رغد بهدوء على مقربةٍ من يامن، فقال بصوتٍ متزن: -إنتي عارفة القعدة دي سببها إيه أو إيه الغرض منها؟ أومأت برأسها بغير علم وهي تهمس: -لأ مـ عارفه. ممكن تقولي! تمعن النظر بها قائلاً بهيامٍ عيناه: -عشان نتصافى قبل ما نتجوز ونصفي خلافاتنا. تابع وهو يسرق النظرات لها: -موافقة تنسي كل اللي حصل ونعيش مع بعض حياة جديدة؟ أومأت برأسها بالموافقة ثم بكت بهدوء قائلة: -موافقة... لأني مقدرش أعيش من غيرك أو مع غيرك يا يامن.
علا وجهه ابتسامة عذبة وتمنى لو كانت تحل له لكان ضمها إلى صدره يُسقي شوقه ويداوي ألم فراقها لسنوات. لكن لم يتبقى إلا القليل وستكون له حلالاً لا شك فيه. *** في الجانب الآخر، صاحت ملك بغضب قائلة: -أوع تكون فاكر إني واقعة في دباديبك. أنا مجبرة على الجوازة دي. ثم تابعت بصياح: -لأ وكمان مجبرة استحملك كمان؟ زفر بضيق وهو يقول بجدية:
-ملك بلاش طريقتك دي. إحنا قاعدين عشان نصفي الخلافات اللي بينا. لكن هتقلي مني مش هيعجبك ردة فعلي. ثم تابع بنبرةٍ متسائلة: -لو إنتي مش عايزاني بجد عرفيني دلوقتي. وأنا أوعدك هخرج من حياتك كلها وهمشي من البلد دي كلها. انتفضت قبلها عقب حديثه الصريح. فقالت بنبرةٍ منكسرة: -غصب عني يا مالك. مش قادرة أنسى اللي حصل. بس كل اللي حاساه دلوقتي إني مستحيل أقدر أبعد عنك. تنهد بضيق ثم استجمع حديثه بعد ما أغضبته تلك العنيدة.
فقال بثبات: -يبقى تسيبي الوقت يصلح كل حاجة بينا. مش جايز تكوني ظلماني؟ شردت بلمعة عينيه الصادقة، فقالت بهمس: -ربنا يجمعني بك على خير يا مالك. بادلها نفس النظر المطول، فهمس لها بغرامٍ: "من أين لكِ بتلك المُقلتين القاتلتين يا ملاكي." *** في الداخل، بحثت آلاء على رغد كثيرًا فلم تجدها. فأخبرها الخادم أنهم بالخارج. فخرجت بخطى هادئة تبحث عنهم. تروي لها من بعيد جلوس رغد مع يامن، وملك مع مالك، وسلمى مع مروان. اقتربت ببطء ثم
وقفت بطريقة درامية تصيح: -أه يا أختي أنتي وهي! كل واحدة قاعدة تحب وسيبني أنا مسحولة جوه مع الوحوش! هاتي يا آلاء ده، خدي ده، وإنتو ولا هنا. انفجر مالك بالضحك وهو يقول بمشاكسة: -شكلك غيرانة! استكمل مروان قائلاً: -أو شكل الضرة مثلًا اللي جوزها اتجوز عليها. انفجر يامن ضاحكًا، فحاول أن يتماسك وهو يقول: -يابنتي إنتي عارفة قد إيه إحنا استنينا اللحظة دي. نظرت للجميع بغضب ثم هتفت قائلة بعتاب:
-بقى كده. طب والله بكرة لما اتخطب لأقطع علاقتي بيكم كلكم. وبكرة أعيش قصة حب ولا ألف ليلة وليلة. رد مالك معقباً وهو يهمس بهدوء: -ومن هيرضى بـ أمنا الغولة دي؟ تحول لون عيناها للحمر أثر غضبها من حديثه. فلكزته بما في يدها وفرت دمعة هاربة من لؤلؤة عيناها. فاقتربت رغد تحتضنها بمحبة وحنان. ثم نظرت لمالك وهي تقول بتحذير: -عيب يا مالك. بطل تريقة. إنت عارف أن آلاء مش بتحب الأسلوب ده. أزاحت دموع عيناها وهي تقول بتحدي:
-مش معني إني تخينة شوية يا مالك أبقى وحشة. أنا أتحب زي ما أنا كده بعيوبي قبل مميزاتي. واللي هيحبني هيجيلي هنا وأنا واثقة أنه هيحارب عشاني. ثم تابعت بثقة عالية: -عارف عشان إيه يا مالك؟ عشان إنتي تستاهي يا آلاء. وجه فعلاً اللي هيحارب عشانك. استدار الجميع على أثر الصوت. فضيق مالك نظره بتعجبٍ: -يونس...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!